الاميني

هوية الكتاب

المـقدمة:

الحمد لله ربّ العالمين، بارئ الخلائق اجمعين، ثم الصلاة والسلام على خير خلقه اجمعين محمّد وآله الطاهرين.

وبعد:

وجدت لزاماً عليَّ أن أذكر جانباً من حياة العلاّمة الاميني (قدس سره)، بحكم مرافقتي وعلاقتي الوثيقة معه سنين طويلة، تنيف على العشرين عاماً.

وخوفاً من أن تدركني المنيّة بادرت إلى سرد بعض ما أتذكره وما ثبت في ذهني ورسخ من الوقائع التي مرّت، وما حدّثني به نفسه(قدس سره) ; أنقله بالمعنى.

مع شيخي واستاذي العلاّمة الاميني (قدس سره):

آية الله، شيخ الحفّاظ والمحقّقين، العلاّمة الفذ، نادرة الزمان ويتيمة الدوران، الشيخ عبد الحسين الاميني نجل آية الله الشيخ أحمد الاميني التبريزي النجفي (رحمهما الله)أسكنهما الفسيح من جنانه وأنزل على رمسيهما شآبيب رحمته.

ورد في الحديث الشريف: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: ولد صالح يستغفر له، أو علم ينتَفعُ به الناس، أو صدقة جارية».

والعلاّمة الاميني: جمع الخصال الثلاثة، وخلَّفها بعد رحيله إلى جوار ربه ; فخلَّف أولاداً صالحين، ومؤلفات قيمة كـ «الغدير»، وصدقات جارية كـ «مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة».

العلاّمة الاميني (قدس سره) غنيٌّ عن التعريف، كان عملاقاً بكل ما في الكلمة من معان سامية، ولقد صانع الاميني وجهاً كفاه الوجوه وجعله عملاقاً في كل شيء، وزاده بسطةً في العلم والجسم، وصَيَّره نبراساً ومتراساً يدافع به عن دينه، وجعل الكلمة طوع بنانه، والبيان طي لسانه، وجعل هيبته في نفس من عرفه ومن سمع به، ولمس آثاره، بل وهابه كل شيء.

كان عملاقاً... في فهمه، وإدراكه.

كان عملاقاً... في علمه، وتحقيقاته، وتتبّعاته.

كان عملاقاً... في تفكيره، وتخطيطه، وعزمه.

كان عملاقاً... في تآليفه، وكتاباته، وتعليقاته.

كان عملاقاً... في صبره، وجَلَده، ومثابرتِهِ.

كان عملاقاً... في شجاعته، وتصميمه، وإقدامه.

كان عملاقاً... في جهاده، وجهوده.

كان عملاقاً... في جوده، وسخائه.

كان عملاقاً... في إخلاصه، وصدقه حتى مع نفسه.

كان عملاقاً... في تفانيه، وولائه.

كان عملاقاً... في فصاحتهِ وبَلاغتهِ.

كان عملاقاً... في عبادته، وتهجّده، وبكائه.

كان عملاقاً... في محاججاته، وحججه، وبراهينه.

كان عملاقاً... في خُلُقِهِ، وتواضعه.

كان (قدس سره) يذوب حبّاً وتفانياً في السادة الكرام من آل عليّ وفاطمة - صلوات الله عليهم - وكانت له مواقف عديدة وعديدة، مشهودة ; مواقف ولفتات نادرة ذكية ، قلّما يدركها المعاصرون من أقرانه.

ولقد أنسى الاميني بمواقفه الفذّة، وأعماله الرائعة، الافذاذ من أترابه، وأتعب المتأخرين عن إدراكه.

قال الامام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): «قيمة كُلِّ امرئ ما يُحسِنُه».

ولقد أحسن الاميني وأجاد في أعماله الجبّارة، ونتاجه العظيم الرائع، ممّا يدلّ على عظمته، وعلوّ همّته.

قام الاميني باعمال عظيمة، ومشاريع ضخمة كبيرة، عَجَز عن القيام بها عشرات الرجال الافذاذ، على الرغم مما يتمتعون به من امكانات ماليّة هائلة، وتفكير صائب وهمم عالية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مشروعين، وهما:

موسوعته العلمية التاريخيّة «الغدير»، الذي أصبح من المصادر المعوَّل عليها عند المحقّقين، والكتّاب، والمؤلّفين، والخطباء في السيرة، والتأريخ، والفقه، والادب ، والشعر، والثقافة العامة، والمعارف، والمناظرات، والمحاججات. والذي أصبح لابُدَّ لكل عالم متتبّع، وباحث محقّق وخطيب مفوّه، وشاعر مصقع، وأديب بارع من الرجوع إليه والاخذ منه. وكل من جاء بعده وكتب في حقله فهو عِيالٌ عليه ; منه أخذ، وبه اقتدى.

المشروع الثاني: تاسيسه مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامّة في النجف الاشرف([1]) الذي بذل من روحه ومهجته وكل ما يملك من ملكات وإمكانات حتى اظهر المكتبة من العدم إلى الوجود، وحتى جعلها صرحاً شامخاً ثقافياً عالمياً شاخصاً من الصروح التي يُشار إليها بالبنان، ولسان صدق في الاخرين.

وخلال السنوات العشر الاخيرة من عمره الشريف ونيف جاب أرجاء العالم الاسلامي ; باحثاً في أروقة المكتبات العامّة والمراكز الثقافية، وبين رفوفها العديدة، وفي بطون الموسوعات والصحاح والمسانيد والسير الموسعة ; مفتّشاً عن تراثنا التليد من المصادر الحديثة، والروايات الموثّقة، والمسانيد الصحيحة التي كان كتّابنا وباحثونا وعلماؤنا ومؤلفونا يشيرون إليها، ويستندون عليها دون أن يملكوا شيئاً منها.

اقول: لقد جاب (قدس سره) تلكم البلدان، والتقط من تلكم الخزائن الجواهر الثمينة الشيء الكثير، لاستنساخها بيده الشريفة، وتصوير الكثير منها على الورق الحسّاس «المايكروفيلم» وطبع أفلامها على الورق، ثم جَلَّدَ تلكم الاوراق، حتى أصبحت كتاباً يحاكي النسخة الاصلية، وجَلَبَها إلى مكتبتهِ العامّة، وجعلها في متناول أيدي المحقّقين، والباحثين، والكتّاب، والدارسين، والتي كانت المكتبات الشيعيّة - لا سيّما في النجف الاشرف - تفتقر إليها.

ولقد حَصَل لي الشرف - آنذاك - إذ كنت من المساهمين في تأسيسها، ومن المتولّين عليها.

وبهذه المناسبة، بودّي أن أذكر لك عزيزي القارئ سبب إقدامي على تصوير تلك الكتب والمصادر، وقد ذكر ذلك نجله العلاّمة حجة الاسلام الشيخ رضا الاميني بكلمته الرائعة التي سوف نذكرها فيما بعد.

ما أعظمك أيها الاميني، وما عساني أن أقول فيك!! ، وقد عجز القلم عن وصف صفاتك الحميدة، ومزاياك المجيدة، وفضائلك المشهودة.

قضى الاميني عمره المديد المبارك في خدمة الاسلام، وتثبيت دعائم الدين، والولاء للرسول العظيم وعلي أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن.

الى هنا اكتفي بهذا القدر من هذه المقدّمة لادخل في صلب البحث وأترجم بعضاً من معالم شخصيّة العلاّمة الاميني الفذّة سائلاً المولى القدير أن يتغمّده برحمته الواسعة ويحشره مع من تولّى من النبي وأهل بيته الطاهرين - صلوات الله عليهم أجميعن - وان يرزقنا شفاعتهم، فإنّه أرحم الراحمين.

حسين الشاكري

شذرات من حياة العلاّمة الاميني

الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ نجف قلي، الملقّب بـ «أمين الشرع»([2]) ابن الشيخ عبد الله، الملقّب بـ «سرمست»... إلى آخر آبائه (رحمهم الله).

أ - ولد العلاّمة الشيخ عبد الحسين الاميني (قدس سره) في مدينة تبريز من مدن إيران عام 1320 هـ، ونشأ في بيت علم وتقى، وورث المجد كابراً عن كابر.

توفّي في طهران في ربيع الاول من سنة 1390 هـ، وشيّع جثمانه الطاهر في طهران تشييعاً مهيباً قلّما يُشَيَّع مثله من العظماء، وقد هَبَّتْ العاصمة الايرانيّة عن بَكْرَةِ أبيها وأغلقت الاسواق أبوابها، ثم نقل جثمانه الزكي بالطائرة من طهران إلى بغداد، كما استقبل الجثمان في مطار بغداد إلى حرم الامامين الجوادين في الكاظميّة، ومن ثم إلى كربلاء حرم سيّد الشهداء ; لتجديد العهد به، وبعدها نقل إلى مثواه الاخير في النجف الاشرف بعد زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتجديد العهد معه، ودفن في المقبرة التي أعدّها في حياته، وهي جنب مكتبة الامام امير المؤمنين العامّة.

ب - ولد والده المغفور له الشيخ ميرزا أحمد الاميني في «سردها» القريبة من تبريز عام 1278 هـ، ثم هاجر إلى تبريز للتحصيل عام 1304 هـ، وأصبح من فقهاء عصره، وفضلاء مصره، وتسنّم الذروة في الزهد والاخلاق والتقى في سلوكه، وكان أحد اعلام أئمّة الجماعة في تبريز عام 1360 هـ، وقد تشرّفت بزيارته عند آخر زيارة له للنجف الاشرف، وكان حينذاك أوان بلوغي.

ج - ولد جدّه العلاّمة الشيخ «نجف قلي» في «سردها» من نواحي تبريز عام 1257 هـ، ثم هاجر إلى تبريز واستوطنها، وكان من أجلاّء أعلام زمانه، ورعاً ، تقيّاً، عابداً، جمع رداء الفضائل من اطرافه.

انتقل إلى رحمة الله في تبريز عام 1340 هـ وأودع تربتها أمانةً، ثم نقل جثمانه الطاهر إلى النجف الاشرف ودفن في وادي السلام.

