داود العطار

(1349 - 1404 هـ)

السيد، الدكتور، داود بن سلمان بن محمد علي العطّار، مؤلّفٌ فاضل وعالمٌ مجاهد وسياسيٌّ إسلاميٌّ معروف. ولد في الكاظمية - بغداد - العراق عام 1349 هـ/ 1930 م وبها اكمل دراسته الثانوية ثم اشتغل كاسباً ثم دخل كلية الحقوق فتخرّج منها عام 1387 هـ ثم حصل على ماجستير في الشريعة من بغداد ، ثم بعد ذلك على دبلوم الدراسات العليا في الحقوق من جامعة القاهرة، ثم نال شهادة الدكتوراه في الحقوق عام 1399 هـ اما حياته العملية فهو مجاهدٌ معروف طالما نافحَ عن دينه وعقيدته منذ اوائل شبابه من خلال مواقفه الجريئة المشهودة على الاصعدة الاجتماعية والثقافية والسياسية مسجّلاً حضوراً مميّزاً في فترة اتّسمت بالمواجهة مع التيارات المنحرفة والانظمة الحاكمة في العراق منذ اوائل الستّينات الميلادية، حيث كانت للمترجم له أنشطة كثيرة متعدّدة منها قصائده الاحتفالية الشجاعة التي حفظها جيله المؤمن عن ظهر قلب في المناسبات والمواسم الادبيّة، وكذلك نشاطه التنظيمي الحافل في الحركة الاسلامية المعاصرة، وتربيته ورعايته للعديد من الشباب الواعي، ومساهمته في مشاريع مختلفة، وتدريسه في كلية اصول الدين وغيرها من المحافل الجامعيّة، ووقوفه الى جنب المرجعية الدينية خصوصاً السيد الحكيم (رحمه الله)والشهيد الصدر (قدس سره)، وعلاقاته الواسعة مع رجال العلم والفكر والثقافة، ومشاركته في الجهد الاعلامي والتأليفي من خلال الاصدارات والتأليفات، وغير ذلك ممّا أدّى الى اعتقاله مرّات عديدة واضطراره الى مغادرة العراق شطر مصر ثم الكويت حيث عمل فيها مديراً عاماً لدار التوحيد للنشر والتوزيع المعروفة بإصداراتها الوفيرة في الفكر الاسلامي، ثم مغادرته الكويت الى ايران ابان انتصار الثورة الاسلامية حيث جرت محاولات عراقية للتضييق على العاملين الاسلامين وخطفهم وتسليمهم الى السلطات الغاشمة..

وحين استقرّ به المطاف في الجمهورية الاسلامية وانتقل معه معظم طاقم دار التوحيد، واصل إدارتها لمدّة ثلاثة اعوام إضافة الى دوره البارز في حركة المعارضة الاسلامية العراقيّة حتى وافاه الاجل عام 1403 هـ/ 1983، مخلّفاً تركةً جهاديّة وعلميّة واسعة منها كتبٌ واصدارات وابحاث في الشريعة وعلوم القرآن والفكر، والفقه والاصول المقارنين، إضافة الى مجموعة شعرية غير مطبوعة موزّعة على المجلات وأشرطة التسجيل، كما دُرّست بعض بحوثه في العراق ولبنان والكويت وغربي افريقيا، واعتُمدَ البعضُ الاخر للتدريس في الحوزات العلميّة.

وله من قصيدة عنوانها «ان ذكر الوصي مبعث جيل» قوله:

حين شعت ذكراك في الاجواءِ * * * هتفت كل قطرة من دمائي

ان هذي الذكرى دوي نداء * * * علوي مخلد الاصداء

ان هذي الذكرى هدير شروق * * * يتحدى حنادس الظلماء

ان هذي الذكرى هزيم رعود * * * ونسيم معطر الانداء

فلماذا نلهو بترديد الفا * * * ظ موات معادة جوفاء

أنريد الاطراء جلّ عليٌ * * * وعلا عن مقالة الاطراء

أنريد السلوّ بالغابر الفـ * * * ـذ لنغفو عن حاضر الارزاء

ان ذكر الوصي مبعث جيل * * * قنصته حبائل الاعداء

هي ذكرى لكنها في ضمير الـ * * * ـدهر صوت الرسالة السمحاء

لنصوغ الجراح تزأر بالثأ * * * رِ اهازيج ثورة وفداء

أيها المسلمون من بات لا يهـ * * * ـتم في امر دينه المعطاء

ليس من امة النبي ولا من * * * شيعة المرتضى بدون مراء

ايها المسلمون انا جهلنا * * * وابتعدنا عن معطيات السماء

حين ساد الاسلام كم سعد النا * * * س بمنهاج حكمه الوضاء

نفحات الصحراء تهبط وحياً * * * ثم تنداح فذة الاشذاء

وطلعنا على الوجود شموساً * * * وافضنا عليه بالنعماء

وحشرنا الطغاة اسرى طغاماً * * * وكسرنا رواسف الاسراء

واذا بالعبيد تختال عزاً * * * بل تولى قيادة الرؤساء

يا دعاة الاسلام انتم بناة الـ * * * ـغد والجو صاخب الانواء

كانت الارض ملكنا ونسوس الـ * * * ـناس فيها بالشرعة الغراء

لا فقير يشكو الخصاصة والجو * * * ع ولا متخم من الاثراء

وحكمنا بالحق وامتد عدل * * * وارف الظل يانع الافياء

فعقيل يكوى، وسلمان منا * * * حيث عم النبي في الغرباء

واستتبت حضارة لم تزل تحـ * * * ـلم فيها مواكب الابناء

وصفا الكون وحدة من رخاء * * * وأمان ومنعة وإخاء

كيف كنا وكيف عدنا شظايا * * * امة تستظام بالاجراء

ليس من يرتضي الهوان بحي * * * انما الحي ثائر الشهداء

يا دعاة الاسلام يا جحفل الفجـ * * * ـر مغذاً بهمة ومضاء

لكم النصر فاملاوا الارض قسطاً * * * فهي ارض للصفوة الصلحاء

وصموداً على الهدى علوياً * * * وجهاداً كسيد الاوصياء

واتصالاً بالله في كل آن * * * واقتداء بخاتم الانبياء

 

عبد الامير الجمري

(1356 هـ -...)

 

الشيخ عبد الامير منصور الجمري البحراني عالم فاضل مجاهد وأديب خطيب.

ولد في البحرين عام 1356هـ - 1937م وتلقّى تعليمه الاوّلي في مدارسها ، ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الاشرف 1382هـ وبقي فيها قرابة عشر سنوات حضر خلالها دروس العلوم الشرعية على جملة من العلماء، ثم كرَّ راجعاً الى وطنه مرشداً ووكليلاً دينيّاً، اضافة الى عمله قاضياً في المحكمة الشرعية حتى عام 1409هـ.

اضافة الى ذلك فهو وجهٌ سياسي بارزٌ في بلده حيث كان عضواً في المجلس الوطني المنتخب عام 1393هـ، ثم من ابرز المتصدرين للمطالبة بعودة العمل بالدستور خلال الاعوام اللاحقة، ممّا عرّضه للاقامة الجبريّة والاعتقال وما يزال معتقلاً - فرّج الله عنه -.

صدر له ديوان شعر بعنوان (عصارة قلب).

وله من قصيدة عنوانها: (من نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)) قوله:

تباركتِ يا ليلةَ المولدِ * * * ومنطلقَ النورِ للمهتدي

ونبعاً لكل معاني الكمال * * * تفجّر، فاضَ، ولم يَنْفَدِ

سيبلى الزمان وأما علاك * * * فَرَمْزُ الجديد الطريِّ الندي

فتيهي جلالاً وفخراً بما * * * شَرُفْتِ به من فتىً أوحدِ

إمام الحياةِ ومُروي الظِّماء * * * على الحوضِ من كأسه في غدِ

ومِنْ بعدِ ليلةِ خيرِ الانام * * * مدى الدهر مثْلُكِ لم يُشهدِ

فياليلةَ العزّ والانتصار * * * ويا ليلةَ المجدِ والسؤددِ

إليكِ وليس سواكِ الولاء * * * عليه تربّيتُ من مولدي

إليكِ ولائي مُري تُسمَعي * * * فهذا لساني وهذي يدي

أبا حسن أيَّ شيء أفوه * * * به من مزاياكَ يا سيدي

أتربيةً لم ينلْها سواكَ * * * على يدِ خير الورى أحمدِ

تغذّيتَ أخلاقَه بُرعُماً * * * وتابعتَه في الخُطى الانْجُدِ

لقد كنتَ نفسَ النبيّ الامين * * * وأعلى نصير وأقوى يدِ

لذلك كنتَ جديراً بما * * * حباك من الفضلِ والسؤددِ

فآخاك، لم يكُ يرضى سواكَ * * * لهذي المكانةِ مِن أمجدِ

ونصَّ عليكَ بيومِ الغديرِ * * * وأَعظِمْ به ذاكَ من مشهدِ

وطوّق أعناقَ كلّ الحضور * * * بأمر لغيرك لم يُعقدِ

وأوجب أن يُبْلِغَ الحاضرون * * * لمن ذلك اليومَ لم يَشْهَدِ

فبايعك الجمعُ لكنْ هناك * * * فئاتٌ بألْسُنِهم واليدِ

أبا السّادةِ الغرِّ نفسَ الرسول * * * ويا بطلَ الحربِ والمسجدِ

ويا مُعِلياً بيرقاً لم تُطق * * * سواك لاعلائه من يدِ

إليك أبا حسن نفثةً * * * من الصَّدر كالجمرِ لم تَبْرُدِ

أضعنا الطريقَ وملنا إلى * * * دروبِ مكَدَّرةِ الموردِ

ونهجُك صار وراءَ الظهورِ * * * وهل بعد نهجك من مُنجدِ

طوينا صحائف أخلاقنا * * * ولِم لا ولسنا بكمْ نقتدي

وله بعنوان: (نفحة الحب) قوله:

رفّ في عالمِ الخلودِ لواءُ * * * نُشِرَت رحمةٌ وعمّ رخاءُ

عظُمت منّة الاله وتمت * * * نعمٌ فات عدَّها الاحصاءُ

بسمَ الزهر غرد الطير لحناً * * * في رياض الربيع ساد الهناءُ

إنه السرُّ في الحياة الذي لم * * * تكُ تدري بكنهِهِ الحكماءُ

حيث يومَ الغدير أخلدَ يوم * * * جلجلت صرخةٌ ورنّ نداءُ

أيها المسلمون هذا عليٌ * * * هو للحق رائدٌ بنّاء

هو مولاكم وشرط اتباعي * * * ديني الحق والولا والوفاءُ

في حياة الامام خيرُ نجاح * * * في الحياتين في خُطاه بهاءُ

في تعاليمهِ الرفيعةِ نورٌ * * * ونفوذ ورفعة وإباءُ

في وصاياه نصرة ونجاةٌ * * * وسلامٌ ورحمةٌ وإخاءُ

من صفات الامام من خُلْقِهِ السا * * * مي تعالت صفاتُه البيضَاءُ

سيدَ الاوصياءِ إنّ لساني * * * عاقه عند مدحك الاعياءُ

أيَّ يوم وأيَّ موقفِ نور * * * لك أطري فكلُّها بيضاءُ

أنت أسمى من المديحِ فعذراً * * * قد تلاشى أمامَك الاطراءُ

وله أيضاً بعنوان: (في رحاب الغدير) قوله:

فاضت جراحُكَ يا غديرُ دماءَا * * * والذئبُ قد ملا الرحابَ عُؤاءا

هاجت جنودُ الشرّ تنشرُ رعبَها * * * وتُري بنيكَ مهانةً وعِداءا

قيمُ الشريعةِ أصبحت مظلومةً * * * يأتي الظَّلومُ بإسمها استهزاءا

أو بعد هذا يا غديرُ يليقُ أن * * * يحيا بنوكَ الصّمتَ والاغضاءا

أو لست يا يومَ الغدير ذُكاءا * * * في ظُهرها تكسو الوجودَ ضياءا

وحديثُك الاسمى الجليُّ تواتراً * * * لِمَ عندهم عاد الظُّهورُ خفاءا

أوليس ما يربو على مئة من الـ * * * آلافِ فيك تلقَّتِ الانباءا

فيها يجلجلُ صوتُ أحمدَ معلناً * * * أمرَ السماءِ يُطبِّقُ الارجاءا

من كنتُ مولاه فمولاه الذي * * * للدّين كان الباذلَ المِعطاءا

هو سابقٌ في كلّ موقعة أما * * * كشف الكروبَ وحطَّمَ اللُّعناءا

أولَم يَبِتْ فوقَ الفراشِ مواجهاً * * * لِقوى الضلالِ وللرسولِ وقاءا

أولم يكن يا قومُ أوّل مؤمن * * * برسالتي ولها الاجلَّ عَطاءا

من كنت مولاه فمولاه أبو الـ * * * ـحسنين من فاق الجميعَ وفاءا

يومَ الغديرِ تحيةً من فتية * * * منك استمدّت غيرةً وإباءا

ألهبْتَها فأهجتَ فيها عزمةً * * * تأبى الخنوعَ وهِمَّةً شمّاءا

لا ننثني مادمتَ قد غذَّيتنا * * * صدقاً وإيجابيةً ومضاءا

لم نحتفل بعلاك إسماً إنما * * * جئنا نؤمُّ مَعِينَكَ المِعطاءا

كي يرتوي ظمأُ النفوسِ وتستقي * * * منك العقولُ معارفاً وثراءا

ونكونَ جندَ رسالة فيكَ السما * * * قد أَكْمَلَتْ وأتمَّتِ النَّعماءا

وله قصيدة بعنوان: (يا ضمير الحياة) قوله:

أذهلَ الخطبُ منطقي وبياني * * * فحقيقٌ بأن يضيقَ بياني

كيف أسطيعُ قولةً وأمامي * * * حادثٌ هدّ وقعُه أركاني

زلزل الاضَ والسماءَ وأدمى * * * كلَّ جفن لامةِ القرآنِ

لفَّ للدين رايةً لم تنكَّسْ * * * منذُ رفَّت بعزةِ الانسانِ

ملا الكونَ ضجّةً وعويلاً * * * ألبسَ الدهرَ حلةَ الاحزانِ

يومَ بين الخضراءِ والارضِ نادى * * * جبرئيلٌ بصوتِهِ الرّنّانِ

فُصِمَتْ عروةُ الهدى وهي الوثـ * * * ـقى وهُدّت قواعدُ الايمانِ

قُتِلَ المرتضى بسيفِ شقيٍّ * * * خُضِبَ الشيُب من دماهُ القاني

(يا ضميرَ الحياة) أيُّ عظيم * * * خالد حلَّ منك أسمى مكان

هو للطُّهرِ والحنانِ مثالٌ * * * ولهذي السماءِ خيرُ لسانِ

 

محد جواد آل فرج الله

(1357 هـ - 1402 هـ)

 

الشيخ محمد جواد ابن الشيخ محمد (المار ذكره) آل فرج الله، أديبٌ شاعر وخطيبٌ فاضل ولد في القرنة/ العراق عام 1357هـ 1938م وقرأ على أبيه الفاضل، ثم هاجر إلى النجف الاشرف، فأكمل قسطاً من دراسته فيها على اساتذتها المشهورين، كان ولوعاً بالدرس والمطالعة والكتابة والشعر، مارس مهنة التعليم التي انخرط فيها إثر تخرجه من دورة رجال الدين التعليمية أوائل العهد الجمهوري، وله من نتاجه المطبوع: نسمة السحر أو الشعر آلهة الخيال، والمخطوط كتب أخرى، اضافة إلى ديوان شعر كبير، اعتقل في الحملة الظالمة التي طالت العلماء والمثقفين بعد اعدام السيد الشهيد الصدر (قدس سره) مع آخرين من ابناء أسرته. وقد تناهى إلى الاسماع بعد ذلك أنه قد صفّيَ ضمن (الوجبات) عام 1402 هـ/ 1982 م.

وله من قصيدة:

كم له من معاجز خارقات * * * قصرتْ دونها أولو العرفانِ

ومعالي فضائل تملا الكو * * * ن بها الارض والسما يشهدانِ

رُدَّت الشمس للصلاة عليه * * * بعد ماضَمّ قرصها الخافقانِ

وبليل من المدينةِ وافى * * * طاوياً للسهول والاحزانِ

وطوى الارض للمدائن باسم اللّـ * * * ـه حتى أتى إلى سلمانِ

فتولّى تجهيزه ثم وارا * * * ه ووافى الحجاز قبل الاذانِ

قل لسار لميّت عنه ناء * * * وانتهى سيره ببضع ثوانِ

ليت عينيك تنظران حسيناً * * * فوق حرّ الرّمال والكثبانِ

z z z

وله أيضاً من قصيدة طويلة:

وال قوماً منزَّهين عن النقـ * * * ـصِ كبارِ النفوس والاقدارِ

سرُجٌ في دجى العمى ترشد المد * * * لج والعكس شيمة الاغيارِ

ونجاة مما يهوَّل في سو * * * رتي الانشقاق والانفطارِ

هم ليوث الوغى وأسنى بدور * * * لمعت بيضهم بليل الغبارِ

هم بحورُ الندى وأسد الردى خـ * * * ـير كماة هبّوا بنقع مُثارِ

وبهم أخصب الجديبَ الحيا قطـ * * * ـراً ونال اليسارَ ذو الاعسارِ

والِ قوما لاجلهم خلق الكو * * * ن وقد أوجد البرايا الباري

أمُّهم فاطم أبوهم عليٌّ * * * ألفٌ مرحى بحيدر الكرارِ

أسد اللهِ ذي الفضائل والمجـ * * * ـد وصيّ لاحمد المختار

وأمير للمؤمنين وحسب الـ * * * ـشرفِ الوترِ سيِّد الابرارِ

وله أيضاً من قصيدة:

راحٌ على القلب من اشراقها شعلُ * * * برشف قدس ولاها يدرك الاملُ

يطغى على الصبِّ من إيحائها حلمٌ * * * من طهره عبَقٌ من سكره ثمَلُ

صَبٌّ يناغيه في مهد الولا نغمٌ * * * فيغمر القلب من تحنانه جذلُ

وموكب النور وافانا يسايره * * * روح الامامة كي تحيا به المثلُ

آيٌ من الحقّ لاستبصارنا نزلتْ * * * دنياً من الخير حيَّتْنا بها الرسلُ

يدٌ من اللطف خطت نهج شرعتنا * * * منها علينا رواء المجد ينهملُ

عقيدة علّمتنا كلَّ مكرمة * * * عنّا بها ارتفع التضليل والدجلُ

تفرّدت بالصفات الغرِّ شرعتُنا * * * فنهجنا واضحٌ للركب معتدلُ

لم يغنِ عنها نظام ضلَّ منشؤه * * * ومبدأ لقصير الرأي مرتجلُ

يا قادة الدين إنَّ الدين ضيَّعه * * * قومٌ لديهم قويم الخُلق مبتذلُ

فما رعوا نعمة في فضلها سعدوا * * * ومنّة بلّغتهم خير ما سألوا

أغواهم الغرب إذ غشّى بصائرهم * * * ثوبٌ عليها من التزييف منسدلُ

باعوا تراث العلى بالمغريات وقد * * * ضلّوا طريق الهدى للزيغ إذ عدلوا

يا غيرة الله صبّي سوط نقمتك الـ * * * ـكبرى على معشر بالرجس قد عملوا

ثوري على ثلّة ماتت ظمائرهم * * * مذبذبين وهم في غيّهم هَمَلُ

في خيبر قد هزمناهم ومرحبهم * * * بالسيف قنطره كرارنا البطل

لذا على فارس الاسلام قد حقدوا * * * وعن بطولات أهل المجد قد نكلوا

لنا حديث عن الكرار صحَّحَهُ * * * رواتنا ما به شكٌّ ولا جَدلُ

إن اليهودَ ستفنيهم برمّتهم * * * للمسلمين جنودٌ مالها قِبَلُ

 

خليل شقير

 

وله من قصيدة مطلعها:

دعوتُه فأتاني منية الخجل وراح يعثَرُ فعل الواله الوجل يوم استوى أحمد المختار في حدج بدوحِ خمٍّ على ترنيمة الازَلِ ويحشر الناس رغم القيظ يلفحهم ويرفع المرتضى الكرار خير ولي وتأخذ المصطفى يمناه ساعده وساعد لو يروم النجم لم يفل هناك قال: فمن مولاكم أبداً؟ قالوا: الذي برأ الانسان من وشل من بعده أنت يا مختار سيّدُنا وما عسانا نؤدّي الشكر للرسل قال التي لم تزل لولا حقيقتها لم يكمل الدين أو يعل على المِلَلِ مولاكم حيدر الكرار صاحبُها إذ حطّ جبريل يتلوها على مهَلِ وتمَّت النعمة الكبرى ببيعته وتوّج الدين حرزاً غير مرتجل وأبرم الله هذا الامر فانطلقت ان لم تبلّغه لم أعددك في رسلي وتضرب القبّة البيضاء يدخلها ليثُ العرين على كبْت من الذحلِ تخالها القبّة الزرقاء زيّنها وسنان بدر وضيءِ النّور مكتمل ويدخل المسلمون الغرّ يحفزهم من النبيّ نداءٌ غير ذي حول بخ، بخ لعليٍّ قال قائلهم مولى البريّة من عند الاله علي (وكان ما كان مما لست أذكره) لم يترك الصبح معتلاًّ لذي علل لاحمد آيتان اختصّه بهما ربّي دليلاً على الاسلام في الرّسل فآيةٌ روعةُ القرآن جوهرها وآية حيدر الكرّار حيث تلي وقد جرت تلكم الايات في دمه حتى استحال كوحي الله في الجمل وكان عندك قرآنانِ، ذا جمدٌ وذاهبٌ ذلك الكرار في المثل يا صاحبيَّ حديثٌ جاء محكمه بمحكم الاي موصولاً بمتَّصل فلم ينلها محاباةً لذي رحم قد كان أحمدُ والاهواء في ذحل قد نالها بالمعالي فيه إذ جمعت وزانها فهو في جيد الكمال حلي (بهل أتى وحديث الدار آيتهُ وبالمبيتِ وبالاقدام حيثُ ولي وخيبر ومؤاخاة النبيِّ له وألف باب بألف قد حفظتَ علي) وانّني كلّما حاولت عدَّتها فضائلاً شمتُ موجَ البحر في مقلي والفضل تحصى إذا ضاقت مذاهبه وليس تحصى مياهُ المزْنِ إن تسِلِ وله ايضاً من قصيدة اُخرى مطلعها:

هيهات مجدُك لا يدنو فيطَّلَبُ لليوم فيك عناد الفكر يضطربُ للسَّيل عنك انحدارٌ غير منقطع زوارقُ النّور في مجراه تنسرب للطير عنك ارتدادٌ لم يكن عجباً قوادم النسر في مرقى العلى زغب للسيف منك على هام العدى خطبٌ ومن سحائبك الفصحى همى الادبُ إنَّ العدوَّ يواري فضله حسداً كما الوليُّ تغشَّته به الكرب من بين ذينك قد شعَّتْ مآثره فاخضوضرت من نداه البيد والهضب مالي اذا لاح فجر العيد أكتئب وان بدا للاماني فيه مضطربُ أكابدُ الغصص الحرّى على كبدي وان شدا شادنٌ بالعيد أنتحِبُ نفثتها زفرات ضاق مصدرها وذاك عذرُ كلام شابه ذرب وما عليَّ هناتٌ في مصارحتي إذا صدقْتُ فلم يستهوني كذب

 

محمد حسين الصغير

(1358 هـ -...)

 

الدكتور الشيخ محمد حسين ابن الشيخ علي ابن الشيخ حسين الصغير الخاقاني، شاعر أديب وحوزويٌ فاضل، ولد في النجف الاشرف عام 1358هـ/ 1939 م من اسرة علميّة ادبية وتربّى في احضان ابيه ثم عمّه وواصل دراستيه الاكاديمية والحوزويّة وقد مارس في الاولى مهنة التعليم ثم واصل شوطه الجامعي حتى نال الدكتوراه برسالة عنوانها الصورة الفنيّة في المثل القرآني واشتغل بالتأليف والتدريس في كلية الفقه وله من المؤلفات العديد المطبوع اضافة الى غيره المخطوط، أما الثانية الحوزويّة فقد تدرّج فيها وحضر على فضلائها وعلمائها حتى بلغ مرتبة محمودة، وهو اضافة الى ذلك شاعر اديب معدود شارك في ملتقيات شعرية وأدبية وثقافية كثيرة وربطته بإخوانه ادباء العربيّة علائق خاصة، وهو في الطليعة من ادباء النجف الاشرف.

وله من قصيدة (من ينابيع الايمان) مطلعها:

هداك في صفحات الفتح قرآنُ * * * وأنت في جبهات الدهر عنوانُ

فأنت أنت، ومن علياك ما ولدت * * * لنا العصور، وما أسدته أزمان

القائد الركب لم تفلل مضاربه * * * والفاتح الارض لم تدركه أقران

والمستميت إذا جد الوغى وطغى * * * بالهول والموت.. مضمار وميدان

من وحي قدسك ما تجني قرائحنا * * * ومن ثمارك ما حملن أغصان

ومن عقيدتك العصماء افئدة * * * حم الفداء بها.. ان ثار بركان

ها نحن أربط جأشاً من فراعنة * * * لها على النور أحقاد وأضغان

هنا على شاطئ التقوى زوارقنا * * * تجري.. وأنت بعين الله ربان

مولاي ميلادك الميمون قد نبضت * * * به الحياة، فلا بؤس وحرمان

أعاد أية ذكرىً منك رائعة * * * مشى بها الدهر صحواً وهو سكران

فالوعي منتشر والفكر مزدهر * * * والقلب مخضوضر، والذهن فينان

والافق تغمره الاشذاء حافلة * * * بالطيبات.. فنسرين وريحان

والليل تغمره الاضواء مسرجة * * * بالامنيات.. فياقوت ومرجان

ما أروع الحفل والاعناق مرهفة * * * قد رنحتها أغاريد وألحان

ألحان فتح شروق منه قد عميت * * * بعض العيون، وصمت عنه آذان

ونحن نقطف أثماراً تناولها * * * للمتقين من الجنات رضوان

دنياً من المثل الغراء قد سجدت * * * لها ملوك وهامات وتيجان

تكاد يعنو لها في الجو عقبان * * * وفي السماوات أفلاك وأكوان

يا أيها البطل الخلاق جمهرة * * * من المواهب لا مسّتك أدران

ويا معيداً إلى الانسان حرمته * * * لولاك ماصين في الاحداث إنسان

ويا عصوفاً على الطغيان مندلعاً * * * لولاك ما انصاع للايمان طغيان

ويا معيناً من الاحسان منفجراً * * * لولاك لاندك إيثار وإحسان

ويا سراجاً على الدنيا نيازكه * * * بها تنور أفكار وأذهان

لولاك ما كان للاسلام من أثر * * * ولا لشرعته البيضاء أركان

جددت عهد رسول الله فانجذبت * * * بصوتك العذب أرواح وأبدان

للان لم تلد الاجيال من بشر * * * على يديه ترامى الانس والجان

عذرت فيك الاُلى غالوا وان كفروا * * * وحدت عنك الاُلى عادوا وإن دانوا

لانهم أبصروا ماليس تدركه * * * عقولهم، فاستهانوا مثلما هانوا

 

محمد رضي الشمّاسي

(1360 هـ -...)

 

الاستاذ محمد رضي ناصر الشماسي القطيفي، شاعر فاضل ولد في القطيف/ السعودية عام 1360هـ/ 1941م من اسرة عريقة لها مكانتها الاجتماعيّة واكمل تعليمه الثانوي ثم هاجر الى النجف الاشرف والتحق بكليّة الفقه وتخرّج منها مدرّساً وعمل في جامعة البترول التي ابتعثته الى امريكا لاكمال دراسته فحصل على الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها وعاد ليعمل محاضراً حتى اليوم.

تلمذ في الادب على التراث وعلى اساتذته وانصقلت موهبته مع زملائه في النجف الاشرف والقطيف مستفيداً من المكتبات ودور العلم والمنتديات، شارك في المناسبات الدينية والاجتماعيّة، ونشر شعره في الصحف والمجلات المحليّة، وله اكثر من مجموعة شعريّة وما يزال يواصل ذلك مع اخوته في الطليعة منهم.

وله من قصيدة (جراح على الغدير) قوله:

وتر بآفاق الهدى لا يُشفع * * * فجر يرف سناً ونهج مهيع

يوم الغدير ولا تزال على فمي * * * نغماً برغم المدلجات يرجّع

فلقاك في الذكرى لقاء مؤمل * * * شرب الظماء (بغلّة لا تنقع)

شرب الصدى والورد عذب سائغ * * * لسواه من عذباته يتجرع

ويظل يُسقى آسناً وبكفه * * * ماء الحياة وفي النعيم يجوّع

يقتات من ألم الجراح وفكره * * * مما يعاني في لظاها مشبع

خفقت على شفتيه كأس صديدها * * * حبباً على خمر الحوادث يلذع

ودجت عليه النيّرات فصبحه * * * ليل ببَرد ظلامها يتلفع

رانت فلا الاعراسُ صاخبةُ الرؤى * * * نشوى ولا ليلُ العرائس أروع

مزجت بأصداء الزفاف مآتماً * * * فنعيمه بأس الليالي مترع

فالرافدان المترفان - وإن هما * * * جريا له ذهباً - حميم ينزع

يا نهر دجلة والفرات سلمتما * * * والشاطئان هناك والمتربع

سلمت يد النوتي في إعصاره * * * وسفينه وشراعه المتطلع

يا أيها النجف الاغر ومن به * * * لكم على بعد المدى متطلع

يا كربلاء المجد مجدك باذخ * * * هيهات يسلبه دعي ألكع

بكما العراق زكا ولولا أنتما * * * والنيران هو اليباب البلقع

سام كأبراج السماء ضُراحه * * * يرنو لمنعته السماك الارفع

تلك القباب الشامخات وإن هوت * * * لهي الثريا والشموس الطلّع

ومآذنٌ نطحت سحاب ضلالهم * * * تبقى بهم وهي الحراب الشرّع

سيظل يصدح في مسامع بغيهم * * * صوت يهز الرافدين مرجّع

حسبي ونحن على ضفاف غديره * * * مرأىً لافياء الخلود ومسمع

نستاف من أمواجه عبق الهدى * * * ومن (الصدى المرنان) ما يتضوع

يا للغدير وقد تعشقه دمي * * * فغدوت أهزج في هواه وأسجع

وسقيت شعري من نمير خياله * * * نهلاً وفي حب الوصي يُصرّع

أعذبت من (نهج البلاغة) ورده * * * فزهت قوافيه ورق المطلع

وإذا انتشت فكر بجرس حروفه * * * وكريم ما توحيه، لا تتمنع

عبقت كأنسام الربيع قصائد * * * بالمهرجان وفي رحابك تبدع

واليك أنت وفي جلال محمد * * * تسمو ودونكما ولاءً تخشع

ستُرد عادية الزمان سنابلاً * * * تروى بماء غديرها إذ تزرع

ولسوف يطوى عن كواهله الدجى * * * فيمور بالاشعاع فجر أنضع

وغداً ترى الدنيا مناهل حيدر * * * وفراء تسقي من تشاء وتمنع

فاذا الغدير العذب رفد رسالة * * * سمحاء في هدي النبوة ينبع

وعليه من روح النبي وحيدر * * * وبنيه والقرآن شمس تسطع

 

محمد رضا آل صادق

(1364 هـ - 1415 هـ)

 

الشيخ محمد رضا ابن الشيخ محمد ابن الشيخ صادق المازندراني، عالمٌ فاضلٌ وأديبٌ شاعرٌ معروف ولد في النجف الاشرف عام 1364هـ/ 1945 من أسرة دينيّة علمية حيث ربّي في كنف والده العلامة المجتهد ثم درس في الحوزة العلميّة على أساتذتها المرموقين كالسيد الحكيم والسيد الخوئي والسيد الشهيد الصدر وأضرابهم، كما كان له اساتذة اكفاء في مرحلتي المقدّمات والسطوح، أمّا في الدراسة الاكاديميّة فقد اكمل الاعدادية ثم التحق بكليّة الفقه وتخرّج فيها عام 1389هـ/ 1969م وعمل مدرّساً للّغة العربيّة والعلوم الاسلامية ، وشارك في الجو الادبي الثقافي مشاركة مشهودة ونهَل من رموز الادب النجفي الكثير ولازم جلّهم لاسيما الشاعر الشيخ عبد المنعم الفرطوسي (قدس سره)، سجن في العراق بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران ثم هجّر عام 1403هـ/ 1983م فمكث في مدينة قم المقدّسة دارساً على ايدي مراجعها ومدرّساً لطلاّبها ومشاركاً في نشاطات الثقافة والادب العربيين في طليعة اخوته شعراء الهجرة العراقية، صدرت له في العراق وايران مجاميع شعريّة عديدة تنبئ عن تضلّع باللغة وحسنِ سبك وأداء واختيار للفظ والمعنى، توفّي في قم المقدّسة عام 1415هـ/ 1994م.

