تدوين الحديث وتأريخ الفقه الشيعي

تمهيد

«تدوين الحديث» عند شيعة أهل البيت... وأهل السنّة

المدرسة الكبرى

المصحف الخاصّ

مصحف فاطمة

آثار هذا المنع

تأريخ الفقه الشيعي وتطوّر الدراسة الفقهية لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام)

مدرسة التابعين

العصر الأوّل

العصر الثاني

مدرسة الكوفة

العصر الثالث

مدرسة قم والري

الحياة الفكرية في (الري)

العصر الرابع

مدرسة بغداد

بغداد حاضرة العالم الإسلامي

العصر الخامس

مدرسة الحلّة

تأريخ الحياة العلمية للنجف الأشرف

وهجرة الشيخ الطوسي

النجف الأشرف قبل الشيخ الطوسي

هجرة الشيخ الطوسي

أدوار جامعة النجف

المدارس الدينية

المدارس الحديثة

مكتبات النجف القديمة

المكتبات العامة حديثاً وقديماً

مكتبات النجف الخاصّة في القرنين

الثالث والرابع عشر الهجريين

إدارة الحوزة والنظام الحاكم

 

تدوين الحديث وتأريخ الفقه الشيعي

تمهيد

الهدف من إحياء التراث الإسلامي، وإشاعة العقيدة الحقّة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) في أوساط شبابنا الحائر بين تيّارات الثقافات الغربية، الغريبة، المشبعة بسموم أفكار الصهيونية والصليبية والماركسية، بتخطيط من الماسونية العالمية.

وكذلك غزو الآراء الشاذّة الضالّة، من بعض المذاهب التي تدّعي الإسلام زوراً وبهتاناً، بدفع من الاستعمار والماسونية العالمية، بهدف التخريب والتفرقة وقطع الجسور الممتدّة بين المسلمين كافة، وتكفير مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام) خاصّة.

والغرض من تسليح شبابنا الناهض للوقوف بوجه تلكم التيارات المنحرفة الضالّة، ليدافع عن مبادئه وعقيدته كما دافع عنها سلفنا الصالح وتحمّل العنت والعذاب في سبيل ذلك، لا سيّما شبابنا الذين قهرتهم الظروف العصيبة والالتجاء إلى أحضان دول الكفر، لسدّ حاجاتهم البايولوجية، كالمستجير من الرمضاء بالنار.

والله أسأل أن يسدّد خطانا ويهدينا إلى سواء السبيل.

حسين الشاكري

«تدوين الحديث» عند شيعة أهل البيت... وأهل السنّة

مند أن التحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى وتسنّم الشيخان أبو بكر وعمر سدّة الحكم منعا تدوين الحديث وشدّدا في منعه، حتّى أصبح كبار الصحابة ومَن دونهم محذوراً عليهم لا تدوين الحديث فحسب بل حتّى منع عليهم ذكر الحديث والاستشهاد به في مناظراتهم وغيرها.

وحرّم الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب بصورة خاصّة تدوين الحديث إبان تسنّمه سدّة الحكم، بقولة قالها «حسبنا كتاب اللّه» استدراكاً لما فعله الخليفة الأوّل أبو بكر بن أبي قحافة حينما أحرق الأحاديث التي كانت عنده والتي سمعها ودوّنها من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي تربو على الخمسمائة حديث.

في حين بقيت الاُمّة حائرة وهي بأمسّ الحاجة إلى تدوين الحديث لمعرفة أحكامها الفقهية من الحلال والحرام والحدود في الدماء والفروج والأموال، ومسائلها العقائدية، واُمورها الحياتية، إلى أن أجاز عمر بن عبد العزيز تدوين الحديث بعد القرن الأوّل من الهجرة.

غير أنّ شيعة أهل البيت رفضت القرار المزبور، ودوّنت الحديث رغم الحظر الشديد، وذلك ابتداءً من عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مروراً بعصر الإمام عليّ (عليه السلام) فما بعد، واهتمّت بحفظ هذه الثروة العظيمة وهذا التراث المجيد الذي أخذته من باب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده أخذت شيعة أهل البيت عن أبنائه الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

وأوّل من دوّن الحديث سلمان المحمّدي الفارسي وأبو ذرّ الغفاري، ومن بعدهم أبو رافع مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وابنه علي وعبيد اللّه، وكانا كاتبين لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، والأصبغ بن نباتة، وسليم ابن قيس الهلالي وكثير غيرهم، وكلّهم من شيعة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وخواصّه.

وعلى أيّ حال، فإنّ اهتمام شيعة أهل البيت (عليهم السلام)بحفظ الحديث وتدوينه كانوا الروّاد له والسابقين إلى ضبطه.

ويقول الاُستاذ مصطفى عبد الرازق، عند ذكره لأوّل من دوّن الحديث، وعلى أيّ حال فإنّ ذلك لا يخلو من دلالة على أنّ النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة، لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمّتهم أو ما يشبه العصمة، كان حريّاً أن يسوقهم إلى الحثّ على تدوين] الحديث [في أقضيتهم وفتاواهم([1]).

والواقع التأريخي يقرّ بأنّ الحكّام الاُمويين منعوا الناس عن التحدّث بعلم عليّ (عليه السلام) خاصّة أو نقل فتاواه وأقواله للناس([2]).

فقد كان للاضطهاد الاُموي لأهل البيت (عليهم السلام)وأتباعهم أثره العميق في منع الناس عن رواية الحديث عنهم، فالتجأ إلى التورية بقولهم: قال أبو زينب، أو قال الشيخ، بدلا من ذكر الرواة والمحدّثين اسم عليّ.

وكيف يستطيع أحد أن يذكره بخبر أو يسند عنه حديثاً ومنابرهم تعجّ بسبّه، وألسنة مشايخهم تلهج بذمّه، وقصّاصوهم يختمون أحاديثهم بلعنه([3])، إلى غير ذلك من الوسائل التي حاول الاُمويون القضاء على مآثره (عليه السلام).

ويستدلّ في كثير من الأعمال الدبلوماسية التي قام بها معاوية في عهده الطويل الأمد، أ نّه كان قد قرّر التوفّر على حملة واسعة النطاق لتحطيم المبادىء العلوية، أو قل تحطيم جوهرية الإسلام متمثّلة في دعوة عليّ وأولاده المطهّرين (عليهم السلام).

ويظهر أ نّه كان ثمّة أربعة أهداف تكمن وراء هذه الحملة.

1 - شلّ الكتلة الشيعية - وهي الكتلة الحرّة - والقضاء تدريجياً على كلّ منتم إلى التشيّع وتمزيق جامعتهم.

2 - خلق الاضطرابات المقصودة في المناطق المنتمية لأهل البيت والمعروفة بتشيّعها لهم، ثمّ التنكيل بهؤلاء الآمنين بحجّة تسبيب الشغب.

3 - عزل أهل البيت عن العالم الإسلامي، وفرض نسيانهم على المسلمين إلاّ بالذكر السيء، والحؤول - بكلّ الوسائل - دون تيسّر النفوذ لهم، ثمّ العمل على إبادتهم من طريق الغيلة.

4 - تشديد حرب الأعصاب.

ولمعاوية في الميدان الأخير جولات ظالمة سيطول حسابها عند اللّه عزّ وجلّ كما طال حسابها في التأريخ، وسيجرّنا البحث إلى عرض نماذج منها عند الكلام على مخالفاته لشروط الصلح.

وكان من أبرز هذه الجولات في سبيل مناوأته لعليّ وأولاده ولمبادئهم وأهدافهم، أ نّه فرض لعنهم في جميع البلدان الخاضعة لنفوذه، بما ينطوي تحت مفاد «اللعن» من إنكار حقّهم، ومنع رواية الحديث في فضلهم، وأخذ الناس بالبراءة منهم، فكان - بهذا - أوّل من فتح باب اللعن في الصحابة، وهي السابقة التي لا يحسده عليها مسلمٌ يغار على دينه، وتوصّل إلى استنزال الرأي العام على إرادته في هذه الاُحدوثة المنكرة، بتدابير محبوكة، تبتعد عن مبادىء اللّه عزّ وجلّ، بمقدار ما تلتحم بمبادىء معاوية.

وإنّ من شذوذ أحوال المجتمع، أ نّه سريع التأثّر بالدعاوات الجارفة القوية - مهما كان لونها - ولا سيّما إذا كانت مشفوعة بمطامع المال ومطامع الجاه من جهة، والإرهاب والتنكيل من جهة اُخرى.

وما يدرينا بِمَ رضي الناس من معاوية، فلعنوا معه عليّاً وحسناً وحسيناً (عليهم السلام)؟ وما يدرينا بماذا نقم الناس على أهل البيت فنالوا منهم كما شاء معاوية أن ينالوا؟ !

ربما يكون قد أقنعهم بأنّ عليّاً وأولاده، هم الذين حاربوا النبيّ (صلى الله عليه وآله) إبان دعوته، وإنّهم هم الذين حرّموا ما أحلّ اللّه وأحلّوا ما حرّم اللّه، وهم الذين ألحقوا العهار بالنسب، وهم الذين نقضوا المواثيق وحنثوا بالأيمان، وقتلوا كبار المسلمين صبراً، ودفنوا الأبرياء أحياءً، وصلّوا الجمعة يوم الأربعاء([4]).

وربما يكون قد أطمعهم دون أن يقنعهم، وربما يكون قد أخافهم دون أن يطمعهم، فكان ما أراد «وارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن عليّ سنّةً ينشأ عليها الصغير ويهلك الكبير»([5]). والمرجّح أنّ معاوية هو الذي فضّل تسمية هذه البدعة بـ (السنّة)، فسمّاها معه المغرورون بزعامته والمأخوذون بطاعته كما أحبّ، وظلّ الناس بعده على بدعته، إلى أن ألغاها عمر بن عبد العزيز «وأخذ خطيب جامع (حرّان) يخطب ثمّ ختم خطبته ولم يقل شيئاً من سبّ أبي تراب كعادته، فتصايح الناس من كلّ جانب: ويحك ويحك السنّة السنّة، تركت السنّة».

ثمّ كانت (سنّة معاوية) هي الأصل التأريخي لتكوين هذه الكلمة تكويناً اصطلاحياً آخر، تناسل مع الأجيال، وتنوسيت معه مناسباته السياسية الاُولى.

ولنتذكّر هنا، أنّ عليّاً (عليه السلام) سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيّام حربهم بصفّين، فنهاهم، وقال لهم: «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللّهم احقن دماءنا ودمائهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتّى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به([6]).

وظلّ سبّ عليّ (عليه السلام) وشتمه من على المنابر طيلة ألف شهر، وفرض البراءة منه ومن دينه الذي هو دين الإسلام، واللعن على شيعته ومحبّيه، حتّى نشأت عليه أجيال، وغرس جذور العداء بين المسلمين، وحتّى هرم الكبير وشاب الصغير، وكأ نّهم بذلك يدفعون به إلى عنان السماء ويرفعونه عالياً حتّى أصبحت أقدامه فوق رؤوسهم.

قال الشافعي لمّا سأله أحد أصحابه عن عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام)، قال([7]): ما أقول في رجل أسرَّ أولياءُهُ مناقبه تقيّةً، وكتمها أعداؤه حنقاً وعداوةً، ومع ذلك فقد شاع ما بين الكتمانين ما ملأ الخافقين؟ ! !

وسُئل الخليل بن أحمد الفراهيدي([8]): لِمَ هجر الناس علياً (عليه السلام) وقُرباه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال: ما أقول في امرىء كتمت مناقبه أولياؤه خوفاً، وأعداؤه حسداً، ثمّ ظهر ما بين الكتمانين ما ملأ الخافقين؟ ! !

وسئل: ما الدليل على أنّ علياً (عليه السلام) إمام الكلّ في الكلّ؟ قال: إحتياج الكلّ إليه واستغنائه عن الكلّ، دليلٌ على أ نّه إمام الكلّ.

وعلى رغم تلكم المعارضات والحواجز التي وضعها الاُمويون أمام نشر الرسالة الإسلامية، وإثارة الشكوك في اتّهام شيعة أهل البيت (عليهم السلام) باُمور ما أنزل اللّه بها من سلطان، وخلاف المنطق والمعقول، مثل قولهم: مبتدع، أو زائغ عن الحقّ، أو سيّء المذهب، وغير ذلك من الكلام الذي يلقونه على عواهنه دون أيّ دليل أو إثبات، كلّ ذلك القصد منهم تشويه سمعتهم بإلقاء الشبهات عليهم من الوجهة الدينية ; لأ نّهم أنصار العلويين في مقاومة الحكم الاُموي.

وإذا أردنا أن نسأل عن المصداقية الموجبة لهذه التهم والبهتان، فلا نجد جواباً شافياً إلاّ الخضوع لحكم السلطات المعادية لأهل البيت وشيعتهم.

قال عليّ بن المديني: لو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي - أي التشيّع - خربت الكتب.

وقال الخطيب البغدادي: قوله: خربت الكتب، يعني لذهب الحديث([9]). وروى الخطيب عن محمد بن أحمد، عن محمد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا عبد اللّه محمد بن يعقوب - وسئل عن الفضل بن محمد الشعراني؟ - قال: صدوق في الرواية، إلاّ أ نّه من الغالين في التشيّع، وقيل له: فقد حدّثت عنه في الصحيح؟ فقال: لأنّ كتاب اُستاذي ملآن من حديث الشيعة، يعني مسلم ابن الحجّاج([10]).

وقد وضعوا على ألسنة أئمة المذاهب أقوالا مؤدّاها الامتناع عن قبول رواية الشيعة كذباً وبهتاناً.

في حين كان أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس من تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام)، والشافعي تلميذ مالك، وأحمد بن حنبل تلميذ الشافعي، والكلّ قد رووا عن رجال الشيعة وخرّجوا أحاديثهم، وهؤلاء لم يرد عنهم حول روايات الشيعة ما يدلّ على الطعن.

ثمّ نأتي إلى رواة الحديث وأهل الصحاح فنجد كتبهم ملأى بروايات الشيعة وأحاديثهم، فهذا البخاري كان شيوخه من الشيعة يربون على العشرين شيخاً، وكذلك مسلم، والترمذي وغيرهم من رواة الحديث.

ومن المؤسف حقّاً أ نّك تجد في عصرنا الحاضر كتّاباً في علوم الحديث أو التأريخ يتغافلون عن الحقائق الراهنة، ويلبسونها أبراداً من التمويه، ليغذّوا عقول الناشئة بأباطيل عصور التطاحن، فينالون بأقلامهم المسمومة الحديث عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كلّ ما توحيه إليهم عاطفتهم، فيصفون الشيعة بما يروق لهم من الأوصاف التي لا يصلح وصفهم بها، ولكنّ التعصّب الأعمى يوجد من لا شيء أشياء.

ولا بدّ أن نُلفت انتباه القرّاء الكرام إلى تعبير بعضهم عندما يترجمون لرجل من ثقاة الشيعة، فيقولون مثلا: صدوقٌ ولكنّ مذهبه مذهب الشيعة، أو أ نّه صدوق ولكنّما نقموا عليه التشيّع، أو أ نّه سيّء المذهب، أو مبتدع، أو غير ذلك.

وربما يتساءل المنصف فيقول: ما هو الموجب لهذه التُهم؟ وهل التشيّع لعليّ (عليه السلام) وأهل بيته بدعةٌ في الإسلام؟ ولمصلحة مَن كلّ هذه الضجّة والنقمة على مَن يتشيّع لعليّ وآله؟ ولا نجد جواباً إلاّ الاتّهامات التي تكمن ورائها أغراض الخصومة لأهل البيت (عليهم السلام)، وهي من مخلّفات العهد الجاهلي، ويرمون أتباع أهل البيت بكلّ موبقة وحتّى الزندقة وهم براءٌ منها.

وليس من العسير أن يقف المتتبّع على بواعث تلك الاتّهامات المفتعلة فهي لا تعدو أن تكون لأغراض سياسية تخدم مصالح الحاكمين الذين أسرفوا في التنكيل بشيعة أهل البيت (عليهم السلام).

وسيأتي ترجمة بعض الثقاة من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

أعود من حيث انقطعت، فأقول:

وجاء دور الحكم الاُموي بعدهما بأكثر نكيراً وتشديداً بذكر الحديث فضلا عن تدوينه، حتّى انتهى القرن الأوّل والمنع لا زال قائماً. وفي عهد عمر بن عبد العزيز اُطلِق هذا القيد نسبياً، ولكن شبح رعب الحذر والمنع كان كامناً في نفوس البقية الباقية من حَمَلة الحديث، إلاّ أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم يبالوا بهذا المنع وكانوا مستمرّين ببثّ ما دوّنوه من الأحاديث. وبعد انقراض الحكم الاُموي واستيلاء بني العباس على الحكم سنة 132 وبعد صراع مرير دار بين حكّام بني اُميّة الذين عاثوا في الأرض فساداً وأبادوا الحرث والنسل، وبين بني العباس ودعاتهم في بادىء نهضتهم الذين رفعوا شعار «الرضا من آل محمد» كذباً وبهتاناً، ليستغلّوا نفوس الموالين والمحبّين لأهل البيت (عليهم السلام).

وكان أبو العباس السفّاح أوّل حكامهم ثمّ خلفه أبو جعفر المنصور الدوانيقي، وبقي في الحكم اثنين وعشرين سنة (136 - 158 هـ)، وطّد فيها أركان الدولة العبّاسية وثبّت دعائم حكمها، وأخضع الخارجين عليها في كلّ أرجاء (الامبراطورية) بالحديد والنار والنفي والتعذيب وملأ السجون، وقد كشّرت عن أنيابها، وكشفت قناعها الحقيقي، ولم تعد دولة دينية كما دعت إليها في بدء نهضتها في صراعها مع الحكم الاُموي البغيض.

وغصبت هذه الدولة حقّ أبناء علي (عليه السلام) والتي قامت باسمهم، ورفعت شعارهم «الرضا من أهل البيت»، وكان أحّق بها منهم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان الإمام (عليه السلام) عازفاً عنها لمعرفته بحقيقة أمر بني العباس وزيف دعواهم، وعزوفه ورفضه فكرة التعاون الإيجابي بصراحة مع القوى المعارضة للحكم الاُموي، والاكتفاء بالوقوف قريباً من الأحداث، والتطلّع بحذر إلى ما يجري في الساحة وما ستتكشّف عنه الوقائع بين الطرفين المتنازعين، لا يعني هذا عدم استجابة الإمام لنداء الاُمّة الصامت بالتخلّص من مآسي الحكم الاُموي البغيض وتجاوزاته التي أغفلت دور الرسالة في صنع الحياة الكريمة المعطاء للإنسان المسلم.