وقد ذكر حجة الاسلام الشيخ رضا الاميني في مقدّمة الجزء الاول من كتاب «الغدير» الطبعة الرابعة في طهران سنة 1396 هـ = 1976 م ترجمة مفصّلة عن المرحوم والده، وجده وجد أبيه، وعن حياتهم العلمية والاجتماعية، سنتناولها فيما بعد.

أما ما خلَّف من البنين ; فثلاثة أولاد - عَدا البنات - من المرحومة زوجته الاُولى، وهم:

الدكتور الشيخ محمد هادي الاميني، الذي ما انفك ولا يزال منهمكاً في التحقيق والتأليف.

والثاني من ولده: حجة الاسلام والمسلمين الشيخ رضا الاميني، الذي كان في خدمة والده أينما حل وارتحل، وكان ملازماً له ملازمة الظل صاحبه، لاسيما في سفراته التي قام بها (قدس سره) إلى الهند، وسوريا، وتركيا، وغيرها من البلدان الاسلامية، التي شَدَّ الرحال إليها للبحث عن المصادر الاسلامية النادرة والمخطوطة في شتّى العلوم التي تخص الباحثين والمحقّقين. وكان الشيخ رضا المدير العام لاعمال والده، في حلّه وترحاله([3]).

أما ولده الثالث المرحوم محمد صادق الاميني، فكان كاسباً منذ نعومة أظفاره، ومتفانياً في الولاء تفانياً منقطع النظير (رحمه الله).

أما أولاده من زوجته الثانية - العلوية المصونة بنت السيد علي الخلخالي - فهم، ولله الحمد سائرون على هدى والدهم ونهجه القويم، يرتقون سُلَّم المجد كابراً عن كابر ; لنيل العلوم والمعارف ودراستها، وهم الشيخ احمد والشيخ محمد الاميني.

الى هنا اختتم كلمتي واحيل البقية الى نجله حجة الاسلام والمسلمين الشيخ رضا الاميني ليحدّثنا عن سيرته الشريفة.

كانت ولادة شيخنا الوالد - طاب ثراه - عام 1320 هـ بمدينة تبريز، ونشأ بها في بيت علم وتقى، وتربّى على والد زاهد مولع بالعلم، مغرم بالمعارف والكمال، بين اُسرة محافظة على الطقوس الدينيّة، مواظبة على السنن الاسلامية، ومنذ نعومة أظفاره ويانع عمره كان على جانب كبير من الشوق إلى طلب العلم، وهو يتحلّى بنبوغ فكري، ويقظة ذهنيّة، وقوّة وقّادة في الحفظ.

دراستــه:

بدأ أوليّاته عند والده ودرس عليه، ثم تتلمذ على آخرين بتردده إلى مدرسة الطالبية، وهي من أهمّ مراكز الثقافة ومعاهد العلم المعروفة بتبريز يوم ذاك ، وما زالت قائمة حتى الان.

فقرأ مقدمات العلوم، وأنهى سطوح الفقه والاصول على عدد من أجلّة علماء تبريز، أمثال:

1 - آية الله السيد محمّد بن عبد الكريم الموسوي الشهير بمولانا.

من أئمة التقليد والفتيا البارزين في تبريز، ذو أخلاق فاضلة، وملكات حميدة ، تخرج عن آيات الله: الفاضل الشربياني، والشيخ هادي الطهراني، وشيخ الشريعة الاصفهاني، وتتلمذ في المعقول على آية الله الميرزا أحمد الشيرازي. ألـّف وصنّف بحوثاً هامة في التفسير والفقه والاصول.

توفّي في 18 جمادى الاولى 1363 هـ.

2 - آية الله السيد مرتضى بن أحمد بن محمّد الحسيني الخسروشاهي.

من اساطين العلم، وجهابذة الفقه، وكبار علماء تبريز.

كان ناسكاً، ورعاً، تقياً، صلباً في دينه، خشناً في ذات الله.

تخرّج على فطاحل الفقه ونوابغ الاُصول أمثال: آية ألله الميرزا حسين النائيني، وآية الله الشيخ عبد الكريم الحائري، وآية الله السيد ميرزا أبي الحسن الانكجي.

له آثار علمية ومآثر فكرية تنمّ عن طول باعه وسعة اطلاعه. توفي عام 1376 هـ.

3 - آية الله الشيخ حسين بن عبد علي التوتنچي.

فقيه بارز، وعالم جليل، من أساطين الفقه والاُصول، واساتذة العقائد والكلام. كان على جانب كبير من الزهد والورع والاخلاق، ذو مرتبة سامية في الاوساط العلمية.

ولد عام 1290 هـ ، وأمضى أولياته عند والده، ثم هاجر إلى النجف الاشرف للتزوّد من حوزتها المقدسة، وقضى بها أحد عشر عاماً، وكان معظم تتلمذه على شيخ الشريعة الاصفهاني، وحضر على آية الله النهاوندي، وآية الله الشيخ محمّد حسن المامقاني، وآية الله الشيخ محمّد تقي الشيرازي.

له بحوث شيّقة، وتآليف ممتعة في أُصول الدين، والفقه وأُصوله. توفّي في 16 ذي القعدة 1360 هـ.

4 - العلاّمة الحجّة الشيخ ميرزا علي أصغر ملكي.

عالم بارع، وفقيه فاضل، نال مكانة سامية في العلم، ومرتبة رفيعة في الادب. تلمذ على جمع من أبناء مصره، وتخرجوا عليه.

كان جليل القدر، رفيع المنزلة، من أبرز بيوتات تبريز وأثراها، وكان حسن الاخلاق ورعاً، تقيّاً، زاهداً، ثقة. عاش ردحاً من عمره في مسقط رأسه، ثم هاجرها إلى النجف الاشرف واستوطنها إلى أن توفي بها.

سفره إلى النجف:

وبعد أن بلغ شيخنا الوالد (رحمه الله) عند هؤلاء الفطاحل مرتبة سامية، وأنهى دراسة الدور الذي يدعى بالسطوح، وتأهل للحضور في مرحلة درس الخارج، غادر مسقط رأسه، ميمما الجامعة الاسلامية الكبرى «النجف الاشرف» فحلّها، واستوطن بلدة باب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معتكفاً على طلب العلم، ساهراً على تحصيل المعارف من فيض تلك البقعة المقدسة، جاداً في بلوغ مراتب الكمال والفضيلة، فحضر على جمع من مهرة الفن، وجهابذة العصر، وتلقّى الينبوع الصافي من لدن عمالقة الفقه والاُصول والكلام أمثال:

1 - آية الله السيد محمّد باقر الحسيني الفيروزآبادي المتوفى 1345 هـ.

من كبار علماء الاماميّة، ومراجع التقليد والفتيا، ومن فحول الفقهاء، وأعاظم الاساتذة في الفقه والاُصول، تتلمذ على آية الله السيد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، والشيخ محمّد كاظم الخراساني.

وكان إلى جانب تبحره في الفقاهة زاهداً، ورعاً، عابداً، له تحقيقات علمية في الفقه والاُصول. وتآليف ممتعة فيهما.

2 - آية الله السيد أبو تراب بن أبي القسام الخوانساري.

من فحول العلماء، وأكبار الفقهاء، عالم عامل، ومحقق مدقق، فقيه أصوليّ، ومحدّث رجالي، جمع بين المعقول والمنقول، وتبحّر في علوم شتى، كالحساب، والجغرافيا، والرياضيات، والهندسة.

كان من أساطين عصره، وجهابذة قرنه، مرجعاً للعام والخاص، عابداً، تقيّاً ، زاهداً، كريم النفس، سخيّ الطبع، ملازماً للعمل بأداء المسنونات الشرعيّة كالصلوات المندوبة والصيام والاعتكاف. له تآليف كثيرة في مختلف العلوم التي كان يتقنها. توفي في النجف الاشرف عام 1346 هـ ودفن بها.

3 - آية الله الميرزا علي بن عبد الحسين الايرواني.

من أساطين الفقه، وأئمة الاُصول. عالم فاضل، ومرجع زاهد، حاز منصّة التقليد والفتيا والتدريس، وتخرّج من مدرسته أساتذة أفذاذ، وعباقرة، وعمالقة، كان لكل منهم دوره الفعّال، وأثره البالغ، وخطواته المشرّفة في تطوير الحركة الفكرية، وبثّ الدعوة الاسلامية، وإصلاح المجتمع بالبيان والبنان أينما حلَّ وحيثما ارتحل.

وللمترجم له (قدس سره) تحقيقات علميّة، وتآليف ثمينة، تستوعب آراءه ونظرياته الفريدة في بحوث الفقه والاُصول. توفّي في النجف الاشرف عام 1354 هـ.

4 - آية الله الميرزا أبو الحسن بن عبد الحسين المشكيني.

من أكابر علماء العصر، وعمالقة رجال هذا القرن. فقيه نحرير، ومدرّس كبير ، جامع للمعقول والمنقول، ربّان الفقه والاُصول.

كان من فحول أساتذة النجف الاشرف، وفطاحل مدرّسيها، محقق مدقق. تخرّج عليه امة من أساطين العلم والمعرفة، وتتلمذ عنده جمع من قادة الاُصول والفقاهة، له تآليف رصينة، وتحقيقات عميقة في الفقه والاُصول.

توفّي في الكاظمية عام 1358 هـ ; إثر مرض ألمّ به، ونُقل جثمانه إلى النجف الاشرف ودفن بها.

عودته إلى تبريز:

قضى شيخنا الوالد (رحمه الله) عند هؤلاء العباقرة أعواماً، انتهل من فيض علومهم، وتزوّد من معارفهم، وتلقّى منهم الفضائل والكمال، ونال درجة رفيعة من العلم، ورتبة سامية من المعرفة، وحظّاً وافراً من الادب، ثمّ عاد إلى مسقط رأسه، وحطّ بها رحل المقام فترة غير قصيرة.