له من قصيدة: حديث الغدير قوله:

روِّ قلبي من الولاءِ الطهورِ * * * واروِ في بهجة حديثَ الغديرِ

روّني همسة الحياة نشيداً * * * مشرقاً رفَّ في سماء الحبور

أيّ ذكرى تنسابُ في عالم البشـ * * * ـرِ فترسو على ضفاف العبير

أيَّ ذكرى تمدنا كلَّ عزم * * * للمعالي في موكب من نور

أي ذكرى فيها تلوِّح للعد * * * لِ يدُ المصطفى بحشد غفير

رسمت منهج العلى في علي * * * وأرتنا درب الهدى المستنير

أنّ هذا مولىً لمن كنتُ مولى * * * وهو فيكم خليفتي ووزيري

أن لله نعمةً فيه تمَّت * * * للورى في رسالة التبشير

فتهادت له القلوبُ تزفُّ الـ * * * ـنصر حلواً في موجة من سرور

تتبارى له الاناشيدُ فجراً * * * فتصوغ السنى بأحلى ثغورِ

ويراعُ الزمانِ يكتُبُ للنا * * * سِ سطوراً أكرِمْ بها من سطورِ

إيه يوم الغدير اُغرودة الـ * * * ـعمر تهادتْ على ممرِّ العصورِ

فيك نلنا كرامةً.. وعلاءً * * * كان للشرك أيّ شوك مرير

ورأينا الهدى تلالا منه * * * قبسُ الحقِّ كالسراجِ المنير

والتقينا والامنيات فمدَّتْ * * * بالايادي الى رفيفِ الضميرِ

مرحباً باللقاءِ اذ يُثلج الصد * * * رَ ويجني لنا حصاد المسير

أمَّتي مزِّقي الاسى بيد العز * * * م وهُدي صرحاً من الديجورِ

مالنا نجرعُ الجهالةَ والفكـ * * * ـرُ ثراءٌ يمدُّ كلَّ فقير

كيف نرجو أن نبلُغَ القصد والخطـ * * * ـو سليبٌ من جمرنا المقرور

فاركبوا في سفينة ساقها النو * * * رُ الى شاطئ الجمالِ النضير

وافتحوا للجهاد باباً حباهُ الـ * * * ـلّه بالعِزِ فهُوَ خيرُ نصيرِ

أيّها الغارسون حقلاً من الهدي * * * بسعي من جهدكم مشكور

سوف تجنونَ ما زرعتم رخاءً * * * يُنعِشُ الكونَ بافترارِ البُكورِ

ويظل العلا يغرّدُ فيكم * * * كلما خفَّ منسم في الدهور

فلقدْ طِرتم الى المجدِ حتى * * * خِلتُ فيكم جحافلاً من نسورِ

بوركتْ منكُم الجهودُ ليوم * * * مشرق بالثناءِ والتعبيرِ

أمَّتي فجّري الفؤادَ قصيداً * * * يبعثُ الحبَّ مخلصاً للامير

فهو تربُ الكمال من كلِّ حسن * * * قد سقاهُ الالهُ عذبَ النميرِ

سيدٌ عاش سيّداً عبقرياً * * * منقِذاً كلَّ مستجير أسير

لم يُفرِّق بالعدل بين قريب * * * وبعيد بحكمة التدبير

تخذ الكوخ بيته - وهو سجنٌ * * * فعنا نحوه شموخ القصور

يابن عمِّ النبي دنياك دنياً * * * من خلود يفيضُ بالتنوير

ايَّ نهج خلفته لذوي الالـ * * * ـباب يحكي الابداع في التصوير

انت سر الحياة قد ضمّ كنزاً * * * للبرايا من الثراء الغزير

غير أنّ الانام قد ضيَّعوه * * * فأضاعوا به سبيل المصير

وله من قصيدة: مصرع القائد العظيم قوله:

منك تستلهم اللظى كلماتي * * * فتجيشُ الاحشاء بالزفرات

يا لهول الاسى وأنت صريع * * * تتلوى على بساط الصلاة

وضجيجُ النفوسِ إذْ يتعالى * * * مفعماً بالعويل والعبراتِ

ونداءٌ من السماء يهزُّ الـ * * * أرض شجواً يمور بالاهات

مصرعٌ أذهل العباد جميعاً * * * إذ نعاهُ جبريلُ بالحسراتِ

مصرعٌ هدّ كلَّ ركن قويم * * * للهدى والقواعد الراسيات

مصرعُ القائد الَّذي لم ترعهُ * * * كلُّ هيجاءَ أظلمتْ بالكُماةِ

إنَّه مصرع الصلابةِ والعز * * * مِ بسوحِ الفداءِ والتضحياتِ

يا شهيدَ المحراب إنَّ دموعي * * * من فؤادي تفجَّرت هاطلاتِ

اثكِلَ الدينُ في مصابكَ يامن * * * كنت درعاً له بوجهِ العُتاةِ

واستشاطت حزناً قلوب اليتامى * * * بالجراح المشبوبة الدامياتِ

فقدت حصنها المنيع وكانت * * * بك تلقى أباً سخيَّ الهباتِ

فهي حيرى وقد أضلّت هداها * * * لم تجد غير ظلمة في الحياةِ

ايهِ يا من مضيت في الحقِّ سراً * * * وجهاراً لم تخش دربَ المماتِ

ورسمتَ «النهجَ» الذي فيه تُهدى * * * كلُّ نفس تهفو إلى المكرماتِ

لم تَمُتْ «أنتَ» اِنما أنتَ مجدٌ * * * غمرَ العالمينَ بالمُعطياتِ

قد رآكَ الخلودُ عنوانَ سِفر * * * زاهر خُطّ في جميلِ الصفاتِ

يتملاّهُ كلُّ عصر فيلقى * * * فيهِ أسمى بطولة وثباتِ

ثمَّ يمشي بركبهِ مستمداً * * * منكَ وحيَ الاقدامِ والعزماتِ

يا إمامَ الهدى نشيدَ ولائي * * * لك قد صغتُ يا إمام الهُداةِ

فتقبله انَّه نفثات * * * ولهيبٌ يمرُّ في خطراتي

وسلامٌ عليكَ يا صنوَ طه * * * رقَّ حلواً ورفَّ بالنسماتِ

 

حسن أبو الرحي

(1366 هـ -...)

 

السيد حسن بن علوي بن عبد الله ابو الرحي، شاعرٌ أديب ولد في القطيف/ السعوديّة عام 1366هـ/ 1946م، من أسرة معروفة، دخل الكتاب فحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالدراسة الاكاديميّة فتخرّج من المدرسة التجاريّة بالدمّام عام 1388هـ وعمل موظفاً ثم التحق بجامعة البترول والمعادن وحصل فيها على البكالوريوس عام 1400هـ، وما يزال موظّفاً في الجامعة ذاتها، أمّا في الشعر فقد نظمه مبكّراً يساعده في ذلك محيطه العائلي وحياته الاجتماعية وقراءاته للشعر القديم والحديث فانصقلت موهبته ونشر بعض نتاجه في الصحف والمجلات المحليّة وله دواوين شعريّة عدّة، وهو يواصل الان نشاطه الادبي والثقافي من خلال المنتديات والاحتفالات والملتقيات، وله مع اخوته الادباء روابط وثيقة.

وله من قصيدة «في رحاب أهل البيت»:

قل لمن يبغض الامام عليا * * * لا تكن في عدائه ناصبيا

إن أردت النجاة والِ أبا السبـ * * * ـطين واسلك طريقه الوحدويا

سيد الاوصياء أول أهل الـ * * * ـبيت والمرتضى الصفي النجيا

فضله جاء في الكتاب صريحاً * * * مشرقاً كالضحى وضيئاً جليا

من كمثل الامام يولد في الكعـ * * * ـبة فرداً مطهراً علويا

عبد الله وهو طفل وباقي الـ * * * ـناس ينحون مذهبا وثنيا

ورقى كتف أحمد يحطم الاصـ * * * ـنام عن بيت ذي الجلال صبيا

هو بعد النبي خير وصي * * * ينجز الوعد بالبلاغ حريّا

ورث الحلم عن أخيه بأمر الـ * * * ـلّهِ وعداً مقدراً مقضيا

ورث العلم عنه في ألف باب * * * كل باب تخاله لُجيّا

وحباه الاله من منبع الحكـ * * * ـمة فيضاً مباركاً قدسيا

لم يقل عالم سواه سلوني * * * ثم لم يفتضح وكان عييا

ليس غير الوصي أهلاً لهذا الـ * * * ـقول روحاً ومنهجاً عمليا

ليس غير الوصي بعد أبي القا * * * سم مولى ومرجعاً روحيا

ليس غير الوصي علما وحكما * * * عرف الناس سيدا قرشيا

ليس غير الوصي عقلا ونقلا * * * وسع الكون مصلحاً عبقريا

أنزل الله فيه اليوم أكملـ * * * ـت لكم دينكم فوالوا عليا

هو نفس الرسول يزهو لواء الـ * * * ـحمد في كفه بهياً سنيا

وهو يسقي يوم الظماء محبيـ * * * ـه على الحوض سلسبيلاً رويا

قال فيه النبي هذا أخي فيـ * * * ـكم امام وهاديا مهديا

هو مني مكانه مثل هارو * * * ن لموسى أخا وزيرا صفيا

يحمل النور والامانة بعدي * * * صابراً بالجميع براً حفيا

قال فيه النبي كنت وهذا * * * حول عرش الجليل نوراً بهيا

قبل خلق الانام يسطع بالتسـ * * * ـبيح والحمد دائبا سرمديا

وافترقنا في صلب شيبة نوريـ * * * ـن فكنت النبي وهو الوصيا

قال فيه الفاروق لاعشت يوماً * * * لست فيه المقدم المأتيا

لا أرى في الانام أعظم فضلا * * * منك الا نبينا الاميا

قل لمن يجحد الغدير تمهّل * * * واقرأ النص في علي جليا

وتدبر آيات ربك وارجع * * * للاحاديث بكرة وعشيا

سل بخم من الحجيج ألوفا * * * شهدت بيعة له ونديا

هبط الروح جبرئيل بوحي * * * يحمل الوعد والوعيد ضريا

قائلا يا رسول بلغ وان لم * * * تفعل الان كنت خلا عصيا

فانبرى فيهم الرسول خطيبا * * * معلنا أمر ربه ممضيا

رافعا كفه بكف علي * * * مكملا منهج الاله السويا

مسمعاً كل سيد ومسود * * * صوته هادرا جريئا شجيا

هاتفا في الجميع من كنت مولا * * * ه علي له يكون وليا

والِ يارب من يواليه واخذل * * * من يعاديه ناعلا أو حفيا

وانصر الله ناصريه وأبغض * * * مبغضيه ولا تذر جاهليا

ثم من بعده أئمة صدق * * * مثله عصمة ونهجا سنيا

طهروا مولداً وقولا وفعلا * * * وغذوا حكمة وخلقا رضيا

 

عبود الاحمد النجفي

(1366 هـ -...)

 

الاستاذ عبود أحمد أسد النجفي، شاعرٌ أديب، ولد في النجف الاشرف عام 1366هـ/ 1947م، وحصل على الشهادة الاعدادية متوقفاً عن الدراسة لظروفه الخاصة ثم اشتغل ببعض الاعمال الحرّة في بلده العراق وبلدان اخرى كالسعوديّة، وايران التي هجّر اليها عام 1400هـ/ 1980م مع من طردوا من وطنهم العراق اثر الحملة المشهورة بُعيد انتصار الثورة الاسلامية في ايران، حيث عمل لفترة طويلة في مؤسسة آل البيت لاحياء التراث قبل ان يضطرّه المرض الى تركها، وكان قد تأثّر بالجو الادبي الحافل في النجف الاشرف ممّا غرس لديه بذرة الموهبة الشعريّة التي رعاها وسقاها دأبُه هو وأخوه الفقيد المغفور له الشاعر ابراهيم الاحمد، ثم ساهم الى جانبه في رفد الحركة الادبيّة والثقافية بالنتاج الشعري المتواصل الذي صدرت منه حتى الان مجموعة شعريّة عنوانها اهتزاز الذاكرة، وما زال شاعرها يواصل دوره الى جانب اخوته ادباء المهجر.

وله من قصيدة: الغدير العذب قوله:

عانقتُ نبعَكَ فأخضرَّت به مقلي * * * وراح يسبقُني شوقي لمنتهلي

هذا غديرك يا روحي به التمسي * * * ما ترتجين وبالايمان فاكتحلي

إنّي لابحث عن نبع ارومُ بهِ * * * اشراقةَ الروحِ من دوامة الوجلِ

فما وجدتُ سوى نبعِ الغدير وقد * * * هوى اليه فؤادي بالاسى العضلِ

فيا شعاعاً بعمقِ الذاتِ منفذهُ * * * وقد تمازجَ في أطيافه أملي

ويا غديراً له قد كنت مرتقباً * * * وكنت أعزفُ لحني بالهوى الخجِلِ

الظلمُ ما غيّرَ المسرى اليكَ وما * * * قد غيرتنا قيودُ الحكمِ والدولِ

فكيف تمنحُ وجهي غيرَ قبلتهِ * * * وكيف تعصفُ تسبيحي ومبتهلي

حملتُ فيك مآسي الكونِ قاطبةً * * * ما أوهنتني وما أُرهقتُ بالثقَلِ

علقتها في شغافِ القلبِ مرتضياً * * * وقلتُ للقلب هذي شعلةُ الازلِ

هذا أنا يا بقايا العمر لا تقفي * * * حتى ترينَ بخم عذبَ مؤتملي

«لا يعرفُ الشوق إلا من يكابدهُ» * * * حتى يداوي جراحَ الهجرِ بالقبلِ

أملتُ فيك اذا ما عافني سفري * * * أن تأخذيني الى مثوى الامام علي

وان تلمي لشملي فوق تربتهِ * * * فكيف يثمرُ زرعٌ غيرُ مكتملِ

يا كوكبَ الدين يا نجمَ الهدى ابداً * * * وما توارى بعصفِ الجهلِ والحيلِ

يا دائراً في مجالِ الكونِ مرتدياً * * * قلادةَ النجمِ إذ حفتهُ بالحُللِ

يا صاعداً وبياني خابَ مقولُهُ * * * هل يحتويك وهل يجني سوى الكَللِ

يا نقطة الباءِ يا سرَّ الالهِ ويا * * * لوح الوجود ويا انشودةَ الرسلِ

قرآنُ مجدِكَ آياتٌ بها نطقت * * * صحائفُ الفخرِ والتاريخ والمللِ

ومن قصيدة: الغدير الحيُّ قوله:

غديركَ في ضمير الناس حيُّ * * * ونبعُكَ والهوى ثغرٌ ورَيُّ

عليهِ تهاوت الارواحُ ظمأى * * * فعانقها الزلالُ الكوثريُّ

وألقت في ضفاف النبعِ جَدباً * * * وقد أودى بها الزمنُ الرديُّ

فألبسها ربيعُكَ ثوبَ زهو * * * فأزهرَ عودَها النسمُ الزكيُّ

وحامتْ حولَهُ الافكارُ حيرى * * * ليشرق في معانيها الرقيُّ

أبا الحسنين يا سرّاً تعالى * * * عن الادراكِ أخفاهُ العليُّ

وقد رامَ العَباقرُ منه جزءاً * * * وأسهلُ ما يُرامُ هو العصيُّ

عليٌّ في فم الدنيا دويُّ * * * واسمٌ في مسامِعها أبيُّ

وفي شفةِ الزَمانِ صدىً ونجوىً * * * وفي ترديدِها همسٌ خفيُّ

تناغمَ والنفوسُ هوىً وسحرٌ * * * فذابَ بلطفِهِ القلبُ الخليُّ

تهادى والزمان لظىً وعصفٌ * * * وفي أرواحنا صحوٌ نقيُّ

عليُّ نبضة في كلّ قلب * * * سمير في الضمائر اريحيُّ

يداعب في خواطرها انبهاراً * * * كأنّ حضوره ألقٌ سنيُّ

فراتٌ في تعطشها رواءٌ * * * ونبعٌ في تدفّقه سخيُّ

وإن غنت له فهو ابتهالٌ * * * وفي أورادِها ثغرٌ طريُّ

عليٌّ في امتداد الافقِ نجمٌ * * * وفوق الارض قطبٌ أوحديُّ

عليٌّ في دجى الايام نورٌ * * * صباحٌ مشرقٌ عبقٌ زهيُّ

تسلَّل من خلال العرشِ ضوءاً * * * ونورُ اللهِ مؤتلقٌ بهيُّ

عليٌّ فوقَ هام الدهر تاجٌ * * * - محلّى بالقداسةِ - لؤلؤيُّ

عليٌّ صوت قرآن ووحي * * * وترتيلٌ وتسبيحٌ جليُّ

عليٌّ في تولّده صلاةٌ * * * وفي محرابه ذكرٌ شجيُّ

عليٌّ في تجلّيه ابتداءٌ * * * ونهجٌ للحقيقةِ سرمديُّ

عليٌّ حيرةُ الالباب روحٌ * * * مجسدةٌ وفكر عبقريُّ

عليٌّ حبوة الباري إلينا * * * صراطٌ - لا نغادرهُ - سويُّ

عليٌّ في تعبدنا دليلٌ * * * ومعراجٌ بهِ الباري حفيُّ

عليٌّ ليس يدركُهُ وجودٌ * * * ولا فكرٌ ولا عقلٌ ذكيُّ

عليٌّ في حقيقته امتدادٌ * * * لنفسِ المصطفى وهو النجيُّ

عليٌّ للهدى أسٌّ وركنٌ * * * وفي نصِّ الغدير هو الوليُّ

عليٌّ بابُ حصنِ الدينِ منجىً * * * ومن يأبى الدخول هو الشقيُّ

 

اسماعيل خليل ابو صالح

(1369 هـ -...)

 

الاستاذ اسماعيل خليل ابو صالح، شاعر أديب، ولد في العراق - الكوفة عام 1369هـ/ 1950م من عائلة ملتزمة وأكمل قسطاً من الدراسة في بلده، ثمّ عيّن موظّفاً، ثم هاجر الى ايران اثر انتصار الثورة الاسلاميّة حيث شارك في صحافة المعارضة العراقية الاسلاميّة واحتفالاتها مضافاً الى مشاركاته الجهاديّة والسياسيّة والاعلاميّة، وهو يقيم منذ سنوات عدّة في سوريا وما يزال يواصل نشاطه الاعلامي وقد صدر له ديوان بعنوان: قطوف الولاء للاسلام والوطن.

وله من قصيدة قوله:

كلُّ الوجود قد ازدهى يتألق * * * وعليه من ذكرى علي رونقُ

صهرُ النّبيّ أبو الائمة من له * * * يحلو القصيدُ فيا أحبتي أطرِقوا

كي نستبين رؤى القداسة تجتنى * * * من دوحِ حيدرة جناها مونقُ

إذ سارَ في الافلاك بعضُ خصالِه * * * فهو الذي عن سرِّها يستنطقُ

وسرى فعمَّ الارض يسحر أهلها * * * بمناقب فيها الانام تفرَّقوا

ما بين من قد ألَّهوه فهم به * * * هلكى بقعْرِ جهنم قد أحرقوا

ومن استشاطتْ في صدور منهم * * * نار العداوة منكرين فأحنقوا

وعليُّ مهما قيل في تأويله * * * سيظلُّ سرّاً أين منه المنطق

ويظلُّ نبراساً لمن طلب الهدى * * * ويظلُّ قرآناً ولكن ينطقُ

ويضلُّ حبلاً للنجاةِ ولاؤُهُ * * * والعروة الوثقى بها نتعلقُ

وحروفي الخرساءِ حين أثارها * * * يومُ الامامة للاصول يوثّقُ

جاشت مطوِّفةً حواليْ روضه * * * وإذا بسفر للمآثر يرمقُ

يا صانعَ الاجيالِ جلَّ عطاؤها * * * فغراسُ كفِّكِ لم تزل تتفتَّقُ

تهبُ السُراةَ معالَم التغيير في * * * دنيا الخنوع المستتبّ فتغدقُ

أمقوِّماً ما اعوجّ من أمر الورى * * * في حين ضلَّ مغرِّبٌ ومشرقُ

ومُكسِّرَ الاصنام كيما تبتنى * * * أسس العقيدة فانتشت تتألقُ

والجودُ بذْلُ النفسِ ما بعد الذي * * * قدّمته جودٌ بذلك يلحق

يكفيك من آيِ الكتابِ شواهدٌ * * * أنْ ما جناهُ المبطِلونَ سيزهَقُ

والارضُ إرثُ الصالحين وبعدَها * * * حورٌ وولدانٌ ومسكٌ يعبقُ

يا صائناً دينَ الاله بصارم * * * ومعارف تعيي الذي يتعمَّقُ

وبنُخبةً بالرائعات حبوتَهم * * * مثل النجوم وأنت بدرٌ مشرق

فزتم عروجاً للجنان فمن لها * * * إن لم تنالوها ومن سيوفَّقُ

أمطلِّقي الدّنيا ثلاثاً بينما * * * أغفى عليها غيركم وتعلقوا

خلَّفتم أُفُقَ الخُلودِ مرصَّعاً * * * بكواكب تهوي وأخرى تشرق

لتضيء للاجيال أبهى موكب * * * هيهاتَ يثنيه عدوٌّ أحمقُ

فلكلِّ ذي لُبٍّ أبنتُم مسلكاً * * * يبقى لليلِ الظالمين يؤرِّقُ

لِمْ لا وفيه المصطفى والمرتضى * * * والسبطُ مرَّوا والصحاب تدفقوا

وتظلُّ نخوةٌ حيدر وبنيه أنْ * * * هذا الطريق إلى التحررِ فالحقوا

وولاؤهم ثأر ألا فلنستر * * * دَّ الثأر ممن للدِّما قد أهرقوا

واليومَ في ذبح العراق تفننوا * * * والجرم أن فيه التشيُّع معرِقُ

حتى غدا الشيعيُّ موضعَ ريبة * * * سيَّان ثارَ أو استكان يُنمِّقُ

وخيارُنا إما الحياةُ بذلة * * * والموتُ منها بالمُسالِم أخلَق

 

سلمان الربيعي

(1371 هـ -...)

 

الاستاذ سلمان بن عاصي الربيعي شاعر أديب، ولد في العراق الحلة عام 1371 هـ/ 1951 م، ترك دراسته ليلتحق بالجيش العراقي ثم بإيران، حيث نشر الكثير من قصائده في الصحف المحليّة وشارك في الاحتفالات الدينية، وقد صدر له حتى الان: الديار المحجوبة، على اعتاب الوطن، طيف الوطن.

وما يزال يواصل نشاطه الادبي من خلال قصائده الكثيرة في الجرائد والمجلاّت والاذاعة في اجهزة المعارضة الاسلامية العراقية.

وله من قصيدة «عيد الولاية»:

ماء الغدير اذا وجدتُ به الشِّفا * * * فلانّه من كلِّ شائبة صفا

هو منبعٌ بالطُّهر يزخز والهدى * * * فلذاك يقصده التقي تلهفا

مَنْ لم يطهرْ ماءُ (خمٍّ) قلبه * * * بولاه ماوجد الطهارة والشِّفا

خذها اخَ الايمان من فم شاعر * * * بسوى التشيع مذهباً لن يهتفا

ابياتَ شعر عُطرت بأريج مَنْ * * * ولاه امرَ المسلمين المصطفى

في يوم عيد بالسّعادة مُشرق * * * حيث الضياء عن النواظر ما خفى

فاليوم آخر اية يأتي بها * * * (جبريلُ) من لدن الاله مكلَّفا

لو لم تنصّ على ولاية (حيدر) * * * ما بلغ المختار طه المصحفا

اليوم اخر رحلة كانت له * * * وعن الهبوط - على الرسول - توقَّفا

ويبلغ الاجيال إلاّ عارف * * * حق الذي بغدير (خم) عرِّفا

فاسلك اذا رمت السمو سبيل مَن * * * لولاه مصباح العقيدة لانطفا

واستوحِ من يوم الغدير مواعظاً * * * فالثَّوبُ لا يجدي اذا العمر انطفا

واعلن ولاءك للوصيّ مسجِّلاً * * * لك عنده يوم القيامة موقفا

اذ تستغيثُ فلا تغاث وانت مِن * * * حُفَرِ الجحيم المظلمات على شفا

فهناك يجديك الولاءُ لحيدر * * * فالداء يهدأ اذ يلاقي المسعفا

إيه أبا السبطين جئتُ ملبياً * * * امر الرسول ولم اكن متطرِّفا

قلبي يقول: بخ بخ لك صادقاً * * * وبعهدتي اني ادوم على الوفا

 

جواد جميل

(1373 هـ -...)

 

الاستاذ حسن ابن الحاج عبد الحميد السنيد الغزّي شاعرٌ بارز وأديب كاتب، نشأ على والده الاديب الخطيب وعلى ثلة من أدباء سوق الشيوخ بلدته العريقة في الشعر والادب ممّا أغنى موهبته كثيراً، أمّا ولادته فكانت عام 1373هـ - 1954م وهو حاصلٌ على البكالوريوس في الهندسة المدنيّة، لكنه بعد هجرته من العراق الى ايران انصرف عنها الى العمل في الحقل الاعلامي السياسي فنشر الكثير من قصائده ومشاركاته في الصحف والاذاعات وساهم في المؤتمرات والاحتفالات وعمل كذلك رئيساً لتحرير مجلة الهدى للاطفال وقد صدرت له مجموعات شعرية عدّة، كما يُعتبر وبعض اخوانه من طليعة الحركة الادبيّة الاسلامية.

أما هو فقد تفرّد بأسلوبه ونفسه الخاصّين مستفيداً من التراث والتجديد ومازجاً بينهما مزجاً مُميّزاً ينبئ عن موهبة رائدة وشاعريّة حاذقة ووعي بأدوات التعبير والاستخدام الشعريين، وتربطه بأخوانه ادباء العربيّة علائق عديدة.

وله من قصيدة في الغدير:

ألف جرح وأنت ما زلت حيّا * * * تتحدى زمانك الدمويّا

ألف جرح وانت تمتشق الشمـ * * * ـس ويعلو صدى صداك دويّا

تعبر العاصفات والزمن العا * * * تي لتبقى الفتى الجسور الابيّا

أين مسرى اللظى أكنت تداري * * * منه جمراً أم تحسب الجر فيّا

ولهيب الصحراء ما مس من خطـ * * * ـوك إلا وعاد ورداً نديّا

ليتني أطفئ احتراقي بكفيـ * * * ـك فأصحوا والبحر بين يديّا

ليتني أفرش الضلوع للقيا * * * ك واطفي الهجير في شفتيّا

ليت قلبي يصغي لصوتك هذا * * * وهو يجتاح صدري الحجريّا

فيحيل الدموع رفة نور * * * أريحيّ يمور في مقلتيّا

ويعيد اليبس القديم ربيعا * * * فيقوم الحلم المكفن حيّا

أيها العاشقون يجفل حرفي * * * ولقد كان مبدعاً عبقريّا

ألف عذر لقد تحطم كأسي * * * غير أني ما زدت في البحر شيّا

نفخ الله في البطولات والحـ * * * ـبّ وفيض الندى فكانت عليّا

حتى يقول

يا أمير الشآم هيا ألا تلمح * * * في الافق مرقداً قدسيّا

حوّم المجد في منائره الشـ * * * ـمّ وغنى بقاءه الابديّا

وعليه الاملاك في نشوة التر * * * تيل تنهال سجداً وبكيّا

وعليّ هو الخلود وحسب الـ * * * ـخلد فخرا أن يغتدي علويا

يا وليد الاركان ما قبّلت قبلـ * * * ـك احجارها الظماء صبيّا

وارتعاش الحطيم ينبئ أن منـ * * * ـه وراء الاستار سراً خفيّا

فاذا أنت شاطئ خضل الور * * * د تحضنت زورقاً سحريّا

حاملاً همّة النبوات رايا * * * ت ببدر وصارماً أبديّا

تعب اللاهثون خلفك أنى * * * لخفوت الثرى بريق الثريّا

وتمرّ الايام تحمل من عيـ * * * ـنيك صحواً ومن سحابك ريّا

وصهيل الخيول يعبر من صـ * * * ـفين رعداً فيخجل الاشعريّا

والسيوف التي بوجهك سلّو * * * ها أماطت لثامك القبليّا

ونعرت فبعضها خزفا عا * * * د وبعض رأيته خشبيّا

والعيون التي تملّتك حقداً * * * شربت دمعها البليد الغبيّا

وتمنت لو أنها عميت قبـ * * * ـلك أو عاد ذكرها منسيّا

أمة ما وفت ببيعتك السمـ * * * ـحاء بايعتها فكنت الوفيّا

يابن شيخ البطحاء من شيبة الحمـ * * * ـد يعود التاريخ غضا طريّا

وتعود ابتسامة البيعة الاو * * * لى لعينيك موكبا نبويّا

إننا هاهنا يسمّرنا العهـ * * * ـد على ضفة الغدير فهيّا

نتغنى على رواء عليّ * * * فرواه ما زال عذبا نقيا

وله من قصيدة يقول:

لعلي توهجي وانطفائي * * * كيف أدنو وهو المسار النائي

كيف أدنو وهو اللهيب وقلبي * * * مثل جنحي فراشةً خضراءِ

أتهاوى على سناه وفي الرو * * * ح اشتعالٌ.. تفنى به اشلائي

كلّما مسني اللظى شدّني الحـ * * * ـبّ بعنف.. فهوّمتُ كبريائي

واذا لفَّ زورقي صخبُ المو * * * ج فعيناكَ هدأة الميناءِ

أنا أغفو وأنت توقظ في الرو * * * حِ بقايا أمنية ورجاءِ

أنا ابكي وانت تمسح دمعي * * * فيغنّي على يديك بكائي

أنا أمضي مع الضياع ورؤيا * * * كَ ملاكٌ يشدُّ خيط انتمائي

انت اين اتجهتُ كنت أمامي * * * واذا ما انهزمتُ كنتَ ورائي

يتلاشى على خطاك كياني * * * وتصلّي على صداكَ دمائي

أنت انت الخلود يفنى بذكرا * * * ه وجودي وتنمحي اشيائي

أيُّها البحرُ كيف أجفو وقلبي * * * في شواطيكَ قطرةٌ من ماءِ؟

لعليٍّ ومضُ النجوم وترتيـ * * * ـلُ الليالي، ولُجّةُ الظلماءِ

وغناءُ الامطار والاملُ المشـ * * * ـدود بالغيم في خشوع السماءِ

وارتعاشُ الرمال مصلوبةُ الوجـ * * * ـه على شفرة من الرمضاءِ

لعلي تهفو المجرّات حبّا * * * تِ هباء منثورة في الفضاءِ

لعلي ما ينسج القلبُ من حلـ * * * ـم وما يستشفُّ من ايحاءِ

وله تنبضُ الشرايينُ بالحـ * * * ـبّ.. فتغدو مجنونة الخيلاءِ

وله الدمعُ والحنينُ وما في الـ * * * ـروح من واحة ومن صحراءِ

وله الهمُّ يستجدُّ رماحاً * * * وعلي كالصخرةِ الصمّـاءِ

وله الصبرُ يستحي ان يلاويـ * * * ـهِ فيغفو ملفعاً بالحياءِ

وله البيعةُ الكبيرةُ وحيٌ * * * ويدٌ في يدي أبي الزهراءِ

هو مولاكمُ ولاذتْ وجوهٌ * * * تتلوّى بالحقدِ والبغضاءِ

هو مولاكمُ صدىً يملاُ البيـ * * * ـد ويرتدّ من عنان السماءِ

هو مولاكمُ وردّدَت الدنـ * * * ـيا: رضينا بالمستميت الفدائي

هو مولاكمُ وردَّدَ جبريـ * * * ـلْ: ومولى الملائك الامناءِ

لعلي لونُ الجراح، وأصدا * * * ءُ المنافي، ولوعةُ الغُرباءِ

وله صرخةُ اليتامى واغلا * * * لُ الاسارى وشهقة الشهداءِ

وله ما يلملمُ الليلُ من خو * * * ف، وما يختفي وراء المساءِ

ولهُ في القلوب عرشٌ وتاجٌ * * * من ولاء مرصَّعٌ بالوفاءِ

فإذا انهارتِ العروش تسامى * * * منبرٌ ناحلٌ ونصفُ رداءِ

 

ابراهيم النصيراوي

(1375 هـ -...)

 

الشيخ ابراهيم علوان النصيراوي اللاّمي فاضل خطيب، وشاعر مؤلف، ولد في مدينة العمارة جنوب العراق، عام 1375هـ/ 1956م من عائلة متديّنة.

اتمّ قسطاً من دراسته الاكاديمية، ثم أخذ يمارس خطابة المنبر الحسيني حتى دخوله الحوزة العلمية في العام 1399هـ/ 1979 في النجف الاشرف، فدرس على بعض فضلائها أمثال السيد محمد حسين الحكيم، والسيد محمد تقي الخوئي، والسيد عزّ الدين بحر العلوم ثم حضر بحث المرجع الشهير السيد ابو القاسم الخوئي، وعمل في مكتبه.

وبعد الانتفاضة الشعبانية عام 1411هـ هاجر مع من هاجر الى الجمهورية الاسلامية في إيران حيث قصد حوزتها العلمية في قم المقدّسة دارساً ومدرّساً.

لا يزال يقيم في الجمهورية الاسلامية في ايران يمارس الخطابة داخلها وخارجها مع مشاركته في المنتديات والاحتفالات الشعرية، له مؤلفات عديدة.

وله من قصيدة مطلعها:

خيّم الليلُ فاسطعي يا بدور * * * كلّ حي له بوجهك نور

حديثنا ربوعَ مكةَ عمّنْ * * * فيه قد حدّث الكتاب المنير

كلنا ينتشي إذا مرّ طيف * * * من علي ويعتريه السرور

حدّثينا عن السما كيف غنت * * * وعن الشمس كيف كانت تنير

أيها الجوهر الذي شدّنا فيـ * * * ـه ولاء عليه يصحو الضمير

قد عرفنا بأن ذاتك كنه * * * مالها في لغاتنا تفسير

فذهبنا الى مذاهب شتى * * * وتغنى بك الهوى والشعور

واختلفنا ويجمع الناس رأي * * * انك الفرد ما إليه نضيرُ

ورأيناك في ذرى المجد تعلو * * * فالمعاني يخونها التعبير

وعهدناك في الشجاعة فرداً * * * لو مسكت الجبال راحت تمور

ولك المنبر الذي لا يبارى * * * وبيان سمح العطا مسحور

واذا قيل في اليمامة وجه * * * شاحب اللون بائس مقهور

ذبت وجداً بأن منك ضمير * * * (كيف أرض بأن يقال أمير)

هكذا كنتَ أين منك رجال * * * لم يلج في عقولهم تفكير

قد تلاقوا ليطفئوا النور حقداً * * * واذا الشمس منك خجلى تنير

حلق النسر والبغاث ستبقى * * * ملؤها الرعب جنحها مكسور

وكسير الجناح للارض يهوي * * * والسما تهتدي اليها النسور

لك بيت بقمه المجد يبنى * * * رصعته من السجايا سطور

اين منك الغافون لزهّم السيـ * * * ـل وفي بابك استقر المصير

فاستحالت دار الغرور خرابا * * * واذا الخلد في علي فخور

يفخر البيت أن فيه وليدا * * * هو للمصطفى أخ ووزير

لوعتي لوعة يثور بها الوجـ * * * ـد ويدري الجوى بها ما يثيرُ

أنا أهوى الرمال في تربة العـ * * * ـز وقلبي ممزق مأسور

لست أدري متى احط رحالي * * * ومتى ينتهي بنا التقديرُ

 

محمد علي الدجيلي

(1375 هـ -...)