ولم تكن دوافع الإمام في اعتزاله وعزوفه عن العمل السياسي التأثر بدوافع زهدية، أو لأنّ ذلك لا يعنيه، بل باعتبار أنّ تقلّبات الأحداث فرضت وضعاً سياسياً معيّناً، ولعدم ثقته بالقوى التي يفترض فيها أن تكسب الجولة الأخيرة في الصراع، أدّى إلى أن يفقد الإمام دوره الطليعي الطبيعي في وسط الصراع، فهو حين لا يملك مبرّرات التحرّك الثوري ونتائجه الإيجابية لنفسه، فمن البديهي أن لا يملك المبرّر لتحمّل مسؤولية التغيير، الذي لا يتحرّك من منطلقات رسالية مخلصة، بل من منطلقات غريزية وذاتية، ظهرت آثارها على تصرّفات الحكم وسلوكه فيما بعد، فكرّس حياته كوالده (عليهما السلام)، واشتغل في تعليم المسلمين وبثّ معارف الدين ومعالم الرسالة المحمدية السمحاء، وبثّ علوم آل محمد، ومنهاج السماء الذي ورثه عن آبائه كابراً عن كابر.

جرت الاُمور مجراها الطبيعي للغالبين على الحكم، يطوون أضلاعهم على الخوف، والحقد والحذر من الذين رفعوا شعارهم، ويشهرون أسلحتهم في كلّ مكان على الشبهة والظنّة للمحافظة على دولتهم وعروشهم المزيّفة وبقائها، وكان ذوو القربى في طليعة اُولئك الذين اتّخذوا الحذر منهم، وجعلوهم هدفاً لسهامهم، لأ نّهم يدركون أحقّيتهم بالخلافة وشعور المسلمين اتّجاههم، فأسعر العباسيون الشحناء عليهم دون هوادة وسالت الدماء بينهم.

والإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لعلمه المسبق بنفسية الغاصبين وتصميمهم على البقاء في الحكم مهما كانت النتائج، وترّفع الإمام وعزوفه واستعلائه عن هذا الصراع المرير جنّبه تلك المذابح، ولكن بُعْدَه عنها لا يقيه بطش الحاكم الجبّار الحذر المتنمّر الذي تدعوه نفسه الشرّيرة إلى المواجهة الشرسة، وما توسوس له هواجسه الخبيثة، مخافة أهل البيت وشيعتهم.

وكان توفيق السماء حليف الإمام (عليه السلام) في مواجهاته مع الجبابرة، وإن بقيت الدولة على حذرها، تنزل بأهل البيت العذاب والتنكيل والقتل والتمثيل وتجعلهم في اسطوانات البناء وهم أحياء للتخلّص منهم وإبادتهم، والسعي فيهم بشتّى الوسائل حتّى تقطع أثرهم.

انتهز الإمامان الصادقان أبو جعفر الباقر وابنه أبو عبد اللّه الصادق (عليهما السلام) فرصة اضمحلال الحكم الاُموي وانشغال بني العباس بتأسيس دولتهم وتثبيت أركان حكمهم، فشيّدا البناء على الاُسس التي ركّز دعائمها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)وأبنائه الكرام، ثمّ بنى على أساسها الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وأظهر مدرسته الفقهية «فقه آل محمد» في المدينة المنوّرة، وتعاظمت مدرسته يوماً بعد يوم وكثر عدد أفرادها على رغم اشتداد الرقابة عليه من قبل الاُمويين بصورة لا مجال لأحد أن يتظاهر بالانتماء لتلك المدرسة، إلاّ عن طريق المخاطرة بحياته، ومع هذه الشدّة وتلك الرقابة، فقد كانت سيرة مدرسة أهل البيت محسوسةً وكفاحها متواصلا، وقد خرّجت عدداً كبيراً من أساطين علماء الاُمّة الذين أصبحوا مصدراً للحديث ومرجعاً للأحكام والفتوى، ثمّ جاء دور الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) وبنى على أساس ذلك الصرح العظيم وتوسّع، وفي عهد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وصلت النهضة العلمية أوجها، حيث تتلمذ عليه ما يزيد على الأربعة آلاف طالب، فكانوا المثل الأعلى في العزوف عن الحكم والسلطان والانصراف إلى بثّ العلم وتعليم الناس العلم الصحيح والعمل الصالح والاُسوة الحسنة لأخلافهم.

وممّن تتلمذ على الإمام الصادق: أبو حنيفة ومالك، وهما من أئمة مذاهب أهل السنّة، وتأثّرا كثيراً به، في الفقه أو في الطريقة، ومالك شيخ الشافعي، والشافعي يدلي إلى أبناء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسباب العلم والمحبّة، وقد تتلمذ عليه أحمد بن حنبل سنوات عشرة، فهؤلاء أئمة أهل السنّة الأربعة تلاميذ مباشرون وغير مباشرين للإمام الصادق (عليه السلام).

والإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقف شامخاً في فقه أهل البيت، فهو في الفقه إمام، وفي حياته للمسلمين إمام، والمسلمون ليومنا هذا يلتمسون في كنوزهم الذاتية المصادر الأصيلة للنهضة العلمية الصحيحة غير مختلطة ولا مستوردة.

والإمام الصادق هو الإمام الوحيد من «أهل البيت» الذي اُتيحت له الفرصة لبثّ علومه، وإمامته دامت أكثر من ثلث قرن، تمخّض فيها للعلم مجلسه دون منازع، ولم يمدّ عينه إلى السلطة التي في أيدي الحكّام الغاصبين، وبهذا التخصّص والتفرّغ علّم الأجيال الصاعدة وسلّم فطاحل علمائها مفاتيح العلم النبوي الشريف، ومنه بدأ التأصيل لمنهج علمي واضح المعالم للفكر الإسلامي، نقلته اُمم الغرب بعده فبلغت به مبالغها الحالية.

ومن الذين عملوا بين يديه: تلميذه (جابر بن حيّان)، أوّل كيميائي، ثمّ أخذت منه (أوروبا الحديثة) وتبعت منهجه القويم وهو (منهج التجربة والاستخلاص) وتحكيم العقل مع النزاهة العلمية.

فالإمام الصادق هو فاتح العالم الفكري الجديد، بالمنهج العقلائي والتجريبي.

والإمام الصادق هو الإمام الوحيد في التأريخ الإسلامي، والعالم الوحيد في التأريخ العالمي، الذي قامت على اُسس مبادئه الدينية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية دول العالم.

ولعلّك تذكر أكبر دولة عرفها التأريخ (الدولة الفاطمية) التي قامت في مصر وامتدّ سلطانها من المحيط الأطلسي إلى برزخ السويس، ولولا هزيمة جيوشها أمام الغازين لخفقت ألويتها على جبال هملايا في وسط آسيا.

والعالم كلّه مدين لها، إنّ المسلمين يدينون لها بالجامع الأزهر، الذي أسّسه (الفاطميون) والذي حفظ القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة واللغة العربية وعلومها كافّة من الضياع في تلك البلاد، كما يدينون لتعاليم الإمام (عليه السلام) بقيادة دولة إسلامية كبيرة مثل إيران، ومجمّع عظيم بالعراق، ومعاهد علمية عريقة يتصدّرها النجف الأشرف، وشعوب قوية في الهند وباكستان وأفغانستان واليمن ووسط آسيا وسوريا ولبنان وشعوب كثيرة منتشرة في العالم كافة، يدينون بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وفي طليعتهم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)الذي علّم بالمواقف التي وقفها قدر ما علّم بالمبادىء التي أرساها.

المدرسة الكبرى

أخذ جمع غفير من فطاحل العلماء من مختلف مذاهبهم ونِحَلهم، لا سيما الثقات من الشيعة الإمامية، الاُصول والفروع عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ورووا ذلك لطلاّبهم ومن أخذ منهم على سبيل التواتر القطعي، وروى هؤلاء لمن خلّفوهم قرناً بعد قرن.

فالإمام الصادق (عليه السلام) يروي علم آبائه من قبله، ويروي الأئمة من أبنائه علمه من بعده، كما يروي تلامذته، فهو الحلقة التي تتوسّط السلسلة، أو العروة الوثقى بين ما كتب آباؤه وبين ما كتب بعده الأئمة الطاهرون من أبنائه، وكتب رواته الثقات من أصحابه وتلاميذه.

المصحف الخاصّ

أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على نفسه بعد الفراغ من تجهيز الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يرتدي إلاّ للصلاة أو يجمع القرآن، فجمعه مرتّباً على حسب نزوله، وأشار إلى عامّه وخاصّه، ومطلقه ومقيّده، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وعزائمه ورخصه، وسننه وآدابه، ونبّه على أسباب النزول فيه، وكذلك دوّن الإمام ما سمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأحاديث والسنن، ومن جلالة شأن هذا الكتاب، قال فيه محمد بن سيرين: لو أصبت هذا الكتاب كان فيه العلم كلّه.

فهو كما يظهر من محتوياته مصحف خاص وكتاب اُصولي من إيحاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ الإمام علي (عليه السلام).

والجامعة: كتاب طوله سبعون ذراعاً من إملاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ الإمام علي (عليه السلام)، فيه ما يحتاج إليه الناس من الحلال والحرام وغيره حتّى ليصل بالتفصيل إلى أرش الخدش. وقد وصفها الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)، وشهدها عندهما الثقات من أصحابهما، منهم أبو بصير.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أما واللّه عندنا ما لا نحتاج إلى أحد، والناس يحتاجون إلينا، إنَّ عندنا الكتاب بإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ علي بيده، صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها كلّ حلال وحرام».

وقال: «إنّ الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، فيها الحلال، وفيها الحرام، وإنّ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدهم من الحقّ إلاّ بُعداً، وإنّ دين اللّه لا يصاب بالقياس»([11]).

كنز العمّـال([12]): عن عليّ (عليه السلام)، قال: «والله ما عندنا كتابٌ نقرؤه عليكم إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة - معلّقة بسيفه - أخذتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيها فرائض الصدقة.

وسمّيت الصحيفة، أو كتاب عليّ، أو الصحيفة العتيقة([13]).

مصحف فاطمة

ومن التراث العلمي عند الشيعة ما يسمّى بـ «مصحف فاطمة». سئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن جدّته فاطمة الزهراء (عليها السلام) فأجاب قائلا: «إنّ جدّتي فاطمة مكثت بعد أبيها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة وسبعين يوماً، وكان قد دخل عليها الحزن على أبيها، وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها ويطيب نفسها ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها وكان عليّ يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة».

فليس هذا مصحفاً بالمعنى الخاصّ بكتاب اللّه تعالى، وإنّما هو المدوّنات.

ونزول جبرئيل الأمين إنّما لم يكن بعد رسول اللّه بعنوان الوحي والتشريع، لأنّ برحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انقطع الوحي، أمّا للحديث مع سيدة النساء فلا ضير فيه، كما كلّم جبرئيل اُمّ موسى - في قوله سبحانه وتعالى: (وَأوْحَيْنا إلى اُمّ مُوسى...) -، وكذلك كلّم السيدة مريم بنت عمران لمّا جاءها المخاض، وكان جبرئيل يكلّم الخضر وهو ليس بنبيّ... الخ.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحثّ على تدوين الحديث، فقد روى الصدوق عليه الرحمة في «الأمالي»: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً بينه وبين النار».

قال المستشار الجندي في كتابه «الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)» (طبعة مصر، الصفحة 25)، ما لفظه: «منع عمر بن الخطاب تدوين الحديث الشريف، مخافة أن يخلط القرآن بشيء، وبهذا أبطأ التدوين عند علماء أهل السنّة قرناً بتمامه، وانفتحت أبواب الجرح والتعديل والوضع والضياع، أمّا الإمام علي (عليه السلام) فقد دوّن أوّل يوم مات فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما سمعه منه من الأحاديث والسُنن، ولعلّه ما دوّن صار مرجع الصحابة بما فيهم عمر». وتبع الإمام علي (عليه السلام) شيعته في التدوين.

وهذا الاتجاه العلمي للتدوين، يؤازره اتجاه ديني فقهي، وسياسي، واقتصادي لتوزيع الحقوق.

أخرج الحاكم في تأريخه، بالإسناد إلى أبي بكر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «من كتب علماً أو حديثاً لم يزل يكتب له الأجر ما بقي العلم أو الحديث».

وعزم أبو بكر أيام خلافته على تدوين الحديث، فجمع خمسمائة حديثاً، فبات ليلته يتقلّب كثيراً، قالت عائشة: فغمّني تقلّبه، فلمّا أصبح قال لي: «أي بنيّة، هاتي التي عندك»، فجئت بها فأحرقها.

آثار هذا المنع

والآن وبعد أن استعرضنا الآراء في توجيه نهي عمر ابن الخطاب، لا بأس أن نستعرض آثار هذا المنع، فقد استعظم الإمام شرف الدين آثار هذا المنع، فقال:

«ولا يخفى ما قد ترتّب على هذا من المفاسد التي لا تتلافى أبداً !... فإنّ في السنّة ما يوضح متشابه القرآن، ويبيّن مجمله، ويخصّص عامه، ويقيّد مطلقه، ويوقف اُولي الألباب على كنهه، فبحفظها حفظه، وبضياعها ضاع الكثير من أحكامه... إذ لو كانت السنن مدوّنة من ذلك العصر في كتاب تقدّسه الاُمّة لارتج على الكذّابين باب الوضع، وحيث فاتهما ذلك كثرت الكذّابة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعبت في الحديث أيدي السياسة وأهوائها، وعاثت به ألسنة الدعاية الكاذبة، ولا سيما على عهد (معاوية) وفئته الباغية، حيث سادت فوضى الدجّالين، وراج سوق الأباطيل»([14]).

فمن جرّاء هذا النهي عن الحديث، قال الشعبي:
«قعدت مع ابن عمر سنتين، أو سنة ونصف، فما سمعت يحدّث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ حديثاً واحداً»([15]).

وقال السائب بن يزيد: صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكّة فما سمعته يحدّث بحديث واحد([16]).

وفي حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو حياة الإمام علي (عليه السلام)اقتدت بعلي شيعته في التدوين، أو قل هُدِيَت لتنفيذ أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تدوين الحديث والسنن.

يقول ابن شهرآشوب: أوّل من صنّف في الإسلام الإمام علي بن أبي طالب، ثمّ سلمان الفارسي، ثمّ أبو ذرّ، والاثنان من شيعة عليّ (عليه السلام)] على الرغم من الحذر الشديد المفروض على المسلمين في تدوين الحديث من قبل السلطات الحاكمة آنذاك [.

والسيوطي يروي: أنّ علياً والحسن بن علي ممّن أباحوا كتابة العلم بين الصحابة وفعلوها.

وأ لّف أبو رافع مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحب بيت مال علي (عليه السلام) في الكوفة السنن والأحكام والقضاء. يقول موسى بن عبد اللّه بن الحسن: سُئِل أبي عن التشهّد؟ فقال أبي: هات كتاب أبي رافع، فأخرجه فأملاه علينا.

أمّا علي بن أبي رافع، فكتب كتاباً في فنون الفقه على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - أي على رأي الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) - وكانوا يعظمون شأن هذا الكتاب، ويحملون شيعته عليه.

ومن الشيعة: زيد الجهضمي([17])، حارب مع الإمام عليّ وأ لّف كتاباً يحوي خطبه.

ومنهم: ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم.

ومنهم: عبد اللّه بن الحرّ الفارسي، له لمعة في الحديث جمعها في عهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومنهم: الأصبغ بن نباتة، صاحب الإمام علي (عليه السلام)، روى عنه عهده إلى مالك الأشتر النخعي، ووصيّته إلى ابنه محمد بن الحنفية.

ومنهم: سُلَيم بن قيس الهلالي، صاحب أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، له كتاب في الإمامة، وله مكانة عليا في المذهب من حيث الاُصول.

وذات يوم كان الحكم بن عيينة عند الإمام الباقر (عليه السلام) يسأله، فقال: قم يا بني فأحضر كتاب علي، فأحضر كتاباً مدرجاً عظيماً ففتحه، وجعل ينظر] فيه [حتّى أخرج المسألة، وقال: هذا خطّ عليّ وإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأقبل على الحكم وقال: «إذهب أنت وسَلَمَة حيث شئتم يميناً وشمالا، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبريل».

وعن الإمام زين العابدين، رويت الصحيفة السجّادية والمسمّـاة بالصحيفة الكاملة، وعنه آلت إلى الشيعة رسائل عديدة، منها: رسالة الحقوق، ورسالة إلى ابن شهاب الزهري، وغيرهما.

كان أوّل المستفيدين بالتدوين الباكر اُولئك الذين يلوذون بالأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، فيتعلّمون شفاهاً أو تحريراً، فما تناقلته كتب الشيعة من الحديث هو التراث النبوي الصحيح في صميمه.

بلغ الشيعة في يسر طوّع لعلمهم الازدهار، في حين لم يجمع أهل السنّة هذا التراث إلاّ بعد أن انكبّ عليه علماؤهم قرناً ونصف قرن، حتّى حصلوا ما دوّنوه في المدوّنات الاُولى، وظلّوا قروناً اُخرى يجوبون الفيافي والقفار في كلّ الأمصار، فتطابقت السنّة - في مجموعها - عند هؤلاء واُولاء، إلاّ اُموراً لا تتّصل بأصل الدين، وخلافات في الفروع.

وربما كان اختلاف مذاهب أهل السنّة فيما بينهم وبين أنفسهم أكثر ظهوراً في بعض المسائل من خلافهم فيها مع فقهاء الشيعة.

وإذا لاحظنا سعة المرويات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حيث بلغت عشرات الآلاف من الأحاديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فضلا عمّن سواه من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لتجلّت لنا حقيقة القول بكفاية التراث الموثوق به عند الشيعة لحاجات الحياة.