كان له بها مجالس وعظ وارشاد في تهذيب النفوس وتوجيهها توجيهاً إسلامياً، وتغذية أبناء مدينته ببنات أفكاره وآرائه من المعارف الدينية، على ضوء الكتاب السماوي القرآن الكريم، والسُنّة النبويّة الشريفة، وأحاديث أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وقد تركت تلك المدارس الاصلاحيّة، وتوجيهاته الدينيّة، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أطيب الاثر في نفوس هواة محافله ومجالسه، وأبقت له ذكراً خالداً إلى الابد.

وفي ثنايا تلك الخطوات الاصلاحية، وأداء الواجب الديني، عكف على المطالعة والتحقيق والتأليف، وخصّص لها شطراً من وقته كلّ يوم، وكانت ثمراتها اليانعة تأليفه النفيس «تفسير فاتحة الكتاب»، وهو أول خطوة خطاها في هذا الميدان المقدّس، وقد قام بتدريس بحوث كتابه هذا في المجالس التي كان يحاضر بها.

توطنه النجف الاشرف:

وبعد برهة رآى أنّ روحه التوّاقة للعلم، وشغفه النفسي يهفوان به إلى المزيد من الفضل والكمال، ويدفعانه إلى مركز القداسة والعظمة «النجف الاشرف» ; حيث التزود من قدسية تلك المدينة الطيّبة، والبقعة المشرّفة التي أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، والاستفاضة من حلقات دروسها، والانتهال من ندواتها الزاخرة التي تتجلى فيها أنواع العلوم بأسمى حقائقها وأعمق مراحلها، لذلك عاد إليها، قاصداً توطّنها، تاركاً خلفه جلّ ما هيّئ له في وطنه من رغد العيش، والمقام الرفيع والجاه والمنزلة، غير مكترث بالرئاسة الروحية التي كانت لوالده (رحمه الله)، والمنزلة التي كانت تتحلى بها اُسرته.

اساتذته واجتهاده:

وفي هذه المرّة، وبعد أن حلّ تلك التربة الزكيّة، واستوطن تلك المدينة الطيّبة حضر على جمع من حجج الله وآياته، وفطاحل العلم، وجهابذة الفكر، وصيارفة العلوم، وحسنات الدهر، وأروى ظمأ قلبه من بنات أفكارهم، وبرّد غليله من يانع علومهم، وبلغ بدراسته المرتبة التي كان يطلبها، وأحرز درجة عالية في الفلسفة والكلام، واجتهاداً في الفقه، وتبحراً في الاُصول، وألـّف بهما، وجمع محاضرات أساتذته في الفقه والاُصول، وعلّق عليهما، شأن غيره من تلامذة تلك العاصمة الدينيّة، والمركز العالميّ للثقافة الاسلاميّة، وبلغ رتبة الاجتهاد في المعقول والمنقول، وحاز على شهاداتهما ممن كانت الزعامة الشيعيّة منوطة بهم، وأزمّة القيادة العلميّة مفوضة إليهم، وعرفان مقدرة المتعلم في ذلك الصرح العلمي، ومكانته من استنباط الاحكام، ومقامه من خوض البحوث الاسلامية - بشتى صنوفها - منوط برأيهم.

وقد عرف أساطين العصر، وقادة العلم في ذلك اليوم ما ناله شيخنا الوالد (قدس سره)من مراتب العلم، وما حازه من مدارج الفضيلة والكمال، ووقفوا على طول باعه، وغزير علمه، وفضله الكثير في الصنوف التي خاض غمارها، فقُلد وسام الاجتهاد، ومُنح استقلال الرأي والافتاء من لدن:

1 - آية الله المرحوم السيد ميرزا علي ابن المجدد الشيرازي.

من حسنات الدهر، وعباقرة العلم، وكبار علماء الامامية، ومبرزي فقهائها.

كـان عابداً، ناسكاً، زاهداً، تقيّاً، كريم النفس، سخيّ الطبع، حسن الاخلاق تتلمذ على أساطين عصره أمثال: الشيخ الميرزا محمّذ تقي الشيرازي، والسيد محمّد فشاركي، والشيخ محمّد كاظم الخراساني. وتخرّج عليهم، فنال رتبة عالية في الفقه والاُصول، ومترتبة سامية في المعقول والمنقول، فذاع صيته في الاوساط، وطبّقت شهرته الافاق، وأصبح مرجع أمّة من الشيعة في التقليد والافتاء. وإلى جانب تضلّعه في الفقه والاُصول، كان متبحّراً في الكلام والحكمة والطب والتأريخ والفنون الادبية.

توفّي في النجف الاشرف 18 ربيع الاول سنة 1355 هـ.

2 - آية الله المرحوم الشيخ الميرزا حسين النائيني النجفي.

معلم الفقهاء، واستاذ العلماء، من فحول اساطين الفقه والاُصول والحكمة والكلام.

كان موصوفاً بكثرة التحقيق، وعمق التدقيق، وفصاحة البيان، وحُسن الخطّ والكتابة، وكان مرجعاً للتقليد في كثير من البلاد الاسلاميّة.

هاجر إلى العراق بعد أن حضر في اصفهان على فطاحل العلماء أمثال: الشيخ محمّد باقر الاصفهاني، والميرزا أبي المعالي الكلباسي، والشيخ جهانكير خان القشقائي، والشيخ محمّد تقي المعروف بآغا نجفي، والشيخ محمّد حسن الهزار جريبي النجفي.

وأقام في سامراء، وكربلاء، واستوطن النجف الاشرف، وتخرج على آيات الله وحججه، سادات الامّة، وشيوخ الشريعة أمثال: السيد ميرزا حسن المجدد الشيرازي، والسيد إسماعيل الصدر، والسيد محمّد الفشاركي الاصفهاني.

توفّى في النجف الاشرف عام 1355 هـ ودفن بها.

3 - آية الله المرحوم الشيخ عبد الكريم بن المولى محمّد جعفر اليزدي الحائري.

من فحول علماء الاماميّة، وفي الرعيل الاول من شيوخ العلم وأساطين الدين، ومن كبار الفقهاء وأجلائهم، له في العلوم الاسلامية قدم راسخ، وباع طويل ، تنم عنها تآليفه وتصانيفه.

أقام بمعاهد العلم في النجف الاشرف، وكربلاء، وسامراء، وتزود من حلقات دروسها ; واعترف بمكانته وتضلّعه فحول علماء عصره.

اُنيطت به مرجعية الشيعة ; والزعامة العامة ; وهبط مدينة قم فنظّم تلك الحوزة العلمية وأعاد مجدها الغابر ; وأنشأ بها مدارس ; ومكتبات، ومستشفيات ; وقام بشؤون جميع المعاهد الدينية في بلاد إيران، وبذل النفس والنفيس دون نشر الثقافة الاسلامية في يومه العصيب. توفّي بقم سنة 1355 هـ ودفن بمقبرة خاصة في روضة السيدة الطاهرة فاطمة المعصومة سلام الله عليها.

4 - آية الله المرحوم السيد أبو الحسن بن السيد محمّد الموسوي الاصفهاني.

شخصية فذّة، ذو عبقرية نادرة، فريد دهره، ووحيد عصره ; حامل لواء الشيعة، وقطب رحى الشريعة ; من فحول علماء القرن الحاضر.

كان محققاً، مدققاً، فقيهاً، أصولياً، خبيراً بتراجم الرجال وسير التأريخ، بارعاً في المعقول والمنقول، نابغةً في الفروع والاُصول.

جليل القدر، عظيم المنزلة، حوى صفات الكمال وخصال الخير، فتأهل للزعامة الدينية والرئاسة الروحيّة، وسار حديثه في الاوساط، طبّقت شهرته الافاق، حتى اُنيطت به القيادة الفكرية والمرجعية العامة في التقليد، فقام بأعبائها، واستقلّ بإدارتها، وتكفّل تسيير شؤون المعاهد العلمية وحوزات التدريس في إيران والعراق والهند وباكستان والافغان وغيرها.

كان مجلس درسه ملتقى البارزين من رجال العلم وفضلاء الجامعة الاسلامية الكبرى «النجف الاشرف». توفّي ببغداد عام 1365 هـ ، وشيّع جثمانه الطاهر تشييعاً مهيباً الى النجف الاشرف، ودفن فيها، وكان يوماً مشهوداً.

5 - آية الله المرحوم الشيخ محمّد حسين بن محمد حسن الاصفهاني النجفي الشهير بالكمپاني.

من فلتات الدهر، ونوابغ العصر، وفلاسفة القرن. بحر العلم والكمال، عملاق الفروع والاُصول، جامع المعقول والنقول.

كان العلم الماثل، والدعامة الكبرى في التفسير والفقه والفلسفة والكلام... إلى غير ذلك من العلوم الاسلامية العقلية والنقلية، وله أشواط بعيدة في الادب العربي.

شاعر فحل، ذو قريحة وقّادة، له قصائد وشعر كثير بالعربية والفارسية، امتاز ببراعة النثر وسلاسة النظم، ويمتاز شعره بدقة في المعاني ورقّة في الاسلوب.

عالم نحرير عامل، ومفكّر محقق، قضى عمره في التحقيق والتأليف، جليل القدر، عظيم المنزلة، ازدهرت الجامعة الاسلامية الكبرى «النجف الاشرف» في عصره بآرائه الناضجة، وأفكاره العميقة، واستنارت ببحوثه محاضراته، استقل بالتدريس في شتى الفنون، إلاّ أنـّه امتاز بتدريس الفلسفة واشتهر بها لتسلّطه وطول باعه فيها.

تخرّج عليه جمع من ذوي الفكر والرأي والاجتهاد، فكان لكل منهم دوره البالغ وأثره الرفيع في تطوير الحركة الفكرية، وقيادة النهضة الثقافية، وخطوات مشرفة للجامعة الاسلامية النجف الاشرف وتقدّمها، توفّي في النجف عام 1361 هـ ، ودفن بها.

6 - آية الله المرحوم الشيخ محمّد الحسين بن الشيخ علي آل كاشف الغطاء.

علم من أعلام الشيعة، وإمام من أئمة الاصلاح، ومن فحول آيات الله وفطاحل حججه، ومن أبرز الشخصيات العالمية للطائفة في القرن الحاضر.