 

الاستاذ محمد علي بن محمود المجيد الزبيدي. ولد في الدجيل عام 1375هـ/ 1955م واكمل دراسته في معهد المعلمين في بغداد.

هاجر الى سوريا عام 1403هـ/ 1983م بعد مضايقة السلطات العراقية له. ومن هناك توجه الى إيران وما زال يقيم فيها.

وأسرته معروفة على الصعيد الاجتماعي في المنطقة، وكان والده يستضيف جملة من الخطباء في شهري رمضان والمحرم الحرام ويكرمهم، واستمر على ذلك حتى اعتقاله عام 1402هـ/ 1982م، يقم المترجم له - حالياً - في ايران حيث يرفد الوسط الادبي بقصائده العديدة ويشارك في الاحتفالات والمناسبات.

وله من قصيدة مطلعها:

طلق همومك واطرد عنك أحزانا * * * وارقص على هامة الجوزاء جذلانا

حتى يقول:

في (ارض خم) تجلّى الحق منتصباً * * * ولاح في غرّة الكرار قرآنا

يوم الغدير اتم الله حجته * * * فمن تنكب عن شرع الهدى خانا

نادى رسول الهدى هذا ابو حسن * * * مولى العباد فمن والاه والانا

هو الوصي فلا زيغٌ ولا زللٌ * * * ولا سبيلٌ لمن قد رام بهتانا

زوج البتول فمن يرقاه في شرف * * * كلا فمن يدعي يحتاج برهانا

صنو الرسول له الافلاك قد خلقت * * * والمجد طأطأ اذلالاً واذعانا

سيف الاله الذي لولاه ما فقئت * * * للشرك عين وانف الكفر قد لانا

يوم الغدير لنا عيد نجدده * * * ما جددت بهجة الافراح دنيانا

يوم الغدير به ارواحنا عزفت * * * لحن الولاية في افاق مغنانا

يوم الغدير وقد راقت مشاربه * * * والطيب فاح على الاكوان ريحانا

يوم الغدير ايا لحنا بلا وتر * * * قد رتلته شفاه الشوق الحانا

يوم الغدير به طابت سرائرنا * * * وارقص الحب قلباً في حنايانا

تلك الولاية قد زفت لحيدرة * * * يا الف مرحى بيوم الله وافانا

فيا سماء اشهدي انا نبايعه * * * ولا نرى غيره كفواً ليرعانا

فمن سواه رسول الله عاضده * * * ومن سواه هوى للدين قربانا

ومن وليد بوسط البيت ماثلة * * * ومن اب لبني الزهراء قد كانا

هو الامير الذي طابت شمائله * * * وطاب محتده عزّاً وتبيانا

وله من قصيدة اخرى مطلعها:

حبُ طه وفاطم وعلي * * * تلك والله خمرَةُ الانقياء

لا تُلم عاشقاً يهيم اشتياقاً * * * قد تلظى بحب أهل الكساء

مذهب الحب ان تهيم نفوسٌ * * * ثم تغفو على نشيد الفداء

كيف نرجو من المحب اصطباراً * * * ذاك ظلمٌ وطعنةٌ للوفاء

إنّ قلبي بحبهم باتَ صباً * * * وكذا الجسمُ ناصل الاعضاءِ

فارقصي واشربي الولاء نبيذاً * * * فنديم الحياة كاسُ الولاءِ

ذو شمال أنا وحق علي * * * كأسُ انسي وبهجتي وهناء

قطعوني فقلت اهوى اميري * * * حرقوني فصمتُ هاك ولائي

قد عشقت الوصيّ حقاً فاني * * * صادقُ الودّ والولاء ردائي

علوي ومذهبي رافضي * * * حيدري الهوى ولست مرائي

أيُّ مدح بمولد الكبرياءِ * * * من فم قاصر وأي ثناء

إن تُرد مدحه فذاك محالٌ * * * ان يطال الثرى نجوم السماء

فعلي منار حق تجلى * * * ذو سناء وهيبة وانتشاء

قد تجلى في بطن مكة بدراً * * * فتوارى الظلامُ خلف الضياء

سجدت حوله الملائك طُراً * * * بخشوع ورقة وحياءِ

 

ثامر الوندي

(1377 هـ -...)

 

الاستاذ ثامر بن محمد الوندي، شاعر أديب وناقدٌ فنّان ولد في البصرة عام 1377هـ/ 1957م واكمل دراسته الاكاديمية في البيئة الصحيّة، وله مساهماتٌ عديدة في الشعر والمسرح والنقد والكتابة الادبية والموسيقى وغيرها، لا سيما بعد نزوحه من وطنه العراق أواخر الثمانينات الميلاديّة، كما لا يزال يواصل دوره الادبي والثقافي المميَّز من خلال الصحافة والمنتديات الادبية مع اخوته أدباء المهجر العراقي وكتّابه.

وله مجموعات شعريّة ونثرية غير مطبوعة، ويعدُّ هو وبعض اخوانه من طليعة الحركة الشعرية الاسلاميّة وتربطه بإخوانه ادباء العربيّة علائق عديدة.

ومن قصيدته: «شراع الشمس»:

أي شمس شراعها اليوم لاحا * * * وتعرّى فوق الافول جناحا

وتشظّى في الموج سطعَ رذاذ * * * يتلاقى قبل الضفاف صباحا

ليصبَ الاكفان حول الليالي * * * ويشدّ الاجفان فجراً صراحا

ويجرّ الاصنام سحلاً رغاماً * * * ويردّ الظلام كسفاً مزاحا

يا صواري الشراع خلّيه رخواً * * * يتدلّى على الوجود وشاحا

يكسف الاعراس الخصيبة في الجد * * * ب ويمحو عن الصواري الكساحا

ودعيه يمتدّ في الافق المجـ * * * ـدور بوّابةً تعاصي الرياحا

أيُّ شمس شراعها ما استراحا * * * يتخطّى بزهوه الافراحا

يتبدّى من كعبة الله يسمو * * * فوق دمع الدنى سناً وانشراحا

أطّت الارض والسماء ابتهاجاً * * * وسروراً وغبطة وانشراحا

ولدت في الوجود شمس علي * * * فتغشّت كلّ الشموس افتضاحا

ولدت نبضة ترجّ الشراييـ * * * ـن وتجلو وريدها النضّاحا

فتمسّك بهديه فهو عشٌ * * * أبديّ يرشّحُ الارواحا

هو عشق ودأبه أن يُباحا * * * وغرام يقتاتُنا إفصاحا

وهوىً لو نخفيه بين الحنايا * * * يتبدّى على الانام انفتاحا

هو عشق يظمي الشفاه ذبولاً * * * ونساقيه عمرنا أقداحا

لا نعاني تبريحه وأساه * * * ذروة العشق أن يعاش كفاحا

يا عليٌّ لو قطّعتني سيوفي * * * فسأبقى هزارك الصدّاحا

 

مدين الموسوي

(1377 هـ -...)

 

السيد جابر بن محمد الجابري. شاعرٌ أديب وكاتبٌ صحفي.

ولد في عام 1377هـ/ 1957م - من أسرة ذات سيادة وشرف وفضل ونشأ في النجف الاشرف متأثّراً بحركتها الثقافية والادبيّة ومشاركاً في نشاطاتها الادبيّة فجاء شعره امتداداً لاسلوبها ومدرستها وهاجر من العراق عام 1400هـ/ 1980م وشارك في نشاطات المعارضة الاسلامية العراقية في ايران، ثم تنقَّل بينها وبين سوريا ولبنان، ونشر الكثير من قصائده في الوسائل الاعلامية المختلفة وصدرت له مجموعات شعريّة عدّة وشارك في ملتقيات ومؤتمرات ثقافيّة وأدبيّة متنوّعة، ويعدُّ هو وبعض اخوانه من طليعة الحركة الادبية الاسلامية وساهم ثم استقلَّ اخيراً بإصدار مجلة القصب الادبيّة من بيروت، ولا يزال يواصل مشواره الادبي والاعلامي المميَّز وتربطه بإخوانه ادباء العربيّة علائق عديدة.

وله في أمير المؤمنين من قصيدة بعنوان: أمير بيوت الوحي قوله:

أفض في يدي من كل قافية بحرا * * * لعلَّ بحور الشعر تلهمني شعرا

وردَّ إلى عيني رؤاها فإنها * * * بحبّك لا زالت مغيّبةً سكرى

وفكّ يدي من أسرها فيك ساعةً * * * فما رغبت إلا على يدك الاسرا

ولم تر أندى منك للحب منبتاً * * * ولم تلق وجداً من ضرامته أضرى

لانك ملء الروح تهتز كالرؤى * * * إذا جنحت يوماً تعود بها دهرا

سددت عليَّ القول لا أنت مانع * * * وحاشا يديك البحر أن تمنع القطرا

فهات الرؤى محرورة الطيف تنحني * * * على نبعك المعهود يلهمها سحرا

لارسم وجدي فيك عذرا مجملا * * * وآخر همي فيك أن أبلغ العذرا

«أمير بيوت الوحي» لست مغاليا * * * ولا ناطقاً زهواً ولا قائلاً هجرا

أغالب فيك الوجد ليلاً منورا * * * وصبحاً مندى أعشب الجدب والقفرا

فما بين روح ايقظت في رفيفها * * * هواك، وقلب اذهل الروح والفكرا

فلوح لي في كل أفق غمرته * * * بنورك إعجاز وغيب لي غمرا

وأسرح في معناك، فيضاً مطهرا * * * واُبحر في المعنى فيأخذني المجرى

وقاربت فيك الخلد أكشف سره * * * فنازعني في كل مكتومة سرا

توحدت في ذات الرسول، فكنتها * * * لتملا من صدر الرسول بك الصدرا

ومالت لزنديك القلوب تحوطها * * * ذراعاك، تفري دونها مهجة حرى

لقد صوبت فيك السماء سهامها * * * وكنت لمرماها كنانتها البكرا

فكنت - كتاب الله - يحكي رسالة * * * ينوء بها صمتاً، وتنطقها جهرا

لتفخر بالقرآن نهجاً وثورة * * * ويحملك القرآن في يده فخرا

وأُسري في علياك مجداً مخلداً * * * الى آخر الدنيا فسبحان من اسرى

تجلى لنا يوم الغدير رسالة * * * مكتمة لم ترو حرفاً ولا سطرا

كما الشمس تعطيها السحائب هالة * * * لتنشرها نوراً وتمنحها طهرا

تجملت الصحراء تلبس عريها * * * وليس من الصحراء انقى اذا تعرى

لتحضر عرس الوحي يحمل صوته * * * بلاغ رسول تمم النعمة الكبرى

إذا لم تكن كف سرى الوحي حولها * * * طوافاً كما يسري بكعبته الغرا

أحق بأمر الله تؤتيه حقه * * * لتمضي به في كل مانعة أمرا

فمن ذا يُقيل الركب غير امامة * * * مسددة لم تخش مسلكها الوعرا

سوى راحة تقضي مع الله ليلها * * * وقبل طلوع الفجر تبسطها فجرا

أطلت بك الاخرى بريقا مطهرا * * * تفيض على الدنيا كأنَّ لها نذرا

وما بين يوميك العصيّين جنة * * * من الخلق الوهاج يغمرها عطرا

تجملت الدنيا تريك نعيمها * * * ومرت على عينيك يانعة خضرا

وأرخت على كفيك وافر درها * * * لتحلبها ضرعاً وتركبها ظهرا

فطلقتها لم تدنها منك زينةٌ * * * تجملها البيضا وتفتنها الصفرا

وغيرك يهواها قياناً ودلةً * * * تهزّ له في كل سانحة خصرا

فبين أكف نازعتك سقيمة * * * تدير كؤوس الليل مترعة خمرا

وبين يد تؤوي من الجوع أهله * * * لتغمرهم وداً وتوسعهم برا

وعينين، عين تحرس اليتم ليلها * * * وأخرى بقصر الشام غافية سكرى

أرى أمة ضاعت وتاهت دروبها * * * تضيق بها صحرا وتلفظها صحرا

إليك أمير المؤمنين أُفيضه * * * ولاء صفا لم يبغ حمداً ولا شكرا

مزجت به في غربتي الف ليلة * * * مخضبة للان لم تُطلعِ الفجرا

وما زلت ادعوها نعيما وجنة * * * وفيها مخاض العسر احسبه يسرا

ولاؤك لي عرس يزف مع النهى * * * ثريا هوى يزهو بها الليل والمسرى

وإن طلبت مهراً ثرياك غاليا * * * وكان دمي مهراً، فما ارخص المهرا

وله ايضاً: (موكب النور) منها قوله:

هاك قلبي بعد القطيعة عهدا * * * واتخذْهُ لنصلِ حبّك غمدا

وافترش أضلعي لروحك مأوى * * * إنّ في اضلعي لوجدك مهدا

بدمي خضت تستبيح كياني * * * فدمي قد غدا لنهجكَ وِرْدا

يا أمير الندى وحسبك مجداً * * * أنْ يكون الندى لكفّك مجدا

أنت ألهمتني هواك فراحت * * * اعيني من هدى مسارك تندى

أنت اغريتني بكل عبير * * * طلّ من منبع الولاء وَنَدّا

كلما زادني هداك اقتراباً * * * زادني عن يد الصغائر بُعدا

أنت مولىً لكل قلب ابي * * * صاغ أوراده لنهجك عقدا

وأنا عدتُ من رحابك أجلو * * * عن عيون الدجى لنورك بُردا

أحمل الجمر في هواك نعيماً * * * وأرى الذمّ في ولائك حمدا

حينما بلّغ الرسولُ وأفشى * * * سرَّ ما شاءت السماء وأبدى

قال هذا أبو الحسين وصيٌّ * * * وإمام له الصحائف تُهدى

وهو مولىً للمؤمنين وكهفٌ * * * يُكملُ الشوط والمسار المُندّى

وهو عندي كما لهارون موسى * * * حاملاً حجتي ليحفظ عهدا

طالقٌ عندك الحياة اذا ما * * * صغت فيها من العدالة عقدا

فمضى سيفك الهصور يلاقي * * * كل من صار للرسالة ندّا

ولديك القويُّ ركن ضعيفٌ * * * حينما يحملُ المطامع قصدا

ولديك الضعيف ركنٌ قويٌّ * * * حينما يحملُ الرسالة وجدا

عَجِبَ العدلُ كيف تملاُ كفٌ * * * راحتيه بما يحاولُ جُهدا

أنْ يرى نصف ما يريد مُجاباً * * * ويرى بعض ما يُرادُ مُرَدّا

إنّ سيفاً لديك ذلّ رقاباً * * * سمنت من دم الضعيف وأردى

هل سمعت القلوب.. تطحن جرحاً * * * نزَّ من اضلع الصدور ونَدّا

كيف تغفو جفون سيفك صبراً * * * وهي قد اتعبت عداتك سُهدا

 

فرات الاسدي

(1381 هـ -...)

 

الاستاذ ضياء ابن الشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ حسن آل فرج الله الجزائري الربيعي الاسدي، شاعرٌ أديب وكاتب مؤلّف.

ولد عام 1381هـ/ 1960م من عائلة علميّة أدبيّة معروفة في العراق ونشأ في النجف الاشرف متأثّراً بحركتها الثقافيّة والادبيّة ممّا أغنى تفتّح موهبته وأدى له الكثير حيث رُبّي في كنف خاله العلاّمة المجاهد الفاضل الاديب الشهيد الشيخ عبد الرحيم فرج الله فنهل من افكاره ومكتبته حتى استوت موهبته الشعريّة متأثّراً برموز الادب المعاصر خاصّة لكنّ الوضع السيّئ الحاكم في العراق لم يمهله فهاجر الى ايران عام 1401هـ/ 1981م مكمّلاً بعض شوطه العلمي في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة على حساب دراسته الاكاديميّة المقطوعة فحضر دروس الفقه والاصول والتفسير والمعرفة والخطابة إضافة الى مشاركته في نشاطات المعارضة الاسلامية العراقية المختلفة ونشره العديد من قصائده في الصحف والمجلاّت والاذاعات وحضوره في الاحتفالات والملتقيات والمؤتمرات الثقافيّة والسياسيّة ومساهمته في تحرير وإصدار عدد من المطبوعات كان آخرها مجلّة القصب، وموسوعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته في الشعرب العربي حيث يشرف عليها حالياً من خلال إدارته لدار الادب الاسلامي ، وله مجموعات شعرية ونثريّة لم يُطبَع أغلبها كما يُعدّ هو وبعض زملائه في طليعة الاتجاه الادبي الاسلامي وفي غمار ذلك تربطه مع الكثير من أدباء العربيّة علائق خاصّة ويواصل مشواره الشعري المميَّز.

وله بعنوان: (أشتات الكلام الصعب) قوله:

z z z

z z z

z z z

z z z

z z z

وفي ذكرى الغدير من قصيدة بعنوان: معزوفة الوجد:

أطلَّ عيدك فاسغفر حكاياه * * * وناشد الحب أن ينسيك ذكراه

وناشد الشعر أن يخفي قصائده * * * وأن يغيب وأن يعفيك بلواه

يكفيه أنَّ على اوتاره نغما * * * مجرحا سال ما أضرى شكاواه

وأن دون الحروف الخضر قافية * * * مخنوقة شدها للحزن أوّاه

حسب الحناجر أن تخبو مجوّفةً * * * وأن تخاط بسلك الصمت أفواه

يا سامر الخيبة الخرساء كم خطفت * * * على عيونك أشباح وأشباه

وكم سكنت إلى ليل تنادمه * * * وتستحث به نجماً وترعاه

لكنه أفق أعمى مشارقه * * * مطموسة ببقايا من شظاياه

وليس غير احتراق الضوء غرته * * * وليس غير مدار الموت مسراه

كأننا لم نكن احلاس ظلمته * * * ومن دماء الضحايا ما أضأناه

فكيف ينشق عن صبح به زهقت * * * روح النهار وماتت وهي ترقاه

غداة غاب رسول الله وانكفأت * * * وصية واستثار الغدر أبناه

غداة طاشت بهم احلامهم سفهاً * * * واستغفر البغي حلفاً من خطاياه

فالصبر أسدل دون الليث وثبته * * * غاب الزئير وما غابت حناياه

يظل يرصد عن كبر فرائسه * * * ويستنيم إلى صيد تخطاه

ورب نسر كسير دون عزته * * * تمد حتى على جرح جناحاه

أخا النبي لك العتبى أضج رؤىً * * * حزينة والهوى شاهت مراياه

حتى غديرك مخضوب بأدمعها * * * الله كيف سيلقاني وألقاه

انا الذي همت في افراحه عمراً * * * وطفت أسقي الندامى من حمياه

واليوم حيران بئر القلب أنزحه * * * لظامئ الحرف كي تروى حناياه

وما جلوت حسان الشعر فامتلات * * * بها العيون فتونا رحت اخشاه

فصغت اكليل ورد من خمائله * * * ضفرته فوق شمس من محياه

ثم ابتنيت من الاضلاع عرش هوىً * * * مقدسا أنا والذكرى رعاياه

نطوف نمسح بالاعتاب نوسعها * * * لثماً نصلي لها فليغفر الله

ها نحن نشهد أنا حول كعبته * * * بحب حيدرة الغالي عبدناه

سبحان مجدك ما أجلى مظاهره * * * وما أدق الخفايا من خفاياه

يا سيد الكلم الزاهي وواهبه * * * ويا أمير الندى تترى سراياه

ويا أخا السيف مختالاً بصولته * * * حتى تمنت به تفنى ضحاياه

مولاي حبك قتالي وأحسبني * * * سبعين أبعث حيا بين قتلاه

فكن أنا واتحد في كل خافقة * * * من الفؤاد وهل إلاّك إلاّه

وعذب الروح يا محبوبها فلقد * * * جنت وأشعل فيها الوجد حمّاه

كم تسترق أمانيها وتتركها * * * مشبوبة الحلم تستجدي عطاياه

لشاعر مل عنك البعد مغتربا * * * تناهبته حشود من رزاياه

ما كان يهنأ لو أبدلت محنته * * * بالخلد تبقى الى ما شاء نعماه

خذه إليك إلى أرض الغري فما * * * سواك يطلب دنياه وأخراه

 

عبد الكريم آل زرع

(1381 هـ -...)

 

الشيخ عبد الكريم آل زرع التاروتي القطيفي، شاعر فاضل ولد في القطيف عام 1381هـ/ 1961م من اسرة ملتزمة ودرس في مدارسها ثم أكمل مشواره العلمي في الحوزة العلميّة فأخذ يتردّد على حلقات دروسها بين يدي اساتذتها الاكفاء وكان قد اخذ نفسه بمختلف ضروب العلم والثقافة ومنها تكوّنت ثقافته الشعريّة فشارك في الاحتفالات والمنتديات مشاركة فاعلة وطرق في شعره الاجتماعي اغراضه المعهودة وما يزال يواصل شوطه العلمي والثقافي.

وله من قصيدة عيد الغدير قوله:

تبسم صاحبي فرحاً وقالا * * * أتيت لاسمع الشعر الزلالا

أتيت تخبُّ بي قدماي شوقاً * * * إليك وخافقي يهوى الجمالا

وكل جوارحي لسماع مدح الـ * * * إمام المرتضى جاءت عجالا

فاسمعني بحبك في علي * * * بديعاً يسكب السحر الحلالا

فقلت ومهجتي حسرى لاني * * * عديم حينما أصف الجلالا

أأمدح من به فكري تغذى * * * وأدركت الحقيقة والخيالا

أأمدح من به قلمي تروَّى * * * ففاض مداده صوراً وسالا

أأمدح سيداً عجزت عقول الـ * * * ـعباقر أن تحدَّ له مجالا

أأمدح من أرى في كل شيء * * * له أيد تشع به نوالا

أأمدحه وما أدركت كنهاً * * * وذاتاً من سناه ولا خصالا

فما أدري أأجترُّ القوافي * * * ويأبى الشعر في قلمي اتكالا

وما اسطاع القريض له امتداحاً * * * ولا غطى فضائله ونالا

ولو يا صاحبي أقحمت شعري * * * مع الشعراء نمدح ما تلالا

لعدنا لم نقل شيئاً لانا * * * على نقص فهل نصف الكمالا؟

على رغم العصور ورغم فنٍّ * * * يحيل الرمل أفئدةً حبالى

وإبداع تنمنمه الليالي * * * فينمو يضرب الشهب اختيالا

ورحب من خضم الفكر حي * * * غزا السدم اطلاعا واحتلالا

برغمهم فإن أبا تراب * * * بدا سراً خفياً لن ينالا

اذا طالوا رأوا فيه شموخاً * * * حوى كل المعالي لن يطالا

فهم يا صاحبي خجلى صغار * * * حيال سنا تسامى واستطالا

وكل الناس من شرق وغرب * * * وإن صدوا أو اختاروا الضلالا

عليّ رغم أنفهم أمامٌ * * * ومولى رامه الباري تعالى

يدين له الورى حقاً فمن ذا * * * عدى الكرّار قد خلق النضالا؟

عليٌ ثورةٌ ومنارُ وحي * * * أضاءت في دجى الجهل الذبالا

عليٌ صارم الاسلام أردى * * * سيوف الكفر مذ كانوا صقالا

وأرغم رغم كل الناس طراً * * * لاهل الشرك آنافاً طوالا

عليٌ للعلى أسدى خلوداً * * * وللحسَّاد قد كتب الزوالا

عليٌ جامع الاضداد لكن * * * ترى فيها كمالاً واعتدالا

فمن يبكي بمحراب دموعاً * * * عصيٌ أن ترى منها انهمالا

يعفر خده ذلاً وشكراً * * * واجلالاً وحباً وابتهالا

يذوب بحب خالقه اشتياقاً * * * يشفُّ لعالم القدس انتقالا

ويقطع فكره عن كل دنياً * * * إذا مارام للباري اتصالا

ومن يرتاد أبيات اليتامى * * * بجوف الليل لا يشكو كلالا

فيفتح قلبه الحاني إليهم * * * يراهم في ولايته عيالا

ويطعمهم ويكسوهم ولكن * * * ليبقى طاوياً لم يبق مالا

عليٌ كان للضعفاء سوراً * * * وللايتام قاطبة ثمالا

هو الطود العظيم بساح حرب * * * تكاد تقول قد ملك القتالا

هو الاسد الهزبر إذا تمشى * * * أمام الجيش يحتكر النزالا

يثير الرعب في صفي كماة * * * بسطوته يميناً أو شمالا

عليٌ سيد العلماء طراً * * * وسيد منبر يسل السؤالا

وشمس العلم والعلما بدور * * * فمن ذا قاس بالشمس الهلالا

وجاءت آية التبليغ تدعو * * * فلا رأياً هناك ولا جدالا

وقام المصطفى الهادي خطيباً * * * وكل الكتب دوَّنتِ المقالا

ونصَّبه على الاسلام مولىً * * * ليحمل بعده النوب الثقالا

يحلق حيدرٌ في أفق فكري * * * وأذكر قبة سمت اختيالا

وقدساً تعرج الالباب فيه * * * وتسعى حول بهجته نهالا

سلاماً للغري وساكنيه * * * ولثماً منه ترباً أو رمالا

سلاماً من شج صبٍّ حزين * * * تفرَّى قلبه ولهاً وزالا

لقدسِ نال منه البغي نيلاً * * * ألا قد خاب منه من استنالا

عليٌ في قداسته عليٌ * * * وقد صعبت على أحد منالا

فإن غطى العوالم منه صيتٌ * * * بمعجزة جنوباً أو شمالا

فذاك لانه وترٌ عظيمٌ * * * ولم يلد الزمان له مثالا

 

قاسم آل قاسم

(1382 هـ -...)

 

الشيخ قاسم بن عبد الله بن علي بن القاسم - آل قاسم - فاضلٌ خطيب وأديبٌ شاعر، ولد في القطيف عام 1382هـ/ 1961م، وانهى دراسته الثانويّة العامه ثم التحق بشركة الزيت - ارامكو - موظّفاًوأمضى فيها ثماني سنوات، التحق بعدها بالحوزة العلميّة فأتمّ المقدّمات في بلده على اساتذته ثم هاجر الى قم المقدّسة فواصل دراسته الدينيّة فيها على علمائها المعروفين، اضافة الى نشاطه الادبي من خلال الندوات والاحتفالات في بلده ومهجره على حدّ سواء، وما يزال يرفد الحركة الثقافيه بنتاجاته، كما تربطه بإخوانه شعراء الهجرة علائق خاصّة، وله اكثر من مؤلّف مخطوط، ويعدُّ من طليعة الشعراء الشباب في منطقته.

وله من قصيدة في أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

كيف أخفي سعادتي وسروري * * * وأنا في رحاب ذكرى الغديرِ

وأنا في رحاب ذكرى عليٍّ * * * صنو طه وصهره والوزيرِ

يا قوافي الشعر الطروبة هزي * * * وتر الشعر في أرق بحور

وابسمي تبسم الازاهير خجلى * * * فتندي عطراً ثنايا الزهورِ

وامرحي فالقلوب تُسمع منها * * * نبضات الولاء بين السطور

وابعثيها الى السماء ابتهاجاً * * * تحت عنوان آية التطهير

وعلى ظاهر الرسالة خُطّي * * * (قبساتٌ من وحي عيد الغدير)

يا لزهو الشعور حين يناغي * * * وجده خاطر من الايحاءِ

قد سقته كاس المفاتن سحرا * * * فتغنى والكون في إصغاء

ولسان الاوتار بالعزف يحكي * * * عن لسان الطبيعة الخرساء

أنطقتها فضائل لعليِّ * * * والميامين من بني الزهراء

وسقاها الغدير أعذب ماء * * * فارتوت من صفائه الالاءِ

رشفة منك يا غدير تروي * * * بسنى هديها قلوب الظماءِ

ما كأنَّ النبي أوصى بخمٍّ * * * وكأن الغدير لم يك شيّا

يا سجل الاحلام في شرعة الحـ * * * ـقِّ طوته كف من الحقد طيّا

أين تلك الاصداء جلجل فيها * * * لهب الشوق يوم كان فتيا

ما أحسّت بفقد أحمد حيث اخـ * * * ـتار من بعده أخاً ووصيا

حرستها أوهامها يوم جاءت * * * لتهني فما رأته عليّا

يا نجيّ العلى تمنوا معاليـ * * * ـك فخابوا وكنت أنت العليا

ورنوا للخلود دون مراميـ * * * ـك فماتوا وأنت مازلت حيّا

لك يا سيدي قلوب سقاها * * * من نمير الاسلام نبعك ريا

فارتضتك الامام والخلف الحـ * * * ـقّ وأرضت إلهها والنبيّا

وقوله في ذكراه (عليه السلام):

أنت ألهمتني فادركت ذاتي * * * وتحيرت فاحتويت شتاتي

وجرى في دمي هواك فضجت * * * لك مشبوبة الرؤى كلماتي

أنت ألهمتني لذيذ المناجا * * * ة وكانت على يديك نجاتي

سلبتني ذكراك روحي فهبني * * * قبسا من سناك يحيي رفاتي

وله بعنوان: آيات علي:

على متن أشواق يغالبها الوجد * * * أتتك بأبياتي طيور الهنا تشدو

حتى يقول:

غدت فاطم ولهى تطوف لربها * * * تجلبب بالاجلال والهيبةُ البردُ

فلما رآها البيت صاح وضمها * * * إليه كمشتاق أضرّ به الصدُّ

وعادت وعين الله ترقب خطوها * * * على راحتيها يشرق العلم الفردُ

فيابن أبيّ النفس من آل هاشم * * * أبي طالب اكرم بمن رأيه الرشد

ولدت ببطن البيت فازداد رفعة * * * وعزّاً تسامى ما لعليائه حدُّ

نطقت بأمر الله حين تتعتعوا * * * وأعليت للدين البناء الذي هدّوا

 

مهدي المصلي

(1383 هـ -...)

 

الشيخ مهدي المصلي التاروتي، شاعرٌ فاضل ولد في القطيف عام 1383هـ/ 1963م وفيها نشأ وترعرع ودرس ثم هاجر الى النجف الاشرف وقد كان لاستاذه العلاّمة الفاضل الخطيب الاديب السيد منير الخباز دوره في تطوير موهبته اضافة الى احتكاكه بالمشايخ والعلماء حيث امتهن الخطابة والعلم والتعليم وبرز في النشاطات الاجتماعيّة والادبية من احتفالات ومنتديات وغير ذلك، كما التحق لفترة معينة بالحوزة العلمية في قم المقدّسة وحضر دروسها وما يزال يواصل شوطه العلمي والثقافي.

وله من قصيدة عيد الغدير قوله:

ألهمت شعري من أسنى مصادره * * * إذا رأيت ولائي في زواهره

على الغدير يغني الشعر مبتهجاً * * * إن الغدير به اغلى جواهره

ما قيمة الشعر إن لم يُسق راوية * * * من الولاء تدوّي في ضمائره

على الغدير فخذ يا ليل اغنيتي * * * وزفها لمشيد الدين ناصره

ورتل الاي يا جبريلُ صادعةً * * * للكون تتلى بباديه وحاضره

بلغ وإلا فما بلغت دعوتَه * * * فالدينُ ماضيه مرهونٌ بغابره

فقام أحمدُ في الالاف تحرسه * * * عينُ الاله ليمضي في أوامره

وراح يرفع كفاً طالما رفعت * * * دعائم الدين شدّت من أواصره

كفٌ لمن أسلم الاسلام مهجته * * * وراح يدفع اعداه بباتره

كف لمن ما ونى يوماً ولا نكست * * * رجلاه بل ما سرى جبن لخاطره

فقال من كنت مولاه فإن له * * * هذا وليٌّ فكونوا من عساكره

يا ربِّ والي مُواليه وعادي مُعا * * * ديه وجدد إلهي نصر ناصره

فعندها اشهد اللهَ الشهيدَ على * * * تبليغهِ وكفى عذراً لعاذره

سألت ياشمسُ يا روحَ الخلودَ ويا * * * رمز الولاء ويا أجلى مظاهره

الم تعودي لمولاك العزيز وقد * * * القى الزمانُ رداه عن أواخره

قالت بلى وبأمر الله نخدمه * * * ولا نأخر أمراً من أوامره

فقلت هل شهدت عيناك منقذنا * * * يوم الغدير على سامي منابره

قالت بلى ولقد احميت محفلهم * * * حتى احتموا برداء من هواجره

ليعلموا أن ما يلقي النبيُّ لهم * * * امامةٌ لمقيم الحق عامره

يا ليتني بلبلٌ يوم الغدير أرى * * * نورَ النبيِّ وأروى من مشاعره

يا ليتني تحت تلك الشمس تصهرني * * * لكن قلبيَ مشدودٌ لاسره

ياسيدي شهدَ الروضُ الفتيُّ وذا * * * نفحُ الولاء تسامى من ازاهره

يا سيدي شهدَ البحر الاُجاجُ وذا * * * خيرُ الولاءِ توالى من زواخره

يا سيدي شهد الطير النقيُّ وذا * * * صوتُ الولاء يدوي من محاجره

يا سيدي شهد القلبُ الطروب وذى * * * انغامُه نفحاتٌ من بشائره

 

حسين الجامع

(1384 هـ -...)