كما أنّ توثيق الشافعي ومالك وأبي حنيفة ويحيى ابن معين وأبي حاتم والذهبي للإمام الصادق (عليه السلام)، - وهم
واضعو شروط المحدّثين وقواعد قبول الرواية وصحّة السند - فمن الحقّ التقرير بأنّ حسبنا أن نقتصر على التفتيش عن رواة السنّة عن الإمام الصادق (عليه السلام).

والشيعة يكفيهم أن يصلوا بالحديث إلى الإمام، ولا يطلبون إسناداً فيما بعد الإمام الصادق (عليه السلام)، بل لا يطلبون إسناداً فيما بعد الأئمة عموماً، لأنّ الإمام إمّا أن يكون راوياً عن الإمام الذي أوصى له، وإمّا أن يكون قرأ الحديث في كتب آبائه، إضافة إلى ذلك فإنّ ما يقوله الإمام سنّة عندهم، وهو ممحّص من كلّ وجه،] فليست روايته للحديث مجرّد شهادة به، بل هي إعلان لصحّته [.

وإذا كان ما رواه الإمام الصادق، رواية عن الإمام الباقر، ورواية عن الإمام السجّاد زين العابدين عن الإمامين الحسن والحسين وعن الإمام علي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سلسلة أخذها كابراً عن كابر، وهكذا يصحّ الحديث على كلّ منهج، فالثلاثة الأوّلون من الأئمة ومن الصحابة المقدّمين، يروون عن صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويروي الإمامان الحسن والحسين عن أبيهم الإمام علي (عليه السلام) وهو يروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولا مرية، كان منهج الإمام علي (عليه السلام) ومن تابعه في
التدوين من أولاده وشيعته قد جلب خيراً كثيراً للمسلمين، فقد حافظ على الشريعة المقدّسة والسنّة النبويّة الشريفة من الضياع، وأقفل الباب دون افتراء الزنادقة والوضّاعين وأهل البدع والغلاة.

فالسبق في التدوين فضيلة الشيعة، ولما أجمع العلماء بعد زمان طويل على الإلتجاء إليه، كانوا يسلّمون بهذه الفضيلة - بالإجماع - لعليّ وبنيه.

والسنّة الشريفة، شارحة للكتاب العزيز، وهو مكتوب عندهم بإملاء صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم) وبخطّ الإمام علي (عليه السلام)، والسنّة عندهم مدوّنة كالكتاب، وأقوالهم وأفعالهم هي مصاديق ناطقة عن السنّة النبويّة الشريفة.

والمحدّثون من أهل السنّة في القرون الاُولى كانوا مضطرّين لسماع لفظ الحديث من الأشياخ، أو عرضه عليهم، لأنّ السنن لم تكن مدوّنة عندهم، فكانت الرحلة إلى أقطار العالم لأخذ الحديث عن العلماء وسيلتهم الأكيدة.

أمّا المرويّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) فكثير، منه رسالة في شرائع الدين، ووصاياه لولده الإمام الكاظم (عليه السلام)، ورسالة في الغنائم ووجوب الخمس، وكتاب توحيد المفضّل، ورسالة إلى أصحابه، ورسالة إلى أصحاب الرأي والقياس، ورسالة لمحمّد بن النعمان، واُخرى لعبد اللّه بن جندب، ورسالة في احتجاجه على الصوفية فيما ينهون عنه من طلب الرزق، ورسالة حِكَم قصيرة، وكتاب الأهليليجة، وكتاب مصباح الشريعة، ورسالة في وجوه المعايش للعباد، ورسالة في وجوه إخراج الأموال، والرسالتان الأخيرتان عملان أساسيان في منهج الاقتصاد والاجتماع، يدلاّن دلالة قاطعة على منهاج الإمام في صلاح الدنيا بالعمل والعبادة معاً، وثمّة رسائل علمية مقترنة بجابر بن حيّان وغيره من تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) مدوّنين كباراً، فلقد عاشوا في عصر النهضة العلمية الكبرى اُعجِبَ بها العالم، وتبارت فيها يراعات المدوّنين ودارت عجلات التدوين بشكل لم يسبقه التأريخ.

وفي عصر الإمام الباقر (عليه السلام) أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنّة وتابعه علماء الاُمّة من أهل السنّة.

وفي عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، وبعد وفاته عام 148 دوّن أربعة آلاف من تلاميذه في كلّ علومه، ومن جملتها ما يسمّى بـ «الاُصول الأربعمائة» وهي أربعمائة مُصَنَّف لأربعمائة مُصَنِّف من فتاوى الإمام الصادق (عليه السلام)وآبائه وأبنائه الطاهرين، وعليها مدار العلم والعمل من بعده.

وخير ما جمع منها الكتب الأربعة المعتبرة عند الشيعة، وهي مرجع الإمامية في اُصولهم وفروعهم إلى اليوم:

1 - «الكافي».

2 - «مَن لا يحضره الفقيه».

3 - «التهذيب».

4 - «الاستبصار».

وكتاب «الكافي» للشيخ الكليني أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني (ت سنة 329 هـ)، أعظمها وأقومها وأحسنها وأتقنها، جميع ما فيه (190/ 16) حديثاً أ لّفه الكليني في عشرين سنة.

أمّا كتاب «مَن لا يحضره الفقيه» فوضعه ابن بابويه القمّي، محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمّي، الملقّب بـ (الشيخ الصدوق)، دخل بغداد سنة (350 هـ)، ومات بالري سنة (381 هـ)، جمع فيه (963/ 5) حديثاً، وهذا الكتاب من أهمّ مؤلّفاته التي بلغت أكثر من ثلاثمائة كتاب.

أمّا كتابي «التهذيب» و «الاستبصار»، فوضعهما بعد نحو قرن (الشيخ الطوسي) محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفّى في سنة (460 هـ)، الملقّب بـ (شيخ الطائفة)، وكان فقيهاً في مذهبي الشيعة وأهل السنّة، جمع في كتابه «التهذيب» (590/ 13) حديثاً، وفي كتاب «الاستبصار» (511/ 5) حديثاً.

دخل شيخ الطائفة الطوسي بغداد سنة (408 هـ) واستقرّ فيها في حياة (الشيخ المفيد) محمد بن النعمان المتولّد سنة (336) والمتوفّى سنة (413 هـ) أ لّف كتاب شرح عقائد الصدوق وأوائل المقالات، وأ لّف نحواً من مائتي كتاب.

وتتلمذ الشيخ الطوسي بعد موت الشيخ المفيد للشريف المرتضى علم الهدى، فنجب في (مدرسة الشرف)، وفي (دار العلم) التي أنشأهما الشريف المرتضى، وكان يجري عليه اثني عشر ديناراً في الشهر، طوال مدّة ملازمته له حتّى وفاته سنة (436 هـ)، وانتفع الشيخ الطوسي بكتب السيد المرتضى، والكتب التي حوتها مكتبته، فأ لّف في كلّ علوم الإسلام، واجتهد الاجتهاد المطلق، فكان حجّة في فقه أهل البيت وفقه أهل السنّة على حدٍّ سواء.

ومن أجلِّ آثار الشيخ الطوسي تدريسه في مجالسه، وأماليه في النجف الأشرف، في جوار مشهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبهذا افتتح الطوسي عصر العلم في (النجف الأشرف) حتّى صار صنواً للأزهر الأغرّ، الذي أقامته دولة من دول الشيعة - الفاطمية - والمعهدان - النجف الأشرف، والأزهر الشريف - هما اللذان حفظا علوم الإسلام - علوم أهل البيت (عليهم السلام) -.

فالشيخ الطوسي، والسيدان الشريفان - الرضي والمرتضى - والشيوخ الأجلاّء - المفيد والصدوق والكليني - قد وصلوا ما انقطع من التأليف منذ عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حتّى منتصف القرن الخامس ليستمرّ التيار في التدفّق.

أمّا الشريفان - الرضي والمرتضى - فأبوهما الشريف السيد أبو أحمد الموسوي، نسبه إلى جدّه الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) بسبعة وسائط. وفيه قول ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة للشريف الرضي، كان أبوه الشريف أبو أحمد جليل القدر عظيم المنزلة في دولة بني العباس، وبني بويه، ولقّب بـ (الطاهر ذي المناقب) كما لقّبه أبو نصر بن بويه بـ (الطاهر الأوحد) وليَ نقابة الطالبيين عدّة دفعات، كما وليَ النظر في المظالم، وحجّ بالناس مراراً على الموسم، عاش الشريف أبو أحمد القرن الرابع الهجري (304 - 400) وكان يستخلف على الحجّ ولديه - الرضي والمرتضى -.

والشريف الرضي المولود في سنة (359) والمتوفّى في سنة (406) هجرية، هو شاعر العرب الشهير، وجامع «نهج البلاغة» المنتخب من خطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وتولّى نقابة الطالبيين في حياة أبيه ومن بعده، وتولّى النيابة عن الخليفة العباسي، وما انفرد بها في التأريخ غيره، فقد جمع بين نقابة الطالبيين الشيعية وبين الخلافة العباسية السنّية.

وللشريف الرضي مؤلّفات عظيمة في تفسير القرآن الكريم وغيره، منها:

1 - تلخيص البيان في مجازات القرآن.

2 - حقائق التأويل ومتشابه التنزيل.

3 - معاني القرآن.

4 - مجازات الآثار النبوية.

5 - خصائص الأئمة.

وغيرها من تأليفاته العلمية المهمة والمفيدة.

أمّا الشريف المرتضى علم الهدى المتوفّى في سنة (436) هجرية، فيقول عنه الثعالبي في «يتيمة الدهر» وهما متعاصران: انتهت الرياسة اليوم ببغداد إلى الشريف المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم، وله شعر نهاية في الحسن، ومؤلّفاته كثيرة، منها: أمالي المرتضى، والشافي، وتنزيه الأنبياء، والمسائل الموصلية الاُولى، ومسائل أهل الموصل الثانية، ومسائل أهل الموصل الثالثة، والمسائل الديلمية، والمسائل الطرابلسية الأخيرة، والمسائل الحلبية الأوّلية، والمسائل الجرجانية، والمسائل الصيداوية، وتآليف اُخرى كثيرة في الفقه والقياس.

ومن أعظم آثار الشريف المرتضى إنشاؤه «دار العلم» ببغداد، وقد رصد الأموال عليها، وإجراؤه العطاء على تلاميذه، وإطعامهم وإسكانهم، وكان يُتِبع «دار العلم» هذه مكتبته التي تحوي على أكثر من ثمانين ألف مجلّد.

وحسبه شرفاً أن يكون (شيخ الطائفة الطوسي) من تلاميذه وفي آثار هذا السلف العظيم نتابع ركب العلماء والمؤلّفين الفحول الذين خلدوا فقه الإسلام (فقه أهل البيت). انتهى...

أقول: وبانتقال «شيخ الطائفة الطوسي» رضوان اللّه عليه إلى النجف الإشرف، وتأسيسه المدرسة الفقهية الكبرى، بعد اجتياح جيوش التتر واحتلال بغداد وحرق الحرث وإبادة النسل وإتلاف التراث الإسلامي الضخم من كنوز الكتب العلمية والمؤلّفات الخطّية الفريدة في العالم وحرقها أو رميها في نهر دجلة حتّى اسودّ لون مائه ثلاثة أيام، وبعد الفتنة الكبرى التي أثارها الغوغائيون من أهل السنّة بدفع بعض علماء السوء المرتزقة، وبعد انتقال الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف، فتحت أبواب جديدة لمدرسة «أهل البيت الفقهية»، ومن بعده واصلت النجف الأشرف مسيرتها بقيادة تلاميذه العلماء الأبدال، كالشيخ ابن إدريس والعلاّمة الحلّي والشيخ ابن فهد والمقدّس الأردبيلي وغيرهم ممّن جرى بحثهم في هذا الكتاب في فصل تأريخ الفقه الشيعي، فراجع لتقف على التفاصيل. واللّه ولي التوفيق.

من المصادر التي اعتمدها هذا البحث.

1 - الإمام جعفر الصادق - عبد الحكيم الجندي المصري، طبعة القاهرة، الصفحات 25، 185، 200.

2 - الإمام الصادق - السيّد محمد جواد فضل اللّه، الصفحة 191، طبعة دار الزهراء - بيروت.

3 - مجلّة الفكر الإسلامي - العدد العاشر، السنة 1416، بحث الشيخ محمد هادي اليوسفي.

4 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة - للشيخ أسد حيدر.

تأريخ الفقه الشيعي وتطوّر الدراسة الفقهية لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام)

أسّس الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مدرسة المدينة المنوّرة بعد الهجرة إليها وبناء مسجده الجامع فيها واتّخاذه مقرّاً ومركزاً لبثّ العلوم والمعارف كافة، وحتّى تعليم الفروسية وغيرها من العلوم المطلوبة والمعمولة حينذاك.

وتخرّج من هذه المدرسة الرعيل الأوّل من فطاحل العلماء وخيرة الصحابة، والذين حفظوا لنا الدين ونشروا العلوم القرآنية والإسلامية في العالم كافة، وإلى الأجيال الصاعدة، كأمثال: سلمان المحمّدي (الفارسي)، وأبي ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، والمقداد بن عمرو (الأسود)، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن مسعود، وغيرهم ممّن تتلمذوا على يده (صلى الله عليه وآله) ومن بعده على باب علم الرسول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكانوا يكتبون الأحاديث ويدوّنونها وينشرونها.

وبعد رحيل النبي الأكرم والتحاقه بالرفيق الأعلى وتسنّم الخلفاء بعده سدّة الحكم، لا سيّما في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي منع تدوين الحديث وكتابته لحجّة يراها، وقال: حسبنا كتاب اللّه.

وبقدر ما أبعد الرعيل الأوّل من الصحابة وحَمَلة الحديث ومنعهم، قرّب إليه حَمَلَة الأفكار الهدّامة وأعداء الإسلام أمثال كعب الأحبار وعبد اللّه بن سلام وعبد الله ابن اُبيّ وغيرهم، وأطلق لهم عنان الحديث لبثّ الاسرائيليات الضالّة بين المسلمين.

فقد جُمّد الحديث واقتصر بالحفظ في صدور بعض الصحابة وصاروا يتناقلونه شفاهاً، فأصاب المدرسة ركود وجمود، عدا مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنّ الحديث كان مدوّناً عنده ومحفوظاً كما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما كان أتباعه وحواريّوه يدوّنون الحديث على رغم الحظر الصادر من عمر بن الخطّاب والتشديد عليه.

وبقي هذا الركود والجمود سارياً قرناً كاملا بين الصحابة والتابعين بسبب الحظر الذي فرضه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلاّ في صدور بعض الصحابة الذين حفظوا الأحاديث التي سمعوها والأحكام التي وعوها من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

وبمرور الأيّام وموت أو استشهاد الكثير من الصحابة في زمان الفتوحات الإسلامية التي حصلت أيام خلافة عمر بن الخطاب، وتقدّم الباقين منهم في السنّ، ونسيان الكثير منهم بعضاً من الأحاديث والأحكام التي سمعوها، جعل الشريعة عرضةً للنسيان والاضمحلال.

ومن جهة اُخرى تسلّط بني اُميّة على سدّة الحكم بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فركّزوا على إشاعة الانحلال الخلقي بالميوعة وإظهار التخنّث والفساد في صفوف الناس - لا سيّـما الشباب منهم - ، خصوصاً في المدينتين المقدّستين - مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة - لهدف لا يخفى على الفطن اللبيب، خاصّة أيام حكم معاوية بن أبي سفيان، ومارسوا شتّى أنواع الضغوط على مدرسة أهل البيت وأتباعهم، وعلى رأسهم الإمام الحسن بن علي ومن بعده أخوه الإمام الحسين (عليهما السلام)، وبذلوا الأموال الطائلة إلى الوضّاعين المرتزقة لخلق أحاديث كاذبة ما أنزل اللّه بها من سلطان، أمثال: سمرة بن جندب، وأبي هريرة، وبعض وعّاظ السلاطين، الذين بدّلوا أسماء الأشخاص الذين نزلت الآيات القرآنية فيهم أو صدرت الأحاديث النبوية بحقّهم إلى غيرهم.

واشتدّت هذه الحالة على مرور الأيام، حتّى أصبحت الشريعة التي جاء بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) نسياً منسياً، واستبدل بمكانها الحكم الجاهلي.

ومن أجل هذا ثار الإمام السبط سيد الشهداء الحسين بن علي بوجه الطغاة الظَلَمة لتصحيح مسيرة شريعة جدّه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وإعادة الدين إلى نصابه، فكانت فاجعة الطفّ الكبرى في كربلاء يوم عاشوراء التي راح ضحيتها الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء وإخوته وأتباعه وأهل بيته والخلّص من أصحابه (عليهم السلام)، وقدّم كلّ شيء يملكه فداءً للإسلام، ومن ثمّ غزو الجيش الاُموي المدينة المنوّرة وإباحتها إلى جيش الضلال ثلاثة أيام، فهتكت الأعراض ونهبت الأموال وقتل الشيوخ والأطفال الأبرياء وشاعت الفوضى والدمار، ولم يكتفِ يزيد الطاغية بذلك حتّى عدا على مكّة المقدّسة، حرم اللّه وحرم خليله ابراهيم (عليه السلام)، ورمى الكعبة المشرّفة بالراجمات وهدّمها وحرقها، إلى غير ذلك من الأعمال الوحشية التي ما قام بها البرابرة والوحوش قبله في العالم.

بعد ذلك صحا المسلمون ووعوا على ما هم عليه، ووجدوا أنفسهم مكبّلين، فلاموا أنفسهم على ما فرّطوا بحقّ الإمام علي (عليه السلام) باتّباعهم النفر الذين سارعوا إلى زحزحة الخلافة عن رواسيها، فخالفوا بذلك ما أمر اللّه به ورسوله.

وبعد ما اُصيب العالم الإسلامي والحركة الفكرية بالتدهور والانتكاسة، لا سيّما في المدرسة التي أسّسها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وتدهورت الحالة العلمية والثقافية إلى حدٍّ خطير بفعل الممارسات الاُموية التي كانت تهدف إلى القضاء على الفكر الإسلامي الأصيل المتمثّل بالخطّ الرسالي الذي يقوده أئمة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام)بصفتهم الوريث الشرعي للرسول (صلى الله عليه وآله) ولرسالة السماء، وكونهم الثقل الأصغر الذي حثّ النبي (صلى الله عليه وآله) على الالتزام به والتمسّك بحبله بعد القرآن الكريم.