فقيه حجة، واصولي متتبع، وفيلسوف بارع، ومحدّث ثقة، وخطيب مصقع، أديب لامع، جمع بين المعقول والمنقول، وحوى الاُصول والفروع، وهبه الله آيات الكمال وسمات الرفعة والجلال.

غاص في بحر العلوم، وخاض ميادين التأليف والتحقيق، ونشر في صحائف تآليفه الكثيرة الضخمة بحوثاً علمية، ودراسات فكرية، تتدفق جوانبها بالفلسفة والعبقرية، وغزارة العلم، وعمق النظر، وسعة الاطلاع.

كان وجه الطائفة وعمادها، ومرجعاً في الملمات، ومأوى جميع الطبقات، ناضل دون المبدأ ودافع عن حقّه، وأعلن إلى العالم حقائقه وواقعه، وتجشّم دون ذلك الشدائد والعناء، فساهم في المؤتمرات الاسلامية الدولية، ومثّل أُمته بها، وكشف عن معتقداتها المتخذة من القرآن الكريم والسُنّة النبوية، بخطبه الارتجالية البليغة، وفي كل خطبة له وقف الحاضرون أمام بحر خضمّ من العلم والمعرفة ; فاعترفوا بفضله، وانقادوا لامره، واستسلموا لنهجه، وأخذوا بأقواله وآرائه.

توفّى بكرند - من مصايف إيران - في 15 ذي القعدة 1373 هـ ونقل إلى النجف الاشرف، ودفن بها.

مشايخه في الرواية:

تيمناً بالدخول في سلك حملة أحاديث آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم ، وتبرّكاً بالانخراط في سلك العلماء الذين هم ورثة الانبياء، ولاتصال مروياته من الاخبار بالنبي الطاهر وأهل بيته الاطياب صلوات الله عليهم أجميعن، وصيانتها عن القطع والارسال، مُنح من المشايخ الاجلّة وأئمة الحديث الاذن في رواية ما اُثر عن المعصومين صلوات الله عليهم، ولكل من هؤلاء المشايخ والمحدّثين طرقه المتعددة في رواية الحديث من فطاحل المحدّثين وجهابذة الراوين إلى النبي الاعظم وأهل بيته (عليهم السلام).

وقد صدرت تلكم الاجازات الرفيعة من معاقد العلم والتقى، ومعادن الزهد والورع، وهي - كسالفاتها - تشهد لشيخنا الراحل الاميني بالمكانة الرفيعة، والمقام المحمود من الثقة والامانة والحفظ في نقل الحديث وروايته، وتنبئ عن سموّ مكانته ورفيع منزلته لديهم.

وقد حررت هذه الوثائق التأريخية منمّقة بخطوط مصدّريها وموشّحة بتواقيعهم، وهم:

1 - آية الله المرحوم السيد أبو الحسن الموسوي الاصفهاني.

2 - آية الله المرحوم السيد الميزا علي الحسيني الشيرازي.

3 - آية الله المرحوم الشيخ علي أصغر ملكي التبريزي([4]).

4 - آية الله المرحوم السيد آغا حسين القمي:

والعلامة القمي، فقيه متضلّع، واصولي بارع، وزعيم روحي معبّد، من مراجع التقليد الافذاذ.

كان زاهداً، ناسكاً، كثير العبادة، على درجة رفيعة من التقى.

حاز الرئاسة والزعامة مع اجتنابه لها واعراضه عنها، وأحرز مكانة مرموقة في نفوس العامّة ; لقدسيته وورعه.

جاهد دون الدين، وصمد أمام مناوئيه بكل بطولة وشجاعة، غير مكثرت بمغبّة الاُمور، لا تأخذه في الله لومة لائم.

لم أقف على نص إجازة هذا الحجة لشيخنا الوالد في الرواية، إلاّ أنـّه (رحمه الله) ذكر في «الغدير» ج4/ 44 ما لفظه: (قال الاميني: وأنا أروي هذا الكتاب «مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) تأليف أخطب خوارزم» عن فقيه الطائفة في علوم الشيعة آية الله الحاج آقا حسين القمي، المتوفى 14 ربيع الاول 1366 هـ).

ثم ترجم شيخنا الوالد للمجيز ترجمة ضافية ذكر فيها مكانته العلمية، وورعه وتقاه وجهاده في سبيل الحقّ وإعلاء كلمة الدين.

5 - الحجة المرحوم الشيخ علي بن إبراهيم القمي:

من أولياء الله الابرار، وصالح عباده الابدال، عالم فاضل، وحجّة ورع، مضطلع بالفقه والاُصول، بارع في الحديث. نذر نفسه لامور الدين، وشغل اوقاته به.

كان تقيّاً، ناسكاً، كثير العبادة والزهد، شديد الورع والتقى، قسّم وقته بين الكتابة - بحثاً وتدريساً - وبين المحراب لامامة الجماعة والوعظ والارشاد، وكان إرشاده بقلمه أكثر منه بكلامه، حتى اشتهر بذلك أمره، وذاع في الاوساط صيته، ومال الناس اليه، على اختلاف طبقاتهم، فكانت له محبة في القلوب، وودّ في الافئدة ; للخصال التي كان يتحلى بها، من علوّ الهمة، وكرامة النفس، وحسن الخلق، ورحابة الصدر، ونكران الذات. توفّي سنة 1373 هـ في النجف الاشرف، ودفن بها.

6 - الشيخ محمّد علي الغروي الاوردوبادي:

عالم جليل، وفقيه حجة، واستاذ الحكمة والفلسفة، ومن فحول الاُدباء، وفطاحل الشعراء.

حضر على مشايخ الطائفة، وأساطين الجامعة الاسلامية الكبرى النجف الاشرف، وتتلمذ على قادتها في المعقول والمنقول، فنبغ فيهما وحاز قصب السبق، واشتهر في الاوساط العلمية بنبوغه، فأكبره قادة الفكر، وبجّل مقامه أئمة العلم، وتقبّل آراءه الصائبة صيارفة النقد التحليل، فتوجهت إليه الانظار، وحضر عليه جمع من فحول المؤلفين والمحققين في الفقه والتفسير والفلسفة والكلام والرجال والتأريخ ; للاستفادة من نظرياته، والتزوّد من علمه، والاقتطاف من أدبه.

له تحقيقات وتآليف تنمّ عن خبرته وتضلّعه وضبطه للبحوث بدقة واتقان.

توفّي سنة 1380 هـ في النجف الاشرف، ودفن بها.

كانت بين المترجم وشيخنا الوالد (رحمهما الله) صلة وثيقة، وعلاقة أخوية، دامت أكثر من نصف قرن. وقف خلالها على جلّ تآليف شيخنا الوالد، وسبرها مطالعة تحقيق وتمحيص، وسجّل في مفتتح «شهداء الفضيلة» قصيدة عصماء في تقريظه، وله في مقدمة الجزء الثالث من «الغدير» كلمة عسجدية ضافية حول الكتاب.

أما اجازته الروائية لشيخنا الوالد (قدس سره) فقد منحها له في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة 1350 هـ وهي اجازة كبيرة تقع في 51 صفحة. تحوي فوائد أدبية، وفرائد تأريخية، ودرر رجاليّة.

7 - الحجة المرحوم الشيخ محمّد محسن (آقا بزرگ) الطهراني:

عالم محقّق، وفقيه مدقّق، محدّث ثقة، ورجاليّ متتبع، مشارك في شتى العلوم.

جليل القدر، عظيم المنزلة، ذو همة عالية، وعزم راسخ، وسعي متواصل. أتعب نفسه دون العلم والمعرفة، وبذل جهوده لايحاء أخبار الماضين، وصرف طاقاته للوقوف على تراث الغابرين.

اهتمّ بأخبار رجالات أُمته ومآثرهم، حتى وفّق إلى ابعد أشواطها ; ونال أقصى مراحلها، فكان أوحديّاً لم يسبقه في ذلك السلف، ولم يضاهه الخلف.

كان وحيد عصره في تحقيقه وتتبعه، مجدّاً في عمله، مثابراً بإيمان وإخلاص، لم يتوان في حياته من المطالعة ليل نهار، ولم يفارق الكتاب لحظة واحدة.

تحرّى المكتبات العامّة والخاصة في الاقطار الاسلاميّة دون هدفه السامي، ووقف على محتوياتها من تراث سلفنا الصالح، وعلى إثر ذلك كان هو (رحمه الله) في ذاته دائرة معارف لاخبار علماء الشيعة ومآثرهم الفكرية.

تتلمذ على أساطين العصر، ومشايخ الاُمّة، ونال حظّاً وافراً، وقسطاً كبيراً من العلم والمعرفة، فكان طويل الباع، واسع الاطلاع في تصانيفه غني عن وصفه وإطرائه، وفي تآليفه كفاية عن تمجيده وتعريفه.

كان قويّ الصلة بشيخنا الوالد (رحمهما الله)، وكانا إلفين تحابّا في الله وتواصلا، واستمر ذلك طول حياتهما.

عاش زاهداً، ناسكاً، ورعاً تقيّاً، سعيداً في حياته لخدماته العلميّة، وخطواته الثقافيّة المشرقة. توفي عام 1389 هـ ، ودفن بداره في النجف الاشرف([5]).

اجاز شيخنا الوالد اجازة روائية كبيرة، تقع في سبعة صحائف، نمّقها بخطّ يده المعهود في النعومة مع سطور مندمجة، أسماها: «مسند الامين في مشايخ الرجاليين»، كتبها في شهر محرم الحرام سنة 1353 هـ.

8 - الحجة المرحوم الشيخ الميرزا يحيى بن اسد الله الخوئي.

علاّمة في الفقه وأُصوله، وفهّامة في الحديث والتأريخ، من اشهر افراد مدينة خوي، جليل الذكر، بعيد الصيت، ذو مكانة علمية مرموقة، وفضيلة رفيعة، مغرماً بالادب، معروفاً بحسن الخط.