 

الاستاذ حسين بن حسن الجامع القطيفي شاعر أديب، ولد في بلده القطيف/ السعودية عام 1384هـ/ 1964م ودرس في مدارسها ثم التحق بالجامعة فحصل على بكالوريوس زراعة عام 1408هـ ثم عمل مدرّساً، قرض الشعر في سن مبكّرة على عادة غيره من الشعراء، وكثير من شعره في المناسبات الدينيّة والاجتماعيّة والرسميّة وله مجموعة مطبوعة واحدة وما يزال يواصل شوطه الادبي مشاركاً في المنتديات والملتقيات في بلده.

وله من قصيدة البيعة الكبرى قوله:

صدى خطوات سرى في الاثير * * * أعاد لنا ذكريات الغديرْ

وعاد ليروي لنا قصة * * * على مسرح البرِّ وقت الهجير

عشية عاد رسول الهدى * * * من الحج يتلوه جمع غفير

وقد جاءه الوحي من ربه * * * بآية «بلّغ» بشأن الامير

فأوقف من كان في ركبه * * * ومن سار منهم بذاك القفير

وأعلمهم أمر باري الورى * * * فبايع صنوَ النبي الحضور

وجاء له حينها الصاحبان * * * يزفانها بيعة للوزير!!

ولكن لعمرك ماذا جرى * * * بعيد وفاة البشير النذير؟!

ويوم السقيفة ما شأنه؟ * * * وما منع المرتضى أن يثور؟

حنانيك أسدل عليها الستار * * * فقد نسي القوم يوم الغدير!!

أبا حسن يا نجيَّ الهدى * * * ويا علماً خلَّدته الدهور

ويا صارماً شقَّ جنح الدجى * * * فشيَّد دين العزيز القدير

ويا نفس أحمد دون الورى * * * ويا عالما بالكتاب المنير

رأينا سواك أخا يومِهِ * * * ووحدك حلقت فوق النسور

ربأت بنفسك عن إمرة * * * وقد حلق القوم حول السرير

وبايعت كرهاً وقد ضيَّعوك * * * وسلَّمتَ إذ لم تجد من نصير

أبا حسن يا نشيد الفداء * * * ويا تمتمات بثغر الصغير

لانت السبيل لدار الخلود * * * وغيرك يهدي لنار السعير

وأنت الملاذ لنا في الحياة * * * وعند الممات وعند النشور

وأنت المؤمَّل في النائبات * * * وأنت الظلال بلفح الهجير

وحبُّك يسري بأعراقنا * * * نشب عليه حناناً طهور

وباسمك نهتف لا ننثني * * * فذكرك فيه شفاء الصدور

ومرقدك الفذُّ لمَّا يزلْ * * * يلوذ به خائفٌ مستجير

وقبة قبرك ملجا الورى * * * تعالت فليس لها من نظير

وله من اخرى عنوانها يا أبا الامة قوله:

يا أبا الامة شوقاً وسلاماً * * * أيها الرافع للمبدأ هاما

أيها الغارق في عشق الهدى * * * ذبت في الله اشتياقاً وهياما

أيها الباذل نفساً حرةً * * * في رضا المختار راحت تتسامى

أنت والحق كيانٌ شامخُ * * * قد تجلَّى فيك بدءاً وختاما

وحكمت الناس في شرعته * * * تتبنَّاه مقالاً ونظاما

ونشرت العدل يا رائده * * * ليعيش الناس أمناً وسلاما

كنت للايتام ظلاً وارفاً * * * ولذا عاشوا بمغناك كراما

ولقد كنت لمن أرعبهم * * * شبح الفقر ملاذاً ودعاما

كنت تأتيهم وقد نام الورى * * * بجراب الزاد يا غوث اليتامى

وبجنح الليل يا راهبه * * * رحت تحييه دعاءً وقياما

أيها الكرارُ يا ملحمة * * * في سبيل الله عزماً وحُساما

أنت من ربِّك حقاً غضبةٌ * * * صبَّها الله على الكفر انتقاما

بحسام في يد فاتكة * * * قطَّرت شفرته الموت الزؤاما

كنت طوداً والوغى ملتهبٌ * * * تتلقَّاه نبالاً وسهاما

كم هِزَبْر خُشِيَت سطوته * * * رحت ترديه على الرغم رغاما

فإذا ما وضعت أوزارها * * * نزل الوحي ليزجيك وساما

لك في كل بلاء آيةٌ * * * أيها الايةُ تعطيك مقاما

فهي كالشمس بدت ساطعةً * * * لجميع الناس إلاّ من تعامى

أيُّ حرب خاضها الحق فلم * * * تَكُ في عرصتها الفرد الهماما

أببدر الدين يا فارسها * * * حين أفنيت بها الشرك حماما؟!

أم بأحد حين فرَّت عُصبةُ * * * عن رسول الله خوفاً وانهزاما؟!

فأقمت السيف في أعدائه * * * وعن المختار بدَّدْتَ الظلاما

لم تدع بيتاً بلا نائحة * * * من بيوت الشرك يندبن الرِّماما

اما الثالثة وعنوانها بكائية النجف فمنها قوله:

الكونُ مضطربٌ تنتابه الظلمُ * * * والناسُ في وحشة يجتاحها الالم

والدِّينُ قد فُصِمت للحشر عروته * * * ومدمع العدل والتوحيد منسجم

ولليتامى عويلٌ بعد كافلها * * * وذي المساكين في أحشائها ضرم

وذي المحاريبُ لا تنفكُّ ذاهلة * * * وكيف لا وعليها قد أُريقَ دم

وللاذان نشيجٌ بعد عاشقِه * * * وللتلاوة حزنٌ قاتلٌ عرم

وذي الملائكُ تنعى في صوامعها * * * والعرشُ منتحبُ واللوحُ والقلمُ

وجبرئيلُ له نوحٌ وتعزية * * * سَدَّ الفضاء بها في طيِّها قسم

فما الذي حلَّ في الدنيا وطبَّقها * * * أزُلزِلَتْ أم عليها حلَّتِ النقمُ؟

لا! لم تزلزل ولكن راعها حدث * * * تدكدكت للثرى من وقعِه القمم

خطبٌ له ظلَّتِ الالبابُ حائرة * * * وفي اللهاةِ ثوتْ من حوله الكلم

رزءُ الوصيِّ وهل رزءٌ يشابهه؟ * * * ففيه أُرديَ طه المصطفى العلمُ

أليس حيدرة نفس الرسول ومن * * * وقَّاه بالنفس والاعداء تزدحِم؟!

أليس حيدرة مصداق دعوته * * * منهاج حكمته والمنهل الشبمُ؟!

أليس حيدرة باب العلوم ومن في * * * صدره يزدهي التشريع والحِكَم؟!

ومن به الله جلَّى كُلَّ غاشية * * * عن النبيِّ وقد ريعت لها الهِممُ؟!

ومن به الله باها في السما شرفاً * * * ملائكاً، فإذا هم عنده خدمُ؟!

يامن بحبِّ علي قلبه ثملٌ * * * وبالولاء تسامت طينةُ ودمُ

عرِّج على النجف السامي فإنه به * * * قبر به ثوت الاخلاق والقيمُ

فإن بلغت الحمى فاخضع لديه وقل: * * * «طال انتظارُ ولم يرفع لكم علم»

حتى متى نتلظّى حسرةً وأسىً * * * يكاد يطغى على آمالنا السأمُ؟!

فكم سُقينا - ولم نصبر لها - غُصصاً * * * وكم على أُفقنا قد خيَّمت ظلمُ

بفقدنا في السنين العجفِ قادتَنا * * * تكاثرت في البناء الشامخ الثلمُ

وحوزة النجف الغرّاء مُذْ عرفت * * * يؤمُّها للمعالي العُرب والعجمُ

من أجلكم بنيتْ، من علمكم نهلتْ * * * في حفظكم بقيتْ، تسمو وتحترمُ

ولم تكن زمرةُ الانذال غافِلةً * * * عنها، فراحت من الاعلام تنتقمُ

سجنٌ وقتلُ وتشريدٌ وتصفيةٌ * * * وبالموالين ظلماً تلصق التهمُ

وفي ظروف توالت وهي مبهمةٌ * * * يغتال بين ذويه المرجع العلمُ

فسل عِراق الردى ما ذنبهم فله * * * رأيٌ تضيق به الالواح والكلمُ

 

جاسم محمد الصحيح

(1384 هـ -...)

 

الاستاذ جاسم بن محمد بن أحمد الصحيح، شاعر أديب ولد في السعوديّة/ الاحساء عام 1384هـ/ 1964م وانهى دراسته في بلده حتى حصل على بكالوريوس هندسة ليعمل موظفاً بشركة النفط، نظم الشعر منذ فتوّته متأثراً بشعراء بلده والاخرين من البلدان العربيّة، وشعره حسن السبك وقد صدر له ديوان بعنوان: ظلّي خليفتي عليكم. وما زال يواصل مشواره الادبي الثقافي من خلال مشاركته في المنتديات والاحتفالات، حيث يعدُّ من طليعة الشعراء الشباب في منطقته الاحساء.

وله من قصيدة عنوانها: هَدْهِدْ لَظَاكَ:

هَدْهِدْ لَظاك.. إلى متى الغليان!!! * * * حُمَّتْ بِوهج جراحك الازمان

وتفجّر التاريخُ باسمك ثورةً * * * تجري وراء ركابها النيران

غضبان تقتحم العصور كأنّما * * * يرميك من أحشائه بركان

وأنا وراءك شعلةٌ أبديّة * * * في صدرها يتألَّقُ الايمان

أختالُ في النار الّتي كتبت على * * * عينيَّ، أنّك للقلوب جنان

وأذوبُ في القبس المطرَّز جمره * * * بهواك حيث يقدَّس الذوبان

يا حاطم الاوثانِ إنَّ حطامها * * * اتحدت قواه وعادت الاوثان

عادت ويا للويل أيّة عودة * * * في خطوها تتأنّق الاضغان

ورسالة النور التي انطلقت على * * * كفَّيك تاه بمدّها العنوان

وبقيت أنت هواجساً قدسيّةً * * * تشتاق لو غمر الحياة أمان

تتواثب الاكفان فيك وان تكن * * * نسجت لغير جلالك الاكفان

وتهزّك الارض التي يقتادها * * * ظلمٌ فلا يتمرَّد الدوران

إيه أمير المتعبين... إلى متى * * * تبقى، وهمُّ ضميرك الانسان

ما زال يربطك الشقاء بأهله * * * عبر الهوى، ويشدُّك الحرمان

أدمنت في عشق السماء كرامةً * * * للارض... بورك ذلك الادمان

وفتحت صدرك للشجونِ... وحسبُها * * * ما عانقته بصدرك الاشجانُ

هي صرخةُ النور استفاق سعيرها * * * في جانحيك فثارت الالحان

وتوثّبتْ فإذا الحياة ينيرها * * * نبضٌ بروحك مبدعٌ فنَّانُ

ألقى عليَّ ظلاله فتردّدت * * * بخطوطي الفرشاةُ والالوان

وعلى انتفاضات التحرُّر في دمي * * * عكفت تقيم طقوسه الاوطان

وتنفَّس المستضعفون فزجَّ بي * * * مابين أوردة اللظى طوفان

واهتزَّ في وكر الحروف على فمي * * * نسرٌ وهرولَ في دماي حِصَانُ

يا سيِّدي... أيهزُّ سمعك صادحٌ * * * بالشعر يزعم أنّهُ كروانُ؟!

أتطيبُ نفسكَ حين يورِقُ مجمرٌ * * * بالمدح فيك وينتشي فنجانُ؟!

حاشاك إنّك ما انطلقت قوادماً * * * نوراء كي يزهو بك الطيران

لكن لتسكبَ في الشموس صفائك الـ * * * أزليَّ حين يعوزُها اللمعان

حاشاك إنّك ما انهمرت مواهباً * * * روحيَّةً ليحوطك العرفان

لكن لتشربك النفوس فيرتوي * * * فيها الحمام ويظمأُ الثعبان

يا سيّدي.. وكأنَّما انسلخ المدى * * * ممّا غرستَ، وأجهضَ الوِجدانُ

هذي الحقيقة لا تزال عروقها * * * ظمآى يكادُ يعقُّها الخفقانُ

وتكاد تُتَّهم الورود بحسنها * * * والنخل بالكرم الابيِّ يدان

يا سيّدي... هدهد لظاك فلم يكن * * * ليذيب من آلامنا الغليان

ما دام يشجيك (ابن آدم) إن شكا * * * ألماً وصودر من يديه حنانُ

يا سيّدي... والشعر أصلب ساعداً * * * من أن تكتّف عزمه الاثمان

الشعر أبعد في انطلاقه روحه * * * من أن تحاصر أفقه القضبانُ

الشعرُ أنت أبوهُ في شرع الهوى * * * ومتى استساغ عقوقك الولدانُ؟!!

الشعر ما برحت تؤجُّ عروقه * * * بدماك حيث ترعرع القرآن

والمتعبون أمانةٌ أودعتها * * * بضميره وسيخسأُ الخوّانُ

ستموت في الميلاد كلُّ قصيدةِ * * * لم يكسُها بشقائِه عريانُ

ستموت في الميلاد كلُّ قصيدة * * * لم يرتجفْ في عُمْقِها جوعانُ

 

شفيق العبّادي

(1385 هـ -...)

 

الاستاذ شفيق بن معتوق العبادي التاروتي القطيفي، أديبٌ شاعر، ولد في القطيف عام 1385هـ/ 1965م، وتدرّج في دراسته الاكاديميّة حتى انهى السنة التحضيريّة في جامعة البترول والمعادن فعمل موظفاً حكوميّاً وما يزال، وكان قد عمد الى تقويم موهبته الشعريّة فدرس الادب والنحو والمنطق على بعض مشايخ بلده اضافة الى قراءته وجهده الخاصّين فاستوى شاعراً شارك بصورة بارزة في المنتديات والاحتفالات الادبيّة في منطقته، وله اكثر من مؤلّف غير مطبوع، كما أصدر له (منتدى الغدير الادبي) كرّاساً شعريّاً عنوانه اجنحة الولاء، وما يزال يواصل شوطه الثقافي والشعري حيث يعدُّ من طليعة الشعراء الشباب في منطقته القطيف.

وله في أمير المؤمنين قوله:

أقفر الغابُ واستبيح العرين * * * والبطولات هزّهنّ الحنين

والبطولات هزهنّ لماضيـ * * * ـك مصير وواقع مطعون

فاسقها أمك الطروب تغنّي * * * من جديد فيشرئب جبينُ

فعصور ماشابها حلو ماضيـ * * * ـك حريّ بمثلها التأبينُ

حيث ما زال رغم كل الجراحا * * * تِ فتيّاً ما طرزته الغضون

شاخص الطرف ما انثنى لجناحيـ * * * ـه شموخ ولا تراخت جفون

تتلاشى في راحتيه قرون * * * متعبات وتستجد قرون

وتغط السنين ما بين كفيـ * * * ـه نياما وتستفيق سنين

فهو قيثارة الخلود وكم ذا * * * أطرب الدهر من صداها رنين

أيها المارد الذي زحم الاعـ * * * ـصار واجتاح عاديات الرياح

والنشيد الذي أفاق عليه * * * بعد طول السبات درب الكفاح

وتغنت به العصور ودوّت * * * باسمه دولة الندى والسماح

والطريق الذي مشته * * * ملهمات بنهجه الوضاح

فجلا عن دروبها عتمة الزيـ * * * ـغِ منيراً وانجاب ألف وشاحِ

أيها الكوكب المغذ علوّاً * * * غاب حتى عن أعين اللماح

كلّما رمت أن أُجلِّيه معنىً * * * ضاق عن شأوه الرحيب طماحي

واذا جئت أجتليه نشيدا * * * ألجمت قبضة الونى صداحي

كيف يقوى على المسير كسيح * * * وبلوغ الذرى كسير الجَناحِ

كيف لي أن أردّ اغفاءة الفكـ * * * ـر لترقى لكنهك الافهام

حيث أومى لها هواك فلبت * * * فلها بين ضفتيه مسقامُ

إيه اشراقة الوصيّ ظمئنا * * * ولكَم خوَّضتْ لنا أقدام

وشربنا من نبعك الثرّ لكن * * * ما ارتوينا ولم يبلّ الاوامُ

إيه اشراقة الوصيّ أطلي * * * ربما أدرك الصباحُ النيامُ

ربما عادت الطيور لمغنا * * * ها وآبت لعشبها الاوهام

وصحا مجد أمة شمخ التا * * * ريخ فيها وكله إعظام

 

مهند جمال الدين

(1385 هـ -...)

 

السيد مهند ابن السيد مصطفى ابن السيد جعفر جمال الدين. وهو نجل الشاعر الشهير الراحل السيد مصطفى جمال الدين (رحمه الله). ولد في العراق/ الناصرية في العام 1385هـ/ 1965م.

أتمّ دراسته الاكاديمية ونال الدبلوم من معهد التكنولوجيا في العام 1406هـ/ 1986م، وبعد الانتفاضة الشعبانية اضطر وباقي اسرته الى مغادره العراق حيث أقام في سوريا فترة غادر بعدها الى إيران للدراسة في حوزتها العلمية في قم ولا زال.

نظم الشعر وما زال مواظباً عليه حيث ساهم في الاحتفالات والمنتديات والملتقيات، كما ان له مساهمات في بعض المجلات والصحف العربية.

وله من قصيدة مطلعها:

خلودٌ لا يواريه الزّمانُ * * * وظلٌّ دونه صَغُر المكان

وحدٌّ ضاقت الدنيا عليه * * * وغنّت في معاليه الجنان

لقد راحت تفدّيه أمان * * * يمور العطر فيها والدِّنان

وألوت تجتني منه ثماراً * * * قوافي الحبِّ والغرر الحسان

فهل ترقى الى نجم تسامى * * * حروفٌ في حواشيها لدان؟!

فهبني أنّني قد قلت شعراً * * * وقولي لا يوازيه بيان

وشعري دونه برق المواضي * * * قناةٌ يزدهي فيها السِّنان

فنارُ الشوق ترويها دموعٌ * * * تصاعد في السماء لها دخان

وأبلغُ ما حكينا ما سكبنا * * * وما يسمو عليها ترجمان

«أبا حسن» تفاخر منك مجدٌ * * * وذابت في روابيك الرِّعان

وأنت تقارع الايّام صبراً * * * بقلب لم يلوّثه الرِّهان

ودربٌ قد سلكت فما تبالي * * * بأنّك مفردٌ والكل بانوا

وأوقعت الطلاق بها ثلاثاً * * * فتاةٌ في غوايتها حصان

ولكن ضجّ من عادت اليه * * * تراقص حوله وهي افتتان

تريه من مقالتها جماناً * * * وخزيٌ في حشاها لا الجمان

ويالله قوماً قد تناسوا * * * حديثاً لم يحدْ عنه جنان

وفي سلب الحقيقة من ذراها * * * خداعٌ.. لا يدوم له كيان

فان عادت تدنّي من بنيها * * * لمسعاها فما كانت وكانوا

فهذا «سيفُ حيدرة» تلالا * * * أخوه الحق والصّبح المصان

كلا الحرّين ماعرفا ظلاماً * * * ولم يمسسهما ليلٌ مهان

«أبا حسن» وبعضي شدّ بعضي * * * «لربع» هام فيه الارجوان

حواليه المغاني راقصاتٌ * * * واشذاء الزهور له قيان

وفي ذوب الاصيل لقد تسامى * * * فؤادٌ يقتفيه الافعوان

هناك - على الفراتِ - البدرُ يسطو * * * لينهب آهةً فيها يُزان

وتعرِفُ «دجلةُ» النغم المفدّى * * * لتلهو حولها الغيدُ الحسان

«أبا الحسنين» عذراً إنْ وشى بي * * * خيالٌ عندهُ شاخ الزمان

فذاك لانّني فردٌ غريبٌ * * * وقلبي بالرزايا مهرجان

تباعد عن رؤى عيني جاءٌ * * * وتاه على مسافاتي الامان

وإنّي كلّما ذكرتْ بلادي * * * يراق الدّمعُ منّي والحنان

 

نزار سنبل

(1385 هـ -...)

 

الشيخ نزار بن محمد بن شوقي سنبل، شاعر اديب وفاضل كاتب، ولد في القطيف/ السعوديّة عام 1385هـ/ 1965م، وهناك نشأ ودرج وفيها بدأ دراسته الاكاديميّة لكنه لم يكد يبلغ الثانوية حتى انصرف عنها الى الالتحاق بالحوزة العلمية في قم المقدسة عام 1401هـ فبقي بها مدة ثم غادرها الى القطيف فسوريا فالنجف الاشرف عام 1406هـ حيث واصل فيها دراسته على ايدي اساتذتها حتى انتفاضة شعبان عام 1411هـ حيث التحق بعد سنتين منها بالحوزة العلميّة في قم المقدّسة للمرة الثانية وما يزال يواصل دروسه على ايدي علمائها ومراجعها، إضافة الى نشاطه الادبي من خلال الندوات والاحتفالات والملتقيات في بلده ومهجره على حدٍّ سواء، وما يزال يرفد الحركة الثقافية بنتاجاته، كما تربطه بأخوانه الشعراء علائق خاصّة، وله اكثر من مؤلَّف مخطوط ، ويعدُّ من طليعة الشعراء الشباب في منطقته.

وله من قصيدة قوله:

لملمت ثوبها الجريح وراحت * * * نحو شاطي الامان تنشد ظلا

وأفاقت من سكرها وهي جرحى * * * أرهقتها السنون قيداً وثقْلا

طأطأت رأسها العزيز حياءً * * * واستكانت في كبريائك خجلى

فغدت تمطر الدموع حراراً * * * ترتجي من علاك عطفاً ونبلا

فأبت نفسك الكريمةُ أن تعـ * * * ـقبَ من حار في مداها وضلاّ

أنت عودتها السباق الى كـ * * * ـلّ الذي تحتوي المكارم فضلا

منذ فجر الميلاد يتبعك المجـ * * * ـد هياماً في ذات قدسك جلا

والزهور البيضاء تمنحك العشـ * * * ـق وترفو اليك ثوباً ونعلا

وشراب الرسالة الطهر يملا * * * كأسَكَ الغضَّ بالضياء فيُملى

حضنتكَ الاملاك طفلاً نقياً * * * واستراحت لوهج عينيك كهلا

ونشيد (الغدير) آيتك الكبـ * * * ـرى، بلحن الخلود تفترُّ جذلى

كنت فيهم تموّج النور في الليـ * * * ـل، وشأن الضياء أنْ يتجلّى

عاهدتْك الوفاءَ أمسِ ولكن * * * قد تراخت أنامل الحقدِ جهلا

فاتخذت المسار للنجم تعلو * * * وهوت للتراب تخلد ذُلاّ

وبلغت المرمى فما أنت الاّ * * * وهج النور في السماء تجلّى

والمدار الرحيب والعلم المنـ * * * ـشور شدّت به الفراشات حبلا

هوّمت في مداه كلّ قوافيـ * * * ـنا وذابت حروفنا الخضر خجلى

عفو عينيك إن أضرّ بي البو * * * ح ورفّت قيثارة الحب عجلى

إنّ بي سكرة المحبين ظمأى * * * للقاء هامت به الروح وصلا

أيها المنهل الزلال حناناً * * * بسواق عطشى فبالوجد تصلى

روّنا من سناك ما نتملى * * * واسقنا من هداك علاًّ ونهلا

وله أيضاً:

أيها الشعر يا شعاع البدور * * * أنت لحن تشفّ يوم الغدير

فارسل الشدو زغردات هيام * * * دغدغ السحر في ثغور الحور

ته على الافق إن لحنك وحي * * * سكبته السما لتاج الامير

مرحبا بالغدير نغمة حبّ * * * لثمالى هواك رمز العصور

رجعتها الدهور تبعث عزماً * * * وولاءً يثير وحي الشعور

ذكري الحفل يا مشاهد خم * * * فلسفي موقف الرسول البشير

يوم أرض الغدير تنفث ناراً * * * وذكاء السماء جمر السعير

لغة العطف والحنو ارتداها * * * أم لامر أتاهُ جِدّ خطير

أجلِ الطرف يا حسودَ عليٍّ * * * تلمح الحقّ كالشعاع المنير

نسجته يد الاله وشاحا * * * نضدت دره بجيد الدهور

سكبت آية الولاية نورا * * * أُرسلت للقلوب يوم هجير

من تولاك يا علي المصفّى * * * سوف يختال في نعيم القصور

لهب الحبّ قد نهلناه شهدا * * * وسقينا رحيقه للصغير

وسقينا بفضل حبك جمرا * * * فارتشفناه سلسلاً من نمير

وله أيضاً:

إذا وقعت فتنة بينهم * * * فلست ألوذ بغير الاميرِ

حِماه حَماه إلهُ الورى * * * وألقى عليه كساء المجيرِ

ولو كنت في لهوات العذا * * * بِ لخلّصني من هوان السعير

فكيف بهذا البلاء القليل * * * أليس يكون الاميرُ نصيري

أبا حسن جربتك الدهورُ * * * فكنت المجيرَ بمرِّ الدهورِ

 

محمد الشويلي

(1387 هـ -...)

 

الاستاذ محمد الشويلي، أديبٌ شاعر وصحفيٌّ إذاعي، ولد في بغداد - العراق عام 1387 هـ/ 1967 م، واكمل دراسته الاعدادية فيها ثم تخرَّج من معهد التكنولوجيا، وله نشاطٌ أدبيٌّ ثقافي ملموس مع اقرانه الادباء الشباب في وطنه ثم في الجمهورية الاسلامية في ايران حيث هاجر اليها اثر الانتفاضة الشعبانيّة المجيدة فواصل شوطه في المجال الثقافي الاعلامي للمعارضة الاسلامية العراقية كما ساهم الى جانب اخوته الادباء في المنتديات والاحتفالات والاصدارات، وهو الان الى جانب ذلك أحد طلبة العلوم الدينيّة في الحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة وموظف في احدى مؤسّسات التحقيق إضافة الى مسؤوليته في احدى اذاعات المعارضة الاسلامية، وله اكثر من مجموعة شعرية مخطوطة كما له مسرحيّةٌ شعريّةٌ مُمَثَّلةٌ في العراق.

وله من قصيدة «عرس الغدير» قوله:

أيّ حرف وسط الصحارى يُقالُ * * * خبأتْه عيونها والرمالُ

كلّما أبدت الاعاصير كفّاً * * * لتنال الاحلام منه، تُغال

كم رماه الوشاة في سكرة القلـ * * * ـلب فأوقعت أقواسهم والنبال

إنّها أحرف الغدير فمُتْ يا * * * ظمأ الحرف، واستفق يا زُلال

ما لوتْها القيود في ساحة أو * * * شنقت زهوها المُلِثّ الحِبال

خضّبتها الدماء عرساً كريماً * * * وأجنَّ العشّاق منه الوصال

يطأ الجرح وهو مأتم حزن * * * فيصحّيه والنزيف احتفال

هبَّ ممّا صداه أُفقٌ نؤومٌ * * * وخيولٌ يندى بها التِصهال

كلّما تصدأ السيوف يجلّيـ * * * ـها بماء من الغدير الرِجال

يا شفاه الغدير ضمّي جريحاً * * * بين عينيه غُربةٌ وسؤال

ليس آه الغريب إلاّ حراباً * * * عثرةً في ضلوعه لا تقال

شبّ من جانحيه ثورة عشق * * * وسرى في تأريخه الامال

فرأى ذلك الغدير احتفالاً * * * يتهاوى في ضفتيه الُمحال

غارقاً في الضياء يقتحم الوجـ * * * ـدَ وللعزم في رؤاه اشتعال

إنّه العيد حيث يعقد في البيـ * * * ـدِ فيحكيهِ في السما كرنفال

حفرت أوجه الشعاب خطى الركـ * * * ـب فغاصت بالعشق حتى الرمال

وحريقٌ للقيظ يضرى فبردٌ * * * من نسيم الهوى به ينشال

شهد النخل عرسه فتشظّى * * * من ذؤابات سعفهنّ النصال

وعلى منبر المتاع تجلّى * * * صوتُهُ الغضّ يرتديه الجمال

أطلق الحرف وهو يحتضن التأ * * * ريخ كبراً، فتُهزم الاغلال

قال هذا الوزير، طأطئ خشوعاً * * * أيّها الكون، واركعي يا جبال

إنّه مشعلي المضيء دُجاكمْ * * * فاسلكي خلف ضوئه يا رِعال

كلّما اشتدت العواصف فيكم * * * خبّأتْكم جفناه، فهو ثِمال

إنّه غرسةُ الهدى فتوضّي * * * بشذاذ الطهور، يا أجيال

هكذا قال والمدى الرحب عرش * * * زان أركانه العلى والجلال

فتهادى الحشود مثل خيوط الـ * * * ـنمل في ضوء حبّه يختال

ها هو الصبح يا عيون محبّيـ * * * ـه فموتي بالليل يا عُذّال

حيث يسري قوافلاً تنثر المجـ * * * ـد فيتلو نشيدها الارتال

أنت أبصرتَ دمعنا ودمانا * * * يا وصيّ النبيّ كيف تُسال

سلن قُربى لضوء عينيك لمّا * * * هبّ يُطفي بريقه الانذال

رفرفت للغدير مثل طيور * * * شاقها عن أقفاصها الارتحال

فوق اشراقة المنابر غنّت * * * لتصلّي في روحها الاجال

أرضعتْها عيون فكرك درباً * * * أحمدياً يتيه فيه الضلال

فاحتضنْها، شدَّ المسارات فيها * * * إن تمت يرضع الهوى الاطفال

أو تقطّع على المقاصل كِبراً * * * ستضجُّ العروق والاوصال

تمنحُ الارض لونها الاروجوانـ * * * ـيَّ لتصحو سهولها والجبال

هو حرف النبي قيل فلا * * * بدَّ لكي يبلغ العصور المقال

نسكب الدمع والدماء عصوراً * * * وغماراً يخوضه الابطال

يا وصيّ النبيّ عُقبك، ألفٌ * * * مرّ، والعُرسُ شاخصاً لا يزال

فحروف الولاء في كلّ أرض * * * خبّأتها عيونها والرمال

 

عبد المجيد فرج الله

(1388 هـ -...)

 

الشيخ عبد المجيد ابن الشيخ عبد الحميد ابن الشيخ خلف آل فرج الله الجزائري المارّ ذكر بعضهم في هذا الكتاب، شاعر أديب وكاتب مؤلّف، ولد في سنة 1388هـ/ 1968م من أسرة علمية أدبيّة ودرس حتى الثانوية ثم انضمّ الى الحوزة العلمية في النجف الاشرف عام 1402هـ لكن الظروف السياسيّة المعروفة في العراق عاقته عن انتظام دراسته الدينيّة والاكاديميّة فواصل الاولى على فترات حتى انتهاء الحرب العراقية الايرانية، ولمّا اندلعت الانتفاضة الشعبانية في العراق عام 1411هـ شارك فيها ثم هاجر اثرها الى ايران حيث مارس الى جانب دراسته الحوزويّة في قم المقدّسة، العمل الاذاعي والصحفي، وله كتبٌ أغلبها مخطوط اما المطبوع منها فديوانٌ واحد ومجموعةٌ قصصيّة، كما اشترك مع الاُستاذ الاديب فرات الاسدي في تأليف الجزء الاوّل من موسوعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله في الشعر العربي، وهو الان مشتغل بالدراسة الدينية والخطابة الحسينية إضافة الى مشاركته في الاحتفالات والندوات الادبيّة والثقافيّة ويعدُّ من طليعة الشعراء الشباب.

وله في أمير المؤمنين قوله:

تسائل عنك مطلعك البدور * * * وليس سوى ضياك لها ينير

وتبحث عنك لاهثة رؤانا * * * فيظمأ من تلهفها الغديرُ

تود لو انها عاشتك عمراً * * * لتعبر منه رؤيتك الطهور

تلفع وجه امسك بالضاحايا * * * لتمنع عنك أفئدة تطير

وماهو غير قبلتنا وأنا * * * فراش قد دعاه إليه نور

ربيعك مفعم والكون طاو * * * على بؤساه ما فتئت تجور

ولو يسمو إلى عينيك منه * * * بمحض حنينه الوجد الكسيرُ

بفيض سناك تنعتق الدهور * * * فتزهر نجمة ويفيق نور

وينزل من سماك الطهر حلم * * * يداعب أعيناً ولهى تدور

ويعشب منحر ويضوع نزف * * * ويخضر الانين المستجيرُ

وتحيا كل قافية موات * * * فتزكو إذ يفيض بها الشعور

وقوله أيضاً:

على اعتاب وجهك امنيات * * * ترفرف في شواطئها الحياة

يدور على وجوه النجم حلما * * * سماويا فترنو الكائنات

تسائل في حنايا الكون من ذا * * * وكيف له تهد الراسياتُ

يجيب الكون ذلكم عليٌّ * * * بقبته تضوعت الصلاة

تحسست الجراح زفير وجد * * * فأذهلها اللقا والهمهماتُ

رأتك تجوب هذي الارض تحنو * * * على الباكين ما لهم حماةُ

تلامس كل عين ليس تغفو * * * وقد لف الاناسي السبات

 

حبيب محمود

(1388 هـ -...)

 

الاستاذ حبيب آل محمود القديحي، شاعرٌ أديب ولد في القطيف عام 1388هـ/ 1968م، ونشأ وترعرع فيها متأثّراً بأجوائها الثقافيّة والادبيّة حيث اكمل شوطاً من دراسته وهو في غمار ذلك يحرص على القراءة الذاتية والتثقيف الشخصي فترعرعت فيه الملكة ونضجت يساعده في ذلك شغفه بالتراث ثم المعاصرة، ويوجّهه استاذه الاديب السيد حسن ابو الرحي الذي يعترف له بأبوته الادبيّة ورعايته، وهو يواصل الان نشاطه الادبي في الاحتفالات والمنتديات، وله اكثر من مؤلّف مخطوط في الشعر وغيره.