وقد رأى الإمام زين العابدين (عليه السلام) ذبول الحياة العلمية والحركة العقلية، وما منيت به الاُمّة من الجهل بالمبادىء الصحيحة للإسلام.

ومن خلال هذه الممارسات الخطيرة التي قام بها حكام بني اُميّة والوسط القلق المضطرب المشحون بالإرهاب أصبح لزاماً على الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) أن يجد طريقاً جديداً يواجه به مثل هذه الظروف القاسية، فانبرى (عليه السلام) إلى تأسيس مدرسته الكبرى التي ضمّت جمهرة من كبار العلماء وأصحاب الفكر.

وخطّط الإمام (عليه السلام) في تحريك الضمير الثوري عند الإنسان المسلم أوّلا، والتركيز على إيقاظ شعوره بالإثم وضرورة التكفير عنه، وحثّ الاُمّة على المقاومة لرفض الذلّ والخنوع والهوان.

وحثّ من جهة اُخرى على إحياء شريعة جدّه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في بثّ العلوم والأحكام، وجعل من الدعاء سلاحاً يشهره بوجه الطغاة، وجرّد كلماته وآراءه كبديل عن العنف الثوري كي لا يستفزّ الحكام الظالمين أعداء الدين، وإن كانت في واقعها وتأثيرها في النفوس أشدّ من العنف والثورة.

وما «الصحيفة السجّادية» زبور آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وما حوته من التراث والثروات الفكرية المتميّزة في وضع قواعد الأخلاق واُصول القيم والفضائل وعلوم التوحيد وكيفية التوجّه والتضرّع بالدعاء في ذلك الجوّ المشحون بالرذائل وفقدان القيم، ولإعادة المسلمين إلى مسارهم الصحيح، ما هي إلاّ واحدة من ثمرات تلك المدرسة والآثار القيّمة التي تركها لنا الإمام زين العابدين (عليه السلام).

وبالتخطيط الفكري في توعية الروح العقائدية في الاُمّة، يعتبر الإمام السجّاد (عليه السلام) المؤسس الثاني لمدرسة أهل البيت بعد المؤسس الأوّل (صلى الله عليه وآله) والمشيّد على ذلك الصرح الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام).

كان منزل الإمام السجّاد (عليه السلام) مدرسة، ومسجد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مركزاً لمدرسته، ومعهداً لتعليم طلاّبه، ونقطة انطلاق لتدريب تلامذته لبثّ العلوم الدينية إلى العالم وإلى الأجيال الصاعدة، فكان يلقي محاضراته وبحوثه على العلماء والفقهاء، وكانت تلك البحوث تتناول العلوم الإسلامية المهمّة والحسّاسة، منها علم التفسير، وعلم الفقه، والحديث، والفلسفة، وعلم الكلام، وقواعد السلوك، والأخلاق.

كما كان يلقي في كلّ جمعة خطاباً عاماً جامعاً على الناس يعِظهم فيه، ويزهّدهم في الدنيا ويرغّبهم في الآخرة، وكان الناس يحفظون كلامه ويكتبونه([18])، وقد التفّ العلماء والفقهاء والقرّاء حول الإمام (عليه السلام)لا يفارقونه حتّى في سفره إلى حجّ بيت اللّه الحرام، يستمعون إلى حديثه ويسجّلون فتاواه، ويدوّنون ما يمليه عليهم من علوم ومعارف وحِكَم وآداب. وقد تخرّج في مدرسته مجموعة كبيرة من فطاحل العلماء والفقهاء الذين اشتهروا بالرواية عنه (عليه السلام). منهم على سبيل المثال: أبان ابن تغلب، والمنهال بن عمرو الأسدي، ومحمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، وسعيد بن المسيّب، وأبو حمزة الثمالي، وسعيد بن جبير، ويروى أنّ سفيان بن عيينة، ونافع بن جبير، وطاووس بن كيسان، ومحمد بن إسحاق، قد أخذوا عن الإمام السجّاد (عليه السلام) بعض الأحاديث، وغيرهم ممّا لا يسعني بهذه الوجازة حصرهم([19]).

كما أنّ رسالة الحقوق، ودعاءه يوم عرفة، ومناجاته الخمسة عشر، ومناجاته في جوف الكعبة بعد منتصف الليل، وغيرها من الأدعية والمناجاة في ساعات تهجّده وعبادته المشحونة بالحِكَم والعلوم والتربية والآداب ممّا جعله أساساً لمنهج تدريسه وتأديبه للاُمّة.

وقد أحصى الشيخ الطوسي في رجاله، وغيره من أصحاب التراجم، أكثر من مائة وستّين من التابعين والموالي، كانوا ينهلون من معينه ويروون عنه في مختلف المواضيع، وعدّوا منهم: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، ومحمد بن جبير بن مطعم، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، ويحيى بن اُمّ الطويل، وأمثال هذه الطبقة من أعلام الصحابة والتابعين.

مدرسة التابعين

واُنشئت في عصر الإمام (عليه السلام) مدرسة التابعين، وهي أوّل مدرسة إسلامية افتُتِحت في يثرب بعد مدرسة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وقد عنت هذه المدرسة بعلوم الشريعة الإسلامية ولم تتجاوزها، أمّا مؤسسوها وأساتذتها فهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد اللّه بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد.

ومن الجدير بالذكر أنّ بعض هؤلاء العلماء كانوا ممّن تتلمذ على يد الإمام زين العابدين (عليه السلام) وأخذوا عنه الحديث والفقه.

وعلى أيّ حال، فلم تعرف الاُمّة في ذلك العصر عائدةً أعظم ولا أنفع من عائدة الإمام (عليه السلام) عليها، وذلك بما أسّس في ربوعها من مدرسته العلمية، وبما فتح لها من آفاق الفكر والعلم والعرفان.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) ترك لنا تراثاً ضخماً من الفكر والأدب والعلوم الإنسانية([20])، التي شيّد على أساسها من بعده أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لا سيّما الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)، مدرستهم الفقهيّة والحديثيّة.

كما أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) حرّك الضمير الثوري عند الإنسان المسلم، وخلّصه من حالة الاستسلام والانهيار، وتوعيته بعدم التنازل عن شخصيته الإسلامية وكرامته للحكم المنحرف.

واستمرّت هذه المدرسة تبثّ إشعاعاتها إلى أواسط القرن الثاني الهجري تقريباً، وانتقلت بعدها إلى الكوفة في أواخر حياة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، إثر انتقاله إليها كما سيأتي الحديث عنه.

وكانت المدينة المنوّرة المنطلق الأوّل للرسالة الإسلامية، فلا غرو أن تكون المدرسة الاُولى للفقه الإسلامي، والموطن لفقهاء الشيعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فكان من فقهاء الصحابة جمع كبير بعد أمير المؤمنين والزهراء والحسنين (عليهم السلام)، وهم الذين تولّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) تربيتهم وتعليمهم، منهم على سبيل المثال: عبد اللّه بن عباس، وسلمان المحمّدي الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وأبو رافع، ابراهيم([21]) مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

قال النجاشي: أسلم أبو رافع قديماً بمكّة، وهاجر إلى المدينة، وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله) مشاهده، ولزم أمير المؤمنين (عليه السلام) من بعده، وكان من خيار الشيعة، ولأبي رافع كتاب «السنن والأحكام والقضاء»([22]).

وكان من التابعين جمع كثير من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، حفظوا السنّة النبوية وتداولوها فيما بينهم، ونقلوها إلى الأجيال التي تلتهم بأمانة، حتّى قال الذهبي في «ميزان الاعتدال»: فهذا - أي التشيّع - كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء - أي الشيعة - لذهبت جملة الآثار النبوية([23]).

ولأسباب معيّنة منع عمر بن الخطاب تدوين الحديث والسنّة النبوية، فبقيت في صدور الصحابة والتابعين يتناقلونها حتّى خلافة عمر بن عبد العزيز (ت/ 101 هـ)، حيث أمر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري بتدوينها([24])، وكتب إلى أهل المدينة يحثّهم على جمع الحديث النبويّ، كما كتب رسالة إلى أبي بكر بن حزم يطلب منه تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا فلم يتّفق لمحدّثي غير الشيعة من الصحابة والتابعين تدوين السنّة النبوية قبل هذا الوقت، وهو نهاية القرن الأوّل أو بداية القرن الثاني.

ولكنّ فقهاء الشيعة - فيما يحدّثنا التأريخ - دوّنوا عدّة مدوّنات حديثية مهمّة، فكان أمير المؤمنين (عليه السلام) أوّل من صنّف في الفقه ودوّن في الحديث النبوي، مخالفاً بذلك رأي عمر بن الخطّاب، كما كان لسلمان مدوّنة في الحديث، كما يقول ابن شهرآشوب.

ومهما يكن من أمر، فقد كان فقهاء الشيعة، وعلى رأسهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يقودون الحركة الفكرية في العالم الإسلامي، وتنطلق هذه الحركة من المدينة المنوّرة بشكل خاص.

العصر الأوّل

هو عصر الصحابة والتابعين، وقد ظهر مع ظهور المجتمع الإسلامي في المدينة المنوّرة واستمرّ إلى أيام الإمام الصادق (عليه السلام)، وبلغ الازدهار الفكري أوجه وغايته في عهد الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).

العصر الثاني

مدرسة الكوفة

انتقلت مدرسة أهل البيت من المدينة المنوّرة إلى الكوفة في اُخريات حياة الإمام الصادق (عليه السلام) واستمرّت في عطائها وبثّ العلوم من أواسط القرن الثاني إلى الربع الأوّل من القرن الرابع، وذلك في بداية الغيبة الكبرى.

ويروى أنّ مدرسة الكوفة أ سّسها الإمام السجّاد في النصف الثاني من القرن الأوّل.

وبذلك بدأت حياة فقهية جديدة في الكوفة، فحينما انتقلت المدرسة الفقهية الشيعية من المدينة إلى الكوفة، أصبحت الكوفة مركزاً للاشعاع الفكري لمدرسة أهل البيت في البحث والتحقيق الفقهي. وقد تأثّر البحث الفقهي كثيراً بهذا المحيط الجديد المزدحم بـ (فقهاء الشيعة) بعدما هاجر إليها وفود من الصحابة والتابعين والفقهاء وأعيان المسلمين من مختلف الأمصار، وبذلك أصبحت الكوفة (مدرسة الفقه الشيعي) من أكبر العواصم الإسلامية علماً وفكراً بعدما كانت الكوفة مدرسة لأهل الرأي والقياس.

وقد عدّ في تأريخ الكوفة (147) صحابياً وتابعياً من الذين هاجروا إلى الكوفة واستقرّوا فيها، عدا التابعين والفقهاء الذين انتقلوا إليها من قبل، والذين بلغ عددهم الآلاف، وسوى الاُسر العلمية التي كانت تسكن هذا المصر([25]).

وقد أورد ابن سعد في طبقاته ترجمةً لـ (850) تابعياً ممّن سكن الكوفة.

وقد انتقل الإمام الصادق (عليه السلام) في أيام أبي العباس السفّاح إلى الكوفة واستقرّ بها لمدّة سنتين([26]). وقد استغلّ الإمام هذه الفترة بالخصوص في نشر فقه آل محمد (المذهب الشيعي)، وذلك لعدم وجود معارضة سياسية قوية في حينه، فقد سقطت في هذه الفترة الحكومة الاُموية وظهرت الحكومة العباسية، وبين ذاك السقوط وهذا الظهور اغتنم الإمام الصادق (عليه السلام) الفرصة للدعوة إلى مذهب الحقّ ونشر اُصول مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فازدلف إليه الشيعة من كلّ فجٍّ زرافات ووحداناً لتتلقّى منه العلم وترتوي من منهله العذب، وتروي عنه الأحاديث في مختلف العلوم وشتّى المواضيع. وكان
منزله (عليه السلام) في بني عبد القيس من الكوفة([27]).

ومن تلامذته (عليه السلام): أبو حنيفة النعمان، وأنس بن مالك، اللذين أصبحا فيما بعد من أئمة المذاهب.

قال محمد بن معروف الهلالي: مضيت إلى الحيرة، إلى جعفر بن محمد (عليه السلام)، فما كان لي حيلة من كثرة الناس، فلمّا كان اليوم الرابع رآني فأدناني، وتفرّق الناس عنه، ومضى يريد قبر جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فتبعته وكنت أسمع كلامه وأنا معه أمشي.

وكان من بين أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) من فقهاء الكوفة: أبان بن تغلب بن رباح الكوفي نزيل كندة، روى عنه ثلاثين ألف حديث، كما أنّ محمد بن مسلم الكوفي روى عن الباقرين (عليهما السلام) أربعين ألف حديث.

وقد صنّف الحافظ أبو العباس بن عقدة الهمداني الكوفي المتوفّى سنة (333) كتباً في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فذكر ترجمة أربعة آلاف رجل بين عالم وفقيه.

وقد أدّى الازدهار الفكري والعلمي نتيجة الالتفاف
حول شخصية الإمام الصادق (عليه السلام) في الكوفة والحضور عنده إلى أن يأخذ الجهاز العباسي الحاكم حذره منه، إلى الحدّ الذي خشي المنصور الدوانيقي أن يفتتن به الناس (على حدّ تعبيره) لما رأى من إقبال الفقهاء والناس عليه عامة، واحتفائهم به وإكرامهم له، فطلبه إلى بغداد في قصة طويلة اُعرض عنها روماً للاختصار، إلاّ أ نّي وجدت من المناسب أن أذكر الحوار الذي جرى بين الإمام الصادق (عليه السلام) وبين المنصور، وهو لا يخلو من فائدة.

فقد جاء في السِيَر أنّ المنصور الدوانيقي كتب إلى الإمام الصادق (عليه السلام): لِمَ لا تغشانا كما يغشانا الناس؟

فأجابه الإمام (عليه السلام): «ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك به، ولا أنت في نعمة فنهنّيك، ولا في نقمة فنعزّيك، فماذا نصنع عندك؟ !».

فكتب إليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا.

فأجابه الإمام (عليه السلام): «مَن أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك».

فقال المنصور: واللّه ميّز عندي منازل الناس، مَن يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة، وإنّه ممّن يريد الآخرة
لا الدنيا.

لقد ازدهرت مدرسة الكوفة على يد الإمام الصادق (عليه السلام) وتلاميذه، وبتأثير من الحركة العلمية القوية التي أوجدها الإمام (عليه السلام) في هذا الوسط الفكري والعلمي.

وقد صنّف قدماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يزيد على (ستّة آلاف وستمائة كتاب)، مذكورة في كتب الرجال، على ما ضبطه الشيخ محمد بن الحسن بن الحرّ العاملي في آخر الفائدة الرابعة من الوسائل([28]).

ومن بين هذا العدد من الكتب التي تعتبر مكتبة ضخمة في الحديث والفقه والتفسير وغيرها من آفاق الفكر الإسلامي، امتازت أربعمائة كتاب، اشتهرت بعد ذلك بـ (الاُصول الأربعمائة)، وكان قسم منها عند الأعلام: الحرّ العاملي، والمجلسي، والنوري، وفقد الكثير منها أيضاً([29]).

العصر الثالث

مدرسة قم والري

كانت مدينة قم منذ أيام الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، مدينة كبيرة من اُمّهات المدن الشيعية، وكانت حصناً من حصون الشيعة، وعشّاً لآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد مدفن العلوية الطاهرة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر شقيقة الإمام الرضا (عليه السلام)، وكانت قم موضع عناية خاصّة من لدن أهل البيت (عليهم السلام). فقد جاء في الحديث أنّ البلايا مدفوعة عن قم وأهلها، وسيأتي زمان تكون فيه بلدة قم وأهلها حجّة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ظهوره عجّل الله فرجه، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها.

وفي القرن الرابع الهجري نشطت مدرستي قم والري وازدهرت حركة التدريس والكتابة والبحث، وظهر في هذه الفترة شيوخ فطاحل من أساتذة الفقه الشيعي الإمامي والحديث، أمثال الشيخ الكليني الذي انتقل إلى بغداد فيما بعد والمتوفّى فيها سنة 329 هـ، والشيخ ابن بابويه والد الشيخ الصدوق المتوفّى سنة 329 أيضاً والمدفون في الري، وهي السنة التي بدأت غيبة الإمام الحجّة بن الحسن (عليه السلام)، وابن قولويه تلميذ الشيخ الكليني، واُستاذ الشيخ المفيد الذي انتقل إلى بغداد أيضاً والمتوفّى فيها سنة 369 هـ، والشيخ الصدوق المتوفّى في الري سنة 381 هـ والمدفون فيها، وكذلك الشيخ ابن الجنيد المتوفّى في الري سنة 381 هـ والمدفون فيها، وغيرهم من مشايخ الفقه والحديث.

وفي الفترة الممتدّة من انتقال الشيخ الكليني والعلماء الذين سبق ذكرهم إلى بغداد، إلى احتلالها من قبل السلاجقة والحوادث المؤسفة التي نتجت عنها، إلى هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف سنة 449، كانت الحركة العلمية فيها نشيطة دراسةً وتأليفاً وبحثاً، كما سيأتي بيان ذلك في مدرسة بغداد مفصّلا.

إليك نبذة عن تأسيس مدينة قم، ونبذة عن الحياة الفكرية والعلمية فيها.

كان بدء تمصير (قم) في أيام الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة 83 هجرية، وذلك أنّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس، عندما كان أمير سجستان من قبل الحجّاج، خرج عليه، فلمّا أخفق ابن الأشعث رجع إلى كابل منهزماً، وكان في حملته خمسة إخوة يقال لهم: عبد اللّه، والأحوص، وعبد الرحمن، وإسحاق، ونعيم، وهم بنو سعد بن عامر الأشعري، وقعوا إلى ناحية قم، وكان هناك سبع قرى مجاورة استوطنوا فيها، واجتمع إليهم بنو عمّهم، وصارت القرى المجاورة لها مستوطنةً لهم، وكان متقدّم هؤلاء الإخوة كبيرهم عبد اللّه بن سعد، وكان له ولد قد تربّى بالكوفة، فانتقل منها إلى قم وكان إمامياً، وهو الذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد بها سنّي قط([30]).