تتلمذ على جمع من أعلام خوي وتبريز، وتخرّج على فطاحل زعماء النجف الدينيّين، أجاز جمعاً في الرواية، ومنهم المرحوم شيخنا الوالد، وإجازته هذه مختصرة، تقع في صحيفتين، كتبها في شهر جمادي الاولى سنة 1308 هـ ، وذكر فيها بعض اجازاته ممن يروي عنهم، أمثال: آية الله الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي المتوفّى 1312 هـ ، وآية الله الشيخ محمّد الكاظمي المتوفّى 1308 هـ ، وآية الله الشيخ فتح الله الاصفهاني النمازي المتوفّى 1339 هـ.

توفي المترجم له في طهران سنة 1364 هـ ، ونُقل جثمانه إلى النجف الاشرف، ودفن بها.

زهـده:

وبعد أن بلغ شيخنا الوالد - طاب ثراه - منزلة الاجتهاد الرفيعة، ونال فيها المقام المحمود، عكف على التدريس والتصنيف والتحقيق، وقضاء أكثر ساعاته في الليل والنهار بالمطالعة، والتزود من التراث العلمي الاسلامي، حتى أضحى مرجعاً للاستفسار عن معضلات العلوم الاسلامية، وصار ملجأ في حل مشكلات البحوث الفكرية، وصاحب رأي ونظر في التفسير والحديث والتاريخ وعلم الرجال، ومأوى للمنقبين عن المؤلفين والموسوعات.

وفي المراحل التي قضاها - رضوان الله عليه - كان ملازماً للزهد والتُقى، ورعاً، متعبّداً، على جانب كبير من الصلابة الدينية، كريم النفس، رحب الصدر، حسن الخُلق، عالي الهمّة، عفيف الطبع، لم يأمل ايّ أنسان ; متوكّلاً على خالقه بانقطاع، رغداً في عيشه البسيط، وحياته المتواضعة، شاكراً ما منحه الله من رزق ليومه، غير مكترث بالدنيا وما فيها، معرضاً عنها، مقبلاً على الاخرة، لا يبرح من ترتيل آى الذكر الحكيم في ذمّ هذه الحياة الفانية، مطمئن النفس بالدرجات الرفيعة الباقية في الدار الخالدة: (تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)([6]). وكان يعظ بهذا أسرته وتلامذته وصحبه والوافدين عليه.

عباداته:

وكان (رحمه الله) ولوعاً بقراءة القرآن والدعاء والصلوات المسنونة، إذا قرب الفجر قام إلى صلاة الليل وقرنها بفريضة الصبح، ثم جلس إلى قراءة القرآن حتى ينهي جزءاً كاملاً كلّ يوم، مرتّلاً آياته بتدبّر وإمعان، متزوداً من حججه وبيّناته، وبعد تناول طعام الصبح يأوي إلى مكتبته الخاصّة، ويعكف على المطالعة حتى يحضر عنده تلامذته للتزود من بيانه العذب، ونظرياته الصائبة، وآرائه الحرّة في الفقه والاصول، ويبقى مستمراً على التدريس والبحث حتى يحين أذان الظهر، فيقوم إلى أداء الفريضة، ثم يتناول طعامه، ويأخذ من الراحة زهاء ساعة واحدة، ثمّ يعود للعمل في مكتبته حتّى منتصف الليل.

وفي فترات خاصّه من النهار كان لي شرف الحضور عنده ; لتلقي دروسي في المرحلة الابتدائية.

وكان كثير الزيارة للحرم العلوي الشريف، يقصده في أوقات مختلفة، فإذا استأذن بالزيارات المنصوصة ودخل الحرم المطهر تنكر لكل أحد وهيمن عليه الخضوع والخشوع، والكآبة والحزن، جلس قبالة وجه الامام سلام الله عليه، وبدأ ببعض الفاظ الزيارات المعهودة مخاطباً مولاه بكلماته، والدموع تسيل على لحيته الكريمة، لا تنقطع حتى يبارح ذلك المشهد المقدس، وكانت زيارته تستغرق ساعة من الوقت فأكثر.

وكثيراً ما كان يقصد زيارة سيد شباب أهل الجنة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه في كربلاء راجلاً ; طلباً لمزيد الاجر، ومعه ثلة من صفوة المؤمنين من خلّص أصدقائه، يقضي طريقه خلال ثلاثة أيام أو أكثر، وهي لا تزيد عن 78 كيلو متراً، لا يفتر فيه عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والارشاد، وإلقاء مواعظ وتوجيهات دينية على أهل القرى والرساتيق التي يمرّ بها، حتى يصل كربلاء المشرّفة، وعندها لم يكن له همّ سوى المثول بمشهد الامام الشهيد، فيدخله ودموعه تنحدر على وجناته من لوعة المصاب.

وكانت زياراته في حالات تخص به، لم يُعهد مثلها من غيره، كما أنّ حاله في مجالس الائمّة المعصومين كانت خاصّة به ; لكثرة بكائه وجزعه.

وكان (رحمه الله) إذا حلّ شهر رمضان المبارك عطّل جلّ أعماله، وتفرّغ للصيام والعبادة في النجف الاشرف، أو بكربلاء المشرّفة، وعند ذلك يُلزم نفسه قراءة خمسة عشر ختمة من القرآن، يهدي ثواب أربعة عشر منها إلى المعصومين الاربعة عشر، ويخصّ والديه بواحدة، وكان دؤوباً على ذلك حتى السنوات الاخيرة من حياته.

وإلى جانب هذه السيرة الاسلامية، والخُلق المحمود لم ينس فروضه الاجتماعية تجاه ذوي الحاجات والمعوزين والبائسين، فكان كثير البرّ، وصولاً لابناء نحلته، مساهماً في احزانهم، لم يرد سائلاً، ولم يخيّب آملاً، يحمّل نفسه المتاعب والعناء حتى ينهي مشكلة بائس أو فقير، ويتفقّد حال أرباب الحرف الضعيفة في حارته، ويستكشف همومهم، ثم يبذل جهده في رفعها ما أوتي الى ذلك سبيلاً.

مستنسخاته:

وخلال انشغاله بالبحث والتدريس والمطالعة والتحقيق، وجد نفسه بحاجة إلى اقتناء بعض الكتب المخطوطة من تراثنا الفكري في البحوث الاسلامية، ولم يتأتّ ذلك بالشراء والاستعارة، فجدّ في القيام باستنساخ جملة من الكتب التي كان بحاجة إليها آنذاك، وبذل قصارى جهده في كتابتها بخطه الرائع الجميل، وكان مما استنسخه:

1 - «دعائم الاسلام» في معرفة الحلال والحرام والقضايا والاحكام المأثورة عن أهل البيت.

تأليف القاضي نعمان بن محمّد بن منصور بن أحمد بن حيّون المغربي المصري ، المتوفّى 363 هـ.

2 - «الامالي».

لشيخ الاُمّة محمّد بن محمّد بن النعمان، أبي عبدالله، الشيخ المفيد، المتوفّى413 هـ.

3 - «المزار الكبير».

للشيخ ابي عبدالله محمد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري.

4 - «إيضاح دفائن النواصب».

تأليف الشيخ أبي الحسن محمّد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفقيه القمي.

5 - «الطرف».

تأليف رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن طاووس الحسيني الحليّ، المتوفّى 446 هـ.

6 - «اليقين في إمرة أمير المؤمنين».

تأليف رضي الدين علي بن موسى بن طاووس، أيضاً.

7 - «نوادر الاثر في أنّ علياً خير البشر».

للشيخ الجليل ابي محمّد جعفر بن أحمد بن علي القمي، نزيل الريّ.

والكتب الاربعة الاخيرة (كتب المجموعة) كتب شيخنا الوالد (رحمه الله) بحثاً ضافياً ، وتحقيقاً كافياً حول محتوياتها، وأسانيد أحاديثها، يقع في 18 صفحة بالقطع الكبير، جاء في أوّله بعد الحمد والصلاة ما لفظه:

«أمّا بعد، يقول العبد الحقير الغريق في بحر العصيان، الراجي من الله العفو والغفران، عبد الحسين بن أحمد بن نجف قلي، الملقّب بأمين الشرع، ابن الشيخ عبدالله المدعو بسرمست، ابن الحاج محمّد بن الله يار، عفى الله عنهم يوم البوار، وحشرهم مع الائمّة الاطهار: هذه مجموعة وجيزة، واطروفة عزيزة، مشتملة على كتب معتمدة لطيفة، وأسفار معتبرة شريفة...».

8 - «خصائص الائمّة».

تأليف الشريف الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين الموسوي البغدادي، المتوفّى 406 هـ.

9 - كتاب «السقيفة».

تأليف سُلَيم بن قيس الهلالي العاملي الكوفي، المتوفّى حدود سنة 90 هـ.

10 - «الاجازة الكبيرة لعلماء الحويزة».

للمجيز السيد عبدالله بن السيد نور الدين بن السيد نعمة الله الجزائري، المتوفّى 786 هـ.

11 - «المسائل الاربعون الكلامية».

تأليف الشهيد الاول محمّد بن مكي العاملي، المستشهد عام 786 هـ.

12 - «جذوة السلام في نظم مسائل الكلام».

للعلاّمة الشيخ محمّد بن طاهر السماوي، المتوفّى 1370 هـ.

13 - «جمل الاداب».

نظم العلاّمة المرحوم الشيخ محمّد بن طاهر السماوي.

نظم الشاعر في قصيدته هذه كتاب عيسى بن داب - المتوفّى 171 هـ - في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي تحتوي على سبعين منقبة، أولها:

«الحمد لله العليّ البادي *** والصلوات في مدى الابادِ»

آخرها:

«فانّ معجزاته لا تخرم*** وهذه لزوم ما لايلزم»

وهناك كتب أُخرى قام باستنساخها المرحوم شيخنا الوالد، يأتي الايعاز إليها عند ذكر سفره إلى الهند، ومستنسخات أُخرى من مكتبة الظاهرية في دمشق الشام، لا يسعني الان الوقوف عليها والكتابة عنها.