وله من قصيدة:

أتيتُك في إثر القوافي النواضرِ * * * فهل في جداكم فيضُ إلهام شاعرِ

أعرني من معناكَ ومضةَ بارق * * * وهبني من ريَّاك نفثةَ ثائرِ

فقد جفّ في كفي اليراعُ وشط بي * * * خيالي وتاهتْ في مداك خواطري

وبت وأسفار اللُّغى بين وارد * * * وآخر لا يغني عن الرِّيِ صادر

معادُ معان لا يبل بها الصدى * * * وسفسطةٌ في نافر بعد نافرِ

فكيف أغني والشحاريرُ لم تدعْ * * * لمثلي لحناً عبقريّ التواتُر

تساميتَ عن هذي وتلك محلّقاً * * * بقدسك عن مستورِها والسّوافر

فيا مبدأً لم يتّئد لمساوم * * * ويا همةً لم تنقطع لمساير

ويا سورة من محكم الخلد آيُها * * * تراقص إرغاماً لكل مناظر

عجبتُ لقوم زايلوك ضلالةً * * * فعاثوا بدين الله عيث مخاطر

وزجّوا بها زجاً لقوم لو انتهوا * * * لغايتهم ما عدلوا ريش طائرِ

فكيف... وقد كنتَ الوصيَّ وكلُّهم * * * عليمٌ بخمّ والوصايا العواطر

على غُرّ آيات تغنّت صريحةً * * * بكلّ سنيٍّ من خلالِكَ ظاهرِ

وكنت - وقولي فيك تحصيل حاصل * * * كتاباً تهادى كلّ سطر بساحر

وتاريخ بذل لا يُنافسه المدى * * * وليسَ يداني حمده شكر شاكرِ

وكفاً كست عاري العقيدة بالظُّبا * * * وكانت لها أحمى حميٍّ وخافرِ

ولكنه «تدبيرُ ليل» تألّبت * * * عليه قلوبٌ زائغات البصائر

تولاه منهم جاهلون تلاعبوا * * * بقدرك، شأن الحاقد المتناحر

فللّه ما أحلاك في بردة الاسى * * * وقد قرنوا قرماً لتلك النظائر

فلمّا تأنّتْ واستمالك ضرعها * * * تساميت عنها، غير عاب بزاجر

فباتت على كتفيك مملكةُ الورى * * * وكفّك منها صافرٌ أيّ صافر

ولم تلق بالاً في بنيها بأنهمْ * * * ذوو شرف سام وآخرَ صاغرِ

لتشرق فجراً في نفوس كبت بها * * * صروف الليالي في ضباب المصائر

فسجّلتَ في صفحات عمرك سيرةً * * * تبزُّ شُعاع الصبحِ، لاح لساهر

فللّهِ ما أبهى محيَّاك مشرقاً * * * تخايل في مغناك حلو المفاخر

وكيف... وقد غذَّاك منهل أحمد * * * نميراً من العلياء عذبَ المصادر

فربّيتَ نفساً ما اشرأبّت لبارق * * * ولم تَتَجنَّبْ غير ذامِ المعاير

إلى أن طوت سفر الحياة وأغمضت * * * عيون إباء، ما استهامت بساحرِ

فعِش يا أبا السبطين في كنف المدى * * * سجلّ خلود رائعِ المتن ظاهرِ

وشمس هُدىً لا يبلغُ الدهر شأوُها * * * ويسقط عن إدراكها كلَّ طائرِ

وأمثولةً في موكبِ المجدِ غضةً * * * تفسّر للاجيال آيَ المفاخرِ

طواها خِضَمُّ الدهر في معجم الرّدى * * * ولكنّها لمّا تزل في الضمائر

 

علي الفرج

(1391 هـ -...)

 

الشيخ علي بن عبد الله الفرج القطيفي، شاعر أديب فاضل، ولد في القطيف عام 1391هـ/ 1971م، وفيها نشأ ودرج حتى انهى دراسته الثانوية - الفرع الادبي، ثم التحق بالحوزة العلمية عام 1410هـ في النجف الاشرف ثم سوريا ثم قم المقدسة حيث ما يزال يحضر دروسه على ايدي اساتذتها وعلمائها، اضافة الى نشاطه الادبي المميّز من خلال الندوات والاحتفالات في بلده ومهجره على حدٍّ سواء، وما يزال يرفد الحركة الثقافيّة بنتاجاته، كما تربطه بإخوانه ادباء الهجرة علائق خاصة، وله اكثر من مؤلّف مخطوط ومجموعة شعرية لم تطبع بعد، كما يُعدَّ من طليعة الشعراء الشباب في منطقته القطيف.

وله بعنوان: «دم العشق» قوله:

نبضات قلبك للحياة حياة * * * وحروف ذكرك للهدى صلوات

ونمير نهجك واحة رقراقة * * * ترسو على شِطآنها الايات

وغدير خمك لم يزل متفايضاً * * * تمتدّ من جنباته الكاساتُ

وعلى سبيلك ألف ذكرى ترتمي * * * حلما فتحضنها لك السنواتُ

وكتبت قصتك التي نحتت على * * * جيد الحياة فاحسن النحاتُ

قد وقع الرحمن تحت سطورها * * * إن الخلود لمثل ذاتك ذاتُ

سجدت لك الايام تنفض جنحها * * * وتقول قد نفخت عليّ حياةُ

وشربت من خمر الولاية رشفة * * * فتمايل الاحياء والاموات

وتردّت الدنيا بفضلك فانثنت * * * حسداً لوافر حظها الجناتُ

وتلاقفت مغناك افئدة العلى * * * فعلوت حتى مدّت القرباتُ

ياسيدي عذراً وتجفل احرفي * * * وعلى شفاهي ترجف الكلماتُ

ويزيغ قرطاسي حياء والرؤى * * * تجثو ومن حسراتها تقتات

فسكبت من قلبي مداداً عاشقاً * * * وقسيّ أضلاعي إليه دواة

وفرشت من جلدي لاكتب فوقه * * * حبّاً تذوب بجانبيه رفاتُ

ونثرت أهدابي لانقش حرفه * * * ولفظت أوردتي لها القبلاتُ

وله أيضاً:

رسمناك صبحاً فوق أعيننا أغفى * * * وان جفت الدنيا غديرُكَ ماجفّا

كتبناك حرفاً لو قرأنا بطونه * * * قرأنا به التوراة والذكر والصحفا

نحتناك تمثالا وصُغناك معبداً * * * نخوض الهوى ديناً نصلّي له صفّا

فلو كنت شمس الحب كنا شعاعها * * * ولو كنت جرح الحب كنا له النزفا

أيا رملَ خمٍّ كم سكبت على السما * * * نشيداً وودّت لو تكون لك العزفا

تحنَّنْ على ارواحنا وارو قصة الـ * * * أقاصيص يا ما كان.. يا حلما رفّا

أتذكر كيف الشمس تصلي جباههم * * * وقد وقف السلطان يوفي كما وفى

وقد صعد العرش الرفيع وما انتهت * * * حكاياه إلا الكفّ قد رفع الكفا

نسير بدنيا راحتيك قوافلاً * * * نسير الى عينيك نستمطر العطفا

أجل ها وصلنا للشواطي فأبحرت * * * مراكبنا العطشى وجنّت بها غرفا

ومجدافنا الميمون أهدابُك التي * * * تفيضُ سناً تحلو هدىً تُسْتهى لُطفا

عليٌ وما همس الغرامات خلسة * * * بأعذبَ من حرف وأعذِبْ به حرفا

وأنى خيالات العذارى بتولة * * * تدانيه طهراً وهو أصفى من الاصفى

وأين ارتعاشات الشموس لنوره * * * وأين الذي يُطفا لمن هو لا يُطفا

 

 

مختارات مما قيل في أمير المؤمنين (عليه السلام) من النثر

المقدمة

 

من الاجحاف وعدم الانصاف ان نستدل على فضل الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم، وهم الذين لولا جهاده وجهوده، وآثاره العظيمة لكانوا في طي النسيان، وعالم الاهمال، وما قيمة ما ذبحته يراعاتهم، او تفتح فرائحهم في فضله، بعد قوله سبحانه وتعالى في مجمم كتابه المجيد، مخاطباً اياه بـ (يا أيها الذين آمنوا).

عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ما أنزل الله آيةً في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلاّ وعليٌ شريفها وأميرها» وقول الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) له - يا علي وما عرفك إلاّ الله وأنا - ناهيك في ذلك شرفاً وفخراً ومجدا.

نعم إيراد تلكم الكلمات من هؤلاء الاعلام تعطينا صورة مُشرقةً وصادقةً عن إكبار المؤاف والمخالف لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وهيام الجميع بحبه، واعترافهم بفضله حتى من الحاسدين له.

وقد استعرضنا بعض كلمات الصحابة والتابعين والعلماء العظماء وانتخبنا النزر اليسير منها لكثرتها فهي في الحقيقة فوق الحصر، فلا يوجد كتاب في التاريخ الاسلامي، أو التراجم والسير إلاّ واسم على ابن أبي طالب في الصدارة، وكل فضيله لاحدهم إلاّ وهو عيالٌ عليه.

وقد اثرنا الاختصار وعدم تراجم الذين ذكرنا كلماتهم لانهم اعلام، ومن ارفته متباعدة وحسنويات مختلفة. هذا ما لزم بيانه والله المسدد للصواب.

حسين الشاكري

 

 

كلمة الخضر

 

عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لمّا كان اليوم الّذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتجّت الموضع بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجاء رجل باك وهو مسرع ومسترجع، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوّة، حتّى وقف على باب البيت الّذي فيه أمير المؤمنين صلّى الله عليه ، فقال: رحمك الله يا أبا الحسن كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله عزّ وجلّ، وأعظمهم عناءً، وأحوطهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله وأشبههم به هدياً ونطقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الاسلام وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن المسلمين خيراً، قويت حين ضعف أصحابه وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع بزعم المنافقين وغيظ الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين، فقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله عزّ وجلّ حين وقفوا، ولو اتّبعوك لهدوا،] و [كنت أخفضهم صوتاً وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم منطقاً، وأكثرهم رأياً، وأشجعهم قلباً وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملا، وأعرفهم بالاُمور، كنت والله للدين يعسوباً، وكنت للمؤمنين أباً رحيماً، إذ صاروا عليك عيالاً فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت إذ تخلّفوا، ونالوا بك مالم يحتسبوا، وكنت على الكافرين عذاباً صبّاً، وللمؤمنين غيثاً وخصباً، فطرت والله بعنانها، وفزت بجنانها، وأحرزت سوابقها، وذهبت بفضائلها لم تفلل حجتك ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخن. كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف، ولا تزيله القواصف، وكنت - كما قال النبيّ - ضعيفاً في بدنك قويّاً في أمر الله، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله عزّ وجلّ، كبيراً في الارض جليلاً عند المؤمنين، لم يكن لاحد فيك مهمز ولا لقائل فيك مغمز ولا لاحد عندك هوادة القويّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ، والبعيد والقريب عندك في ذلك سواء شأنك الحقّ والرفق والصدق وقوك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعز فبما فعلت وقد نهج السبيل وسهل العسير وأطفأت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي بك الايمان، وثبت بك الاسلام والمؤمنون، وسبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً، فجللت عن البكاء ; وعظمت رزيّتك في السماء، وهدّت مصيبتك الانام، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون رضينا عن الله قضاءه، وسلّمنا لله أمره، فو الله لن يصاب المسلمون بمثلك أبداً ، كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً وعلى الكافرين غظه وغيظاً، فألحقك الله بنبيّه، ولا حرّمنا أجرك، ولا أضلّنا بعدك.

وسكت القوم حتى انقضى كلامه، وبكى وأبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمَّ طلبوه فلم يصادفوه.

 

أبيات حجر بن عدي يؤبن الامام

 

فلما اصبح الامام بعد الضربة، إستاذن الناس عليه، فاذن لهم بالدخول عليه، فدخلوا واقبلوا يسلحون عليه وهو يرد السلام، ويقول: ايها الناس سلوني قبل ان تفقدوني وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم!!

فبكى الناس بكاءً شديداً، واشفقوا ان يسألوه تخففاً عنه، فقام اليه حُجر بن عَدِي وقال:

فيا أسفي على المولى التقي * * * أبي الاطهار حيدرة الزكي

قتله كافر حنث زنيم * * * لعبن فاسق نغل شقي

إلى آخر ابياته، فلما يصريه الامام وسمع شعره قال له: كيف بك إذا دعيت إلى البراءة مني؟ فما عساك تقول؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إرباً إرباً، واضرم لي النار وألقيت فيها لاثرتُ ذلك على البراءة منك؟؟

فقال (عليه السلام): وفقت لكل خير يا حجر، جزاك الله عن أهل بيت نبيك.

 

مرثية صعصعة بن صوحان

 

ذكر ابن ابي الحديد ان صعصعة بن صوحان العبدي رثا أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) بهذه الابيات:

ألا من لي بانسك يا اُخَيّا * * * ومن لي ان ابثك ما لديّا؟

طوتك خطوب دهر قد توتى * * * لذاك خطوبة نشراً وطيا

فلو نثرت قواك الى المنايا * * * شكوت اليك ما صنعت اليا

بكيتك يا علي بدَرِّ عيني * * * فلم يفن البكاء عليك شيا

كفى حزناً بدفنك ثم اني * * * نفضت تراب قبرك من يديا

وكانت في حياتك لي عضاة * * * وانت اليوم اوعظ منك حيا

فيا أسفي عليك وطول شوقي * * * ألاّ لَو أنّ ذلك ردَّ شيا

وانتظم الايمان، فعليك مني أفضل الصلاة والسلام، بك اشتد ظهر المؤمنين، واتضحت أعلام السبل، وأقمت السنن، وما جُمِعتْ لاحد مناقبك وخصالك، سبقت إلى إجابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مقدماً مؤثراً، وسارعت إلى نصرته، ووقيته بنفسك، ورميت بسيفك ذا الفقار في مواطن الخوف والحذر، قصم الله بك كل ذي بأس شديد، وذلّ بك كل جبّار عنيد، وهدم بك حصون أهل الشرك والكفر والعدوان والردى، وقتل بك أهل الضلال من العدى، فهنيئاً لك يا أمير المؤمنين، كنت أقرب الناس من رسول الله قربى، وأولهم سلماً، وأكثرهم علماً وفهماً، فهنيئاً لك يا أبا الحسن، لقد شرّف الله مقامك، كنت أقرب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نسباً وأولهم إسلاماً، وأوفاهم يقيناً، وأشدهم قلباً، وأبذلهم لنفسه مجاهداً، وأعظمهم في الحير نصيباً.

قال صعصعة بن صوحان: الولي التقي، الجواد الحيي، الحليم الوفي، الكريم الخفي، المانع بسيفه، الجواد بكفه، الوري زنده، الكثير وفده، الذي هو من ضئضئي أشراف أمجاد ليس بأقعاد ولا أنكاد، ليس في أمره ولا في قوله فند، ليس بالطايش النزق، ولا بالرايث المذق، كريم الابناء، شريف الاباء، حسن البلاء، ثاقب السناء، مجرب مشهور، وشجاع مذكور، زاهد في الدنيا، راغب في الاخرة.

 

خطبة الإمام الحسن وتأبين أبيه

 

وبعد الانتهاء من تجهيز أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفنه رجع اولاده الى الكوفة، ولم يشعر بهم احد، فأمر الامام الحسن (عليه السلام) بتقديم ابن ملجم اللعين وقتله ضربة بضربة وهجم الناس على جيفته فمزقوها واحرقوها.

فدخل الامام الحسن واخيه الحسين وبقية اخوته وآل أبي طالب وشيعتهم المسجد واعتلى المنبر، وعليه ثياب الحزن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون بعمل، ولم يدركه الاخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فبقيه بنفسه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوجهه برايته، فبكفيه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه، ولقد توفي في الليلة التي نزل فيها القرآن، وعرج فيها بعيسى بن مريم، والتي فيض فيها يوشع بن نون وصيّ موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطيته اراد ان يبتاع بها خادماً لاهله ثم خنقته العبره فبكى وبكى الناس.

 

ضرار بن ضمرة الكناني

 

يقول ضرار بن ضمرة الكناني - وهو من معاصري أمير المؤمنين علي (عليه السلام)حين أرغمه معاوية على أن يقول في علي (عليه السلام) ما يرى - فقال:

«كان والله بعيدَ المدى، شديدَ القُوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدُّنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزيرَ الدمعة، طويلَ الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطَّعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ونحن والله مع تقريبه إيّانا، وقربه منّا، لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظِّم أهل الدِّين، ويقرِّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله».

واشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم([1]) ويبكى بكاء الحزين، فكأني اسمه الان وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يتضرع اليه، ثم يقول: يا دنيا غري غيري أإليَّ تعرضت، ام إليّ تشوقت هيهات هيهات، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمركِ قصير، وخطركِ كبير، وعيشك حقير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق.

فبكى معاوية وكفف دموعه على لحيته ما تملكها، وجعل بنشفها بكمه وقد اختنق العوم بالبكاء، وقال: رحم الله ابا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذبح ولدها بحجرها، فهي لا ترفأ عبرتها، ولا يسكن حزنها. ([2])

 

أبو بكر

 

قال أبو بكر يوم غدير خم لما بايعه ; أمسيت يابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة.

 

عمر بن الخطاب

 

قال مخاطباً أمير المؤمنين (عليه السلام).

في مسألة قسمة بيت المال:

«يا أبا الحسن، لا أبقاني الله لشدة لست لها، ولا لبلد لست فيه».

وقال أيضاً:

«أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن».

وله غير ذلك كثير.

وقال عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر.

وقال أيضاً: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن.

وقال أيضاً: لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر.

وقال أيضاً: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب.

وقال أيضاً: علي اقضانا.

وقال أيضاً: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب.

 

عثمان بن عفان

 

قال عثمان بن عفان: لولا علي لهلك عثمان.

 

ابن مسعود

 

قال عبد الله بن مسعود: كنا نتحدث أنّ أقضى المدينة علي بن أبي طالب.

 

ابن المسيب

 

قال سعيد بن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب.

 

سعد بن أبي وقاص

 

قال سعد بن أبي وقاص لمعاوية لما سأله: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟

قال: أمّا ما ذكرت ثلاث قالهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبه، لان يكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لعلي وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي» ; وسمعته يقول له يوم خيبر: «لاعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله وبحبه الله ورسوله»، فتطاولنا إليها، فقال: «ادعوا عليا»: فأتاه وبه رمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه ; وانزلت هذه الاية: (فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي».

 

زيد بن أرقم

 

قال زيد بن أرقم: أوّل من صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب.

 

الحسن بن علي

 

خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون بعمل، ولا يدركه الاخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه.

 

عائشة

 

قالت عائشة: ما رأيت رجلاً أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منه.

وقالت أيضاً: اما إنّه لاعلم الناس بالسنّة.

 

أبو سعيد الخدري

 

قال أبو سعيد الخدري: كنا نعرف المنافقين ببغضهم علياً.

 

قيس بن سعد بن عبادة

 

قال قيس بن سعد بن عبادة لمعاوية بن أبي سفيان: أن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين، فبعثه إلى الناس كافة، إلى الجن والانس، والاحمر والاسود والابيض، اختاره لنبوته، واختصه برسالته، فكان أول من صدقه وآمن به ابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأبو طالب يذب عنه ويمنعه، ويحول بين كفار قريش وبين أن يردعوه أو يؤذوه، وأمره أن يبلغ رسالة ربه، فلم يزل ممنوعاً من الضيم والاذى حتّى مات عمه أبو طالب، وأمر ابنه بمؤازرته، فآزره ونصره، وجعل نفسه دونه في كل شديدة وكل ضيق وكل خوف ; واختص الله بذلك علياً من بين قريش، وأكرمه من بين جميع العرب والعجم. ونعم ما قال الشاعر:

ولولا أبو طالب وابنه * * * لما مَثُل الدين شخصاً وقاما

فذاك بمكة آوى وحامى * * * وهذا بيثرب جسّ الحماما

فلله ذا فاتحاً للهدى * * * ولله ذا للمعالي ختاما

فجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع بني عبد المطلب، منهم أبو طالب، وأبو لهب، وهم يومئذ أربعون رجلاً، فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخادمه علي، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجر عمه أبي طالب فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في اُمتي، وولي كل مؤمن بعدي؟ فسكت القوم، حتّى اعادها ثلاثاً، فقال علي: أنا يا رسول الله (صلّى الله عليك)، فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه، وقال: اللّهم املا جوفه علماً وفهماً وحكماً، ثم قال لابي طالب: يا أبا طالب أسمع الان لابنك وأطع، فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى ; وآخى صلى الله عليه وآله بين علي وبين نفسه.

 

ابن عباس

 

قال عبد الله بن عباس لقوم يتناولون علياً: ويحكم أتذكرون رجلاً كان يسمع وطأ جبرئيل (عليه السلام) فوق بيته، ولقد عاتب الله اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن ولم يذكره إلاّ بخير.

وقال أيضاً: اعطي علي (رضي الله عنه) تسعة اعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي.

وقال أيضاً: لعلي أربع خصال ليست لاحد غيره: وهو أوّل عربي وأعجمي صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي كان لواءُة معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم فرّ غيره، وهو الذي غسّله وأدخله قبره.

 

عبد الله بن عمر

 

قال عبد الله بن عمر لنافع بن الازرق - لما قال: إنّي أبغض علياً - أبغضك الله، اتبغض رجلاً سابِقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها.

وقال أيضاً: ما كنت آسى على شيء إلاّ أنّي لم أقاتل مع علي الفئة الباغية.

 

سعيد بن العاص

 

قال سعيد بن العاص: أما إنّه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب.

 

معاوية

 

كان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن ذلك ، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.

فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام.

فقال له: دعني عنك.

 

جابر بن عبد الله

 

قال جابر بن عبد الله الانصاري: ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغض علي بن أبي طالب (عليه السلام).

 

ضرار

 

قال ضرار بن ضمرة الكناني لما طلب منه معاوية أن يصف له عليا: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبئناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه هيبة له، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني اسمعه الان وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول: يا دنيا غري غيري، إليَّ تعرضتِ، أم إليَّ تشوقتِ هيهات هيهات، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمركِ قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ، ووحشة الطريق.

فبكى معاوية ووكفت دموعه على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه ، وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذبح ولدها بحجرها، فهي لا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها.

 

القعقاع

 

قام القعقاع بن زرارة على قبره فقال: رضوان الله عليك يا أمير المؤمنين، فو الله لقد كانت حياتك مفتاح الخير، ولو أنّ الناس قبلوك لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم غمطوا النعمة، وآثروا الدنيا.

 

الحسن البصري

 

قال الحسن البصري: كان والله سهماً صائباً من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الامة وذا فضلها وذا سابقتها وذا قرابتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسرقة لمال الله، اعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، وذلك علي بن أبي طالب.

 

عطاء

 

سُئل عطاء: أكان في أصحاب محمّد أحد أعلم من علي؟ قال: لا والله لا أعلمه.

 

عبد الله بن عياش

 

قال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة لسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص - لما سأله: يا عم لم كان صفو الناس إلى علي؟ - قال: يا ابن أخي إنّ علياً كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة والقدم في الاسلام، والصهر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والفقه في السنة، والنجدة في الحرب والجود بالماعون.

 

عامر بن عبد الله بن الزبير

 

قال عامر بن عبد الله بن الزبير لابن له ينتقص علياً: يا بني إياك والعودة إلى ذلك، فإن بني مروان شتموه ستين سنة، فلم يزده الله بذلك إلاّ رفعة، وإنّ الدين لم يبن شيئاً فهدمته الدنيا، وإنّ الدنيا لم تبن شيئاً إلاّ عاودت على ما بنت فهدمته.

 

محمد بن أبي بكر

 

كتب محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة إلى معاوية بن أبي سفيان: فكان أوّل من أجاب وأناب وآمن وصدق وأسلم وسلّم أخوه وأبن عمه علي بن أبي طالب، صدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه بنفسه كل هول، وحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الليل والنهار، والخوف والجزع، حتى برز سابقاً لا نظير له فيمن اتبعه، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تساميه وأنت أنت وهو هو ; أصدق الناس نية، وأفضل الناس ذرية، وخير الناس زوجة وأفضل الناس ابن عم، وأخوه الشاري بنفسه يوم هجرته، وعمه سيد الشهداء يوم اُحد، وأبوه الذاب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن حوزته.. فكيف يا لك الويل تعدّ نفسك بعلي وهو وارث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيه، وأبو ولده ، أوّل الناس له اتباعاً وأقربهم به عهداً، يخبره بسرّه ويطلعه على أمره.

 

الشعبي

 

قال الشعبي: كان علي بن أبي طالب في هذه الامة مثل المسيح بن مريم في بني إسرائيل ; أحبه قوم فكفروا في حبه، وأبغضه قوم فكفروا في بغضه.

وقال أيضاً: كان أسخى الناس، وكان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود، ما قال: لا لسائل قط.

 

عمر بن عبد العزيز

 

قال عمر بن عبد العزيز: ما علمنا أنّ أحداً من هذه الامة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أزهد من علي بن أبي طالب، وما وضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة.

 

معاوية بن يزيد

 

خطب معاوية بن يزيد بن معاوية على المنبر فقال: ألا إنّ جدي معاوية قد نازع في هذا الامر من كان أولى به منه ومن غيره، لقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأعظم فضله وسابقته، اعظم المهاجرين قدرا، واشجعهم قلبا، وأكثرهم علماً، وأولهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأخوه، زوجّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته فاطمة، وجعله لها بعلاً بإختياره لها، وجعلها له زوجة بإختيارها له، أبو سبطيه سيدي شباب أهل الجنة، وأفضل هذه الامة، تربية الرسول، وابني فاطمة البتول، من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكية، فركب جدي معه ما تعلمون، وركبتم معه مالا تجهلون.

 

أبو قيس الاودي

 

قال أبو قيس الاودي: أدركت الناس وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبون علياً، وأهل دنيا يحبون معاوية، وخوارج.

 

ابن شبرمة

 

قال ابن شبرمة: ليس لاحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني غير علي بن أبي طالب.

 

ابن إسحاق

 

قال إبن إسحاق: أوّل ذكر آمن بالله ورسوله علي بن أبي طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين.

 

سفيان بن عيينة

 

قال سفيان بن عيينة: ما بنى علي (رضي الله عنه) لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة.

 

الاحنف بن قيس

 

قال الاحنف بن قيس لمعاوية: لله در ابن أبي طالب، لقد جاد من نفسه بما لم تسمح به أنت ولا غيرك.

 

خالد بن معمر

 

قال خالد بن معمر لمعاوية - لما سأله: على ما أحببت علياً؟

قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا حكم.

 

ثابت بن قيس بن شماس

 

قال له ثابت بن قيس بن شماس الانصاري بعدما بويع (عليه السلام) بالخلافة: والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين، ولئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك، ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد مع عملك.

 

خزيمة بن ثابت

 

قال خزيمة بن ثابت الانصاري - ذو الشهادتين - بعدما بويع (عليه السلام) بالخلافة: يا أمير المؤمنين ما أصبنا لامرنا غيرك، ولا كان المنقلب إلاّ إليك، ولئن صدقنا انفسنا فيك لانت أقدم الناس إيماناً، وأعلم الناس بالله، وأولى المؤمنين برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لك مالهم وليس لَهُم مالك.

 

مالك الاشتر

 

قال مالك الاشتر بعدما بويع (عليه السلام) بالخلافة: أيها الناس هذا وصي الاوصياء ، ووارث الانبياء، العظيم البلاء، الحسن العناء، الذي شهد له كتاب الله بالايمان ورسوله... الخ.

 

أنس بن مالك

 

سُئل أنس بن مالك من كان آثر الناس عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رأيت؟

قال: ما رأيت أحداً بمنزلة علي بن أبي طالب، إن كان يبعث في جوف الليل إليه فيستخلي به حتى يصبح ; هذا كان له عنده حتى فارق الدنيا.

وقال: ولقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: يا أنس تحب علياً؟

قلت: والله يا رسول الله أني لاحبه كحبك إياه.

فقال: «أما إنّك إن أحببته أحبك الله، وإن أبغضته أبغضك الله وإن أبغضك الله أولجك النار».

 

أمّ سلمة

 

قالت أمّ سلمة: والله إنّ علي بن أبي طالب لعلى الحق قبل القوم، عهداً معهوداً مقضيّا.

 

أحمد بن حنبل

 

ولقد كانت كل هذه الفضائل لعليّ بن أبي طالب، وأُثرت عنه بما صح أن يقال: إنه ليس لاحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله.

أخرج السلفي في الطبوريات، عن عبد الله بن احمد بن حنبل قال: سألت ابي عن علي ومعاوية، فقال: اعلم ان علياً كثير الاعداء ففتّش له اعداؤه شيئاً فلم يجدوه، فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فاطروه كيداً منهم له.

 

الخليل بن احمد الفراهيدي

 

استغناؤه عن الكل، واحتياج الكل إليه، دليل على أنه إمام الكل.

 

ابن سينا

 

وله في أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

علي بين الناس كالمعقول بين المحسوس.

 

الخواجه نصير الدين الطوسي

 

علي أعلم الناس بعد الرسول، وأعبدهم وأفصحهم، وأحكمهم رأياً، واحفظهم لكتاب الله وإجراء أحكامه، وألصقهم بهديه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وبعد مماته، ومحبته واتباعه واجبان، ورتبته مساوية لرتبة الانبياء، وهو النبع الفياض الذي طالما اغترف منه المغترفون.

 

الزمخشري

 

ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حقدا وحسداً، وأولياؤه خوفاً فظهر من بين ذين ما ملا الخافقين.

 

محمد بن إسحاق الواقدي

 

ما جاء لاحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب.

 

الفخر الرازي

 

... ومن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.

 

الشيخ بهاء الدين العاملي

 

هو الفتى الذي ما شئت فقل في مقامه، إلا ما قاله النصارى في المسيح (عليه السلام)، وكيف لا يكون كذلك وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فهو أمل الناس، وأعظمهم، وأطهرهم سلالة.

 

السيد عبد الحسين شرف الدين

 

كان الامام يتحرى السكينة في بث النصوص عليه، ولا يقارع بها خصومه احتياطاً على الاسلام، واحتفاظاً بريح المسلمين، وربما اعتذر عن سكوته وعدم مطالبته - في تلك الحالة - بحقه فيقول: لا يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ماليس له، وكان له في نشر النصوص عليه طرق تجلت الحكمة فيها بأجلى المظاهر ألا تراه ما فعل يوم الرحبة إذ جمع الناس فيها أيام خلافته لذكرى يوم الغدير، فقال لهم: أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول يوم غدير خم ما قال، الا قام فشهد بما سمع، ولا يقوم إلا من رآه؟ فقام ثلاثون من الصحابة فيهم اثنا عشر بدرياً، فشهدوا بما سمعوه من نص الغدير، وهذا غاية ما يتسنى له في تلك الظروف الحرجة بسبب قتل عثمان، وقيام الفتنة في البصرة والشام، ولعمري إنه قصارى ما يتفق من الاحتجاج يومئذ مع الحكمة في تلك الاوقات، ويا له مقاماً محموداً بعث نص الغدير من مرقده، فأنعشه بعد أن كاد، ومثل لكل من كان في الرحبة من تلك الجماهير موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم خم، وقد أخذ بيد علي فأشرف به على مئة الف أو يزيدون من أمته، فبلغهم أنه وليهم من بعده وبهذا كان نص الغدير من أظهر مصاديق السنن المتواترة، فانظر إلى حكمة النبي إذ أشاد به على رؤوس تلك الاشهاد، وانتبه إلى حكمة الوصي يوم الرحبة إذ ناشدهم بذلك النشاد، فأثبت الحق بكل تؤدة اقتضتها الحال، وكل سكينة كان الامام يؤثرها، وهكذا كانت سيرته في بث العهد إليه، ونشر النص عليه، فإنه إنما كان ينبه الغافلين بأساليب لا توجب ضجة ولا تقتضي نفرة.

 

شبلي الشمّيل

 

الامام علي بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم يَر له الشرق ولا الغرب صورة طبق الاصل قديماً وحديثاً.

 

عباس محمود العقاد

 

«... وإنّك لتنحدر مع أقاب الذرية في الطالبيين أبناء عليّ والزَّهراء مائة سنة ومائتي سنة وأربعمائة سنة، ثم يبرز لك رجل من رجالها فيخيَّل إليك أنَّ هذا الزَّمن الطويل لم يبعد قط بين الفرع وأصله في الخصال والعادات، كأنَّما هو بعد أيّام معدودات لابعد المئات وراء المئات من السِّنين، ولا تلبث أن تهتف عجباً: إنَّ هذه لصفات علويَّة لا شك فيها، لانَّك تسمع الرَّجل منهم يتكلَّم ويجيب من كلِّمه، وتراه يعمل ويجزي من عمل له، فلا يخطئ في كلامه، ولا في عمله، تلك الشجاعة والصَّراحة، ولا ذلك الذكاء والبلاغ المسكت، ولا تلك اللوازم التي اشتهر بها علي وآله وتجمعها في كلمتين اثنتين تدلان عليها أو في دلالة وهما: (الفروسيَّة الرِّياضية).

طبع صريح، ولسان فصيح، ومتانة في الاسر يستوي فيها الخلق والخلق، ونخوة لا تبالي ما يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سنَّة المروءة والاباء».