ومن الجدير بالذكر أنّ أبناء عبد اللّه بن سعد القمي الأشعري، اثنان وهم (عيسى وعمران) وقد ترجم لهما الإمام السيد الخوئي (رحمه الله) في معجم رجال الحديث([31])، فذكر بعض الروايات الدالّة على تجليل الإمام الصادق(عليه السلام) لعمران، وكذلك أخوه عيسى، فقد ذكر له بعض الروايات الصحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) تدلّ على علوّ قدره وجلالته، وقد ذكرنا ترجمتهما في فصل الثقات.

والظاهر أنّ الذي نقل التشيّع إلى قم هو عيسى بن عبد اللّه بن سعد القمّي الأشعري.

وعلى أيّ حال: فإنّ مدينة قم التي دخلها بنو سعد ابن مالك بن عامر الأشعري، والتحق بهم بنو عمّهم، كان رئيسهم هو عبد اللّه بن سعد، وولده عيسى هو الذي نقل التشيّع إلى قم بعد أن تربّى في الكوفة وانتقل إلى قم وكان إمامياً من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

وقد انتشر الأشاعرة في قم فأسهموا في إيجاد حركة فكرية واسعة قوامها العلوم الشرعية لا سيّما الحديث النبوي الشريف الذي اهتمّوا به روايةً ودرايةً، وتناولته الصفوة من أجيال هذه المدينة بالدراسة والتحقيق، حتّى انتهى إلى عصر آل بابويه وآل قولويه.

وكان من روّاد هذه الحركة الفكرية: أبو جرير زكريا بن إدريس، وزكريا بن آدم، وعيسى بن عبد اللّه ابن سعد القمّي الأشعري وغيرهم.

لذا فقد نوّه الإمام الصادق (عليه السلام) عن أهل قم، فذكر الكشّي في رجاله عن محمد بن مسعود، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: حدّثني أحمد بن محمد، عن موسى ابن طلحة، عن أبي محمد أخي يونس بن يعقوب، عنه، قال: كنت بالمدينة فاستقبلني الإمام جعفر بن محمد (عليهما السلام)في بعض أزقّتها فقال: اذهب يا يونس، فإنّ بالباب رجلا منّا أهل البيت. قال: فجئت إلى الباب فإذا عيسى بن عبد اللّه القمّي الأشعري جالس، قال: فقلت له: مَن أنت؟ فقال: أنا رجل من أهل قم. قال: فلم يكن بأسرع من أن أقبل أبو عبد اللّه (عليه السلام)، قال: فدخل على الإمام الدار ثمّ التفت إلينا فقال: إدخلا، ثمّ قال: يا يونس بن يعقوب، أحسبك أنكرت قولي لك أنّ عيسى بن عبد اللّه منّا أهل البيت؟ قال: قلت: إي واللّه جعلت فداك ; لأنّ عيسى بن عبد اللّه رجل من أهل قم، فقال: يا يونس، عيسى بن عبد اللّه هو منّا حيّاً وهو منّا ميّتاً([32]).

وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) مشيراً إلى عيسى
ابن عبد اللّه: «سلام اللّه على أهل قم، يسقي اللّه بلادهم الغيث، وينزل اللّه عليهم البركات، ويبدّل اللّه سيّئاتهم حسنات، هم أهل ركوع وسجود وقيام وقعود، هم الفقهاء العلماء الفهماء، أهل الدراية وحسن العبادة»([33]).

كما كانت الري في هذا التأريخ بلدة عامرة بالمدارس والمكاتب، وحافلة بالعلماء والفقهاء والمحدّثين([34]).

وقد كان أحد أسباب انتقال مدرسة أهل البيت من العراق إلى إيران هو الضغط الشديد الذي كان يلاقيه فقهاء الشيعة وعلماؤهم من الحكّام العباسيين، فقد كانوا يطاردون من يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان التُهم والأذى والاضطهاد، فالتجأ فقهاء الشيعة وعلماؤها إلى (قم والري)، ووجدوا في هاتين البلدتين ركناً آمناً يطمئنّون إليه لنشر فقه أهل البيت (عليهم السلام) وحديثهم، ويظهر أنّ قم في أوان عصر الغيبة وعهد النوّاب الأربعة كانت حافلة بعلماء الشيعة وفقهائها، ومركزاً كبيراً من مراكز البحث الفقهي بأعلى المستويات في هذه الفترة، فقد خلّفت لنا ثروةً فكريةً وتراثاً ضخماً من أهمّ ما أنتجته مدارس الفقه والحديث الشيعي في تأريخها.

ولبيان ذلك نذكر بعض أسماء الفقهاء والمحدّثين في هذه المدرسة من الذين عاشوا خلال هذه الفترة.

1 - علي بن إبراهيم القمّي، اُستاذ الكليني وشيخه في الحديث.

2 - سعيد بن عبد الله القمي، شيخ الكليني.

3 - عبد الله بن جعفر الحميري القمي، شيخ الكليني.

4 - أحمد بن محمد بن الوليد القمي، شيخ الصدوق.

5 - محمد بن يحيى العطار القمي، شيخ الكليني.

6 - محمد بن يعقوب الكليني، وكان معاصراً لعلي بن الحسين بن بابويه القمّي والد الصدوق، وقد توفّيا في سنة واحدة.

وأكبر أثر تركه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني من بعده، موسوعته الحديثية «الكافي» اُصولا وفروعاً وروضة.

7 - ابن قولويه - الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد ابن موسى بن قولويه - (280 - 368 هـ)، وكان من تلاميذ الشيخ الكليني (رحمه الله) والراوي عنه، كما أ نّه اُستاذ الشيخ المفيد (رحمه الله)([35])، قال عنه النجاشي: كان من ثقات أصحابنا وأجلاّئهم في الحديث والفقه.

8 - آل بابويه من البيوتات البارزة في الفقه والحديث في قم وموضع عناية خاصة من لدن الإمام الحجّة بن الحسن عجّل اللّه فرجه ونوّابه الأربعة، ومن فقهاء الشيعة ومحدّثيهم.

وكان علي بن الحسين بن بابويه القمّي والد الشيخ الصدوق من رؤساء المذهب وفقهائهم الأجلاّء.

يقول العلاّمة الحلّي في «الخلاصة»: إنّ ابن بابويه القمّي شيخ القمّيين في عصره وفقيههم وثقتهم.

وذكر ابن النديم في «الفهرست»: أنّ الصدوق ذكر مائتي كتاب لوالده.

وإن دلّ هذا الرقم على شيء فإنّما يدلّ على وجود حركة فكرية قوية في مدرسة قم والري.

وكان ولداه (الصدوق وأخوه) من كبار فقهاء الشيعة ومحدّثيهم، وقد وجد هذان العالمان من ملوك آل بويه - وبصورة خاصة ركن الدولة ووزيره (الصاحب ابن عبّاد) - من الرعاية ما كان يبعثهما على الكتابة والتأليف والبحث الفقهي والتحقيق.

وكان للصدوق ما يقارب ثلاثمائة مؤلّف، أشهرها «من لا يحضره الفقيه»، وهو أحد الكتب الأربعة المعوّل عليها لدى الشيعة الإمامية في استنباط الأحكام الشرعية. ومن يراجع فهارس الكتب الشيعية كالذريعة ورجال النجاشي وفهرست الطوسي ومعالم العلماء لابن شهرآشوب يجد آلاف الرسائل الفقهية من هذا القبيل.

وكانت مدينتا (قم والري) تحت حكومة سلاطين آل بويه، وهم معروفون بنزعتهم الشيعية وولائهم لأهل البيت (عليهم السلام).

الحياة الفكرية في (الري)

اعتنق أهل الري بعد فتحها العقيدة الإسلامية وتغلغلت هذه العقيدة في نفوس أبنائها، ونشأت عنهم طبقة جليلة من العلماء والمحدّثين والفقهاء، فأسهموا في إيجاد حركة فكرية واسعة بمدينة (الري) قوامها العلوم الشرعية، لا سيّما الحديث النبوي الشريف، حيث اهتمّوا به روايةً ودرايةً، وتناولته الصفوة من أجيال هذه المدينة بالدراسة والتحليل، حتّى انتهى إلى عصر الكليني، فبرز فيه وفاق أقرانه.

وإليك نماذج من أعلام الحركة الفكرية في (الري) ابتداءً من القرن الثاني الهجري وانتهاءً بعصر الكليني، مكتفين بذكر أسماء بعضهم بغضّ النظر عن الإشارة إلى ترجمتهم ومصادرها روماً للاختصار، ومن هؤلاء الأعلام الإمامية:

1 - يحيى بن أبي العلاء الرازي، له كتاب، وهو ممّن عاصر الإمام الصادق (عليه السلام).

2 - عيسى بن هامان الرازي، وهو من رواة أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام).

3 - بكر بن صالح الرازي الضبي مولى، من أصحاب الإمام أبي الحسن الثاني الرضا (عليه السلام).

4 - محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي، الثقة المعاصر للإمام الرضا (عليه السلام) والمتوفّى في عهده.

5 - الحسين بن عباس الرازي، من أصحاب الجواد (عليه السلام).

6 - أحمد بن إسحاق الرازي، الثقة من أصحاب الإمام أبي الحسن الثالث الهادي (عليه السلام).

7 - إبراهيم بن أبي بكر الرازي، أبو محمد، من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام).

8 - صالح بن أبي حمّاد، من أصحاب الجواد والهادي والعسكري([36]).

9 - محمد بن يزداد، من أصحاب الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام).

كما اشتهر في الري بتلك الفترة طائفةٌ جليلةٌ من علماء أهل السنّة وغيرهم([37])، وبمختلف علوم الشريعة الإسلامية ممّن مهّدوا الطريق، مع غيرهم من علماء الإمامية، أمام أجيال هذه المدينة للاطلاع على ما تركوه من تراث فكري وثروة علمية أدّت إلى انتعاش الفكر في (الري) ونتج عنه بروز طبقة جليلة من العلماء بمختلف علوم الشريعة.

فلا غرو أن نجد الشيخ الكليني قد عاش هذا النشاط الفكري في بيئته واستغلّه فاستلهمه ووعاه وعَقِله، عقل وعاية ودراية، لا عقل رواية فحسب... ، بل ووقف بآرائه موقف الناقد البصير في مؤلفاته التي اشتهرت منها موسوعته «الكافي» الذي ضمّ في موارده بعضاً من شيوخ (الري) وأعلام الحركة الفكرية فيها.

ومن هؤلاء العلماء الذين أخذ ثقة الإسلام الكليني عنهم الفقه والحديث، على سبيل المثال:

1 - محمد بن عقيل الكليني الرازي.

2 - محمد بن علاّن الكليني.

3 - علي بن محمد بن إبراهيم الكليني.

4 - محمد بن جعفر بن عون الأسدي الكوفي، ساكن (الري)، المتوفّى سنة 312 هجرية.

وقد كان لهؤلاء وغيرهم ممّن سبق ذكرهم من الأعلام الفضل الكبير في دفع عجلة الحركة الفكرية إلى الأمام بخطوات واسعة في تلك المنطقة.

5 - يضاف إلى هذا وجود بعض الاُسر العلمية في (الري) مثل اُسرة الشيخ إبراهيم الكليني المعروف بعلاّن حيث برز من ولده، أحمد ومحمد ابنا إبراهيم، كما برز من أحفاده علي بن محمد بن إبراهيم، وهو خال الشيخ الكليني واُستاذه.

6 - ومن الاُسر العلمية، اُسرة يحيى بن أبي العلاء الرازي، الذي اشتهر من ولده جعفر بن يحيى الرازي، الراوي عن الإمام الصادق (عليه السلام).

وغيرها من الاُسر الاُخرى، التي حافظت على التراث الفكري لهذه المدينة (الري) ونقلته إلى الأبناء والأحفاد فيما بعد.

العصر الرابع

مدرسة بغداد

مدرسة بغداد قديمة، أوّل من أسّسها وشيّد أركانها، هشام بن الحكم، وهشام بن سالم، ثمّ يونس بن عبد الرحمن، واستمرّت إلى زمن الشيخ الكليني المتوفّى سنة 329 هـ([38]) حينما انتقل إليها من الري، ومن بعده استلم الزعامة الشيخ المفيد المتوفّى عام 413 هـ، ومن بعده السيّد الشريف المرتضى علم الهدى المتوفّى عام 436 هـ، ومن ثمّ الشيخ أبو جعفر الطوسي المتوفّى 460 هـ إلى حين انتقاله من بغداد سنة 449 هـ إلى النجف الأشرف إثر الحركة الغوغائية بعد دخول طغرل بك السلجوقي واحتلاله بغداد وإحراق مكتبته الضخمة.

حيث وصلت المدرسة في عهده أوج ازدهارها، إذ قدّر من كان يحضر بحثه بأكثر من أربعمائة طالب وعالم مجتهد، واستمرّ هذا العطاء إلى أن انتقل الشيخ إلى النجف الأشرف وأسّس مدرسته فيها.

وكان لهذا الازدهار أسباب عديدة منها:

1 - ضعف جهاز الحكم العباسي، حيث ضعفت سيطرة الحكام في هذه الفترة، ودبّ الانحلال في كيان الجهاز الحاكم، فلم يجد القوة الكافية لملاحقة الشيعة والضغط عليهم، فوجد فقهاء الشيعة مجالا لإظهار ونشر (فقه آل محمد) وممارسة البحث الفقهي بصورة علنيّة.

2 - ظهور شخصيات فقهية عملاقة، من بيوتات كبيرة في بغداد، كالشيخ المفيد، والسيد المرتضى (علم الهدى)، وغيرهما، فقد كان هؤلاء يستغلّون مكانة بيوتهم الاجتماعية ومكانتهم السياسية في نشر الفقه الشيعي وتطوير دراسته.

بغداد حاضرة العالم الإسلامي

القرن الرابع الهجري - بإجماع الباحثين والمؤرّخين - هو قرن انبعاث الحضارة الإسلامية، حضارة العلم والفكر، حضارة الكتابة والقلم والمدرسة.

كان لهذا القرن شأن عظيم للذين سادوا المنطقة وحكموا فيها، سواء على صعيد العلماء أم الحكّام.

ففي سنة 333 هجرية كان سيف الدولة الحمداني حاكماً على حلب وتوابعها.

وفي سنة 362 هجرية كان المعزّ لدين اللّه الفاطمي قد دخل مصر حاكماً بعد أن مهّد لدخولها قائده جوهر الصقلي، فأسس مدينـة القاهرة، وأنشأ فيها جامع الأزهر.

وفي سنة 364 كان عضد الدولة البويهي قد دخل بغداد، وكان الداخل إليها قبله من اُسرته معز الدين البويهي سنة 334، كما كان سلاطين آل بويه حكّاماً على قم والري وغيرها من مدن إيران، فقد نشطت مدرستي قم - والري حينذاك بعلمائها الأبدال، أمثال الشيخ الكليني، وعلماء آل بابويه القمّي - الشيخ الصدوق ووالده - ، وعلماء آل قولويه، ومن قبل علماء الأشعريين وغيرهم، وسيأتي تفصيل ذلـك بإذن الله تعالى.

وهؤلاء السلاطين وحكوماتهم كانوا يدينون بالولاء لآل البيت (عليهم السلام).

ولهذا السبب ترى فقه آل محمد (صلى الله عليه وآله) سائداً ومنتشراً في تلك الربوع.

وقد انتعشت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في بغداد على يد الشيخ المفيد (رحمه الله) بشكل لم يسبق له مثيل من حيث تنوّع العلوم والأساتذة والطلاّب والخرّيجين، وكان يحضر درس الشيخ المفيد (رحمه الله) ومناظراته الطلاّب والعلماء من مختلف المذاهب والفرق الإسلامية، فساهمت نشاطات الشيخ المفيد (رحمه الله) في إرساء مبادئ ومعالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بأجلى صورها، ولم يكن لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) قبل الشيخ المفيد كيان ومدرسة بهذا المعنى والمحتوى.

والعلماء الذين نبغوا قبل ذلك كانوا بجهودهم الشخصية ومساعيهم الفردية، لذلك عظمت مشقّاتهم، واشتدّت متاعبهم، وهم ينتقلون من مكان لآخر ينشدون الأمان في ظل تحصيل العلم ويسعون وراء المعرفة.

أقول: وإذا كانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي مدرسة الشيخ المفيد التي أرسى قواعدها وكان عميداً لها، يبسط ظلّه ويحوط طلاّبه برعايته ويمدّهم بعلمه، وكان منار هداية وإرشاد في العراق، فقد كان في الوقت نفسه يمدّ العالم الإسلامي كلّه بإشعاع نور علمه وأفكاره بالهداية والصلاح.

أصبحت بغداد مركزاً ثقافياً كبيراً من مراكز الحركة العقلية في العالم الإسلامي، يقطنها آلاف من الفقهاء والمحدّثين، منتشرين في آلاف المدارس والكتاتيب والمساجد التي يحتشد فيها العلماء والمدرّسين والطلاّب كلّ يوم للدرس والبحث والمناقشة والمطالعة، أمثال الشيخ المفيد والسيّد المرتضى، وكان للشيخ الطوسـي الأثر الكبير في الحركـة الفكرية القائمة في حينه.

ويمكن القول أنّ مدرسة الفقه الشيعي قد تكاملت وتأصّلت، وظهرت ملامح الاستقلال عليها في قم والري، وتبلورت اُصولها وقواعدها في بغداد.

وعلى رغم كثرة مدارس البحث الفقهي في بغداد في ذلك الحين، غير أنّ مدرسة أهل البيت كانت أوسعها انتشاراً، وأعمقها جذوراً واُصولا، وأكثرها تأصّلا واستعداداً وأقومها في الاستدلال والاحتجاج، ممّا كان يبعث طلاّب الفقه على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم الفكرية للانضمام إلى حلقات هذه المدرسة دون غيرها، فقد كان يحضر درس الشيخ الطوسي في بغداد حوالي الأربعمائة مجتهد من علماء الشيعة ومن علماء أهل السنّة وبقية المذاهب، وكانت مدرسة بغداد قبل الاحتلال المغولي حافلة بالفقهاء والباحثين وحلقات الدراسة الواسعة، وكان النشاط الفكري قائماً على قدم وساق.