تآليفه وتحقيقاته:

وأسفرت جلادة شيخنا الوالد في المطالعة، ومثابرته في التحقيق، وَجِدّهُ في التمحيص، وولعه الشديد في مسامرة الكتاب ليل نهار، وقضاء أكثر أوقاته في سبر الاسفار العلمية، والوقوف على الاراء والمعتقدات في البحوث الاسلاميّة، عن خطوات علمية خالدة، وتآليف فكرية غالية أتحف بها المكتبة الاسلامية العربيّة، وكلّ واحدة منها تنمّ عن علمه المتدفق، وفضله الكبير، واطلاعه الواسع، وما يتحلّى به من طاقة وخبرة تؤهلانه لخوض هذا الميدان المقدس، واعطاء رأيه فيه بكلّ حزم وصلابة، وتتلخص جهوده العلمية، وجهاده الفكري في تأليف:

1 - تفسير فاتحة الكتاب:

يبحث هذا الكتاب حول سورة الفاتحة في فصلين:

الاوّل: في تفسير السورة.

والثاني: في تحليل السورة، وبيان شيء من دقائقها، وتوضيح ما يستفاد منها في التوحيد، والقضاء والقدر، والجبر والتفويض، مستدلاً في كل هذه البحوث بما اُثر من غرر الكلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما روي من أحاديث أهل بيته (عليهم السلام).

طبع في طهران سنة 1395 هـ.

2 - شهداء الفضيلة:

كتاب تأريخي، مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، يحوي تراجم شهداء علمائنا الاعلام من القرن الرابع الهجري إلى العصر الحاضر، وهم مائة وثلاثون شهيداً، نالوا هذه الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية في الدفاع عن ناموس الاسلام المقدس، والذبّ عن حرم الدين. طبع في النجف الاشرف سنة 1355 هـ.

3 - كامل الزيارة:

تأليف فقيه الطائفة وشيخها المقدّم أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه المتوفّى 367 هـ.

حقق هذا الاثر القيّم شيخنا الوالد، وقام بطبعه في النجف الاشرف سنة1356 هـ وكتب في آخره ما لفظه:

(لقد تحرينا غاية الصحّة في طبع هذا الكتاب القيّم بمقابلته مع نسخ عريقة في الصحة، منها: نسخة عتيقة مصححة بتصحيح العلاّمة ثقة الاسلام النوري، ونسخة اُخرى مكتوبة في أوائل القرن التاسع، وغيرهما من النسخ التي وقفنا عليها في العراق وإيران، ولم يقنعنا ذلك حتى راجعنا في تصحيح جميع ما في الكتاب من الاحاديث - متناً وإسناداً - الكتب المتأخرة الناقلة عن الكتاب، كـ «الوسائل» و«البحار» و«المستدرك»، وكتب الرجال المعتبرة لاصحابنا - رضوان الله عليهم - وعلّقنا عليه ما لا غنية عنه للباحث).

4 - أدب الزائر لمن يمّم الحائر:

رسالة موجزة فيما يلزم أن يتحلى به زائر بقعة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه من الاداب المسنونة في الزيارة. مأخوذة كلّها من أحاديث آل البيت الطاهر سلام الله عليهم. طبع في النجف الاشرف سنة 1362 هـ.

5 - سيرتنا وسنتنا:

هذا الكتاب جواب ضاف لسؤال وجّه إلى شيخنا الوالد في حلب حول غلوّ الشيعة في حبّ آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقامة المآتم العزائية لسيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)، ودأبهم بالتأبين له كلّ يوم، والتعبّد بتربته، والالتزام بالسجدة عليها.

وقد ذكر المؤلف (رحمه الله) أربعة وعشرين مأتماً أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ريحانته في بيوت امهات المؤمنين، وفي مسجده، وفي مجتمع الصحابة، فيريهم الحسين الرضيع وتربة كربلائه في يده ويقول لهم: إنّ امّتي يقتلون هذا، وهذه تربة كربلاء، وهو باك وعيونه تدمع.

وفي الكتاب بحث في خصوص السجدة وما يصحّ السجود عليه، والسجدة على تربة كربلاء، وبرهان صحّة ذلك.

طبع في النجف الاشرف سنة 1384 هـ ، وفي طهران عام 1386 هـ.

6 - تعاليق في أُصول الفقه على كتاب «الرسائل» للشيخ الانصاري. (خ).

7 - تعاليق في الفقه على كتاب «المكاسب» للشيخ الانصاري. (خ).

8 - المقاصد العليّة في المطالب السَنيّة. (خ).

تحت هذا العنوان بحوث ضافية في التفسير لشيخنا الوالد. في تحليل آيات من الذكر الحكيم وهي:

1 - قوله تعالى: (رَبَّنَا اَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنا اثْنَتَينِ...)([7]).

2 - قوله تعالى: (وَلِلّهِ الاَسْماءُ الحُسْنَى...)([8]).

3 - قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ... )([9]).

4 - قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً...)([10]).

9 - رياض الانس (خ):

يقع هذا الكتاب في جزأين:

الجزء الاوّل: زهاء 700 صفحة، وفيه آثار فكرية من النظم والنثر، عربية وفارسية، لجمع من أعلام الشعر، وكما أنّ فيه ذكراً لبعض الحوادث التأريخيّة، وفي هذا الجزء ذكر شيخنا الوالد (رحمه الله) بعض ما قام به من العبادات المسنونة، مثل: صلاة ألف ركعة في كل ليلة من شهر رمضان، وعدد ختمه للقرآن في سنوات معلومة، وزيارة أعتاب أئمة الهدى آل بيت النبي الطاهر صلوات الله عليهم، وما قام بأدائه من عبادات فيها.

والجزء الثاني: يقع في 1012 صفحة، ويحوي مقتطفات من التفسير والحديث والتأريخ والاراء والمعتقدات، وهي مذكرات كتبها لبحوث أجزاء كتابه «الغدير» خلال مطالعاته.

10 - رجال آذربيجان (خ):

فيه ترجمة لمائتين وأربعة وثلاثين عالماً وأديباً وشاعراً من رجال آذربايجان، مرتباً على حروف التهجي، أولهم: ميرزا إبراهيم بن ابي الفتح الزنجاني ، وآخرهم: عز الدين يوسف بن الحسن التبريزي الحلاوي.

11 - ثمرات الاسفار:

في جزأين: الاوّل: ويحتوي على مقتطفات من الكتب التي طالعها بمكتبات الهند العامة، والثاني: فيه منتخبات من الكتب التي وقف عليها في سوريا.

12 - العترة الطاهرة في الكتاب العزيز - أو - الايات النازلة في العترة الطاهرة:

كان المرحوم شيخنا الوالد قد حرر دراسة للايات النازلة في آل بيت النبي (عليهم السلام)، ووضع خطوطها، فذكر الاية وأشار إلى نصوص علماء التفسير والحديث والكلام في ذلك، وتأكيدهم على نزولها في عليّ وعترته الغر الميامين.

والموضوع هذا كان يتطلّب جهداً كبيراً في المطالعة والتمحيص، وانشغال شيخنا الوالد بموسوعته الخالدة «الغدير» لم يدع له أيّ فراغ ومجال من الوقت، لذلك وبعد أن أفرد بحثاً ضافياً في «الغدير» لتصحيح أسانيد ما اُثر من المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عترته الهادين في بحث «مسند المناقب ومرسلها» دمج بحوث تلك الايات في ذلك، واستغنى عن تصنيف كتاب مستقل فيه.

13 - الغدير:

الغدير الغدير، ذلك سفر*** خالد في الحياة قدّس سفرا

دبجته يراعة الناقد الفحل*** فلم تبق فيه للبّ قشرا

أظهرت ما اختفى وأخفت عيوبا*** قُدّست في الورث خداعاً ومكرا

إن يكن يصلح الخلود وساماً*** فالاميني، فيه أولى وأحرى([11])

هذا الكتاب هو كل حياة شيخنا الراحل وجلّ جهوده، وهو انموذج طاقته الخلاقة، ودليل جَلدهِ في تحمّل الصعاب لنيل الهدف السامي، وعنوان شخصيته العلمية، والشعلة الوضّاءة لبيانه، ومعجزات بنانه.

كتاب قضى عليه ليله ونهاره، به بدأ الحياة، ومن ورائه تطلّع إلى بحار البحوث الاسلامية التي لا نهاية لها، وقبل إنهاء بحثه ختم سجل تاريخه، وطوى دفتر أيامه.

تطلّب منه تأليفه المرور بعشرات الالوف من الكتب المطبوعة والمخطوطة، ومطالعة عشرات الالاف من المجلدات بجميع صحائفها ; مطالعة تمحيص وتدقيق، فأجاب الطلب ولبّى النداء بكلّ عزم وصلادة، ووطد نفسه للصعاب، ورضخ أمام الواقع، وكابد الموانع والحواجز فاستسلمت له وانزاحت عن طريقه، وتركت له ميدان المعركة خلواً من كل شاغل، ليصول بها ويجول، ثم يدفع أشعّة عينيه، وقواه الفكرية، وطاقاته الجسميّه ثمن ذلك، ويخرج من المعركة ظافراً، قد خلّد في سجل التأريخ الحقيقة ناصعة وضّاءة، مشرقة كالشمس.

لم ينته شيخنا الوالد من طبع كتابه «شهداء الفضيلة» عام 1345 هـ حتى رآى أنّ موسوعته الخالدة «الغدير» تطلب منه التفرّغ له بكلّه، وبذل جلّ جهوده في سبيله، وليتسنى له إخراجه إلى عالم الوجود.

لذلك ترك البحث والتدريس، وغلق على نفسه باب التردد على الاندية والمجتمعات، وجلس في داره معتكفاً بمكتبته الخاصّة، متفرغاً للجهاد في هذا الميدان الديني المقدس، محتّـماً على نفسه الكتابة والمطالعة ست عشرة ساعة في الليل والنهار، وإن كانت الطريقة هذه في الحياة مجهدة وخارجة عن القدرة الفردية ، كلّ ذلك ولهاً منه، وتعشقاً إلى رسالته الخالدة في الدفاع عن ناموس الاسلام، وردّ كيد الباغين عليه، وأداءً للمسؤولية الدينيّة التي كان يحسّ بها، ولم يشعر في الحياة بخطورة أمر أكثر منها.