 

الدكتور نوري جعفر

 

من كتابه (علي ومناوئوه) ينقل بعضها الدكتو طه حسين:

أما اذا نظر الباحث الى مواقف الامام نفسه في حماية الدعوة الاسلامية وصاحبها من مؤامرات كفار قريش، تلك المواقف التي دلت على كفاءته لتسلم خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته من جهة، والتي اهلته لتسنم ذلك المنصب الرفيع من جهة أخرى. فإنه يجد تلك المواقف المشرفة كثيرة العدد «تتزاحم بالمناكب وتتدافع بالراح» بحيث يصبح أمر الموازنة بينها «لاختيار بعضها للاستشهاد به» من أصعب الامور. وقبل أن نتطرق إلى ذكر أهمها، يجمل بنا أن نشير إلى الظروف الخاصة التي ربطت بين علي والاسلام من جهة، وبينه وبين النبي من جهة أخرى، وبقدر ما يتعلق الامر بصلة الاسلام بعلي، أو صلة علي بالاسلام، يمكننا أن نقول مع العقاد: «لقد ملا الدين الجديد قلباً لم ينازعه فيه منازع من عقيدة سابقة، ولم يخالطه شوب يكدر صفاءه ويرجع به إلى عقابيله، فبحق ما يقال: إن علياً كان المسلم الخالص على سجيته المثلى، وأن الدين الجديد لم يعرف قط أصدق إسلاما منه ولا أعمق نفاذاً فيه».

فقد بعث النبي على ما يقول الدكتور طه حسين: وعليٌّ عنده صبي فأسلم.. وظل بعد إسلامه في حجر النبي يعيش بينه وبين خديجة أم المؤمنين وهو لم يعبد الاوثان قط.. فامتاز بين السابقين الاولين بأنه نشأ نشأة إسلامية خالصة. وامتاز كذلك بأنه نشأ في منزل الوحي بأدق معاني هذه الكلمة».

أما الاثار العميقة التي تركتها هذه البيئة الاسلامية الصافية في خلق الامام، في عقله، وقلبه، ولسانه، ويده، فتعتبر من أوليات الامور المسلم بها عند الباحثين الحديثين في علم النفس، وعلم الاجتماع.

إن علياً كان مهيئاً للخلافة بعد الرسول، هذا إذا نظرنا للخلافة من جوانبها الزمنية، وأن صلاته بالرسول وبالاسلام، وصلات الاسلام والرسول به تؤهله لذلك.

ولو احتج المسلمون أثناء السقيفة بعد وفاة النبي: «أن علياً كان أقرب الناس إليه، وكان ربيبه، وكان خليفته على ودائعه، وكان أخاه. بحكم تلك المؤاخاة، وكان ختنه وأبا عقبه، وكان صاحب لوائه، وكان خليفته في أهله، وكانت منزلته منه بمنزلة هارون من موسى بنص الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه.

لو قال المسلمون هذا كله واختاروا علياً بحكم هذا كله، لما أبعدوا ولا انحرفوا.

وكان كل شيء يرشح علياً للخلافة... قرابته من النبي، وسابقته في الاسلام ، ومكانته بين المسلمين، وحسن بلائه في سبيل الله، وسيرته التي لم تعرف العوج قط، وشدته في الدين، وفقهه بالكتاب والسنة، واستقامة رأيه».

خلافة الامام

«لقد كان عليّ موفقاً كل التوفيق، ناصحاً للاسلام كل النصح.. صبر نفسه على ما كانت تكره. وطابت نفسه للمسلمين بما كان يراه حقاً.. بايع على ثاني الخلفاء كما بايع أولهم كراهية للفتنة.. ونصحاً للمسلمين.

ولم يظهر مطالبته بما كان يراه حقاً له. ونصح لعمر كما نصح لابي بكر.. وقد بايع عثمان كما بايع الشيخين. وهو يرى أنه مغلوب على حقه. ولكنه على ذلك لم يتردد في البيعة، ولم يقصر في النصح للخليفة الثالث، كما لم يقصر في النصح للشيخين من قبله.. فكان طبيعياً إذن حين قتل عثمان أن يفكر علي في نفسه، وفيم غلب عليه من حقه.

ولكنه مع ذلك لم يطلب الخلافة، ولم ينصب نفسه للبيعة إلا حين استكره على ذلك استكراهاً.

وقد أوجز الامام سياسته العامة في أول خطبة خطبها حين استخلف فقال: «إن الله أنزل كتاباً هادياً يبين فيه الخير والشر. فخذوا الخير ودعوا الشر والفرائض أدوها. اتقوا الله عباد الله في عباده وبلاده.. وإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم».

كلمات قصار ولكنها تتضمن إجراء تغيير واسع المدى، وعميق الغور في علاقات المسلمين ببعضهم وبالخليفة.

ومما تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد أن الامام - كما يحدثنا مؤرخوه - قد اعتذر مراراً عن قبول الخلافة على الرغم من إلحاح المسلمين عليه.

وقد مر بنا طرف من ذلك.

ولقد أشار الامام نفسه إلى ذلك في مواطن شتى من «نهج البلاغة»، قال يصف تزاحم المسلمين عليه وإلحاحهم الشديد على مبايعته:

«دعوني والتمسوا غيري. فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الافاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب».

 

جعفر الخليلي

 

منذ أربعة عشر قرناً واسم الامام علي (عليه السلام) يحتل الصدارة في بحوث المؤرِّخين، والمتتبعين، والباحثين، حين يجيء ذكر الايمان، والاستقامة، والعدل، والشجاعة، والجهاد في سبيل الله، والصبر على المكاره، أو حين يجيء ذكر المعرفة والحكمة، والادب والشعر والخطابة، فتمر سيرته في صور مزدانة بألوان من الصفات التي لم تجتمع في شخصيَّة إنسان عبقري موهوب كما اجتمعت في هذه الشخصيَّة الفذة العجيبة التي خلبت العقول، وحيَّرت الالباب، وكانت من القوَّة والرسوخ من حيث هذه المزايا - مزايا العلم والحكمة والمعرفة وسمو الخلق والانسانية الحقَّة - بحيث تمرَّدت على العوامل الفعّالة التي من شأنها إبادة أي شيء - مهما عظم - إذا ما وقف أمامها.

كان علي أمَّةً مستقلةً بذاتها، تحكي عقليَّة الدَّهر، وتعبِّر عن نضج الزمان، وتصوِّر نهاية المراحل من سموِّ البشريَّة، وقمَّة المجد، فليس من الصحيح أن يقاس علي بالافراد فهو نسيج وحده، ومن الخطأ أن يقال عن علي: إنَّه كان أورعهم، وأتقاهم، وأنبلهم، وأسخاهم وأنت تعرض لسيرة العظماء والمزايا الانسانية فكما أنَّك لا تستطيع أن تقرن الارض بالقمر بهاءً، وتقرن معدن الراديوم بالمعادن الاخرى جوهراً، وتقيس عليه، فإنَّك لا تستطيع أن تقرن اسم علي بأسماء العظماء - باستثناء من خصُّوا برتبة النبوة - وهو غير نبي طبعا - لانَّ مزايا علي قد تجاوزت الحدود المألوفة، ولانَّ شخصيته بلغت القمَّة من الامجاد والمثل العليا في دنيا البشريَّة.

وحين يستعرض المرء المبادئ والملكات والمزايا فلا يصح أن يأتي بعلي مثلاً ، ذلك لانَّ علياً - كما قلت - أمَّة مستقلة ليس لها بين الافراد من شبيه، وإنَّه قد سما بما جاء به من موازين، وما أعرب به من مزايا، وما عبَّر به عن صفات الانسان الكامل العديم النظير، حتّى صارت كلمة علي وحدها تكفي لترسم أمام العين كلَّ الصور الجذّابة من معاني الانسانية.

ولعلَّ كلمة (علي) التي يكتبها البعض فوق مخازنهم، وحوانيتهم، أو يعلِّقونها في إطار الالواح الفنية المزخرفة في بيوتهم، أو التي ينقشونها على أبواب العمارات، والمساجد، والمعاهد والمؤسسات، أقول: لعل هذه الكلمة ضرب من ضروب البديع ورمز من رموز الفن المعروف في علم البديع (بالاكتفاء) وهي صريحة المنطوق، واضحة المفهوم، فلا حاجة لان يضاف إليها شيء ليفهم الناس: أنَّ علياً يحكي المجموعه الكاملة من فضائل الدُّنيا ومزاياها.

يقول محمد مهدي الجواهري:

تعداد مجد المرء منقصة إذا * * * فاقت مزاياه عن التعداد

ولقد فاقت مزايا عليٍّ حدود التعداد، وتحدَّت عوامل الزمن التي تجرف أمامها الماضي والحاضر فتجعله أثراً بعد عين.

لقد تحدَّت مزايا علي عوامل الزَّمن بقوَّة لم يُعرف لها نظير في تاريخ العظماء حتى أصبحت شخصيَّته كالشمس التي إذا ما حجبها الضّباب أو السَّحاب أو الغبار ، أو حال القمر بينها وبين الارض مرَّة فلن يستطيع أن يحجبها مرّات، ولن يقوى على تغيير جوهرها، ونفوذ عملها وأثرها في الارض وفي الطبيعة.

هذه الشخصيّة - شخصيَّة الامام عليٍّ - التي تحدَّت الزَّمن، وتحدَّت كلَّ الوسائل الفعالة التي يكفي أن يغير بعض مفعولها حقيقة الاُمم وواقعها، ويبدِّل مجرى التاريخ وحقيقته، هذه الشخصيَّة كانت ولم تزل ملء العين، وملء القلب، والقدوة المثاليَّة عند ذوي الادراك والعقول النيِّرة، والباحثين عن الانسانيَّة الكاملة في دنيا البشريَّة، هذه الشخصيَّة التي لم تكتف بأن تصمد وتثبت كالجبل أمام تلك الزَّعازع والعواصف والرعود والبروق التي نسجتها الدِّعاية بكل ألوانها وأصنافها من وعد ووعيد وحسن جزاء، وصبِّ نقمة، بل أصبحت مبعثَ الحياة ومأمل الامل على رغم كل تلك الحروب التي شُنَّت عليها - حتى ألِّفت فيها الكتب ، ووضعت عنها الدِّراسات، ونقلت عنها الشواهد والامثلة، فكانت نبراساً يهتدي به التائه في ظلمات الدنيا، واستوى الباحثون في حقيقتها، والمتتبعون لاثارها، والذائبون فيها: الشرقيون منهم والغربيون، العرب وغير العرب، المسلمون وغير المسلمون.

 

عبد الله العلايلي

 

وهذه مقتطفات من كتابه: مشاهد وقصص من أيام النبوة. كتب عن زواج النور من النور، فقال:

شاع الخبر في المدينة سريعاً كما يشيع الاريجُ العابقُ في كلّ مكان مع النَّسم النّديِّ، فكانت ميمونةُ لا تمرُّ بمحلَّة من دور الانصار إلاّ وترى المرأة تميل إلى المرأةِ، وتقول لها في بِشْر ظاهر:

أما بلغك النّبأُ؟ عليٌّ (عليه السلام) خطب فاطمة (عليها السلام)، وبارك النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) العقد، وإنّه لَنِعْم الحدثُ. ليس لهذه السّيّدةِ المصطفاة إلاّ هذا السيّد المصطفى. وهي ربيبةُ الوحي والرِّسالة، وهو ربيبُ الوحي وبطلُ الرِّسالة.

وفي استدارتها صوبَ منزلها سمعت رجلاً يسمر إلى آخر في ناحية من الحيِّ ويقول:

إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزوِّج عليّاً (عليه السلام)، وإنّما كرّم البطولة الخالدة المظفّرة في شخص البطل الخالدِ المظفَّر، وإنَّ من حقِّ البطولة تكريمها، وما فات النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكرِّم البطولة بأعزِّ ما عنده وأقرب ما هو إلى قلبه، فإنّ فاطمة (عليها السلام) قلب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مصوَّراً في إنسان ملاكِيٍّ أو ملاك إنسانيٍّ. وليس في هذا معناه بل معنى التّكريم، فإنّ محمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، في حقيقته، رسالةٌ ودعوةٌ وهو المبتدأ، وإنّ عليّاً (عليه السلام)، في حقيقته ، إيمانٌ وإجابةٌ وهو الخبر، ولا شكَّ في أنّ فاطمة (عليها السلام) رابطةُ الاسناد.

وما فات ميمونَةَ أن تسمع ما ردَّ به الاخرُ - وكان من المهاجرين الاوَّلينَ، كما تقول -: وأيضاً لقد كرَّم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا القران بطولةً أخرى هانئةً في أبديَّتها المشرفة الواعية، إنّه كرّم أبا طالب النّصير البرَّ والمجاهد الاوَّل.

قال الانصاريُّ: فهذا القران إذا تكريمٌ مزدوجٌ ضاعف معناه، وأخلد بهذا اليوم يوم تكريم البطولات، إنّه ليستخفُّني بمعناهُ الكبيرِ...

وأيضاً:

وكان معنى اختيار عليٍّ (عليه السلام) إلى جنب النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جمعَ كلِّ الانسانيّة فيه، وجاء معه علامةً على أنّ الانسانيَّة بكلّ ما ثبت فيها، لن تنحرف عن النبوَّة الجديدة بكل ما ثبت فيها. فكانت فاطمةُ (عليها السلام) منهما بين مصدر إشراقِ النُّورِ ومجلى انعِكاسِهِ، وموجاتُ الشُّعاع تمور متألِّقَةً في جَوِّ نفسِها المتساميَةِ أبداً.

وأيضاً:

يضلّ الزَّمانُ حقيقةً موهومةً، لولا بعضُ الاعمالِ الخالدةِ الّتي تؤرِّخُهُ...

وتكون هذه الاعمال أكبر من الزَّمَنِ، لانّ حقيقته بعض هباتِها...

فيومُ عليٍّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) أكبر من الزّمن، وأخلد من التّاريخ!...

أثبتت النُّبوَّةُ معناها الخالد في روحيَّةِ الانسان على وجه...

وأثبتت النُّبوَّةُ ذاتيَّتها الخالدة في دم الانْسان على وجْه...

وأيضاً:

كانت النبوَّةُ ستظلُّ ذكرى فقط...

ولكن شاء اللهُ أن تكون حياةً أيضاً...

فيوم عليٍّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) إبقاءٌ لحياةِ النبوَّةِ على الدُّهور...

وأيضاً:

تضعُ الحقيقة الكبرى خصائص معناها في النَّواةِ لانّها تريد البقاء

والنَّواةُ لا تختلف في خصائصها إلاّ إذا كان لناموس الوراثة الطّبيعيِّ أن يختلف.

فيومُ عليٍّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) يوم بروز النَّواةِ لتمثل خصائصها في شكل آخر.

تذهب النَّواةُ الّتي هي مخزون الخصائصِ، تتمُّ دورتها وتعطي أشياءها.

والنُّبوَّةُ فكرةُ السّماءِ المصلحة في محيط البشر...

فيوم عليٍّ وفاطمةَ، طبعٌ لعقليَّةِ النبوَّةِ في عقل النّاسِ.

اجتمعت في عليٍّ قابليّاتٌ لاحدَّ لها...

واجتمعت في فاطمة إشراقاتٌ لاحدَّ لها...

فيومُ عليٍّ (عليه السلام) وفاطمةَ (عليها السلام) يوم نظر النُّبوَّةِ إلى نفسها في المِرْآة.

وأيضاً قوله:

وهو في مقياس كلِّ عصر مبرَّر، تنحّى واعتزل واعصم في حدود هذا التَّنحّي والاعتزال. ولكنّ عليّاً، مع كلِّ ماهو عاتبٌ وواجدٌ، لم يزل يقدِّر ويذهب في مدى تقديره بعيداً، فينتهي إلى الكارثة ويتراءى له شبحها، فيرهبُ هولَها ويخشى وقوعها. يجب إذاً أن لا يظلَّ بعيداً، وإن توارى من الميدان إزاء موقف بطانة عثمان من الجمهورِ، هذا الموقف النّابي المُثير، فبادر الى تقديم ولديه - لاعتباراتِها التّقديريّة - ومواليه، كي يُنَهنِهوا عواديَ الاحداثِ وطائِشاتِ الخطوبِ. وحين بلغهُ: «أنّ النّاس حصروا داره ومنعوه الماء بعث إليه بثلاث قِرب ، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفَيْكُما حتّى تقوما على بابه ولا تدعا أحداً يصلُ إليه بمكروه، وكان أنْ خُضِّبَ الحسنُ بالدِّماء وشُجَّ قنبرُ مولاهُ».

وقوله:

في طبيعة البحر رشاقةُ الحركةِ، وفي طبيعة الصَّخْرِ سكونٌ بليدٌ، وأيضاً قاس متجهِّم، وبينهما وقف إنسانٌ فيه وعي السكون وقصد الحركة، يصل أسباب أحدهما بأسباب الاخر. وكانتِ كبرياءُ الصَّخرِ عمياءَ فلم تقنعْ بغيرِ وجودِها، فانطلقت أعاصير البحر تزأرُ في مثل الفحيح.

ووقف هذا الانسان عند الشّاطئ ينظرُ متفجِّعاً، فإذا الوجود المخدوعُ - الّذي أضحى غوراً - ترقُصُ فوقَهُ موجةٌ مارجةٌ... في نغمة تخبرُ: أنّه كان هنا شيءٌ فيما زعموا.

مضى ذلك الانسان - وقد أبصرَ وسمِعَ - مطرقاً مردِّداً: بهذا نطقَ الحقُّ في صدى الموْج...

وروى هذا الانسان لولده أمثولةَ البحرِ، فلبِثَ متأمِّلاً يعبِّرُ عن أنّه وعى.

ولم يكن طويلاً، حتّى كان بنفسه رجفةَ رعشاتِ وخلجات، ورجعةَ أصداءِ الموج.

وشرع النّاس يروونَ، بعد ذلك، أمثولَة ابنِ الانسان.

وبقي في سمع التّاريخ وبصره ماثلاً حيّاً:

أنّ عليّاً بطلُ الحقِّ في السِّلمِ وفي الحرب، وهو الانسانُ الّذي استحال إلى طاقة في وجود الحقِّ وكيانه.

بقي طابِعُ الانْسانِ الكامِلِ عليًّ، الّذي لا يحرِّكُهُ الحِقْدُ، ولا تميلُ به النَّزغاتُ والنَّزوات، طابعاً لابنائِه، فقد قيل لابنِهِ محمَّد، دسّاً، توليداً للموجدةِ:

لِمَ يدفَعُ بك أبوك في الحربِ ولا يدفَع بالحسن والحسين؟

 

محمد عبد الغني حسن

 

لما كانت واقعة الغدير من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل فقد نظر إليه بعض رجال المسلمين نظره تخالف منعقد الاجماع.

 

احمد صقر

 

ويقول في مقدّمة شرح وتحقيق (مقاتل الطالبيين) لابي الفرج الاصفهاني:

«ولا يعرف التاريخ أُسرة كأُسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الارومة، وطيب النَّجار، ضلَّ عنها حقها - إلى أن يقول - وقد أسرف خصوم هذه الاُسرة الطاهرة في محاربتها، وأذاقوها ضروب النَّكال، وصبوا عليها صنوف العذاب، ولم يرقبوا فيها إلاًّ ولا ذمة، ولم يرعوا لها حقّاً ولا حرمة، وأفرغوا بأسهم الشَّديد على النِّساء، والاطفال، والرِّجال جميعاً في عنف لا يشوبه لين، وقسوة لا تمازجها رحمة ، حتّى غدت مصائب أهل البيت مضرب الامثال في فظاعة النَّكال، وقدّ الافئدة، وتضرب الامثال للمدى الذي يستطيع الانسان أن يبلغه من ذروة المجد فتعود الالسن تلهج بذكر عليٍّ، وتمجِّد افضاله».

 

عبد الفتاح عبد المقصود

 

ليست القرابة، في ذاتها، فضيلة. ولا رابطة الدم، فضيلة. ولا في الاسلام نسب يرفع وآخر يخفض إلا إذا اقترن بعمل مقبول أو بعمل مرذول، فيتقدم من يحق حقوق الله، ويتوقى نواهيه، وان كان عبدا أسود أفطس، ويتخلف الثاني إلى آخر الصفوف وان كان ذا حسب وسؤدد وجاه..

وإمرة المؤمنين أسمى وأرفع من أن يرتقي إليها امرؤ في سلم الصلات الاسرية التي تجيئه عفوا بغير تقوى تطهر، وجهل يشكر، وعمل يثاب، ويبتغي بها صاحبها وجه ربه ونفع الناس، وصالح أخراه قبل دنياه..

ومنزلة علي في الاسلام، وفي نفس رسوله الكريم، أمكن وأعظم من أن تقاس بمقياس القربى لانها محصلة مزاياه، وخلاصة جهاده لاعلاء كلمة الله..

ونكاد نلم بعض إلمام بجانب من جوانب هذه الشخصية حين نستحضر في بالنا قوله:

«لا شرف أعلى من الاسلام، ولا عز أعز من التقوى، ولا معقل أحصن من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا كنز أغنى من القناعة، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت..».

فهو أعجل الناس قربة إلى الله بتقواه، وحرصهم على مرضاته، أعبدهم عبادة، وأكثرهم صلاة، وأشدهم على نفسه رياضة بالقيام والصيام، ولا نحسب أن عبادته إلا عبادة حر يشكر لربه آلاءه، ويحمد نعماءه، لا عبادة خائف من عقوبة ، أو تاجر طامع في مثوبة على نحو ما صنف لنا العباد والعبادات.

يقول في هذا التصنيف:

«إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الاحرار..».

ولا نحسب أيضاً أن صورة كلامية أجمل من هذه التي رسم بها حلاوة التقوى رسماً يفتن بها النفوس فرحا، ويستطير القلوب شوقاً إلى تذوق طعمها الشهي الذي لا تدانيه كل أطايب المحسوسات والمعنويات.

سئل علي بن الحسين، وهو غاية الغايات في العبادة، وزين من عبدوا الله وعاشوا على تقواه:

«أين عبادتك من عبادة جدك؟».

فقال: «كعبادة جدي من عبادة رسول الله».

ولا غرو.. فالكمال الانساني لمحمد عليه الصلاة والسلام في كل سجية وخصلة لا يضاهيه إلى أبد الابدين كمال..

وكم كان الامام يتهجد ويتنفل فيكثر، ويلازم الاوراد، ويستغرق في التسبيح حمدا وقربة لله.. لان النوافل - تسبيحا كانت أو دعاء أو صلاة - هي خير ما يملا به المسلم وقت فراغ وراحة، وأكرم على الله من أن يدع صاحبها ملهاة في يد إبليس يرمي به في نزعة شر تلوث طهره، أو يجنح به إلى باطل يوبقه وينتقص حسناه لحساب سوءاه.

وكان يقول:

«ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر ويغلق عنه باب الزيادة، ولا ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الاجابة، ولا ليفتح لعبد باب التوبة ويغلق عنه باب المغفرة..».

وهل النافلة سوى شكر واستغفار؟

ولم يعرف امرؤ أزهد منه زهادة، ولا أقنع قناعة.. فهو سيد الزهاد، وأقنع القانعين. يتحرى في معيشته الاشظف والاقشف..

ما ارتدى في حياته لباساً جديداً، ولا اقتنى ضيعة ولا ريعا، إلا شيئاً كان له بينبع مما تصق به وحبسه، بل كان يلبس من الثياب الاغلظ المرقوع وينتعل نعلين من ليف.

وما شبع قط من طعام، فأكله أخشن مأكل، فإذا ائتدم فبملح أو خل، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الارض. فإن ارتفع فبقليل من لبن الابل.. أما اللحم فنادراً ما كان يذوقه. وكان يقول - وقوله يصدق فعله - وإن لم تخل عبارته من دعابة ساخرة تخز الذين يستكثرون من هذا الصنف من الاطعمة، أو يعلون عليه كمأكل أثير:

«لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان».

ولم يكن أيضاً كالالى يدلون بما يفعلون إظهاراً لقدرتهم على التحكم في النفس، وأخذها بما يحبون أن يشيع ذكره عنهم ولعا بالذكر أو رثاء الناس، بل كان يرى - كنص ألفاظه - أن «أفضل الزهد إخفاء الزهد».

وكانت رياضته نفسه بهذا التقشف الشديد عن إيمان واقتناع. كانت حليفة كل سني عمره الجافة واليانعة على السواء، وليست قرينة مرحلة بذاتها من مراحل حياته قل فيها النشب ونضب المال، بل إنا لنجده أحرص على التزام هذه الرياضة عندما تملكت يمينه سلطة الدولة، وغدا مقدوره، ومن حقه، أن يتحول إلى معيشة لا توصف بأنها أرفه وانما بأنها ليست أشظف، ولا أدل على هذه من صور السلوك الذي يطالعنا به بعد أن آلت اليه إمرة المؤمنين وأصبح صاحب الرأي الاول في توجيه سياسة المال توجيهه سياسة الحكم والسلطان.

وإنما إقبال الدنيا عليه وإدبارها عنه سيان.. ما أتاه من عروضها كما ولى عنه ، وما ولى كما أتاه، كلاهما لا يساوي مثل خردلة، لا يهفو منها إلى شيء، ولا يهتم منها بشيء، ولا يثق منها في شيء، بل هو كما يقول: «أوثق بما في يد الله منه بما في يده»، وهو غني عنها لانه على إغرائها عزيز، وبملكها مستهين، وعن نشبها راغب، وهو - اعتزازاً بقدره - تحصن بمعقل القنوع والتأبي والزهد دون سطوة إغرائها، وزخرف عطائها فلم يشغله عن وعيه بزيف دعوتها، وتفه أمرها، وهو ان شأنها على الله شاغل ولو كان مجرد أمنية تراود الخيال.

فكأنما كان شعاره حكمته المعروفة:

«من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته..».

وهو، إلى زهده، أكرم وأسخى من يحسبون في عداد الكرام الاسخياء ومن عرفهم الكرم والسخاء، ولعله كان أسخى لانه كان أزهد، أو لعله كان أزهد لانه كان أسخى، فهو يخرج مما يملك عن قنوع وزهادة كما يخرج منه عن سخاء وجود.

إنه لا يسخو فقط وماله كثر يفيض عن حاجته، بل يسخو وماله أيضاً قل، وأقل القل، يضيق عن البذل، ولا يحمل الكل، وينوء بأغث ضرورات حياته حتى ليوشك ألا ينهض بأوده وأود عياله.

وهل كانت الدنيا كلها تساوي - في حسابه - سوى قلامة ظفر أو قدر صفر لا يجدي عليه أن يأخذ منها، ولا ينقصها أن ينفق؟ فلماذا اذن يضن وهو الذي ضرب للناس بفعله مثلاً للبذل، ودعا الكرام إلى محاولة سلوك مسلكه، حين اليسر وحين العسر على السواء، وسعهم اللحاق به على النهج أو لهثوا دون أن يقطعوا نفس شوطه؟

أثر أنه كان يعمل عند يهودي في المدينة، فلا يزال يكد ويكدح حتى تتشقق يداه، فإذا فرغ من عمله، فإنه لا يلبث، في أغلب الاحايين، أن يتصدق بكل أجره كأنما كان يتعب لغيره.

بل كأنما يسعى إلى الخصاصة، فما أكثر ما كان ينزل هانئ القلب راضيا، لمسكين، أو يتيم، أو أسير، عن قوته وقوت عياله..

كان يصوم ويطوي، ويطوي معه أهله، ليؤثر بزادهم وزاده. دائما الحرمان طريقه، والجوع رفيقه.

وكما كانت أريحيته تدفعه إلى الجود بالمال وإن هو أعوز وعانى الجوع، فقد كانت أيضاً تدفعه إلى الكرم بالحلم وإن هو ضيع حقه وغص بالاذى والكنود.

إنها الاريحية التي تسخو بالماديات، وتسخو بالمعنويات، إنها عطاء ومنح وإنفاق، تهب الدرهم واللقمة والكساء، كما هي حلم وصفو وعفو تهب الكرامة والامن والحرية.

فهو أقبل الناس لانابة منيب تائب، وأسرعهم لغفران زلة خاطئ مذنب. إن ناله من عدوه ضرر، كان أعجل إليه بالعفو منه بالعقوبة، وبالصفح منه إلى رد الصاع. أثبت من أن يخرجه من حلمه غضب على خصم جاحد، وأسمح بالتجاوز عن شنآن غريم حاقد، يصفح وهو الموتور، ويعفو وهو القادر، ويغفر قربة إلى الله.

وكان يقول:

«إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه..».

ويقول:

«العفو زكاة الظفر..».

وكم أدى من أمثال هذه الزكاة..

ملك عليه معاوية وعسكره في صفين شريعة الفرات، ومنعوه وجنده الماء، فلما سألهم أن يشرب الجيشان على سواء، أبى طاغية الشام ورجاله ما أراد، وأجابوه عتوا وصلفا، قائلين: «لا والله.. ولا شربة ماء حتى تموت ظمأ كما مات عثمان...»

فحمل عليهم، فأزالهم عنوة عن مراكزهم، وأجلاهم إلى الفلاة حيث الصدى والجفاف. عندئذ قال له أصحابه: «... امنعهم الماء يا أمير المؤمنين، كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة... واقتلهم بسيوف العطش...».

لكن أريحيته أبت أن يصغي لغضبهم وغضبه على أولئك القوم المارقين من طاعته الغالين في عداوته. وقال: «لا أكافئهم بمثل فعلهم. أفسحوا لهم عن بعض الشريعة».

وخلى بينهم وبين الماء..

وأسر، يوم الجمل، عبد الله بن الزبير، وكان الناهض ظلما في حربه، الموغل غيا في بغضه. ، المسرف إفكا في سبه. فلما جيء به إليه عفا عنه ورد عليه حريته.. وقال له:

«اذهب فلا أرينك..».

ولم يزد على ذلك..

وبمثل هذا عامل مروان بن الحكم، وطائفة غيره كثيرة من مناوئيه.

وبمثله عامل قبلهم الخارجين عليه من أهل البصرة، بعد أن أظفره الله بهم. فوهبهم الامن والسلامة. لم يقتل منهم، ولم يغنم مالا، ولا سبى ذرية.

وكان، إلى هذه الاريحية الكريمة، لا يقرن صفحه بمن، ولا يتطلع من ورائه لشكر. وكيف لا وصفحه تقدمة إلى الله وحده تترفع عن مثوبة العبيد؟

بل لم يكن ليغيب عن فطنته أن معظم من أظلهم حلمه ووهبهم الحياة والحرية لن يلبثوا أن ينكصوا على الاعقاب فيقابلوه بالكفران دون الشكران، وبالجحود دون العرفان ما إن تتاح لهم فرصة للتنكر وللتنمر. ومع ذلك فقد كان دائما يتوقى مدافعة الاساءة بالاساءة، ومغلبة العيب بالعيب، متنزها عن تناول سير شانئيه بالقدح والتجريح. وتلك لا ريب مكرمة تعز في الخلائق وتستعصي على أنفس البشر إلا من طهر الله قلبه من الغل، وعصم لسانه وفمه عن نهش الجيف ، ولعق الاوحال.

أما مواهبه وقدراته فأعسر على الالمام والاحاطة. ألم تر كيف تدعيه كل فرقة وتتجاذبه كل طائفة، وتتمسح فيه كل مدرسة فكرية تريد أن تفضل غيرها في ميادين الحكمة والعلم، وتبز كل ما عداها من ذوات المذاهب والنظرات؟.. وهل ثمة بين العلماء من قد أوتي من بسطة العلم ما يبلغه من العلوم الربانية والبشرية مثل مبلغ الامام؟ وإنه لهو الذي - بعصارة ذهنه الملهم الخصيب - روى جذورها، ونمى دوحها، وقوى فروعها، وخضر ورقها، ونضر زهرها، وأينع ثمرها، وأدنى قطوفها.

وكان ذا نظرة نفاذة، وروح نقية، وفكر عملاق. يتعمق ما انتهى إليه من معارف الذين سبقوه، فلا يتقبلها على نفس وجهها، ولا يختزنها في واعيته كخرنة المال الا أن يعاير وينقد، فيقر منها ما يقر، ويضيف إليها ما يضيف، أو يغير فيها ما يغير، ويتأمل آيات الله في ملكوته، فينبهر ويعتبر ويفكر، ويشهد ظواهر الخلائق وخصائصها شهود متدبر يسير ويخبر ويفسر، ويغوص في أغوار الانفس، مترحلا في خفاياها وهو يحل ويقدر ويبرر. فكره المتوقد النفّاد أداته، وروحه الشفيفة الصافية هاديه. أحاد بمعارف الاولين، وارتاد للاخرين، ممتثلاً في كل خطوة يخطوها على هذا النهج القويم أمر الله للانسان أن ينهض العقل من سباته، ويدفعه إلى النظر والتفكير تلمسا للعلم حيثما يكون.

وكم عرف الامام، وكم تفرعت به المعرفه وانشعبت سبلا، فمشى منها في كل سبيل إلى مداه، وكم ألم منها بقديم، واهتدى إلى جديد.

والذي أحاط به خبرا عالم من العلم فسيح فسيح، كشفه وراده، ظاهراً وباطنا، جهد ذهني متقحم دؤوب. وعى جزئياته وكلياته وأشربها عقلاً المعيا لماحاً فلقد كان على عبقرية ذهنية لا تتكرر، وكان عقله لا يمل النظر فيما انتقل إليه من تراث البشرية الفكري عبر الاجيال في الروايات والاسفار، كما لا يكل من الطواف بمشاهد الكون ومرئياته، لا يكتفي منها بحصيلة البصر، وإنما يمضي إلى ما وراء المنظور كشفا عن غوامض المبهم وأسرار المستور. لم يتوان قط عن الترحل في البحث إلى أغواره، ولم يكف قط عن التعلم، ولم يضق قط عن معلوم ثقفه أو استخرجه من مجهول. كل ما علمه وعاه، وكلما وعى استزاد، وكلما تقاطرت عليه المعارف وجد فيضها لديه سعة في عقله المنهوم الصديان الذي كان كأرض رمضاء لا يكاد يطفئ ظمأها وينقع غلتها كل ماء السماء.