وكان لهذه المدرسة الدور البارز والفضل الكبير في إرساء قواعد ومعالم مدرسة أهل البيت الفقهية وتثبيت دعائمها التي استمرّت عامرة إلى عصرنا الحاضر.

العصر الخامس

مدرسة الحلّة

برزت مدرسة الحلّة الفقهية بعد احتلال بغداد.

فحينما احتُلّت بغداد من قبل المغول التتار السفّاكين سنة (656 هـ - 1258 م)، أوفد أهل الحلّة وفداً إلى قيادة الجيش المغولي يلتمسون الأمان لبلدهم، فاستجاب لهم (هولاكو) وآمنهم على بلدهم.

وبذلك ظلّت (الحلّة) مأمونة من النكبة التي حلّت بسائر البلاد في محنة الاحتلال المغولي، وأخذت تستقطب الهاربين من بغداد من الطلاّب والأساتذة والفقهاء.

وقد اجتمع في الحلّة العدد الكبير منهم، وانتقل معهم النشاط العلمي من بغداد إلى الحلّة واحتفلت هذه البلدة بهم، فأصبحت الحلّة من الحواضر الإسلامية الكبرى ونشطت مدرستها فصارت تنافس مدرسة النجف بعد وفاة الشيخ الطوسي سنة 460 هـ ، وظهر في هذا الدور فقهاء كبار كان لهم الأثر الكبير في تطوير مناهج الفقه والاُصول الإمامية وتجديد صياغة عملية الاجتهاد وتنظيم أبواب الفقه، كابن إدريس سبط الشيخ الطوسي، والمحقّق الحلّي، والعلاّمة الحلّي، وولده فخر المحقّقين، والشهيد الأوّل، وابن طاووس، وابن نما، وابن أبي الفوارس، وابن ورّام، وغيرهم من فطاحل العلماء ورجال الفكر في ذلك العصر.

وحينما نُصنّف ونضيف المدرسة الفقهية إلى مصر خاص كالكوفة أو بغداد أو المدينة لا نعني أنّ المدارس تمركزت كلّياً في هذه الأمصار على حساب المركز أو المراكز التي انتقلت منها، وإنّما نعني أنّ المدرسة الفقهية بلغت في هذه المرحلة نضجها الخاصّ وكمالها المرحلي في هذا المصر بالخصوص، وتبقى الحوزات التي سبقتها والمدارس الفقهية التي انتقلت منها، باقية على ما هي عليه إلاّ أنّ نشاطها خفّ عمّا كان عليه، وتسرّب إليها بعض الفتور.

هذا، وبعد أن عرضنا لنشوء وتطوّر المدارس الفقهية في الحواضر الإسلامية، ننتقل الآن إلى دور مدرسة النجف الأشرف بعد ما هاجر إليها الشيخ الطوسي (قدس سره)([39]).

تأريخ الحياة العلمية للنجف الأشرف

وهجرة الشيخ الطوسي

من هو الطوسي؟

هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي - نسبة إلى طوس من مدن إيران بمقاطعة خراسان - المعروف بشيخ الطائفة، من أبرز جهابذة العلماء ومن المؤسسين لجامعة النجف العلمية.

ولد بطوس في شهر رمضان سنة 385 هجرية، ثمّ هاجر إلى العراق، وسكن بغداد وهو شابّ لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره الشريف، إذ حطّ رحله واستقرّ في بغداد سنة 408 هجرية، وتتلمذ شيخ الطائفة حينذاك للشيخ محمد بن النعمان العكبري (رحمه الله) - المعروف بالشيخ المفيد وبابن المعلّم - ، وهو اُستاذ السيدين الشريفين، السيد المرتضى علم الهدى والشريف الرضي نقيب الطالبيين في بغداد.

لازم الشيخ الطوسي اُستاذه الشيخ المفيد خمس سنوات من سنة 408 إلى 413 يوم لبّى المفيد نداء ربّه (رحمه الله)ودفن عند ضريح الإمامين الكاظمين (عليهما السلام).

أصبح الشيخ الطوسي الزعيم المطلق في بغداد للطائفة بعد وفاة شيخه السيّد المرتضى علم الهدى سنة 436 هـ الذي لازمه الطوسي وتتلمذ له طيلة ثلاث وعشرين سنة، وبزّ أقرانه في العلوم وحسن الإدارة.

النجف الأشرف قبل الشيخ الطوسي

النجف لغةً: النجف مفرد، جمعه: نِجاف، معناه: التلّ، المكان الذي لا يعلوه الماء([40])، وهي تشبه المسنّاة، تصدّ الماء عمّا جاورها، وينجفها - أي: يحيطها - ، وبذلك كان سبب تسميتها حسب رأي الدكتور مصطفى جواد.

وللنجف أسماء اُخر: الطور، الظهر، الجودي، الربوة، وادي السلام، والأكثر شهرة: النجف، الغري، والمشهد - من المشاهد المقدّسة -.

تقع مدينة النجف على ميلين من غربي الكوفة، على مرتفع منبسط فسيح، وفي الجنوب الغربي من بغداد على بعد 160 كيلومتراً.

تمصّرت النجف منذ أن كشف لأوّل مرّة عن المرقد الطاهر للإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) عام 170 هـ = 768م وكان معروفاً قبل هذا لدى أهل البيت والخواصّ من أصحابهم.

وقد تشرّفت النجف بمرقد الإمام الطاهر، إمام العلم والمعرفة، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ذلك الإمام الذي قال فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بحديثه الشريف: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، ومَن أراد المدينة فليأتها من بابها».

برزت النجف الأشرف على مسرح التأريخ كجامعة علمية دينية لها جذورها القديمة ولها تراثها التأريخي
الأصيل في الفقه والاُصول، بالإضافة إلى جوانب اُخرى من الثقافة والمعرفة، وخاصة الأدب العربي، حتّى أصبحت بثروتها الأدبية مصدراً ثرياً في عالم الأدب يفرض نفسه على التراث الأدبي بكلّ فخر واعتزاز.

وقد حفظت اللغة العربية وجذورها من الضياع أيام احتلال وهيمنة حكام التتار والسلاجقة والعثمانيين وغيرهم.

وكانت النجف مركز علم وثقافة قبل أن يهاجر إليها شيخنا الجليل الشيخ الطوسي سنة 449 هجرية، وكانت مدرسة النجف امتداداً لمدرسة الكوفة، حيث تعتبر مدرسة الكوفة ومسجدها الجامع مصدراً ومركز إشعاع لعلوم آل محمد (صلى الله عليه وآله) منذ أن أسسها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأصبحت مع مرور الأجيال مركز ثقل لبثّ علوم أهل البيت (عليهم السلام) وفقههم، فتتلمذ على يد الأئمة الأطهار فطاحل العلماء وجهابذتهم لا سيّما في عهد الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، حتّى وصلت إلى القمّة في العلوم الدينية والثقافة العامة في العالم الإسلامي، وقد عرفت الكوفة بـ (مدرسة أهل البيت).

وقد بلغ تلامذة الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)
أربعة آلاف طالب وراو أو يزيدون([41]).

يقول الحسن الوشّاء، وهو من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّي أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وكان في طلاّب الإمام الصادق (عليه السلام): النعمان بن ثابت (أبو حنيفة)، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي والسير»، كلّهم كانوا أصحاب رأي ومذهب.

ومن أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) وحوارييه: أبان ابن تغلب، وزرارة بن أعين، والمفضّل بن عمر، وهشام ابن الحكم، وجابر الجعفي، ومحمد بن مسلم، وغيرهم.

وقد اتّخذ الذين جاؤوا من بعدهم من علماء فقه أهل البيت مرقدَ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مقرّاً لهم وامتداداً لمدرستهم، خاصةً عندما تبدّلت ظروف الكوفة من الهجرة بعد انتقال عاصمة الخلافة العباسية إلى بغداد
وتشتّت العلماء وانتقال بعضهم إلى بغداد والبعض الآخر إلى النجف الأشرف لقربها من الكوفة متّخذاً من جوار الإمام الطاهر مركزاً للعبادة والتحصيل العلمي بصورة مبدئية، ومستمدّاً من أنواره وبركاته (عليه السلام).

هجرة الشيخ الطوسي

عندما احتلّ طغرل بك السلجوقي بغداد وتولّى حكمها من قبل القائم العباسي وقوّض دعائم الحكم البويهي، هبّت سنة 449 هـ عاصفة فتنة طائفية هوجاء على الشيعة، يقودها أهل السنّة بدفع من القائم العباسي وتشجيع من السلجوقيين، واستفحل الأمر جرّاء تلك الأحداث الخطيرة فأحرقوا([42]) مكتبة الشيخ الطوسي والتي تعتبر من مكتبات العالم الإسلامي بما تحويه من تراث
وكنوز نادرة ثمينة وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام كما يقول ابن الجوزي([43])، وكان يجلس تحت منبره أكثر من ثلاثمائة عالم ومجتهد من علماء الشيعة وعدد كبير من علماء مختلف المذاهب، وشَعَر الشيخ الطوسي بالخطر المحدق بحياته فقرّر الهجرة من بغداد، واختار مدينة النجف الأشرف مقرّاً له ومركزاً لحركته العلمية.

فالنجف تتمتّع بميزات خاصة تختلف بها عن غيرها من المدن المماثلة، فهي تمتاز باحتضان مرقد إمام العلم والفضيلة أمير المؤمنين (عليه السلام) ووصيّ رسول ربّ العالمين، وفيها قاعدة ثابتة للاشعاع العلمي والفكري، وذلك لوجود الأعلام الذين سبقوا شيخنا الرائد الطوسي (رحمه الله) واتّخاذ النجف مركزاً لهم، بالإضافة إلى أنّ النجف تتّكئ على أمجاد الكوفة وتراثها ; للقرب الذي بينهما. والكوفة وإن وقفت ضدّ آل البيت أيّاماً، إلاّ أ نّها علوية في ذاتها وانتمائها، وأصبحت موئلا للشيعة ومركزاً لثورات التوّابين ومنطلقاً لثورات العلويين ضدّ الحكّام الجائرين.

ولمّا انتقل الشيخ الطوسي (قدس سره) إلى النجف الأشرف وحطّ رحله واستقرّ فيها سنة 449 هجرية، كان من الطبيعي أن يظهر دور جديد في حياة هذه المدينة العلوية بعد أن انصرف عن كثير من التزاماته عندما كان في بغداد وبعد تفرّغه الكامل إلى تأسيس مركزه الجديد واهتمامه بالبحث والتدريس وإظهار دور جامعة النجف العلمية والارتفاع بها إلى أعلى المستويات العلمية العالية، حتّى برزت مظاهر الحياة العلمية الرائدة واضحة للعيان، وأصبحت تضمّ عدداً لا يستهان به من طلاّب العلم والمعرفة، وأخذت تتوسّع ويتكاثر روّادها يوماً بعد يوم، ويتأرجح دورها بين النشاط والخمول طيلة ألف عام من عمرها المديد.

كان لا بدّ لهذه الحوزة الفتية أن يمرّ عليها زمان حتّى تصل إلى المستوى اللائق بها من التقدّم العلمي والنضج الفكري لقبول أفكار الشيخ الطوسي وآرائه العلمية ومواكبة إبداعاته بوعي وتفتّح ليسجّل لمؤسسها دور القيادة والريادة والزعامة بكلّ تقدير وإكبار.

أدوار جامعة النجف

مرّت على جامعة النجف الدينية ثلاثة أدوار رئيسية خلال ألف عام من عمرها المديد:

الدور الأوّل:

يبدأ بانتقال الشيخ الطوسي (رحمه الله) إلى النجف الأشرف في منتصف القرن الخامس الهجري وتأسيسه هيئة علمية منظّمة، ذات حلقات متواصلة، وقد ظهر أثر ذلك في كتابه «أمالي الشيخ الطوسي» الذي كان يمليه على طلاّبه وتلامذته([44])، وكان من أهمّ ما ركّز عليه تنسيقه للدراسة العلمية في أقسامها الثلاثة: الفقه والاُصول والحديث. فقد وضع في هذه العلوم الثلاثة، مؤلّفات عديدة كانت موضع اهتمام الأعلام المبرّزين من الفقهاء والاُصوليين، وكانت مناهج للدرس والبحث لفترة طويلة.

بقي الشيخ الطوسي في النجف مدّة 12 سنة، من سنة 449 إلى يوم وفاته سنة 460 هجرية، وقد طوّر الدراسة والمناهج الدراسية واستخدم القواعد والاُصول بدلا من عرض النصوص الذي كان سائداً في السابق.

بعد الشيخ الطوسي المؤسس:

في عام 460 هجرية لبّى الشيخ الطوسي الكبير - باني مجد الجامعة النجفية - نداء ربّه، وقد منيت الجامعة بخسارة كبيرة لا تعوّض، ولكنّ سيرها ونموّها لم يقف بفضل تلميذه الفذّ وولده البارّ الشيخ الحسن بن محمد المعروف بـ (أبي علي الطوسي)، وكان من ألمع طلاّب والده، فقد تصدّى هذا العالم وخَلَف والده، فقام بدور فعّال وبنّاء في إدارة دفّة الجامعة وزعامة حوزتها بكلّ جدارة ومقدرة، وسار على منهاج شيخه وبنى على ما أسّس اُستاذه وأبوه، فقد استمرّت الجامعة النجفية في حركتها العلمية وعطائها حتّى أطلّ عهد ابن إدريس في منتصف القرن السادس الهجري حوالي سنة 550 هجرية، ونهض بالحركة العلمية في الحلّة ودفعها إلى الأمام.

ومحمد بن إدريس الحلّي من الفقهاء والمشايخ المرموقين في الحلّة، وهو سبط الشيخ الطوسي المؤسس (قدس سره)، توفّي في الحلّة سنة 598 هجرية، وقد أثنى عليه فطاحل علمائها، منهم ابن داود الذي وصفه بأ نّه شيخ الفقهاء بالحلّة، وكذا أثنى عليه علماؤنا المتأخّرون واعتمدوا على مؤلّفاته وكتبه وعلى ما رواه من كتب المتقدّمين واُصولهم.

وقالت بعض المصادر: كان - أي ابن إدريس - فقيهاً اُصولياً بحتاً، ومجتهداً صرفاً. وكيفما كان، فإنّ ابن إدريس فتح باب النقاش على مصراعيه، وحمل بكلّ ما اُوتي من مقدرة علمية على آراء جدّه لاُمّه الشيخ الطوسي الرائد، وقبل هذا ما كان أحدٌ يجرأ على ذلك.

وقد بدت بوادر النشاط العلمي والتفتّح الذهني للتفاعل مع آراء الشيخ ابن إدريس بأجلى مظاهرها في أوائل القرن السابع الهجري في الحلّة بزعامة المحقّق الحلّي([45]) ثمّ العلاّمة الحلّي([46]).

وكان عهد ابن إدريس إيذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلّة، ففي عهد المحقّق الحلّي انتقل المركز العلمي إلى الحلّة تماماً كما انتقلت الزعامة إليه، وأصبح مجلس المحقّق الحلّي كما تحدّده المصادر الموثوقة يضمّ قرابة أربعمائة عالم مجتهد.

واستمرّ الإشعاع العلمي ينير آفاق مدينة الحلّة طوال قرون ثلاثة، ودام حتّى القرن العاشر الهجري.

ثمّ عادت الزعامة الدينية والمركزية العلمية إلى النجف الأشرف، وبقيت في الحلّة رواسب تدير الحركة العلمية بصورة بسيطة حتّى اضمحلّت تدريجياً رغم وجود بيوتات علمية كبيرة فيها عرف أبناؤها بالفضيلة والاجتهاد، أمثال: آل ادريس، وآل شيخ ورّام، وآل فهد، وآل طاووس، وآل نما، وغيرهم.

الدور الثاني:

في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري استعادت النجف الأشرف مركزها العلمي بعد أن فازت الحلّة بزعامتها مدّة ثلاثة قرون.

ولقد حدّدت بعض المصادر زمن عودة الحياة العلمية إلى النجف الأشرف بعهد المقدّس الأردبيلي([47]). يقول السيد حسن الصدر: عادت الحياة العلمية إلى النجف في زمن المقدّس الأردبيلي، فقوي ذلك واشتدّ الناس إليه من أطراف البلاد، وصارت من أعظم مراكز العلم والفقه الشيعي في العالم([48]).

ويعود السبب في إعادة الحياة العلمية إلى النجف الأشرف إلى سحب المياه العذبة للشرب من الفرات وإيصالها إلى النجف من قبل السلاطين والعلماء وغيرهم.

فأوّل من قام بحفر نهر التاجية الصاحب عطاء الملك بن محمد الجويني عام 676 هجرية.

ثمّ جاء بعده الشاه اسماعيل الأوّل الصفوي إلى النجف فأمر بحفر نهر الشاه سنة 914 هجرية، وتلاه الشاه طهماسب الصفوي فأمر بحفر نهر الطهماسبية سنة 980 هجرية، ومن بعده جاء الشاه عباس الصفوي الكبير، وعند وفوده إلى النجف أمر بحفر نهر المكرمة سنة 1032 هجرية.

بالإضافة إلى الاحتياطات الأمنية التي اتّخذت في حفظ النجف وسكانها من غارات البدو «كبناء الأسوار لها»، وكان هذا التحوّل والانتقال في القرن التاسع والعاشر.

وليس بعيداً أن يكون توفير المياه والأمن في النجف سبباً لعودة العلماء وبعث الحياة العلمية في جامعة النجف.

واستمرّت الجامعة النجفية بواجبها في أداء رسالتها حتّى أواخر القرن الحادي عشر للهجرة، فقد قلّت الهجرة إليها وتضاءل وفود الطلاّب من الخارج عليها بسبب الصراع السياسي والمذهبي الدامي الدائر بين الدولتين الصفوية والعثمانية على العراق([49])، ممّا جعل الناس ينكمشون عن الهجرة إلى العراق، ولا سيّما المراكز الشيعية فيها، وضغط الدولة العثمانية على علماء شيعة أهل البيت ورجال الدين ومؤسساتها العلمية أيام استيلائهم على الحكم في العراق، على عكس ما كانت عليه الدولة الصفوية (العلوية).