ولم يُرَ فرحاً مستبشراً طيلة انشغاله في بحث كتابه هذا، إلاّ عند عثوره على مصدر من المصادر الّتي كان يهمه الوقوف عليها، أو إنهائه تصحيح سند من اسانيد الاحاديث النبوية التي كان يعمل فيها، أو التعرف على ترجمه صحابيّ أو محدّث مجهول، أو إسناد حديث مرسل، وربّما قضى في ترجمة رجل في سند حديث نبوي أو تصحيح لفظه أكثر من عشرة أيام يصرف عليه ليله ونهاره.

وعلى إثر هذه الخطوة المجهدة والعمل المضني لم تكن حياة شيخنا الوالد - طاب ثراه - إلاّ عناءً، فقد أمضى نصف قرن من عمره في تأليف سفره هذا «الغدير».

مطالعته:

وما إن خطا خطوته الاولى في هذا السبيل حتى أخذ طريقه إلى مكتبات النجف العامّة والخاصّه، وراح يقضي بها جلّ نهاره، ويستنسخ من نفائسها كراريس لبحثه، ثم يقوم بتنظيمها في مكتبته الخاصّه، غير مكترث بالعوامل الزمنية من الحرّ والبرد وما شاكل ذلك.

وكان هو من بين المتأخرين ممن ادركوا نفائس ما تبقّى من مخطوطات المكتبة الحيدرية «الخزانه الغروية» وسبر محتوياتها، ووقف على أوراقها المبعثرة بدقّة وإمعان. كما تسنى له مطالعة ما تضمه سائر مكتبات النجف الاشرف الاثرية الخاصّة، وهي تحتفظ - آنذاك - في خزائنها على أنفس المخطوطات الفكرية، وأثمن التحف العلمية، التي كانت في مكتبات السلف الصالح من أساطين العلم، وجهابذة الفكر، وعمالقة تلك الجامعة الاسلامية الكبرى وغيرهم من علماء الاسلام.

فقد طالع جلّ محتويات:

مكتبة المرحوم آية الله السيد جعفر ابن السيد محمّد باقر بحر العلوم النجفي، المتوفّى 1377 هـ.

ومكتبة المرحوم آية الله الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء النجفي، المتوفّى1373 هـ.

ومكتبة الحجّة السيد محمّد صادق ابن السيد حسن بحر العلوم النجفي دام ظله.

ومكتبة العلاّمة الشيخ محمّد بن طاهر السماوي، المتوفّى 1370 هـ.

ومكتبة العلاّمة الشيخ محمد رضا فرج الله النجفي (قدس سره).

ومكتبة الحسينية التسترية.

والاخيرة هي المكتبة الوحيدة العامة في النجف يوم ذاك، وكان شيخنا الوالد (رحمه الله) يكثر التردّد إليها ; للاستفادة من كنوزها، ولما رآى أنّ من العسير عليه التزود من تراث تلك المكتبة الاثرية ; لكونها في زاوية حسينيّة معرضة لاقامة الحفلات في المواسم الدينيّة، واجتماع الناس بها لتشييع الجنائز أو للتأبين في أكثر الاوقات، وهذا ما يحول بينه وبين المطالعة، فلم ير بدّاً سوى الذهاب إليها ليلاً، فأخذ يؤمّها في أول الليل ومعه قوته ويدخل المكتبة ويغلق مديرها الباب عليه، فيبقى بها طول الليل ساهراً بالمطالعة والاستنساخ، ولم يعلم بالوقت الاّ حين يُفتح له الباب لاداء فريضة الصبح، ثم يعود إلى الدار حيث العمل بالمكتبة الخاصّة.  واستمر على هذا مدّة حتى وقف على كلّ كبيرة وصغيرة من كتب تلك الخزانة القديمة.

وبعد أن قضى وطره من مكتبات النجف الاشرف، أخذ يتجوّل في مدن العراق، فوقف في كربلاء على ما تضمّه:

خزانة المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني.

ومكتبة المرحوم الخطيب الشيخ محسن ابو الحب الحائري.

ووقف على بعض المخطوطات الاثرية في البيوتات القديمة.

وفي الكاظمية وبغداد إطّلع على جلّ ما تحويه:

مكتبة المرحوم آية الله السيد حسن الصدر الكاظمي، التوفّى 1354 هـ.

ومكتبة المرحوم الشيخ مهدي ابن الحاج حسن كبّة.

ومكتبة السيد عيسى العطار.

ومكتبة الوجيه الشيخ محمّد رضا شالچي موسى (الخالصي).

ومكتبة حسينية آل الحيدري.

ووقف في سامراء على المحتويات العلمية النفيسة لمكتبة المرحوم الحجة الشيخ الميرزا محمّد العسكري الطهراني، المتوفّى 1371 هـ ، واطلع على التراث العلمي في غير هذه من مكتبات بغداد والحلّة والبصرة العامّة والخاصّة.

وبعد ان استوعب العلاّمة الاميني (قدس سره) معظم ما في المكتبات في المدن المذكورة من الكتب، وطالعها مطالعة تحقيق وتدقيق، يمم شطر البلدان الاسلامية العريقة بتراثها الضخم، التي تدخره في خزائنها العتيدة من كنوز الكتب الخطية النادرة. مبتدئاً سفره بالقارّة الهندية، ومن ثَمَّ قصد البلد الشقيق سوريا، واردفه بتطوافه بمكتبات العاصمة الاسلامية السابقة القسطنطينية «تركيا» ومكتباتها العريقة في مدن استانبول، وانقرة، وازمير، وغيرها. بالرغم مما كان يعاني من الالام المبرحة من جراء المرض العضال، الذي ألَمَّ به حتى ارداه صريعاً بين براثن المنون.

انا لله وانا اليه راجعون.

سوف نذكر ذلك في الفصل التالي الخاص برحلاته وثمرات اسفاره.

ربع قرن مع شيخنا

كان المرحوم العلامة الاميني صديقاً حميماً للمرحوم والدي، وقد حدثني الشيء الكثير عنه ; إذ توفي والدي وأنا لم ابلغ الحلم، ولم اعرف عن خصوصياته إلاّ النزر اليسير، وإليك هذه الحادثة الطريفة التي حدثني بها سماحته:

قال (قدس سره): في سنة 1355هـ = 1935م وفقني الله لحج بيته الحرام، وفي تلك السنة حج آية الله العظمى السيد عبد الحسين الحجة، وكان من أبرز علماء كربلاء المقدسة ومراجعها، وكان موقفنا الشرعي في الحج يختلف عن الموقف السعودي، وكان من الصعب على الحجاج الشيعة - آنذاك - أن يقفوا موقفاً مخالفاً لموقفهم - الموقف الاضطراري - وإذا وقف الحاج ربما يُعرِّض نفسه للهلاك، وما يقف الموقف الاضطراري إلاّ الحجاج المخضرمين، الذين يعرفون كيف يسلكون بأنفسهم لنجاتهم ; لان الحكومة السعودية منعت ذلك منعاً، باتاً وأرسلت دوريات عسكرية تجوب المنطقة لمنع ذلك، وهي تنادي «ألا برئت الذمَّةِ ممن تخلف».

لا يزال الحديث لشيخي واستاذي العلاّمة الاميني (قدس سره)، قال: هرع الحجيج يوم التروية([12]) إلى عرفات، وخرجنا مع من خرج، وكنت أنا شخصياً قلقاً من عدم توافق الموقفين أتوكف الاخبار وأستشف الانباء من هنا وهناك، وأسأل وأستفسر من الذين ألاقيهم من معارفي ; لعلي أجد عندهم الجواب الشافي لاخرُجَ من المأزق الحرج، ولاتخِذ الموقف الصحيح.

وكان المرجع الديني «الحجة» ثابت على موقفه المخالف للموقف السعودي، والحجاج الشيعة في بلبلة وحيرة، ولا يدرون ما يعملون، حتى حل وقت العصر من يوم عرفة وضاق الوقت، وجاء من يخبرني بأنّ «الحاج محمد الشاكري» - يعني المرحوم والدي - يدّعي رؤية الهلال وسوف يقف مع الموقف السعودي، فقلت للذي أخبرني: إذا كان حقّاً ذلك فإنّ شهادته عندي بشهادتين، إذهب وابحث عنه لعلنا نجد عنده الجواب الشافي، فذهب يبحث عنه فلم يعثر عليه ولم يرجع المخبر، فازدادت حيرتي، واشتد قلقي، ومالت الشمس إلى المغيب، وأنا غارق في بحر تفكيري، حيران ذاهل عن التوجه والتضرع في الدعاء تلك الساعة الفريدة وأقول: إلهي ما العمل؟ عند ذلك توجهت إلى الكعبة المشرفة، ودعوت الله سبحانه وتضرعت إليه مناجياً ربي: إلهي نحن ضيوفك هذه الليلة، ونريد أن نتفرغ لعبادتك ومناجاتك والتقرب إليك، وأنت تعلم ما في نفسي، لا تسلبني مناجاتك والتوجه إليك، إلهي أين أجد الان «الحاج محمد الشاكري» في هذا البحر المتلاطم بأمواج الحجيج، لاسأله؟!

ويحلف (قدس سره) قائلاً: ما إن أتممت دعائي والتفت خلفي وإذا «بالحاج الشاكري» أمامي، فتعانقنا وتصافحنا، ثم قلت له: سمعت من ينقل عنك إنك رأيت الهلال وثبت عندك الموقف مع السعودية؟!!

قال: معاذ الله: ما قلت ذلك أبداً، وسوف أقف الموقف الاضطراري. واتفقنا معاً، ووقفا الموقف المطلوب الصحيح. رحمهما الله تعالى.

كنت معجباً بشخصية العلاّمة الاميني (قدس سره) الفذة منذ صباي، وقبل أن أعرف نفسي، وكنت أزوره في مكتبته، التي هي عبارة عن غرفة مستقلة من داره البسيطة المتواضعة، فأجده غارقاً في بحر متلاطم من الكتب في العلوم، والمعارف، والمفاهيم الاسلامية، وغائصاً في اعماق التاريخ من خلال المصادر، والاسانيد والموسوعات العظيمة المحيطة به.