وكيف يوصد العقل بابه في وجه العلم وإنه لات يأتيه بزاد جديد؟ في هذا يقول الامام: «كل وعاء يضيق بما فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع». فما أحكم قولته، وأدق وصفه.

فالعلم الالهي، وهو أشرف العلوم لاتصاله بأشرف معلوم، إنما «اقتبس من كلامه، عنه نقل، وإليه انتهى، وبه ابتدأ. فإن المعتزلة - الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السلام، وعن المعتزلة أخذت الاشعرية. وأما الامامية والزيدية فأنتماؤهم إليه ظاهر».

وليس أحد تحدث عن عقيدة التوحيد فأفاض فيها إفاضته، ولا تناول صفات الله فأحسن البيان عنها إحسانه، ولا عرض لقضائه وقدره فقربهما إلى العقول تقريبه، «فالله تعالى واحد أحد، ليس كمثله شيء، قديم لم يزل ولا يزال... لا يوصف بما توصف به المخلوقات... من قال فيه سبحانه بالتشبيه كان بمنزلة الكافر به، الجاهل لحقيقته...».

فتوحيد الله، ينزه الاسلام الذات الالهية عن مخالطة الاحياز: زمانية ومكانية، وعن المشاركة في الملك بالاجتزاء أو المشورة، وفي القدرة بالقول أو الفعل، وعن المقارنة بالنظائر أو الاشباه ولو مقارنة تمثيل. فتنزيهه الله خالص كامل، وقاطع مانع، يجل عن الوصف، ويعلو فوق تطاول العقول.

وقد صور على هذا التنزيه ببيان رأى، أمام كماله سبحانه، أن ينهى فيه عن وصف ذاته، لقصور الافهام عن الاحاطة بحقيقته، وعجز الكلام عن رسم صفاته.

يقول:

«... كمال توحيده الاخلاص له. وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة. فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه...».

بحسه الجمالي المتميز، وذهنه الالمعي الثاقب، وإدراكه الروحي المشرق، قرأ القرآن فأحسن ترتيله، وجمعه فاستظهر مافيه، وتدبره فبلغ أعماقه ووعى لباب معانيه.

وما تكشف للامام من كنوز «الالهيات» لم ينبثق له عفوا، بل كان النتيجة اللازمة لتبصره في خلق الله، وتدارسه آيات كتابه، وتفهمه حكمه وأحكامه بروح شفيف ونفس وضاءة وذهن محيط، فلا مشاحة في نقاء الجوهر، ورهافة الحس، وحدة الذكاء، ودقة النظر، وعمق الوعي لديه وكلها الادوات القادرة على الدراسة والبحث والاستقصاء، والضامنة لاستقامة التفكير وسلامة الاستقراء. ولا مشاحة أيضاً في أنه كان مهيأ لهذا الذي قدر له وأداه بحكم ملازمته - منذ طفولته - رسول الله، ومعايشته مقدمات الرسالة، قبل تنزل الوحي، والنبي عندئذ يخلو إلى نفسه، يتحنث ويتعبد بالغار وبداره، متأملا ما يرى من جلائل الايات الكونية، وحركة الزمن، وقوانين العدم والوجود، وما إليها من ظواهر وخوارق، تشهد بقدرة قاهرة أزلية ليست ككل القدرات، قدرة تحكم التقدير والتدبير، وتكون لمن يتفكر فيها ابتغاء الاهتداء أقرب إلى الاستجلاء.

عايش على هذه الفترة من نشدان الحقيقة الواحدة، فإذا هو يعجب لمحمد، ثم يعجب به. ثم يتابعه على نفس نهجه متابعة تلميذ لاستاذه، ومستهد لهاديه، حتى ليدرك، في سنه الغضة، عن الموجد المدبر، مالم يدرك غيره من الناس أجمعين. وحتى لنسمعه يتحدث بما هداه إليه حسه المرهف، وروحه الشفيف فيقول: «كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا»

ويقول: «لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامة سبع سنين»

وتلك هي المدة التي قضاها منذ كفله محمد حتى نزلت الرسالة، وأذن للنبي في الانذار والتبليغ.

لهذا لاندهش إذ يصفه أبو الحسن البصري، فيقول: «كان ربانيّ هذه الامة»

ولا ندهش حين نعلم أنه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان وحده الحافظ للقرآن العارف به، المحيط بأسراره.

ثم لا ندهش ونحن نراه أول من اشتغل بجمعه.

اشتغل علي بحفظ كتاب الله اشتغال من يحرص الحرص كله على هذا النور الذي أنزله ربه هدىً ورحمة للعالمين، أن تشرد منه عبارة، بل لفظة، بل اشارة. وعنى بجمعه عناية من يخشى أن تتبعثر بعض آياته وسوره في الصدور على غير نسقها المقدور، فتختلط وتتداخل، يتأخر منها ماهو أولى بالتقديم ويتقدم ماهو أولى بالتأخير. وأكب على الترسل في قراءته ترسل ذي حس أدبي مرهف بلا نظير، تفتنه البلاغة، وتشغفه الفصاحة، ويولع ولوع متشه سحر بيانه، يتطرق فيه من تذوق حلاوة المتعة العاطفية الشعورية من جمال عباراته إلى التنعم بكمال المتعة الروحية العقلية من جلال معانيه.

فماذا عسى يتهيأ أجتناؤه للناس من ثمار هذا الاستيعاب؟

ما الذي يمكن أن يطالعهم به من له كالامام وضاءة النفس، ودقة الحس، وشمول النظرة، وتفتح القريحة، وألمعية الفكر، ونقاوة الجنان؟

إنه ليخلو إلى القرآن خلوَّ خاشع متعبد، سجي الليل، أو هدأ السحر، أو أسفر الفجر، أو علت ضحوة النهار فلا يكاد يشغله في خلوته هذه، التي يرجو بها وجه ربه شيء من شواغل دنياه أن يرتل ويعيد، ويردد ويزيد، وجوارحه جميعها في ملاك بيانه العذب الاسر، وأسلوبه السماوي الساحر.

وإنه ليقبل عليه إقبال متأمل متدبر، يأخذ بمجامع المدلولات في سياق العبارات وفي مباني الكلمات وفيهن الجلي والخفي. والصريح والغيبي، فلا يفوته أن يحيط بظاهرها وباطنها إحاطة شمول.. ويتبصر مختلف عظائم السور وجلائل الايات ومنهن آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فلا يغيب عنه استجلاء ما بها من الحكم والاحكام.

وإنه ليجهر بتلاوته، تلاوة محب مشوق، فيتحرى صحة الضبط، وسلامة النطق، ودقة الاداء، مستمتعا بعذوبة كلماته وفقراته مرنمة منغمة.

فإذا هو يجمع إلى إحكام الوصل والوقف، والمد والامالة، والاظهار والادغام، والتحريك والتسكين، والتخفيف والتنوين ألواناً من الصور الصوتية التي توافق كل حرف وكلمة وآية، وتطابق مغزاها، حتى لتوشك المعاني أن تتجسد أمام العيون والنواظر قبل أن تطرق الاسماع إلى القلوب..

بحسه الجمالي المتميز، وذهنه الالمعي الثاقب، وإدراكه الروحي المشرق. قرأ القرآن فأحسن ترتيله، وجمعه فاستظهر مافيه، وتدبره فبلغ أعماقه ووعى لباب معانيه.

وعنت له اللغة العربية كما لم تعنُ لغيره، لان صعبها، وذل غريبها، وتفتحت أبوابها، فإذا هو مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها به ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها.

فالمعلوم الثابت أنه هو الذي استولدها قواعدها، واستنبطها أسسها، وحدد لها جوامع الاصول التي لابد أن تنهض عليها لتظل كحالها عند أهلها الاوائل، سليمة التركيب، مبرأة من عيوب اللحن والخطأ، ومناقص التحريف والالتواء.

إنه صاحب «علم النحو» الذي حفظ بناء العربية قائما، ولولاه لمال، ولشابها من لكنة الشعوب الغريبة التي دخلت الاسلام ما يغلب على نقاء جوهرها الاصيل، ولتبدلت لغة أخرى غير لغة القرآن. ولاندثرت اندثار اللغات القديمة، وماتت كاللاتينية التي غدت طللا دارسا بعد أن تبلبلت بها لهجات الاوروبيين.

ابتدع الامام هذا العلم. وأملى على أبي الاسود الدؤلي أصوله الجامعة، فقسم له الكلام كله إلى اسم وفعل وحرف، وقسم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وقسم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، فكان هذا الذي ابتدعه أس السياج الواقي الذي درأ عن العربية عوادي العجمة واللحن، وأبقى لها اللب والسمت، وضمن صحة الضبط واستقامة اللسان.

ولم يكن بين أبنائها من هو مثله أدرى بها، وأعرف بأساليبها. فاق فيها كل ناطق وكاتب. فإذا هو أخطب من خطب، وبه اقتدى أدباؤها في الكتابة. لا يباريه في فنونها التعبيريه مبار حاكى وقلد أو جدد وابتكر. إذا خطب شدت الاسماع إلى طرف لسانه، وسكتت الانفاس تصغي إليه، وإذا كتب فأقدر من بيّن أو أمر أو زجر ، وإذا جادل فأبرع من حاج وقارع ودلل، وإذا حدث فأخبر من هدى ووعظ وذكر.

والحق أن ما عرف من إحاطته الشاملة بخصائص اللغة، وثورته الابداعية الطاغية في أساليبها هو بديهية البديهيات. وبحسبنا - للتدليل على تفرده بالدقة في سبك العبارات وبالاحكام في رسم صورها الجمالية، وبالقدرة الفائقة على تضمينها نظراته المعجزات، وآرائه الخوارق في أعضل المسائل وأعصاها - أن نشير إلى ما انتقل إلينا من آثاره الادبية والفكرية فيما حفظه الناس، وتداولوه، وترنموا به، من خطب مئين كان يوردها ارتجالا عفو الخاطر، دون إعداد، وأن نومئ إلى ما حوته كتب الدارسين والعلماء والمؤرخين من رسائله ومأثوراته وحكمه ووصاياه. وبعض هذه وتلك من كنوز قد جمعه لنا الشريف الرضي في «نهج البلاغة» معالم وآيات على حضور بديهة، وتوقد ذهن، ونفح إلهام.

وهو صاحب السيف الذي كان الظفر دائما معلقا بطرف ذؤابته أينما جال وصال.

شجاع كما لم تكن قط شجاعة الشجعان، فارس كما لم تكن قط فروسية الفرسان. ما تحرف إلا لقتال، ولا فر في موطن نزال، ولا ارتاع من كتيبة فضلا عن إنسان، ولا بارز إلا صرع وجندل، ولا هاجم إلا أصمى وقتل. كرته لا ترتد ولا ترد. وضربته لا تحتاج إلى ضربة ثانية. ومن كتبت لهم النجاة من أعدائه ومناجزيه في معاركه، وامتد بهم الاجل ظلوا طوال عمرهم يفاخرون بشرف وقوفهم في الحرب في مقابلته.

بل كانت العرب - وإن أثخن فيها فأيتم منها من أيتم، وأيّم منها من أيّم - تتباهى بسقوط صناديدها صرعى بحد سيفه.

قالت أخت عمرو بن عبد ود - فارس العرب الاول، وصريعه يوم الخندق - مباهيه وهي ترثيه:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله * * * بكيته أبدا ما دمت في الابد

لكن قاتله من لا يعاب به * * * من كان يدعن قديماً بيضه البلد([3])

وكان دائما سبّاقاً إلى الجهاد في سبيل الله، مشغوفاً في ميادينه بلقاء الاعداء، يقبل ويقتحم حين يؤثر غيره من الابطال أن يتردد ويحجم، ويصبر على استعار القتال حيثما يستعصي الصبر على كل جلد صبور، ويغالب الموت بالارتماء بين أنيابه فيهرع الموت إلى الفرار. سيفه من سرعة دورانه في المعامع يبدو كغابة من سلاح، ويمينه تباري الكتائب في حش رقاب الاعداء، حتى لكأنه جيش موفور العدد والعتاد. سقط على أرض بدر الكبرى سبعون مشركا صرعى، قتل وحده منهم النصف، وقتل جند الاسلام كلهم يومئذ النصف الاخر.

وطار ذكر بلائه في الحرب فملا الافاق قرونا عدة، حتى اتخذه الفرنج والروم رمزا للتفوق الحربي الذي لا يضارع، فرسموا صوره في بيعهم ومعابدهم، حاملا سيفه، مشمرا للقتال، مجسدا لبطولة الابطال وفروسية الفرسان.. وصوّره الترك والديلم على سيوفهم تفاؤلا به، واستجلابا للنصر الذي كان حليفه في كل ميدان.

واقترنت شجاعته بهيبة وثقت له في الظفر، كانت تتزلزل لها القلوب في الصدور، وتدور العيون في المحاجر، وتلتوي الاقدام.

والذين يزعمون أنه لم يكن صاحب سياسة ولا دهاء، إنما يرون السياسة على غير وجهها الحقيقي، ويجردونها من مضمونها الاصيل. فليست أخذا بالغدر، ومقارفه للفجر، أو تكون إذن نوعا من الخسة النفسية والخبث الرخيص الذي يتردى بإنسانية الانسان وكرامته إلى الحضيض، ولا يستعصي انتهاجها على أي وغد خسيس.. قيل في دهاء معاوية ما قيل، فكان رد علي على هذا الزعم المأفوك: «والله ما معاوية بأدهى مني. ولكنه يغدر ويفجر، وأنا امرؤ لا أحب الغدر».

وإذا كانت الشجاعة قد اقترنت فيه بالهيبة فقد اجتمعت له إليهما قوة بدنية «قرهقلية» كما يقال في الاساطير. فهو الذي خلع باب حصن ناعم وتترس به وبثقله تنوء العصبة أولو الايد من الرجال. وهو الذي اقتلع الصخرة التي آدت اقتلاعها العشرات وتفجر من تحتها الماء. وهو الذي أسعفته يقظته كما أسعفته قوته فمد إحدى يديه إلى فارس هم أن يقتله، فخطفه بها من فوق جواده، وجلد به الارض جلدا شديداً حتى حطمه، وأحاله كتلة هامدة من اللحم والدم وهشيم العظام.

ولا شك في أن شجاعته في حلبات الصراع الحربي - وسيفه بيمينه - إنما نبعت من جنان ثابت، لا يهتز أمام الخطوب والقوارع وإن تراءى له خطر الموت كاشراً عن أنيابه يطل عليه من وراء لقاء سافر أو تآمر متستر دارعاً كان في عدة الحرب أو صفر اليدين أعزل من السلاح. وليس أبين على جسارته، وقوة قلبه وثبات جأشه من مبيته ليلة الهجرة في فراش محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنه ليعلم تمام العلم أنه عندئذ أدنى إلى ألاّ يسلم من أسياف أولئك الفتية الاجلاد الالى أعدتهم قريش للانقضاض على الراقد وفي حسبانهم أنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقلما اجتمعت براعة القتال إلى براعة السياسة في إنسان، ولكنه كان المحارب وكان السياسي في آن، بل هو - بتعبيرنا المعاصر - «رجل الدولة» الذي يرسم خطة العمل في الداخل وفي الخارج على صعيد أوليائه وصعيد أعدائه، فيحذق سياسة الناس كما يحذق سياسة الامور، ويطوع كليهما لمقابلة كافة الاحتمالات في تطورات الاحداث وتغيرات الظروف بالحكمة وسعة التفكير وحسن التقدير، ومرونة المداولة بين مختلف أساليب المجابهة ليكبح شرة الازمات ثم يلقاها بأنجع الحلول.

والواقع أن الامام لم يدع سيرة عماله في الناس تمضي عفواً بغير معالم واضحة على الطريق، أو حدود مرسومة تبين الجادة السواء للسلوك في كلا أمور الدنيا والدين. وبحسب من شاء الرجوع إلى دلالة، أن يستعيد عهده للاشتر النخعي حين ولاه مصر، ليعرف أي دستور وضع لسياسة الامور والناس، يدرك كل من يدرسه أنه وليد فكر سياسي عملاق عرف كيف يضع خطة متكاملة تتناول كل أوجه النشاط الانساني في مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، عمادها المواطن الكريم الحر الذي لا يفضله غيره إلا بالعمل الجاد المثمر الذي يتناسق الافراد في أدائه يدا واحدة، وفكراً واحداً، على طريق واحد في هداية الدين.

ولقد نعجب حين نرى الامام، في عهده هذا، قد حدد المبادئ العامة للحكم التحديد الواضح الذي ظلت المذاهب السياسية تصطرع وتتبارى للاهتداء إليها على مدى قرون طويلة، وأخذ كل مذهب يدعى لنفسه بلوغه منها مالم يبلغه سواه.. وكفى أن أكد ضرورة التئام أبناء الامة وحدة اجتماعية وسياسية، وثيقة العرى بغير تفرقة، وإنما في مساواة كاملة بين كافة المواطنين وإن تباينت أوضاعهم الاجتماعية، واختلفوا رأيا وعقيدة. فالناس - كما يسجل العهد -: «إما أخ في الدين أو نظير في الخلق»، والرعية: «طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى لبعضها عن بعض».

ومع ذلك فإن «العهد» يقرر أن القاعدة «الجماهيرية» العريضة التي تؤلف غالبية الشعب، أحق بالرعاية ; لان العامة من الامة: «هم عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للاعداء». ومن ثم فإنه يرتب لهم على الدولة واجبا قبلهم: أن تكفل لهم مستوى كريما من المعيشة يحفظ عليهم شرف آدميتهم. «فلكل على الوالي حق يقدر ما يصلحه». ويوجب عليها أيضاً رعاية «من لا حيلة لهم» من المساكين والمحتاجين والمتعطلين وذوي العاهات والمرضى وأمثالهم، ففرض لهم قسما من بيت المال، وقسما من غلات صوافي الاسلام.

ويطول المدى بمن يحاول تعقب ما حواه عهد علي للاشتر. فكفى أنه دستور لسياسة الحكم جاء من المبادئ بكل ما يناسب مجتمع عصره، وبكل ما يبدو وكأنه وضع ليوافق مجتمعنا الحديث. وكفى أنه يعرض لكافة المشكلات ويصف لها الحلول. وكفى أنه يطوف بكل ما يشغل الناس في رحلات حياتهم اليومية ويتصل بجوانبها الروحية والعقلية من عقيدة وعلم وتربية نفسية وسلوك اجتماعي ونظرات ، ويتصل بجوانبها المادية والاقتصادية من تجارة وصناعة وزراعة وإدارة وجهاد وتنمية مالية في مختلف مجالات الاستثمار.

ولا غرو وللامام هذه المقدرة - بل الحاسة السياسية المرهفة التي تستبطن أدواء المشكلات، وتجهز دواء لكل داء - أن نجده ملاذاً للالى عرفوه، يستلهمونه الرشاد. لا فرق فيهم بين كبير وصغير، ولا بين حاكم ومحكوم. وكم استلهمه الخلفاء فألهم، وكم استشاروه فأشار.

عزم عمر بن الخطاب على الشخوص بنفسه لقتال الفرس، ثم رأى أن يسأله رأيه في هذا العزم، فقال له الامام: «... كن قطبا، واستدر الرحى بالعرب. فإنك إن شخصت من هذه الارض، انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك... إن الاعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك.».

وقال له مرة أخرى في مقام كهذا المقام: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بشخصك فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. فابعث إليهم رجلا محربا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب وإن تكن الاخرى كنت ردء الناس».

حاسة سياسية فوق القدرة، ترفعه من الساسة إلى مكان الصدارة، وتشرف به السياسة، لانه ينزهها عن الغدر والفجر، ويطوع أساليبها لتوافق نهج الدين وتطابق مكارم الاخلاق.

فهل مثله في الفضائل والقدرات امرؤ من الناس؟

أن يكون ثمة طائفة يرون أن يفضلوا عليه هذا الصاحب من أصحاب رسول الله أو ذاك، فرأيهم جديد بالمراجعة والتعديل ; ذلك لاننا نجد من وراء هؤلاء المتشيعين لابي بكر متشيعين يقرون بأفضلية علي، ويظاهرهم على هذه الافضلية الكثرة الغالبة من العلماء وإن تفرقت بهم المذاهب، وتباينت الاراء.

 

عبد الرحمن الشرقاوي

 

وقال في مقدمة كتابه: علي إمام المتقين:

ليس هذا الكتاب بحثاً تاريخياً، ولا هو كتاب سيرة، ولا هو مفاضلة بين الصحابة رضي الله عنهم.. ولا هو بدفاع عن حق أحد في الخلافة قبل الاخر.

فمن كان يلتمس في هذا الكتاب شيئاً من هذا فليعدل عنه إلى غيره..

ما أردت بهذا الكتاب إلا أن أصطنع شكلا فنيا أقرب إلى الفن القصصي أعتمد فيه على حقائق التاريخ الثابتة، لاعرف مبادئ الاسلام وقيمه، من خلال تصوير فني للامام علي ((رضي الله عنه)).

ذلك أن الامام علياً تجسدت فيه أخلاق الاسلام، ومثله، فقد تعهده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طفلاً، ورباه صبيا، وثقفه فتى، وقال عنه: أنا مدينة العلم وعلي بابها.

ثم إن عليا قد كرم الله وجهه: فلم يسجد لغير الله تعالى، وما دخل قلبه منذ الطفولة شيء غير الاسلام ثم كان هو المجاهد العظيم في سبيل الله، وما صارع أحدا إلا صرعه.

وقد علم الصحابة (رضي الله عنهم) مكانة علي (عليه السلام) عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنهم ومعهم المسلمون في كل مكان وزمان ليقولون في كل صلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. وبارك على محمد وعلى آل محمد..

وبعد.. فأرجو أن أكون قد وفقت في رسم صورة مضيئة للاسلام، ولقدرته على مواجهة مشكلات اعصر، من خلال تصويري للامام علي (عليه السلام) بطلا خارقاً، ومفكراً، وحكما، وعالماً، وزاهداً، وإنساناً عظيماً.

ويا لهذا البطل المثالي الذي كان يواجه بنبالة الفروسية، وبعظمة الزهد وبسمو الفكر، كل ما طالعته به الحياة الجديدة من أطماع، وجحود، ودسائس، وحيل، وأباطيل.

وأنا أدعو الله مخلصاً أن ينتفع القراء بهذا الكتاب. وفي سبيل الله ما كابدت فيه من مشقة وجهد وكيد!!.. وفقنا الله إلى مافيه خير الاسلام والامة، والانسانية، والله ولي التوفيق.

وقوله أيضاً:

وصدق رسول الله حين قال لعلي (عليه السلام): «أنت سيد في الدنيا، سيد في الاخرة. من أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني، وبغيضك بغيض الله، وويل لمن أبغضك من بعدي!».

وقبل أن يموت كان قد أوصى بربع أرضه التي في الحجاز لاصحاب الحاجات.

فقضى، ولم يخلِّف تراثاً غير الحكمة، والقدوة الحسنة، وما مات أحد من رعيته إلا خلَّف من المال أكثر مما ترك الامام.

عاش يناضل دفاعاً عن الشريعة، والعدل، والحق، والمودة، والاخاء والسلام، والمساواة بين الناس. فسلام عليه!

سلام عليه يوم قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: «رحم الله علياً اللهم أدر الحق معه حيث دار».

ودار الحق معه حيث دار، وما عاداه في حياته وبعد موته الاّ البغاة، وفرسان الضلال، وعبيد الشهوات، وأهل البدع والشح والاهواء.

سلام عليه يوم قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام: «من اتخذ عليا إماماً لدينه، فقد استمسك بالعروة الوثقى».

وعبر أجيال متطاولة تعاورت فيها الاحداث والمآسي العظام، والهزائم التي تقصم الظهر وتكسر القلب، والانتصارات التي تثير الكبرياء في النفس.. عبر تلك الازمان اتخذه المتقون إماما.. فقد كان دعاؤه مع عباد الله الصالحين: «واجعلنا للمتقين إماما».

واتخذه المساكين إماماً.. واتخذه الفتيان والنساك والزهاد والعلماء والمجاهدون والشجعان إماما. سلام عليه، عليه السلام.

قبض الشهيد الرائع البطولة، الاسطوريّ، المثالي، واستقر في ضمير الزمن، إنه كلما نطق أحد باسم أمير المؤمنين فحسب فهو الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، على الرغم من كثرة الخلفاء في كل عصور الاسلام، فكل خليفة بعد أبي بكر هو أمير المؤمنين.. ذلك أن علياً اجتمع له من عناصر القدوة وشرفها، واجتمع فيه من مقومات القيادة ونبالتها وشرفها ما لم يجتمع قط لحاكم.

وهكذا كان فريداً حقا عالماً وحاكما.

فسلام عليه يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيا.

وسلام عليه إذ توارى جسده في التراب، وبقيت كلماته منارات إشعاع ومنابع حكمة، ومثار عزائم، وعدة للمتقين والمساكين، بعد كتاب الله والاحاديث النبوية الشريفة.

وسيظل القلب ينبض بما قال، وتشرق به النفس، ويزهو به العقل.

وقوله:

ولكن صوته العظيم اخترق الاماد والمسافات والقرون، لتضيء كلماته الرائعة ظلمات النفوس، وتنير طريق الهداية للسالكين.

وقتل اللعين ابن ملجم، وحل الحسن بن علي محل أبيه.. وياله من أب للصالحين في عصره، وفي كل العصور!

وهكذا، ووري التراب جسده النبيل.

جسد رجل لم تعرف الانسانية حاكماً ابتلي مثل ما ابتلي به من فتن، على الرغم من حرصه على إسعاد الاخرين، وحماية العدل وإقامة الحق ودفع الباطل!

 

جبران خليل جبران

 

فإنَّ الامام علياً (عليه السلام) شأن جميع الانبياء الباصرين الذين يأتون الى بلد ليس ببلدهم وإلى قوم ليسوا بقومهم، في زمن ليس بزمنهم، وإن علياً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان.

 

بولس سلامة

 

تصدى بولس سلامة للكتابة عن نفسه، فلنستمع إليه يحدثنا:

نشرت مجلة الاديب الغراء في خلال سنة 1947 إحدى قصائدي القديمة (حمدان البدوي) وكأن طريقتي في سرد تلك القصة المنظومة لفتت الادباء، فتمنى عليّ فضيلة العلامة الشيخ عبد الله العلايلي في العدد نفسه أن أنظم (أيام العرب) في ملحمة لافتقار الادب العربي إلى الملاحم. وفي أعقاب خريف سنة 1947 اقترح عليَّ حضرة الامام الشريف، صاحب السماحة السيد عبد الحسين شرف الدين نظم (يوم الغدير) فتزاحمت عليَّ الفِكَر وايقظت كوامن الوجدان وتآلفت كما تتآلف المويجات على صفحات اليمّ، ثم تتكشف عن أمواج ترقض على الشاطئ، فصحت عزيمتي على نظم ملحمة عنوانها (عيد الغدير).

إلى أن قال:

ورُبَّ معترض قال: ما بال هذا المسيحي يتصدى لملحمة إسلامية بحتة؟ أجل انني مسيحي ولكن التاريخ مشاع للعالمين.

أجل إني مسيحي ينظر من افق رحب لا من كوة ضيقة، فيرى في غاندي الوثني قديساً، مسيحي يرى (الخلق كلهم عيال الله) ويرى أن (لا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى).

مسيحي ينحني أمام عظمة رجل يهتف باسمه مئات الملايين من الناس في مشارق الارض ومغاربها خمساً كل يوم. رجل ليس في مواليد حواء أعظم منه شأناً، وأبعد أثراً، وأخلد ذكراً. رجل أطلّ من غياهب الجاهلية فأطلت معه دنيا أظلها بلواء مجيد، كُتب عليه بأحرف من نور: لا إله إلاّ الله! الله أكبر!

إن العروبة المستيقظة اليوم في صدور أبنائها، من المغرب الاقصى إلى آخر جزيرة العرب، لاحوج ما تكون إلى التمثل بأبطالها الغابرين، وهم كثر، على أنه لم يجتمع لواحد منهم ما اجتمع لعلي من البطولة والعلم والصلاح. ولم يقم في وجه الظالمين أشجع من الحسين فقد عاش الاب للحق وجرّد سيفه للذياد عنه منذ يوم بدر، واستشهد الابن في سبيل الحرية يوم كربلاء، ولا غرو فالاول ربيب محمد والثاني فلذة منه.

قد يقول قائل: ولمَ آثرت علياً دون سواه من اصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الملحمة؟ ولا اجيب على هذا السؤال إلاّ بكلمات، فالملحمة كلها جواب عليه، وسترى في سياقها بعض عظمة الرجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: رضي الله عنه، وكرّم وجهه، وعليه السلام) ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثلون بحكمه ويخشعون لتقواه، ويتمثّل به الزهّاد في الصوامع فيزدادون زهداً وقنوتاً، وينظر إليه المفكر فيستضيء بهذا القطب الوضاء، ويتطلع إليه الكاتب الالمعي فيأتم ببيانه، ويعتمده الفقيه المدره فيسترشد باحكامه.

أما الخطيب فحسبه أن يقف على السفح، ويرفع الرأس الى هذا الطود لتنهلّ عليه الايات من عَلِ، وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين الذي رسّخ قواعده ابو الحسن، إذ دفعها إلى أبي الاسود الدؤلي فقال: أنح هذا النحو. وكان علم النحو. ويقرأ الجبان سيرة علي فتهدر في صدره النخوة وتستهويه البطولة، إذ لم تشهد الغبراء، ولم تظل السماء أشجع من ابن أبي طالب، فعلى ذلك الساعد الاجدل اعتمد الاسلام يوم كان وليداً، فعليّ هو بطل بدر وخيبر والخندق وحنين ووادي الرمل والطائف واليمن.

وهو المنتصر في صفين، ويوم الجمل، والنهروان، والدافع عن الرسول يوم أُحد، وقيدوم السرايا ولواء المغازي.

وأعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية، فلم يُرَ أصبر منه على المكاره. إذ كانت حياته موصولة الالام منذ فتح عينيه على النور في الكعبة حتى اغمضهما على الحق في مسجد الكوفة.

وبعد فلم تسائلني بأبي الحسن؟ أو لم تقم في خال العصور فئات من الناس تؤلّه الرجل؟ ولا ريب إنها الضلالة الكبرى، ولكنها ضلالة تدلك على الحق إذ تدلك على مبلغ افتتان الناس بهذه الشخصية العظمى.

ولم يستطع خصوم عليّ ان يأخذوا عليه مأخذاً فاتهموه بالتشدّد في احقاق الحق، أي إنهم شكوا كثرة فضله فأرادوه دنيوياً يماري ويداري، وأراد نفسه روحانياً رفيعاً يستميت في سبيل العدل، لا تأخذه في سبيل الله هوادة. وانما الغضبة للحق ثورة النفوس القدسية، التي يؤلمها أن ترى عوجاً.

فيا أبا الحسن! ماذا أقول فيك؟ وقد قال الكتّاب في المتنبي: (إنه مالئ الدنيا وشاغل الناس) وإن هو إلا شاعر له حفنة من الدرّ إزاء تلال من الحجارة. وما شخصيته حيال عظمتك إلا مَدَرَة على النيل خجلى من عظمة الاهرام.

حقاً ان البيان ليسفّ، وإن شعري لحصاة في ساحلك يا أمير الكلام، ولكنها حصاة مخضوبة بدم الحسين الغالي، فتقبل هذه الملحمة وانظر من رفارف الخلد إلى عاجز شرّف قلمه بذكرك.

 

ميخائيل نعيمة

 

إن بطولات الامام علي ما اقتصرت يوماً على ميادين الحرب، فقد كان بطلاً في صفاء بصيرته وطهارة وجدانه، وسحر بيانه، وعمق انسانيته وطررة إيمانه وسمو دعته ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم وتعبده للحق اينما تجلى له الحق.

وقوله:

ما أظن أن التاريخ عرف رجلين ترافقا في طريق النور والخير والصلاح مثل ترافق محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن أبي طالب، فكأنهما منذ ولادتهما كانا على موعد مع النور والخير والصلاح، وماهي قرابة الدم والرحم التي جمعت بينهما، بل هي قرابة الروح وأين من قرابة الدماء والارحام والذي له العلم بما تضمره الضمائر وتنطوي عليه النفوس وبما تسجله الدقائق في سجلات الوجود هو وحده يعلم ماذا دار بين ذينك الرفيقين الحميمين العظيمين في خلواتهما، وفي غدواتهما وروحانهما من أحاديث ومساجلات ومطارحات وهو وحده يعلم كيف أثر كلا الرفيقين في رفيقه وكيف تأثر به، ومما لا شك فيه هو ان النور الذي أشرق في روح النبي الكريم لم يلبث ان أشرق في روح ابن عمه العظيم، وذلك بفضل فطرته العظيمة وبصيرته النيرة وذهنه المتوقد ووجدانه المتوهج وشوقه اللافح الى النور، حتى أكاد أجزم بأن الرسول لم يجد نفسه في أي يوم مكرها على اللجوء الى الجدل أو الى الحجة والبرهان لاقناع ابن عمه ليصدق كلمة من كلماته أو صواب نيه من نياته، بل اكاد أجزم كذلك بأن علياً كرم الله وجهه كان لفرط ما به من رهافة الحس بالجمال ومن الشوق الى النور يبصر الجمال قبل ان يسفر الجمال عن وجهه، ويلمح سناه قبل ان ينبلج النور لعينه، فكانه كان كمن يشهد بزوغ الشمس قبل ان تشرق الشمس.