والسبب الثاني هو الوباء الذي اجتاح النجف بالطاعون وموت المئات بل الآلاف من سكانها بحيث أصبح من المتعذّر دفن الأموات ومواراتهم التراب.

والسبب الثالث: ما أصاب النجف وسكانها من هجوم المشعشعين([50]) واحتلالهم المرقد المطهّر ونهب ما فيه من الثروات والتراث وكذلك نهب أموال الأهالي والاعتداء عليهم، فضلا عن هجمات وغارات البدو الوهابيين المتكرّرة على النجف والاعتداء ونهب وسلب الأموال وغيرها.

والسبب الرابع: انتقال زعيم الحوزة والحركة العلمية آنذاك الشيخ أحمد بن فهد الحلّي من النجف إلى كربلاء مع حاشيته.

هذه العوامل المتعدّدة، ومنها السياسية - الخارجية والداخلية - أدّت إلى ضمور الحركة العلمية في النجف وشلّ نشاطها، ممّا سبّب انتقال الحوزة والمركز العلمي إلى كربلاء. وعلى رغم كلّ ذلك فإنّ النجف بقيت محتفظة بقسم من نشاطها العلمي، وبقيت تواكب التطوّر والحركة العلمية رغم انتقال الزعامة الدينية العلمية إلى كربلاء.

وكيفما كانت الأسباب والدوافع في نقل الحركة العلمية إلى كربلاء من سنة 1150 إلى 1212 هجرية، فقد نضجت الحركة والتعمّق العلمي خاصة في مدرسة العلاّمة الاُستاذ الوحيد البهبهاني([51])، كما برز العلاّمة الشيخ يوسف البحراني([52]).

وقد عاشت الزعامة الدينية في كربلاء زهاء سبعين عاماً فتحت خلالها آفاقاً جديدة في تطوير الكيان العلمي، كان له صدىً حافل بالإكبار والتقدير.

وقدّر لمدرسة العلاّمة الوحيد البهبهاني أن تفتتح عصراً جديداً في تأريخ العلم، والتي أكسبت الفكر العلمي في العصر الثاني الاستعداد للانتقال إلى عصر ثالث([53])، غير أنّ الاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر قدّر له أن يتّخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له.

إنّ ردّ الفعل الذي حصل لهذا الاتجاه، جعل من الرائد المجدّد في مدرسة الفقه والاُصول، العلاّمة الكبير الشيخ محمد باقر البهبهاني (قدس سره) المتوفّى سنة 1205 هجرية، يركّز جهده في الوقوف بوجه الحركة الأخبارية، وتأييد علم الاُصول، حتّى ضعف وتضاءل الاتجاه الأخباري.

وقامت هذه المدرسة برصّ الصفوف والتركيز على
تنمية الفكر العلمي، والارتفاع بعلم الاُصول إلى مستوىً أعلى، وكان ذلك حدّاً فاصلا بين عصرين من تأريخ الفكر العلمي في الفقه والاُصول.

الدور الثالث:

يمكن أن يطلق على هذا الدور (عصر الكمال العلمي) الذي ظهر على يد الاُستاذ الفذّ البارع الوحيد البهبهاني، والذي بدأ يبني قواعد ثابتة للعلم في عصره الثالث، بما قدّم من جهود متظافرة في ميداني الفقه والاُصول.

وقد عادت النجف الأشرف إلى ميدانها العلمي ونشاطها الفكري كمركز أوّل تحت إشراف مديرها الاُستاذ الوحيد البهبهاني (قدس سره) وعلى يد تلميذه العلاّمة السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي (قدس سره) بعد أن عاشت زماناً وهي تتفاعل بتأثيرات المدرسة الفكرية في كربلاء، وذلك في بداية القرن الثالث عشر الهجري أي سنة 1210 هـ.

ويمكن تسمية هذا العصر، بعصر النهضة العلمية لكثرة من نبغ فيه من فحول العلماء وأجلاّئه، ولكثرة تهافت الناس على طلب العلم، وتدفّق الطلاّب من خارج القطر وازديادهم، وقد برز في ذلك القرن أقطاب الفقه واُصوله الذين هم في الدرجة الاُولى علماً وتأليفاً وتقوىً وصلاحاً، وقد خلّفوا لنا آثاراً قيّمة خالدة تشهد على مدى التوسّع العلمي في ذلك العهد، مثل كتب «كشف الغطاء» و «مفتاح الكرامة» و «الرياض» و «المكاسب» في الفقه، و «القوانين» و «الفصول» و «الضوابط» و «حاشية المعالم» للشيخ محمد تقي الاصفهاني و «رسائل» الشيخ الأنصاري وتعليقاتها في اُصول الفقه إلى غير ذلك من الكتب المطوّلة.

وكان في القمة من تلك الآثار الفقهية كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»([54])، الموسوعة الفقهية التي فاقت جميع ما سبقها من الموسوعات سعةً وجمعاً وإحاطةً بأقوال العلماء وأدلّتهم، وقد ذكره السيد محسن الأمين في موسوعته «أعيان الشيعة» فقال عنه: إنّه كتاب لم يؤلّف مثله في الإسلام.

ولعلّ أهمّ الخطوات التي اتّخذها الزعيم الجديد لجامعة النجف الأشرف، السيد محمد مهدي بحر العلوم في تنظيمه الإداري، هي تعيين فطاحل العلماء كلّ بمركزه المناسب له بحسب اختصاصه، وتوزيع أدوارهم. فمثلا:

أوّلا: جعل الشيخ كاشف الغطاء المتوفّى سنة 1228 هـ في مركز التقليد والفتوى، حتّى قيل: إنّه أجاز لأهله وذويه بالرجوع إلى تقليد الشيخ جعفر الكبير، تمشيّاً مع الاختصاص والتنظيم الإداري والتركيز على حصر المسؤولية.

ثانياً: كما عيّن الشيخ حسين نجف والد الشيخ طه نجف المتوفّى سنة 1251 هـ للإمامة والمحراب، فكان يقيم صلاة الجماعة في (جامع الهندي) بالنجف ويؤمّ الناس على اختلاف طبقاتهم بإرشاد من السيد بحر العلوم نفسه.

ثالثاً: أمّا القضاء فقد خصّ به الشيخ شريف محيي
الدين، فكان يرشد إليه في ذلك، علماً منه بمهارته في القضاء، وتثبّته في الدين، وسعة صدره في تلقّي الدعاوى والمخاصمات.

أمّا السيد بحر العلوم نفسه فقام بأعباء التدريس والزعامة الكبرى وإدارة الشؤون العامة والخاصة([55]).

وما أن كان عهد المحقّق الأنصاري (الشيخ مرتضى) حتّى اعتبر رائداً لأرقى مرحلة من مراحل الدورة الثالثة للنهضة العلمية في النجف الأشرف.

وعندما أشرف القرن الرابع عشر لمع اسم المجدّد الشيخ ملاّ محمد كاظم الخراساني، الذي فتح آفاقاً جديدة للعلم والمعرفة.

وقدّر له ولمن خَلَفه كالميرزا حسين النائيني والشيخ محمد حسين الاصفهاني (الكمباني) والشيخ آغا ضياء العراقي وغيرهم من أقطاب هذه المدرسة أن يرتفعوا إلى القمّة العلمية التي خلّفت تراثاً ضخماً تستنير به الأجيال الصاعدة.

وقد عاصر المؤلّف وعاش حياة مرجعين من أهمّ
المراجع العظام الذين يعتبرون حجر الزاوية في حياة النجف الحوزوية، ونقطة انطلاق لعالم التشيّع المذهبي، وهما السيد أبو الحسن الاصفهاني (رحمه الله) الذي دان له العالم الشيعي من أدناه إلى أقصاه، المتوفّى سنة 1365 هجرية الموافق لعام 1945 ميلادية.

وخليفته الإمام السيد محسن الحكيم الطباطبائي الذي دامت زعامته أكثر من ربع قرن، بثّ فيها معالم فقه أهل البيت، وقابل التيارات الإلحادية في الفترة الأخيرة من حياته المباركة، توفّي (رحمه الله) سنة 1390 هـ = 1970 م.

وآخر مرجعية عاشتها النجف الأشرف هي بزعامة المرجع الأعلى السيد أبي القاسم الخوئي (رحمه الله)، وبوفاته فقدت النجف زعامتها نسبياً وذلك سنة 1413 هـ = 1992 م.

ومن أسباب ازدهار الجامعة العلمية النجفية في هذا الدور: كثرة ما اُسّس من المدارس الدينية والتي نطلق عليها في عصرنا الحديث - الأقسام الداخلية - لطلاّب العلوم الدينية بالإضافة إلى كونها مقرّات وحوزات للتدريس والبحث والتحقيق، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على تزايد الهجرة من البلدان النائية لطلب العلم.

وقبل أن أذكر عدد المدارس في النجف الأشرف وجدولتها، يهمّني في هذا المقام أن أذكر نقطتين تدوران حول المدارس:

أوّلا: في وصف هندسة المدارس. وثانياً: في شروط السكن في المدارس، بحسب وقفية الواقف.

أمّا هندسة بناء المدارس العلمية في النجف الأشرف فقد روعي فيها طبيعة البلاد وطقسها، وحرارة الجوّ في أشهر الصيف، فكان من الضروري حفر سراديب تحت الغرف لتقي سكّان المدرسة حرّ الصيف. أمّا الهندسة العامة، فكانت الغرف تشيّد على أربع جهات المدرسة ويترك الوسط مكشوفاً فارغاً ليؤلّف صحناً واسعاً في وسطه حوض ماء، ويكون البناء حسب الأرض إمّا مربّعاً أو مستطيلا، والسراديب عادة تشيّد تحت الغرف من جانب واحد أو من جانبين أو من كلّ الجوانب الأربعة، ويزوّد بشبابيك لإيصال النور والهواء إلى السراديب، ومساحة الغرفة الواحدة تتراوح بين ستّة إلى تسعة أمتار مربّعة وأمام كلّ غرفة إيوان صغير خاصّ بها، وكلّ غرفة عادة يسكنها شخص واحد أو شخصان، وقد يشيّد طابق ثان عليها، والمدرسة مبنية بالآجر المصقول ومزيّنة بالقاشاني المزخرف ويحفر لكلّ مدرسة بئر أو أكثر لسحب الماء منه بواسطة أرشية ودلاء يقوم بدلوه خادم المدرسة أو بعض الطلاّب حسب الحاجة.

هذا وصف موجز لهندسة المدارس في النجف، أمّا عن الشروط المفروضة على سكّان المدارس للطلاّب: فلكلّ مدرسة شروطها الخاصة بحسب قناعة الواقف لأجل حفظ الأمن وعدم الاستغلال من قبل الطلاّب، وعادة ما تكون الشروط سهلة وبسيطة، والسكن في المدارس بصورة عامة مجاناً بما فيه صرف الماء والإنارة والخدمة العامة من تهيئة جميع متطلّبات الساكنين في المدرسة وتنظيفها من قبل خادم أو خادمين دائميين مقيمين في المدرسة.

وإليك عدد المدارس التي شُيّدت في النجف والتي اُوقفت لسكن طلاّب العلوم الدينية، وكذلك عدد المكتبات العامة والخاصة المنتشرة في البيوتات العلمية.

المدارس الدينية

1 - مدرسة البغدادي.

2 - مدرسة الشيخ عبد اللّه.

3 - مدرسة الصحن الشريف الاُولى.

4 - مدرسة الصحن الشريف الكبرى.

5 - مدرسة الصدر.

6 - مدرسة المعتمد.

7 - المدرسة المهدية.

8 - مدرسة الإيرواني.

9 - مدرسة الميرزا حسين الشيرازي.

10 - مدرسة الخليلي الكبرى.

11 - مدرسة النجاري.

12 - مدرسة القوام.

13 - مدرسة الشربياني.

14 - مدرسة الخراساني.

15 - مدرسة الخليلي الصغرى.

16 - مدرسة القزويني.

17 - مدرسة البادكوبي.

18 - مدرسة الآخوند الوسطى.

19 - مدرسة السيد كاظم اليزدي.

20 - مدرسة الهندي.

21 - مدرسة الآخوند الصغرى.

22 - مدرسة السيد عبد اللّه الشيرازي.

23 - مدرسة البروجردي الكبرى.

24 - مدرسة العامليين.

25 - مدرسة الطاهرية.

26 - مدرسة البروجردي الصغرى.

27 - مدرسة الرحباوي.

28 - مدرسة الجوهرجي.

29 - مدرسة جامعة النجف.

30 - مدرسة عبد العزيز البغدادي.

31 - مدرسة الأفغانيين.

32 - مدرسة اليزدي الثانية.

33 - مدرسة آية اللّه الحكيم.

34 - المدرسة التي أشرف على إنشائها السيد الخوئي (رحمه الله)
وأكاديمية قد هدمت من قبل الحكومة البعثية.

35 - أكاديمية السيد الخوئي خلف الصحن الشريف
مباشرة، وتقع في جهة الجنوب الغربي.

المدارس الحديثة

1 - المدرسة الرشادية العثمانية.

2 - المدرسة العلوية الإيرانية.

3 - المدرسة المرتضوية.

4 - مدرسة الغري الأهلية.

5 - مدارس منتدى النشر.

6 - مدرسة جمعية التحرير الثقافي.

اعتمدت هذا الجدول ملخّصاً من موسوعة العتبات المقدّسة الجزء السابع للمرحوم الاستاذ جعفر الخليلي، ولمزيد التفاصيل يراجع المصدر.

مكتبات النجف القديمة

1 - مكتبة خزائن الكتب القديمة في الحرم الشريف.

2 - المكتبات الإسلامية القديمة في العراق.

3 - مكتبة دور الكتب العامة في العصور العباسية.

4 - مكتبات النجف القديمة.

5 - مكتبة أهمّ مخطوطات المكتبة العلوية.

6 - المكتبة العلوية.

المكتبات العامة حديثاً وقديماً

1 - مكتبة الملالي.

2 - مكتبة الصدر.

3 - مكتبة الإمام كاشف الغطاء.

4 - المكتبة الشوشترية.

5 - مكتبة مدرسة القوام.

6 - مكتبة مدرسة الخليلي.

7 - مكتبة مدرسة الآخوند.

8 - مكتبة مدرسة اليزدي.

9 - المكتبة المرتضوية.

10 - مكتبة الرابطة.

11 - مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

12 - مكتبة منتدى النشر.

13 - المكتبة العامة.

14 - مكتبة جمعية التحرير.

15 - مكتبة حنوش.

16 - مكتبة الشيخ آغا بزرك.

17 - مكتبة الحكيم.

18 - مكتبة البروجردي.

19 - مكتبة جامعة النجف.

وفي القرن الرابع عشر اُسّست مكتبتان عامّتان، وهما: مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة، ومكتبة آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره) العامة.

مكتبات النجف الخاصّة في القرنين

الثالث والرابع عشر الهجريين

1 - مكتبة الرحيم.

2 - مكتبة آل الطريحي.

3 - مكتبة الجزائري.

4 - مكتبة السيد عبد العزيز.

5 - مكتبة آل بحر العلوم.

6 - مكتبة آل القزويني.

7 - مكتبة آل كاشف الغطاء.

8 - مكتبة آل محيي الدين.

9 - مكتبة آل نظام الدولة.

10 - مكتبة الشيخ محمد باقر الاصفهاني.

11 - مكتبة السيد أحمد هلالة.

12 - مكتبة السيد ميرزا الاصفهاني.

13 - مكتبة ملاّ علي الخليلي.

14 - مكتبة شيخ الشريعة.

15 - مكتبة الحاج ملاّ باقر.

16 - مكتبة الخوانساري.

17 - مكتبة النوري.

18 - مكتبة السيد محمد بحر العلوم.

19 - مكتبة الشيخ علي آل الشيخ محمد رضا.

20 - مكتبة الشيخ هادي] كاشف الغطاء [.

21 - مكتبة الشيخ محمد السماوي.

22 - مكتبة السيد جعفر بحر العلوم.

23 - مكتبة السيد هاشم بحر العلوم.

24 - مكتبة السيد محمد صادق بحر العلوم.

25 - مكتبة الشيخ محمد رضا فرج اللّه.

26 - مكتبة الشيخ محمد علي اليعقوبي.

27 - مكتبة آل الشيخ البلاغي.

28 - مكتبة الشيخ يوسف شهيب.

29 - مكتبة آل فخر الدين.

30 - مكتبة الخطباء السيد جواد شبّر.

31 - مكتبة الخطيب السيّد حسن القبانجي.

وهناك مكتبة خاصة لآل الجواهري قد توارثت وكانت عند الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، ثم تلفت بعد ذلك تدريجياً من قبل الورثة مع شديد الأسف.

إدارة الحوزة والنظام الحاكم

كان نظام الحوزة العلمية في النجف الأشرف والحوزات التي سبقتها مستقلا عن سياسة الحكومات المتعاقبة مالياً وإدارياً، أمّا الإدارة فالمرجعية هي المسؤولة عن إدارتها وشؤون طلاّبها، وتعتمد مالياً على ما يرد إليها من الحقوق الشرعية على يد المراجع من أنحاء العالم الإسلامي كافة.

وما تجرّأت حكومة من الحكومات السابقة أن تتدخّل في شؤونها، ولا سمح لها بذلك، بالرغم من محاولات بعضها.

حتّى حلّت ثورة عبد الكريم قاسم في العراق عام 1378 هجرية = 1958 ميلادية، وتبعتها انقلابات شيوعية وقومية، وأخيراً انقلاب حزب البعث الملحد الذي جاء بقطار الاستكبار العالمي الماسوني الصليبي الشيوعي الصهيوني، واستطاع بقوّة السلاح والإرهاب، وبالتنكيل شيئاً فشيئاً بالمؤمنين بصورة عامة، وبالعلماء وطلاّب الحوزة - لا سيّما البارزين منهم بصورة خاصة - والسيطرة على بعض مرافقها ومدارسها من خلال بعض ضعاف النفوس والتدخّل في شؤونها بالمكر والإرهاب وقوّة الحديد والنار، خاصّة بعد وفاة المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم، والتجرّؤ على قدسية الحوزة، واعتقال علمائها ورجالها البارزين وزجّهم في السجون وتعذيبهم وتشريد البعض منهم وتهجير العلماء والطلاّب من أبناء الجاليات غير العراقية، حتّى وصل بهم الأمر إلى التجرّؤ على المراجع العليا وفي مقدّمتهم سماحة آية اللّه العظمى والمفكّر الإسلامي العالمي الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر واُخته العلوية الطاهرة المربّية الجليلة بنت الهدى وإبادتهم جسدياً بعد تعريضهم لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل، واستشهاد الشيخ عارف البصري والسيّد قاسم شبّر والسيد قاسم المبرقع، وكذلك اعتقال آية اللّه الشيخ محمد تقي الجواهري، وغيرهم ممّا يضيق المجال على هذه الوجازة، عبر عشرات السنين، وحتّى الآن لا ندري هل هم في غياهب السجون أو في عداد الشهداء.

كلّ هذا الذي جرى لمصلحة من؟ هل هو نتيجة الحقد الطائفي والمذهبي؟ أم بدافع من الاستكبار العالمي الاستعماري المتمثّل بالصليبية والماسونية والصهيونية؟ في تخطيطهم لإبادة الطليعة الخيّرة الإسلامية المتمثّلة بقادة الحوزة العلمية الشيعية في النجف الأشرف ! !

وقد أحكم حزب البعث الكافر قبضته على زمام الاُمور بعد فشل الثورة الشعبية العارمة التي اجتاحت محافظات الجنوب بصورة عامة، والتي كان انطلاق شرارة انفجارها عفوياً من البصرة والنجف وكربلاء وسائر مدن العراق في وقت واحد تقريباً.

وبعد وفاة المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي وآية اللّه العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري (قدس سرهما) استطاعت الحكومة الظالمة الملحدة من إحكام سيطرتها وتصفية علماء الحوزة بكاملها، ولو أنّ بعضاً منهم قد بقي في النجف الأشرف مثل آية اللّه العظمى السيد علي السيستاني، كما تصدّت طبقة جديدة للمرجعية، أمثال آية اللّه السيد محمد الصدر وآية اللّه السيد محمد سعيد الحكيم وآية اللّه السيد حسين بحر العلوم وغيرهم، إلاّ أ نّهم لم يستطيعوا أن يعملوا أي شيء بوجود الحكم الجائر، وتحت سيطرة الحكم الملحد الكافر.

فسفّر وهجّر من النجف الأشرف العلماء والطلاّب من أبناء الجاليات غير العراقية من إيرانيين وهنود وأفغان ولبنانيين وباكستانيين وأفارقة وجاليات اُخرى من جنوب شرق آسيا وغيرهم.

كما أنّ بعض العلماء العراقيين استطاعوا الافلات من قبضة الحكم البعثي والهرب من العراق واللجوء إلى إيران الإسلام، وتمركزهم في مدينة قم المقدّسة (عش آل محمد) خاصة، لتستعيد قم مركزها التليد بعد مرور ألف عام، ويعيد التأريخ نفسه وتصبح مركز الاشعاع الإسلامي ومرجعية الحوزة العلمية.

وقد استقبلهم المراجع العظام في حوزة قم المقدّسة حينذاك، أمثال آية اللّه العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني وآية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي وآية اللّه العظمى الشيخ محمد علي الأراكي وغيرهم من الآيات العظام.

ومن المتصدّين للتدريس في الحوزة العلمية في قم المقدّسة، أمثال آية اللّه الشيخ الوحيد الخراساني وآية اللّه الشيخ ميرزا جواد التبريزي وآية اللّه الشيخ محمد فاضل اللنكراني وغيرهم كثير. كلّ هذا تحت ظلّ حكومة إسلامية حاملة لواء الولاء لفقه أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام).

إلى هنا أكتفي وأترك المجال لمن يريد التوسّع في البحث، أو الذي يأتي بعدنا ليواصل تسجيل أحداث الحوزات العلمية للأجيال القادمة، حتّى يقيضّ اللّه سبحانه وتعالى لصاحب الحوزة بالظهور ليملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

ومن اللّه سبحانه أستمدّ العون والتوفيق، فإنّه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

العبد المنيب

حسين الشاكري

دار الهجرة - قم المشرّفة

الفاتح من شهر ربيع الأوّل سنة 1418

 

اعتمدت في هذا البحث على المصادر التالية:

1 - موسوعة العتبات المقدّسة، الجزء السابع، قسم النجف.

2 - ماضي النجف وحاضرها.

3 - المعالم الجديدة ; للشهيد السيد محمد باقر الصدر.

4 - رجال الطوسي.

5 - رجال السيد بحر العلوم.

6 - الذريعة ; للشيخ آغا بزرك الطهراني.

7 - مقدّمة الشيخ الآصفي لموسوعة اللمعة الدمشقية.

8 - مقدّمة الشيخ المظفّر لموسوعة جواهر الكلام.

 



([1])  تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية  : 252 .

([2])  ابن عساكر ; تهذيب التأريخ 3  : 407 .

([3])  ابن عساكر ; تهذيب التأريخ 3  : 407 .

([4])  يراجع عن هذا  : مروج الذهب 2  : 72 ، وعن غيره ممّا ذكر قبله .

([5])  مروج الذهب 2  : 72 .

([6])  النهج 1  : 420 ـ 421 .

([7])  الكنى والألقاب ، ترجمة الشافعي .

([8])  سفينة البحار ، مادّة « خلل » .

([9])  الخطيب البغدادي ; كفاية الاُصول  : 129 .

([10])  نفس المصدر  : 131 .

([11])  البحار 26  : 17 ، الحديث 33 . الكافي 1  : 57 ، الحديث 14 .

([12])  كنز العمّال 6  : 552 ، الحديث 16906 .

([13])  والظاهر أنّ هذه الصحيفة غير الجامعة .

([14])  النص والاجتهاد  : 120 ، شرف الدين ، طبعة قم ـ اُسوة .

([15])  طبقات ابن سعد 4  : 106 ، وسنن ابن ماجة 1  : 8 ، وسنن الدارمي 1  : 84 ، والسنن الكبرى 1  : 11 .

([16])  سنن ابن ماجة 1  : 9 ، وسنن البيهقي 1  : 12 ، وطبقات ابن سعد 3  : 102 .

([17])  وقع تصحيف في الاسم ، لعلّه زيد بن صوحان العبدي .

([18])  الروضة من الكافي للشيخ الكليني 8  : 72 ، وقد سرد له خطبةً طويلة ، فراجع .

([19])  راجع  : باقر القرشي في كتابه « حياة الإمام زين العابدين ، دراسة وتحليل » 2  : 259 وما  بعدها . وراجع تهذيب الكمال للمزي 20  : 382 ، الرقم 4050 ، وتهذيب التهذيب لابن  حجر العسقلاني 7  : 268 .

([20])  راجع كتابنا « السجّاد علي » من موسوعة المصطفى والعترة .

([21])  وقيل  : إنّ اسمه  : أسلم ، ويقال  : ثابت ، ويقال  : هرمز ، أصله قبطي ، كان عبداً للعباس بن عبد المطّلب ، فوهبه للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّـا بشّره بإسلام العباس أعتقه ، شارك بعدّة غزوات . راجع تهذيب الكمال للمزي 33  : 301 ، الرقم 7354 .

([22])  أعيان الشيعة 1  : 34 و  35 ، القسم الثاني .

([23])  ميزان الاعتدال 1  : 5 .

([24])  تدريب الراوي ; السيوطي 1  : 67 . وراجع تدوين السنّة الشريفة للسيّد الجلالي  : 15 وما  بعدها .

([25])  تأريخ الكوفة ; للبراقي  : 397 و  423 ، الطبعة الرابعة 1407 هـ / 1987 م ، دار الأضواء ـ  بيروت .

([26])  تأريخ الكوفة ; للسيّد حسين بن أحمد البراقي النجفي المتوفّى عام 1332 هـ .

المروي أنّ الإمام (عليه السلام) استدعي عدّة مرات إلى الكوفة وبغداد أيام السفّاح والمنصور العباسي ، ولعلّه في بعض هذه كانت إقامته الجبرية مدّة طويلة .     ر؛؛

؛؛ط ولا يبعد أن يكون الإمام (عليه السلام) قد أقام مدّة سنتين متواصلتين بالكوفة ، الأمر الذي حدى بالشيعة والمحدّثين للازدلاف إليه والسماع من أحاديثه ورواياته ، ممّا كوّن ذلك العدد الضخم من الرواة والمحدّثين ، حتّى بلغ عددهم في بعض الروايات إلى الأربعة آلاف راو بأسمائهم وما رووا عن أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) ، ومن اُولئك ، برز أربعمائة راو ومحدّث كلّ يقول  : حدّثني جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ، أو سمعوا ما روي لهم  : فكانت حصيلة ذلك الاُصول الأربعمائة التي عليها أصبح مدار الفقه الشيعي الإمامي الاثنى عشري فيما بعد .

راجع في ذلك كتاب الإمام الصادق (عليه السلام) للشيخ محمد حسين المظفر 1  : 125 ـ 130 .

([27])  تأريخ الكوفة للبراقي  : 424 ـ 425 .

([28])  وسائل الشيعة 3  : 523 .

([29])  أعيان الشيعة 1  : 37 .

([30])  معجم البلدان 7  : 159 .

([31])  معجم رجال الحديث 13  : 142 و  194 .

([32])  رجال الكشّي  : 281 ، الرقم 158 ، واختيار معرفة الرجال ( المعروف برجال الكشي ) طبع  مؤسّسة آل البيت 2  : 624 .

([33])  سفينة البحار ، الجزء 2 ، مادة  : « قم » .

([34])  مجالس المؤمنين  : 92 و  93 .

([35])  الكنى والألقاب 1  : 379 .

([36])  وتردّد فيه النجاشي ، وفي الكشي  : كان أبو محمد الفضل يرتضيه ويمدحه ، وذكره الفاضل في  الحاوي في قسم الحسان .

([37])  أعرضنا عن ذكر سائر الأعلام روماً للاختصار ، ومن أراد الاطلاع عليها مفصّلا فليراجع رسالة الماجستير الموسومة بـ  « الشيخ الكليني البغدادي وكتابه الكافي » للاُستاذ ثامر هاشم  العميدي ، طبعة قم / مؤسسة الإعلام الإسلامي .

([38])  وهي بداية الغيبة الكبرى للإمام الحجّة عجّل الله فرجه حيث بدأت سنة 329 هـ .

([39])  استقيت هذا البحث ملخّصاً مع بعض التصرّف من مقدمة سماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي لموسوعة اللمعة الدمشقية للشهيد الأوّل رضوان اللّه عليه .

([40])  الفيروزآبادي ; القاموس المحيط 3  : 402 .

([41])  الشيخ محمد حسين المظفّر ; الإمام الصادق  : 130 و  179 .

([42])  يبدو أنّ هذا الحريق لكتب الشيخ الطوسي هو الأخير ، إذ اُحرقت أو نُهبت كتبه عدّة مرّات ، كما جاء في لسان الميزان 5  : 153 ، الرقم 7237 ، المنتظم 16  : 8 و  16 حوادث سنة 448 و  449 ، البداية والنهاية 12  : 90 ، حوادث سنة 449 ، الأعلام 6  : 84  .

([43])  يروى أنّ هذا الكرسي كان في المدرسة النظامية ببغداد وليس في بيت الشيخ الطوسي .

([44])  نقل ذلك الشيخ آغا بزرك الطهراني في « الذريعة » 1  : 365 ، وكان قد أملاه الشيخ لولده في  سنة 457 و  458 هـ  .

([45])  المحقّق الحلّي  : أبو القاسم نجم الدين جعفر بن سعيد الحلّي ، قال ابن داود  : المحقّق المدقّق واحد عصره ، كان ألسن أهل زمانه ، وأقومهم بالحجّة ، ولد بالحلّة سنة 602 ، وفي عام 676 هجرية توفّي ودفن بالنجف .

([46])  العلاّمة الحلّي  : جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن المطهّر الحلّي ، انتهت إليه رئاسة الإمامية في المعقول والمنقول والفروع والاُصول ، ولد بالحلّة سنة 648 هـ وتوفّي سنة 726 هـ ودفن بالنجف ، وكان سبباً في تشيّع السلطان محمد خدابنده .

([47])  المقدّس الأردبيلي  : هو المولى أحمد بن محمد الأردبيلي ، كان من أزهد أهل زمانه وأورعهم ، وكان مؤلّفاً كبيراً ومحقّقاً عظيماً ، وكان من سكّان النجف ، توفّي سنة 993 هجرية .

([48])  مراكز العلم للشيعة ; للسيد حسن الصدر في آخر تكملة أمل الآمل  : 585 .

([49])  استولى الصفويون بقيادة الشاه اسماعيل الأوّل على بغداد في 25 جمادى الثانية سنة  914 هـ / 1508 م . ودارت الحروب والوقائع بين العثمانيين والصفويين في التنازع على السلطة في العراق بصورة متوالية . يقول عباس العزاوي في كتابه تأريخ العراق بين احتلالين ( 3  : 325 )  : وكانت ـ  أي الحروب  ـ مؤلمة جداً ، فقد احترق الأهلون بين نيران الاثنين المتحاربين . فالمتغلّب منهما يحاول القضاء على كلّ نزعة لمخالفه ، ويسعى لتدميرها واستئصالها ، والآخر يراعي عين العملية بلا رحمة ولا شفقة . ولا تسل عمّـا أصاب من هلاك في النفوس  ر؛؛

     ؛؛ط  وتدمير في الأموال أو في العلوم والآثار، أو في الثقافة .

فلم يجد العراق من راحة أو هناء ، ولا طمأنينة وسكون ... يخرجون من حادث ليترقّبوا آخر ، فالمصائب تترى ، والوضع غامض ، ولا يعرف القوم مصيرهم ، ولا ماذا سيعمل بهم .

دام هذا الوضع المرتبك والقلق ، إلى دخول سليمان القانوني ( ت / 974 هـ ) بغداد في 24 جمادى الاُولى سنة 941 هـ / 1534 م ، فشهد العراق بعض الوقت راحة نسبية من عدم تجدّد الحروب على أراضيه . ويضيف العزاوي في موضع آخر من كتابه ( 4  : 18 ) فيقول  :

والحقّ أنّ العراق اكتسب الراحة ، وسكن مدّة ، ولكن بعد قليل دبّ في الدولة الضعف من جراء استمرار الحروب ـ  مع مجاوراتها من الدول ، خاصة إيران  ـ فاضطرّت الدولة ـ  العثمانية  ـ إلى التضييق على الأهلين .

وجرت حوادث كان آخرها واقعة سنة 1028 هـ / 1619 م في بغداد والتي كان من نتائجها أن استولت إيران مرّة اُخرى على بغداد ودخلتها في 23 ربيع الأوّل سنة 1032 هـ / 1623 م.

وجرّ هذا الاحتلال إلى حروب وبيلة وقاسية بين العثمانيين والإيرانيين اكتسبت عنفاً وشدّة ، فصارت كلّ واحدة منهما على وشك الهلاك ، ولم يبق بين الحياة والموت إلاّ أنفاس معدودة ، كلّ هذا والعراق وأهله يدفعون الثمن ، فحدثت    ر؛؛

؛؛ط  المعارك الهائلة ، والحروب الطاحنة بين الطرفين ، تمكّن السلطان مراد الرابع ( ت  / 1049 هـ ) في النهاية من استعادة بغداد سنة 1048 هـ / 1639 م ، وكان ذلك آخر عهد إيران بالعراق ، وإن استمرّت الحروب ولم تنقطع ولم يهدأ لهم أمل بالعود مرّة اُخرى .

([50])  آل المشعشع  : حكموا الأهواز والحويزة وأكثر بلاد خوزستان بين 845 ـ 1025 هـ ، وأصلهم يرجع إلى محمد بن فلاح بن هبة  الله الذي ينتهي نسبه بالسيّد ابراهيم المجاب بن السيّد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) .            ر؛؛

     ؛؛ط  ومسقط رأسه مدينة واسط ، تخرّج على الشيخ أحمد ابن محمد بن فهد الحلي المتوفى عام 841 هـ ، الذي كان قد تزوّج اُمّ محمد بعد موت أبيه فلاح ، ثمّ لمّـا كبر محمد هذا زوّجه الشيخ ابن فهد ابنته ، وكان قد حصل على كتاب للشيخ في العلوم الغريبة ، والنيرنجات ، والسحر ، ولمّـا قرأه وعمل به أخذ يظهر بعض الاُمور الخارقة للعادة على الأعراب الساكنين في حدود خوزستان ، فتبعه ناس كثيرون هناك ، ثمّ انتشر أمره وازداد أتباعه وصاروا ينعتونه بالمهدي ، وكان بداية ظهوره عام 827 هـ، وقيل 840 هـ ، وقيل غير ذلك . وما لبث أن ضمّ إليه جميع العشائر القاطنة في الجزائر والحويزة وشوش ودزفول .

وتعاقب أولاد محمد بعد موته على قيادة القبائل والعشائر ، لشنّ غارات على المدن والحواضر للسلب والنهب والقتل .

ومجمل عقائد المشعشعين أ نّهم يعتقدون أنّ الله سبحانه وتعالى حلّ في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وبذلك يكون هو الإله ، تعالى عمّـا يصفون ، والله لا يموت ، وتحصيل ذلك أنّ علياً حيّ لا يموت ، فكيف يكون له قبر ، ولذلك عمدوا إلى ضريحه وأضرحة الأئمة الأطهار في النجف وكربلاء فنهبوها وهدموها واستولوا على ما فيها ، وقتلوا الأهالي ، وعملوا ما عملوا من الجرائم والفضائح .

([51])  هو المولى محمد باقر ، الاصفهاني مولداً ، والبهبهاني منشأً ، ولد عام 1118 وتوفّي 1205 هجرية .

([52])  يوسف بن أحمد بن عصفور البحراني ، المتولّد في البحرين سنة 1107 هجرية ، والمتوفّى في كربلاء سنة 1187 هجرية .

([53])  المعالم الجديدة ; للشهيد الصدر  : 84 و  85  .

([54])  للشيخ محمد حسن صاحب « الجواهر » الذي ولد بالنجف سنة 1192 هـ ، وتوفّي فيها سنة 1266 هـ عن عمر ناهز 74 عاماً ، وكان من فطاحل وجهابذة العلماء في عصره في النجف الأشرف .

([55])  رجال السيد بحر العلوم  : 41 و  42 .