وانقضى أجل الرسول ورسالته ما تخطت بعد حدود الجزيرة العربية وهي ما نبتت في الجزيرة لتنحصر فيها، فلم يكن بد من رجال يشدون أزرها ويمضون بها بعيداً عن نباتها فكان (علي) أبرز الذين انبروا للذود عنها، والكفاح في سبيلها، وذلك بما اوتيه من فهم لغاياتها ومن حماسة تأججه لنشرها في الناس، ومن بلاغة خارقة في التعبير عن معانيها ومقاصدها، والكشف عن مكنوناتها، وأنا انما أتحدث عن بلاغة امام البلاغة لا أجد ما أشبهها به غير ومضات البروق التي تمزق أكباد الظلمات، فتكشف لك في مثل رفة جفن عوالم من السحر ما كانت لتخطر لك في بال.

ان الحكمة في أروع مظاهرها لتترقرق فيما وصلنا من بيان الامام ترقرق الماء الزلال على الحصى، وان المروءة والشهامة والبطولة والتقوى وحب الخير والعدل لجميع الناس لتطالعك في جميع أقواله وأفعاله، لقد كان من بعد النبي خير بنية أبنتها ارضنا العربية حتى الان، وهو اليوم وغداً وبعد الغد قمة شاهقة بين القمم التي تشع من اعاليها انوار الخير والصلاح والهداية للناس، فلتكن ذكراه حافزاً لنا لاقتفاء أثره في طريق النور والخير والصلاح أعاد الله هذه الذكرى الكريمة عليكم وعلى العرب والمسلمين اعواماً بعد اعوام وشملكم والعالم بنعمة الوئام والسلام.

وهذه مقدّمة له لكتاب «صوت العدالة الانسانية، علي وحقوق الانسان» لجورج جرداق.

لنا في حياة العظماء معين لا ينضب من الخبرة والعبرة والايمان والامل. فهم القمم التي نتطلّع بشوق إليها ولهفة، والمنارات التي تكشّح الدياجير من أمام أرجلنا وأبصارنا. وهم الذين يجدّدون ثقتنا بأنفسنا وبالحياة واهدافها البعيدة السعيدة. ولولاهم لتولاّنا القنوط في كفاحنا مع المجهول، ولرفَعْنا الاعلام البيض من زمان وقلنا للموت: نحن أسراك وعبيدك يا موت. فافعل بنا ما تَشاء.

إلاّ اننا ما استسلمنا يوماً للقنوط، ولن نستسلم. فالنصر لنا بشهادة الذين انتصروا منّا. وابن ابي طالب منهم. وهم معنا في كل حين، وإن قامت بيننا وبينهم وهدات سحيقة من الزمان والمكان. فلا الزمان بقادر ان يخنق اصواتهم في آذاننا، ولا المكان بماح صورهم من أذهاننا.

وهذا الكتاب الذي بين يديك خير شاهد على ما أقول. فهو مكرّس لحياة عظيم من عظماء البشرية، أنبتته أرض عربية، ولكنها ما استأثرت به. وفجّر ينابيع مواهبه الاسلام، ولكنه ما كان للاسلام وحده. وإلاّ فكيف لحياهت الفذّة أن تلهب روح كاتب مسيحيّ في لبنان([4])، وفي العام 1956، فيتصدّى لها بالدرس والتمحيص والتحليل، ويتغنّى تغني الشاعر المتيّم بمفاتنها ومآثرها وبطولاتها؟

وبطولات الامام ما اقتصرت يوماً على ميادين الحرب. فقد كان بطلاً في صفاء بصيرته، وطهارة وجدانه، وسحر بيانه، وعمق إنسانيته، وحرارة ايمانه، وسموّ دعته، ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم وتعبُّده للحق أينما تجلّى له الحق. وهذه البطولات، ومهما تقادم بها العهد، لا تزال مقلعاً غنياً نعود إليه اليوم وفي كل يوم كلما اشتدّ بنا الوجد الى بناء حياة صالحة، فاضلة.

لست أريد أن استبق القارئ الى الكشف عن مواطن المتعة في هذا الكتاب. فهي كثيرة منها بيانٌ مشرق يسمو هنا وهناك إلى سوامق من الصور الشعرية، المشبوبة العاطفة، الزاهية اللون، العذبة الرنّة. ومنها اتّزان في التقدير والتفسير. ومنها محاولة جريئة في نقل عليٍّ وآرائه السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية الى مسرح الحياة التي نحياها اليوم. وهي محاولة بارعة وموفّقة، ما فطن لها الذين كتبوا في الموضوع من قبل. ناهيك باجتهادات جديدة في تفسير بعض الاحداث التي رافقت حياة الامام تفسيراً يغاير النمط الذي درج عليه مؤرّخوه حتى اليوم.

إنه ليستحيل على أي مؤرخ أو كاتب، مهما بلغ من الفطنة والعبقرية، ان يأتيك حتى في ألف صفحة بصورة كاملة لعظيم من عيار الامام عليّ، ولحقبة حافلة بالاحداث الجِسام كالحقبة التي عاشها. فالذي فكّره وتأمّله، وقاله وعمله ذلك العملاق العربي بينه وبين نفسه وربّه لممّا لم تسمعه اذن ولم تبصره عين. وهو اكثر بكثير ممّا عمله بيده أو أذاعه بلسانه وقلمه. واذ ذاك فكل صورة نرسمها له هي صورة ناقصة لا محالة. وقصارى ما نرجوه منها أن تنبض بالحياة.

إلاّ أن العبرة في كتاب من هذا النوع هي في تفحُّص ما اتصل بنا من أعمال عليّ وأقواله. ثم في تفهُّمه تفهُّماً دقيقاً، عميقاً. ثم في عرضه عرضاً تبرز منه صورة الرجل كما تخيله المؤلف وكما يشاؤك أن تتخيله.

ويقيني ان مؤلف هذا السفر النفيس، بما في قلمه من لباقة، وما في قلبه من حرارة، وما في وجدانه من إنصاف، قد نجح الى حد بعيد في رسم صورة لابن أبي طالب لا تستطيع امامها الا ان تشهد بأنها الصورة الحية لاعظم رجل عربي بعد النبي.

بسكنتا - لبنان (ميخائيل نعيمه)

 

جورج جرداق

 

وهذا مقتطف من كلمات المؤلف جورج جرداق «الرياح السافيات».

أَلاَ إنّه علي بن أبي طالب الذي تتمزّق بسيفه الظُّلمات، وتنقصُّ على عدوّه الرعود القاصفات، وتذروهم الرياح السافيات، فإذا به هولٌ يدفع هولاً وفي عينيه دموعٌ تحوّلت شراراً، وفي حناياه عطفٌ توقّد ناراً!

أَلاَ إنّه مخبأُ الفقير من الريح، وسترةُ الضعيف من السيل، وموئلُ العاجز من الزوبعة المُهلكة، وصاحب الظلِّ في الظهيرة المحرقة، كالليل!

أَلاَ إنّه عليّ بن أبي طالب الذي سيقول فيه الدهر وفي سيفه مع القائلين:

لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتىً إلاّ علي!

وبعد زمن كان معاوية في ما يزيد عن ماية وعشرين ألف مقاتل من أهل الشام يقطع الارض الى العراق. ونزلوا عند نهر الفرات في وادي صفّين على مقربة من الرقّة سبقاً الى سهولة الارض وسَعَة المناخ. وصفّين واد تفصله عن شاطئ الفرات أرضٌ مستنقعة يكثر فيها الشجر والعيون.

وقدم عليّ بجيشه من الكوفة مجتازاً بالمدائن والرقّة وقصْده تأديب معاوية الى آخره حديثه في عرض واقعة صفين وحروبها.

إن الشعب الذي امكنه أن يعبر عن عبقريته منذ أربعة عشر قرناً برجل كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم بمجموعة من الناس كبعض تلاميذه وانصاره يوم ذاك، هو شعب يستطيع اليوم في عصر غزو الفضاء أن يمشي مع القافلة التي تسير وهي تنظر غداً إلى الامام.

 

سليمان كتاني

 

قلَّة أولئك الرجال الذين هم على نسج عليٍّ بن أبي طالب (عليه السلام)، تنهد بهم الحياة، موزَّعين على مفارق الاجيال كالمصابيح، تمتص حشاشاتها لتفنيها هدياً على مسالك العابرين.

وهم، على قلَّتهم، كالاعمدة، تنفرج فيما بينها فسحات الهياكل، وترسو على كواهلها أثقال المداميك، لتومض من فوق مشارفها قبب المنائر.

وإنَّهم في كل ذلك كالرَّواسي، تتقبل هوجَ الاعاصير وزمجرة السُّحب لتعكسها من مصافيها على السّفوح خيرات رقيقة رفيقة عذبة المدافق.

هؤلاء هم في كل آن وزمان، في دنيا الانسان، أقطابه وروّاده.

إنَّهم في حقول البحث والتنقيب مرامي حدوده، وفي كل خط ضارب في مهمَّة الوجود أقاصي مجالاته. وإنَهم له على كلِّ المفارق إشارات ترد سبله عن جوامحها، وفي كلِّ تيه ضوابط تلملم عن الشطط شوارده. وهم له في دجية الليل قبلة من فجر، وفوق كلاحة الرَّمس لملمة من عزاء.

من بين هؤلاء القلَّة يبرز وجه علي بن أبي طالب (عليه السلام) في هالة من رسالة، وفي ظلٍّ من نبوَّة، فاضتا عليه انسجاماً واكتمالاً كما احتواهما لوناً وإطاراً.

أصحيح يا سيِّدي أنَّهم بدل أن يختلفوا إليك اختلفوا فيك؟!

فمنهم من فقدوك وما وجدوك.

ومنهم من وجدوك ثمَّ فقدوك.

إنَّه لعجب عجاب!!

أربعة عشر عموداً من أعمدة القرون، بساعاتها وأيّامها وسنيّها، ذابت كما تذوب حبَّة الملح على كفِّ المحيط، ولما يذب بعد حرف من حروف اسمك الكبير.

فكيف لهؤلاء أن يفقدوك ولا يجدوك، أو يجدوك ثم يفقدوك؟! ويا لسخرية القدر! حتى هؤلاء الذين وجدوك كيف تراهم حدَّدوك؟!

إنَّ الحرف الذي انزلق عن شفتيك لا يزال منذ أربعة عشر قرناً يأبى أن يتقلَّص في زمان أو مكان، لانَّه يحمل عنك نور قيم الفكر واعتلاجات حقيقة الحياة.. وهي أبعد من أن يحصرها إطار.

إنَّ الحرف، منطلقاً من بين شفتيك، أبى أن ينزل في نطاق، فكيف بك أنت إذ حدَّدوك بشورى تُنحِّيك عن إمارة، أو بيعة تصلك بخلافة؟! وكيف تمكنوا من أن يحشروك بين بداية ونهاية؟ فإذا قماطك قميص عثمان، وإذا لك على كفِّ ابن ملجم دثار الكفن.

وكيف وجدوا تلك المقاييس فأخذوا يتلهَّون بها عنك وراحوا يقيسونك بها؟ فإذا أنت ربع القامة، لست بالطويل ولا بالقصير، عريض المنكبين تميل إلى سمنة ولست بالغليظ، وعيناك على دعج، وعنقك كإبريق فضَّة لك ساعدان مفتولان ليس للسَّيف فقط، بل حتى لاقتلاع المزاليج.

ثم كيف أقحموك بين المشاكل والاحداث فإذا بها تتلقفك كما تتلقف الحلبة مناجزة المتصارعين؟

تبتدئ هكذا يوم الجمل بعرقبة عسكر وجندلة طلحة والزبير، وتنتهي بصفّين، حيث تتحوّل المسرحية إلى مهزلة تختتم بمأساة.

أهكذا نقشت على حدودك تخوم وحوِّط كيانك بسوار؟.. وأنت أنت الوسيم ، ليس لدعج في عينيك، بل للهب في بصيرتك. ولا لبهاء في طليعتك، بل لصفاء في سريرتك.. ولا لغيد في عنقك، بل لجبروت في شيمك.

وأنت أنت البطل، صلب السَّيف والترس في كفيك، ليس لفتلة في زنديك أو لعرض في منكبيك، بل لفيض رجح على أصغريك، ثم فاض على نهجيك.

وأنت أنت الناهج الاول، نسجت للدنيا قميصاً على غير النّول الذي حيك عليه قميص عثمان. وصغت للدين حساماً كان من غير معدن سيف عشيق قطام.

وأنت أنت الذي ابتدأت الرَّكيزة وشهقت بها، تطل على الدُّنيا فوق حدودها وفوق مداها، تحمل في يدك مصحف الرِّسالة، تلوح به على غير النمط الذي لوِّح به في صفين مشعلاً يتجاوز وهجه سنام الجمل ومجرى الفرات، ليعبر من مكة والمدينة، ليس إلى نفوذ الجزيرة وربعها الخالي وحسب، بل ليتجاوزها مع الشمس إلى حيث يبزغ الشروق، وإلى حيث يرتطم الغروب.

لو أدرك الذين فقدوك، وحتى الذين وجدوك، أنّك العملاق ولو بقامة قصيرة وأنَّ وجهك ولو من التراب هو من لون الشمس، لما وصفوك، ولما صدَّقوا حتى اليوم أنَّهم فقدوك.

وقوله:

إلى أين يستطيع أن يطوف بك الفكر وقد تخلَّيت عن كلِّ القيود التي كانت تشد بك عن تلك المطاوف التي كانت تهتز تحت مقارع قبضتيك؟

وكيف أصبحت تنظر إليك الدنيا بعد أن نبذت إليها كلَّ ما كان لك منها كما ينبذ الليل أمام الفجر آخر ذيل من ذيول عتماته؟

وكيف بدأت تنظر إليك ساحات الجهاد بعد أن تركت لها السيف الصقيل والرمح الاسيل؟

لعمري، إنَّ التاسع عشر من رمضان لم يكن اليوم الاوحد الذي فيه رزمت حقائبك وشددت رحلك للسَّفر الطويل.

فلقد تهيّأت لاعتلاء المطيَّة البهيَّة منذ اليوم الاول الذي به تكحَّلت عيناك بذلك الفيض الذي من غار حراء، دُفقت عليك غموره.

ومنذ ذلك اليوم والدنيا تطأطئ رأسها بين يديك، وتلقي بكلِّ جبروتها تحت نعليك.

ومنذ تلك اللحظة، أصبحت خطواتك تتجه نحو الاقاصي، لا تستوقفها الاعاصير، ولا تلهيها رغوات الزبد؟

والدنيا التي قابلتها بخشونة كفِّك، وصدفت عنها بشمم أنفك، ورميت إليها بطيِّ كشحك هي اليوم التي ترنو إليك، كأنَّها أدركت أنّك أنعم وشي لبرودها، وأنَّك أطرى سحابة مرَّت تلطف النشفة في أجوائها. وأنَّك كنت أعقل معدَّل في صماماتها، تارة يطبق عليها الشح فتسد به على اختناق، وطوراً يغور بها البطر فتحبل به على انفتاق.

وأنَّك كنت أجرأ من مدَّ إلى خدِّها المبرّج يداً فهتك عنه الازرار، ودخل خدرها المنمَّق فمزَّق عنه السَّتار، فإذا بالوجه السافر تفضح الشمس مساحيقه، وبالخدر المدلل المغطى بالسجف الوثيرة يتعرّى عن كلِّ مفاتنه الوبيئة.

وهكذا أخضعت الدُّمية الكبيرة، وسلختها من أغلفة الاوهام لتلبسها الثوب البسيط المعفف، وسحقت عن أجفانها سقم المراود، وعرَّضتها للنور تستجمع منه مفاتن الكحل.

وإنَّ الدنيا هذه إذ تخسر تحت عينيك بريقها الوابق، تكتسب بين راحتيك وهجها الدافق.. فإذا هي دروب آمنة الجوانب، يتمشّى عليها العابرون على اتزان.. يحدوهم الشوق العفيف، والامل اللطيف، والمسعى النظيف.. في سبيل الوصول إلى غفوة قريرة، لم تنغِّصها لا دلجة الطمع ولا لمز الجشع، ولم تهتكها تخاريب الفجور أو تجاويف الغرور، ولم تؤرِّقها دبابيس المظالم. وليس الفقر فيها بمنء عن الفضائل، وليس الغنى منها بمغن عن الشمائل.

وهكذا صنت حدود الدنيا إذ كشفت حدودها، وأسبغت عليها الكنوز من حيث بعثرت كنوزها.

لذلك، فإنَّها أصبحت ترجع إليك في كلِّ سانحة تشعر فيها بأنَّه قد غصّ بها الطريق، وفي دستورك كان لها ذلك المرجع الوثيق.

ودستورك كان ذلك الالمام الفسيح بكل أُمور الحياة، مشاكلها ولواعجها. فلم تعالج شأناً من شؤونها إلا سبرت منه الاغوار وسلَّطت عليه الانوار.

أخذت الرسالة، فإذا هي من نور ربِّك الكبير هداية ما فاتك منها قبس، جمعت إليها حجاك، فشعَّ بها منك الحجى، وضممتها إلى قواك فإذا صدرك منها كظهر المجن فرحت تغرف وتفرغ، دون أن يوهيك الغرف أو يوهنك التوزيع. كأنَّك اليم، ما ملّت من مدِّك الشطآن. ولم تأخذ كبيرة إلا عالجتها بكبر، ولم تتناول صغيرة إلا أعرتها كلَّ الفكر.. فكأنَّك كنت على البعد وعلى القرب كالنور، جوّاد البصيرة جوّاب النظر. وتهافتت حول حياضك الفضائل مترابطة كما تترابط ببعضها البعض خطوط القوافل فإذا بها مشدودة الرصف، منسَّقة القوالب، موزونة الايقاع، سلسة المدارج فكنت الجائد الجوّاد من حيث كنت الزاهد الزهّاد.

وعجنت الدنيا بماء الزهد وخبزتها، فإذا موائد الجود تتفتَّح على حقيقة السخاء.. حتى إذا تناولت الرغيف المقدَّد تأكله بحبَّة ملح، كانت لك فيه كل العوافي.. ورغيفك كان كفافك، لانَّه كان من الزهد عجينه.. ولن تحسد غيرك على رغيف، لانَّه من جود زهدك كان طحينة وزهدت بالدنيا، لانَّك لم تر لها ظلاًّ مقيماً ولا عزّاً مستديماً، ورأيت أنَّ دروبها ليست غير معابر، ورأيت أنَّ الانسان فيها حثيثاً حثيثاً إلى الموت سائر، وأنَّه إلى أحضان ربِّه صائر، ورأيت أنَّ الفضائل خير حلية تجمع الانسان في دنياه، يسلكها بتقواه ويتركها بنجواه راحة في الحياة وبلغة للممات. ورأيت أنَّ المثالب بنت المتاعب، تفسد المطالب، تحتضن الاحقاد، وتقضّ المضاجع.

ولن يكون للانسان فيها حقيقة مأرب، بل هي ملجأ العقل الواهي، ومسلك الطامع المغرور، والجائع النَّهم... هدف صغير، وشأو حقير، لن تبني إنساناً يعي حقيقة الوجود، بل تبقى له مصدر قلق في سباق أليم، ينهكه التَّزاحم، ويدهدهه التحايل والتراوغ. فمددت باعك الطولي تفرض العفَّة في المسلك، والصِّدق في المنطق، والصَّراحة في الرأي، والحق في الفصل، والعدل في التنفيذ.. فإذا بك تمد الخوان تغنيه الفضائل، وتزيِّنه الشَّمائل، وتطيِّبه التقوى، ويشهيه الايمان.

وعجينك هو العجين المطهر، لم تمتد إليه يد البغي بأصبع وكان المأكل منه نعم المأكل.. فيه الغذاء وفيه العزاء. فيه الرضوخ وفيه الرضا، فيه الحب وفيه السماح، وفيه السعي على إباء. وفيه الفكر على نبالة. وفيه يقظة الوجدان، وفيه روعة الانسان. هذا ما تركته للدنيا من حقيقة الدنيا.

فلا عجب أن تجوع الدنيا إلى صوانيك كلَّما غصَّت بموائدها، أو تتعطش إلى مساقيك كلَّما غرقت في مناهلها.

والدنيا إنَّما سغبها في تخمتها، وإنَّما صداها بفيض غمرها.

أما إنَّ أطباقك كيف لا تتخم، ومشاربك كيف لا تغرق، فلانَّك الذوّاق، إذ قدمت فنَّ المأكل وفنَّ المشرب.

وهكذا لا تزال الدنيا بأجيالها تغرف الطيب من أفاويهك، يا أيّها الوجه الكريم من سنا ربِّك.

 

الدكتور صفاء خلوصي

 

إن قضية الغدير لاشك في صحتها، إذ لا يمكن أن تبنى هذه الروايات المتوافرة والقصائد الطوال على شيء غير واقع، فالثابت أن موقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في غدير خم مما يمكن الايمان بصحته واثباته بنصوص كثيرة تخرج من نطاق الحصر.

 

محمد مهدي شمس الدين

 

إنّ نهج البلاغة سواء أنظرت إليه من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون وجدته من الاثار التي تقل نظائرها في التراث الانساني على ضخامة هذا التراث.

فقد قيل في بيان صاحبه: إنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

بيان معجز البلاغة، تتحول الافكار فيه إلى أنغام، وتتحول الانغام فيه إلى أفكار، ويلتقي عليه العقل والقلب، والعاطفة والفكرة، فإذا أنت من الفكرة أمام كائن حي، متحرك، ينبض بالحياة، ويمور بالحركة.

وتلك هي آية الاعجاز في كل بيان.

ولم يكرّس هذا البيان المعجز لمديح سلطان، أو لاستجلاب نفع، أو لتعبير عن عاطفة تافهة مما اعتاد التافهون من الناس أن يكرسوا له البيان.. إن البيان في نهج البلاغة قد كرس لخدمة الانسان.

فلم يمجد الامام الاعظم في نهج البلاغة قوة الاقوياء، وإنما مجد نضال الضعفاء، ولم يمجد غنى الاغنياء، وإنما أعلن حقوق الفقراء، ولم يمجد الظالمين العتاة ، وإنما مجد الاتقياء والصلحاء.

إن الحرية والعبودية، والغنى والفقر، والعدل والظلم، والجهل والعلم، والحرب والسلم، والنضال الازلي في سبيل عالم أفضل لانسان أفضل، هو مدار الحديث في نهج البلاغة.

فنهج البلاغة كتاب إنساني بكل ما لهذه الكلمة من مدلول، إنساني باحترامه للانسان وللحياة الانسانية، وإنساني بما فيه من الاعتراف للانسان بحقوقه في عصر كان الفرد الانساني فيه عند الحاكمين هباءة حقيرة لا قيمة لها ولا قدر، إنساني بما يثيره في الانسان من حب الحياة والعمل لها في حدود تضمن لها سموها ونقاءها.

لهذا ولغيره كان نهج البلاغة، وسيبقى على الدهر أثراً من جملة ما يحتويه التراث الانساني من الاثار القليلة التي تعشو إليها البصائر حين تكتنفها الظلمات.

وحق له أن يكون كذلك وهو عطاء إنسان كان كوناً من البطولات، ودنياً من الفضائل، ومثلاً أعلى في كل ما يشرف الانسان.

وفي نهج البلاغة - الذي يمثل الاسلام في صفاته ونقائه كما فهمه الامام علي (عليه السلام)وعاشه، وطبقه - في نهج البلاغة أجوبة مبدئية على كل الامور التي نعاني منها وغيرها.

«نهج البلاغة»، إنه أثر إنساني خالد لا يحده مكان، ولا تنتهي الحاجة إليه في زمان، لانه من الاثار الانسانية التي لم توضع لفريق دون فريق، ولم يراع فيها شعب دون شعب، وإنما خوطب بها الانسان أنّى وجد وكان. ولانها تلامس كل قلب، وتضمد كل جرح، وتكفكف كل دمعة، كانت ملكاً للناس أجمعين، وكانت خالدة عند الناس أجمعين.

 

الدكتور محمود البستاني

أدب الامام عليّ (عليه السلام)

 

يمكن الذهاب إلى أنّ أجود نتاج أدبي عرفه التاريخ - فناً، وعمقاً، وفكراً - يتمثل في ما كتبه الامام علي (عليه السلام). نسوق هذه الحقيقة وأمامنا وثيقتان تشهدان بذلك أولاهما: نفس النتاج المأثور عنه (عليه السلام)، والاُخرى: وثيقة صادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تؤكّد هذه الحقيقة. وإذا كان مؤرّخ الادب يمكنه من خلال المتابعة الجاهدة لنتاج الامام علي (عليه السلام) أن يستخلص هذه الحقيقة، فإنّ الملاحظ أو القارئ يمكنه أن يستخلص ذلك من الوثيقة التي قدّمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الميدان، الوثيقة تقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها». هذا النص التقويمي هو - إذ أخضعناه للغة الفن - «استعارة» ولكننا نعرف - كما ألمحنا إلى ذلك - أنّ الفارق بين الادب التشريعي (القرآن الكريم، السنّة النبوية) والادب العادي، أنّ الادب التشريعي حينما يلجأ إلى عنصر (الصورة: تشبيه، استعارة... الخ) يختلف عن الادب العادي في أنّ التشبيه أو الاستعارة ترتكز إلى واقع وليس إلى تخيّل، أو وَهم، أو مبالغة، فعندما يقرر القرآن الكريم: أنّ المنفِق في سبيل الله مثل حَبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة، حينئذ لا مبالغة في الصورة ; نظراً لكون الله تعالى مُنزَّهاً عن تقرير غير الحق، كذلك ما يقرره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهو معصوم من الخطأ - لا يبالغ في تقريره لحقيقة ما. فعندما يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «من عَدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت». فإنّه لم يبالغ في ذلك ما دام المرء يتعيّن عليه أن يحيا فكرة الموت وأن يعدّ له الزاد الذي يتناسب مع هذه الحقيقة، وحينئذ فإنّ إحياء فكرة الموت هي: صحبة بالفعل، فإذا لم يعدّ الغد من أجله فقد أساء هذه الصحبة، وحينئذ لا مبالغة في هذه الاستعارة، بل هي الحقيقة ذاتها.

والان حين نتجه إلى الاستعارة القائلة (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) نجد أنّ هذه الاستعارة تجسّد الحقيقة دون مبالغة أيضاً، ما دام كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوماً من الباطل، وإذا كان من وظيفة مؤرّخ الادب أن يضع النصوص التي يدرسها في نطاقها اتاريخي، حينئذ نجد أنّ الوثيقة النبوية القائلة: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» تشكّل خلفية «تاريخية» ينبغي أن نستند إلى محتوياتها عند دراستنا لادب الامام علي (عليه السلام).

إنّ كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مدينة للعلم يعني: أنّ الله تعالى «ألهمه المعرفة» التي لم يلهمها أحداً من البشر سواه حيث حصرها في مدينة تابعة له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا كون علي هو باب المدينة يعني: أنّ المعرفة التي ألهمها الله للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن أن يتعرف عليها أحد إلاّ من خلال علي (عليه السلام) ; لانّه الباب الذي يُفضي إلى دخول المدينة وهذا - يعني أيضاً -: أنّ علياً (عليه السلام) هو الذي يتكفّل ببيان ما ألهمه الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): حيث أوصل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المعرفة إلى علي (عليه السلام) وجعله لساناً رسمياً يتكلّم نيابة عنه، مما يفسّر لنا واحداً من أهم الاسباب التي جعلت النتاج الذي قدّمه علي (عليه السلام) ينطوي على طرح يجمله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويفصّله (عليه السلام)، أو يسكت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتركه لعلي (عليه السلام) بأن يضطلع بتقريره وتوصيله إلى الاخرين.

إذن: عندما نقول بأنّ أدب الامام عليّ (عليه السلام) يجسّد أفضل نتاج عرفه تاريخ الادب، حينئذ لا نبالغ في تقرير هذه الحقيقة التي ينبغي لمؤرخ الادب أن يعيها كلّ الوعي ; إذا كان مستهدفاً دراسة تاريخ الادب بلغة موضوعية تفرضها عليه وظيفته العلمية. وفي ضوء هذه الحقيقة نتقدّم بعرض سريع لادب الامام عليّ (عليه السلام)بنحو يتناسب وحجم هذه الدراسة.

وإنّ أهمية النتاج الذي قدّمه الامام علي (عليه السلام) تتمثل في المستويين: الفكري والفني. أما الفني فيكفي أن يُطلَق على نتاجه - في المختارات التي انتخبها الشريف الرضي - اسم نهج البلاغة أي النموذج أو المعايير أو القواعد أو الطرائق التي تجسّد ماهو فني أو بلاغي من التعبير، وهذا يعني أنّ الامام (عليه السلام) قدّم النموذج للفن وإن ما عداه من النتاج العام هو دونه أو تقليد له. وأما الفكري منه، فيكفي أن نعود إلى وثيقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لنعرف أنّه حصيلة ما أودعه (صلى الله عليه وآله وسلم) من المعرفة لدى الامام (عليه السلام)، وهو أمر يمكن أن يلاحظه مؤرّخ الادب حينما يجد أنّه حيال فكر متميّز يَسْتَبِقُ عصره ويتجاوزها إلى التخوم التي لا يزال بعضها مجهولاً حتى في حياتنا المعاصرة. لقد تحدث الامام (عليه السلام) عن المعرفة بنمطيها: المعرفة الانسانية والمعرفة البحتة، فتحدث عن نشأة الكون وظواهره المختلفة من سماء وأرض وكواكب وملائكة وبشر وحيوان... الخ، وسائر ما يرتبط بالمعرفة البحتة.

وتحدث عن النفس والتربية والاقتصاد والسياسة والتاريخ والاجتماع، وسائر ما يرتبط بالمعرفة الانسانية. ومعلوم أنّ الحديث عن الظاهرة العلمية: إنسانية كانت أو بحتة يتم عادة بلغة تقريرية، إلاّ أنّه (عليه السلام) كتبها بلغة فنية تتوسّل بالصوت والصورة وسائر الادوات الجمالية في أرفع مستوياتها، مما جعل النتاج المأثور عنه (عليه السلام) مطبوعاً بسمتي المعرفة والفن، ومن ثَم جعل هذا النتاج مطبوعاً بما هو نموذجي متميّز بحيث يعكس آثاره على النتاج الذي تشهده العصور الادبيّة اللاحقة، حتى أنّه لا يكاد خطيب أو كاتب أو مفكّر بنحو عام يتخلص من تأثير هذه الانعكاسات الادبية والفكرية كما سنشير إلى ذلك في حينه. وأهمية هذا التأثير أو الانعكاس تتمثّل في أن النتاج فكرياً لا طرح مماثل له في الميدان العلمي عصرئذ حيث إنّ الازدهار العلمي بدأ بعد أكثر من مائة سنة من عصر الامام (عليه السلام)، كما أنّ اللغة الفنية التي استخدمها (عليه السلام) كانت مكثّفة بشكل يحوِّلها إلى لغة جمالية مَحضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية... الخ، وتحتشد بإيقاعات هائلة تتناول كل مفردة ومركبة حتى لا تكاد تجد من بين آلاف المفردات والتراكيب مفردة أو تركيباً خالياً من إيقاع ملحوظ فضلاً عمّا يواكب ذلك كلّه من الادوات اللفظية والبنائية التي تحفل بما هو مدهِش ومثير في مختلف مستوياتها. والمهم بعد ذلك أن نُصنِّف هذا النتاج إلى أشكال متنوعة من التعبير الفني، يمكن درجها ضمن مايلي:

الخطبة، الرسالة، الخاطرة، المقالة، الدعاء، الزيارة، الحديث، المقابلة، المحاورة، الملاحظة.

 

محسن شرارة

(1318 هـ - 1365 هـ)

 

في بدء الايجاد كنت... ! على لوح الوجود، بين آفاق النور، عندما أطل شعاع سناك نوراً متألقاً، تومض بالشعاع، وتلظى بالابداع.

وكنت! في غاية السر ضميراً يتلالا بالالاء!

موغلاً في السمو والزهو، تتراءى بالينبوع في ضوء الشموع.

وكنت. إذ أغرق التكوين، عجين الطين، بماء التسنيم، بلفظ مبدع قديم ، على محيا الاديم.

طيب السرى، في جباه الورى، في أصلاب طاهرات، وأرحام مطهرات، من الدنس نقيات، عن الخبث ساميات.

وكنت إذ انفتق عنك النور، وانبثقت في الظهور، وجلاك باري النسم، في فناء الحرم عند هيكل الصنم، ديمة الديم.

وكنت إذ نشأت كالفرقد، تغذي وتمهد، على أبهاء السؤدد، في كنف أحمد، عبقرياً يتوقد!

في الفراش الطهور، كالنجم في الظهور، فدية النور للنور. !

وكنت في مغازي النذير، أنت الامير، محور النفير.

أسمى بطل، رأى المهل، عند الجدل، يغني العلل، لدى الاجل.

وكنت على النهر نضو الغير، تري العبر، أشقى بشر.

وكنت على الصحراء بين الانواء، خلف الارزاء، تنفث الدماء، تصبغ الفضاء ، تبث في الحفر شكوى القدر والبشر.

 

خاتمة المطاف

 

اختتم هذه الموسوعة الميمونة المباركة بما تيسر لي من جيد ما نظم وما نثر في حقّ أمير الفصاحة والبلاغة أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، خلال خمسة عشر قرناً.

وفي هذا المقام لا يسعني إلاّ أن أشكر الذوات الافاضل الذين آزروني وساعدوني في إخراجه، وتبويبه، ومراجعته حتى ظهر بهذه الحلّة القشيبة.

سائلاً المولى القدير أن يقبل مني هذا اليسير ويعفو عني الكثير فإنه سميع بصير.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

 

تم ذلك في بلدة قم المقدسة، عش آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)العبد المنيب

الفاتح من محرم الحرام سنة 1418 هـ حسين الشاكري



([1]) السليم الملسوع من سم الافعى .

([2]) صفوة الصفوة : 1/315 تذكره الخواص : 70 اعيان الشيعة : 7/404 .

([3]) قال ابن منظور في لسان العرب : 7/127 ، بيضة البلد : علي بن أبي طالب (عليه السلام) أي انه فردٌ ليس مثله في الشرف .

([4]) يقصد جورج جرداق .