وكلما تقدم الزمن وعرفت نفسي انفتحت لي منافذ جديدة على شخصيته الرائعة، وعلمه الجم، وتعمق ارتباطي الروحي به والانسجام النفسي معه. وصار مَثَلي الاعلى في سيرتي وسلوكي وأخلاقي، وبادلني الشعور بالمثل، فأحاطني بلطفه ورعايته، حتى أصبحت موضع سره واعتماده، فكان يبثني همومه وشكواه، ويكشف لي عوالج نفسه وكل ما كان يختزنه في وجدانه، فكنت أعيش همومه ومحنته واُشاطره آلامه ومشاعره.

إليك عزيزي القارىء هذه الباقة العطرة مما ثبت في ذاكرتي من شذى أحاديثه، وشذرات طيبة مما تركهُ في نفسي وخاطري من أحاديثه الشيقة القيمة (قدس سره)، وما عشته وشاهدته في أيامه، ومما سمعته من الاخرين في حقه.

وسوف أذكر بعضها بالمعنى لا بالنص:

عندما كان يتشرف سماحته بزيارة الامامين الكاظمين (عليهما السلام) وقضاء بعض أعماله، كان يشرفني وينزل في داري ببغداد ومن معه معززاً مكرماً، وكان أولادي مشغوفين به، يستقبلونه كما يستقبل الاطفال جدهم الحنون، ويرحبون بقدومه ويأنسون به، ويتسابقون إلى لثم أنامله وتقبيل يديه الكريمتين، وكان بدوره يحضنهم ويضمهم إلى صدره «الحنون»، وإنّ ولدي عُدي - وهو أصغرهم سناً - كان طفلاً يأتي إليه ويأخذ يده يقبلها، ثم يمد يده الصغيرة إلى فم سماحته ليقبلها بدوره مثل ما يعمل هو، ثم يأخذه سماحته ويضمه إلى صدره.

القصّة الاولى:

التفاتة ذكية

وفقني الله لخدمة أحد المرضى المؤمنين في معالجته، وبعد شفائه قدم لي هدية جميلة تذكارية، وكان ذلك في سنة 1955م = 1375هـ ق، والهدية عبارة عن لوحة خشبية محفور عليها الاية القرآنية، التي تخص الصيام بالحروف البارزة:

بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُم الصِيَامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكمُ).

كانت اللوحة جميلة ورائعة حقاً، فلم أجد مكاناً في جدران غرفة الاستقبال ولا في الصالون الداخلي في الدار لاضعها، غير جدار في صدر غرفة الطعام، فوضعتها هناك دون قصد، وكان ذلك قبيل شهر الصيام المبارك بأيام.

فلما شرفني في تلك الايام سماحة العلاّمة الاميني، وجلس على مائدة الطعام ، حانت منه إلتفاتة وشاهد اللّوحة أمامه، وقبل أن يتناول طعامه قال: ما هذه اللّوحة؟!! محتجاً ومستفسراً، قلت ببساطة: هذه لوحة قرآنية اُهدِيَت لي توّاً ، قال بِحدّة مازحاً: إرفعها حالاً، امتثلت للامر فرفعتها من الجدار، ثم قلت له مستفسراً: لماذا؟ وأنا غافل قال: كيف تريدني أن آكل وهذه الاية تأمرني بالصيام ، فتبسم وتبسمت فعرفت مغزى كلامه.

القصّة الثانية:

حدّثني سماحة العلاّمة الاميني (قدس سره) عندما تشرف لحج بيت الله الحرام([13]) بهذه الحادثة، قال:

تشرفت بحج بيت الله الحرام، ولما صارت ليلة التروية خرجت من مكة المكرمة قاصداً عرفة، وبت تلك الليلة في منى، وبعد صلاة الفجر من يوم عرفة استأجرت مكاري لحمل أمتعتي ; قاصداً عرفة، ولما وصلتها وجدت الموقف عاجاً بالحجيج، وكلما حاولت - عبثاً - أن أحصل على مكان ما ولو بمقدار نصب خيمتي فما استطعت، وصرت أدور في مكاني يميناً وشمالاً، حتى حانت مني التفاتة، وشاهدت من بعيد سرادقاً كبيراً أمامه فسحة واسعة مفروشة بالبحص الناعم، محاطاً بالعسكر والحرس، قصدته، فلما وصلت المكان أمرت المكاري أن ينزل أمتعتي، فأعطيته أُجرته وذهب، ثم باشرت في نصب خيمتي وحدي، وصاح بي العسكري وناداني من بعيد ليمنعني، فلم أعره أُذني ولم أهتم به، حتى ولم ألتفت إليه، جاء العسكري حتى وصل إلى جنبي وأمسك بيدي ليمنعني من قصدي، فوقفت وقلت: ما تريد؟ ولماذا تمنعني من نصب خيمتي؟ متجاهلاً ما حولي، قال العسكري: (ممنوع)، فقلت: لماذا؟! مستغرباً قال: ألم ترَ، هنا سرداق الامير، فصحت بأعلى صوتي ليسمعني من في السرداق، مستغرباً ومحتجاً، وقلت: أمير؟!! قل لاميرك: «فليرحل من أرضنا» هذه أرض العبيد، «وليس للامراء مكان هنا»، فذهل العسكري واُسقِطَ ما في يده، وذهب ليبلغ أميره كلام «العلاّمة الاميني»، فعرف عند ذلك الامير أنّ المتكلم ليس بالرجل العادي فهابه ولم يعد لمنعه ; «لان كلام الملوك ملوك الكلام».

القصّة الثالثة:

وعلى ذكر الحج، في المدينة المنورة:

في سنة 1955م = 1375هـ تشرفت بحج بيت الله الحرام، ومن حسن الصدف كان سماحة العلاّمة الاميني (قدس سره) قد تشرف هو أيضاً بحج بيت الله في نفس السنة، وكان بمعيته المرحوم أخوه وولده الشيخ رضا الاميني، وقد زرت سماحته عدة مرات بالمدينة المنورة.

وكان من أصدقاء المرحوم والدي في المدينة المنورة السيد عبد الرسول ابن السيد عمران الحبوبي دعاني في بيته، وعمل مأدبة عشاء فخمة، ودعا إليها بعض الاصدقاء من الحجاج العراقيين ومن أهل المدينة، ثم قال لي السيد الحبوبي اُدع من شئت من أصدقائك من الحجاج ومعارفك، فقلت: ما عندي أحد غير الشيخ الاميني، وهو يتحرّج من الحضور في أي مكان خشيةً وتقيّةً ; لانه مؤلف كتاب «الغدير».

قال السيد الحبوبي: دلني عليه وما عليك، فذهبنا معاً إلى مسكن سماحة الشيخ الاميني عصراً، وكان على وشك الخروج من البيت لزيارة الحرم النبوي المطهر، فَعرَّفت السيد الحبوبي لسماحة الشيخ وتعانقا، ثم دعاه السيد لحضور مأدبة العشاء، فاعتذر وامتنع من إجابة الدعوة، قال السيد الحبوبي لسماحة الشيخ بدون مقدمات: ألست تدّعي أنك خادم جدتي الزهراء؟! قال الشيخ: بلى والله، وأتشرف بذلك، قال: إذن أقسم عليك بجدتي الزهراء أن تلبي دعوتي، قال: سمعاً وطاعة، ثم التفت إليَّ وقال: ما هي إلاّ فتنتك، فتبسم، وقبل الدعوة وكانت مأدبة عامرة بحضّارها وطعامها، واُمسية روحانية شيقة رائعة.

القصة الرابعة:

حدثني شيخي واُستاذي العلاّمة الاميني (قدس سره) بتأريخ 1385هـ = 1964م بالنجف الاشرف، قائلاً:

رأيت فيما يرى النائم كأني دعيت إلى حضور حفلة استقبال عظيمة في محل عام واسع، كأنّه مسجد الكوفة، ولما حضرت الاجتماع وأشرفت على محل الاحتفال، وجدت الاف المدعوين جالسين على الارض، بعضهم في حجر بعض من شدة الزحام، وكأنّ على رؤوسِهمُ الطير، ولا يمكن زحزحة أحدهم قيد أنملة.

وشاهدت في صدر المجلس منصةً ترتفع عن رؤوس الجالسين قليلاً، وكان عليها خمسة كراسي جلس عليها خمسة أشخاص، في الوسط سيد جليل القدر مهيب الجانب يشع من وجهه نورٌ ساطع، وإلى يمينه رجل كهل ممتلىء الجسم، مربوع القامة، كث اللحية، ذو هيبة وحيوية ووقار، وإلى جانبه شاب جميل الصورة نوراني الطلعة، وإلى يسار السيد الجليل سيدة مبرقعة الوجه متوشحة بلباسها، وإلى جانبها شاب جميل الصورة نوراني الوجه، كما رأيت خلفهم رجلاً طويل القامة، أسمر الوجه، مشرب بحمرة، ذا عينين برّاقتين حادّتين، وعلى رأسه قلنسوة هرمية كأنّه لباس أهل تركستان.

تصورت - عند ذلك - أنّ السيد الجليل هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجالس في الوسط، والجالس إلى يمينه الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلى جنبه الامام الحسن (عليه السلام)، والجالسة إلى جنب السيد الجليل هي السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وإلى جنبها الامام الحسين (عليه السلام)، والواقف خلفهم هو مولاهم قنبر([14]).

لا يزال الحديث لسماحة العلاّمة الاميني (قدس سره)، قال:

فلما أشرفت على محل الحفل قام الكهل - الذي حسبته الامام علياً (عليه السلام) - من على المنصة وأشار إليَّ بيده واستدعاني من دون الناس، فتوجّهت إليه أتخطى رقاب الجالسين، محاذياً الجدار حتى صرت خلف المنصة، ولما أردت الصعود قامت السيدة - التي حسبتها فاطمة الزهراء - وأدارت ظهرها للجالسين واستقبلتني، رافعة البرقع من على وجهها النوراني، ولما رأيتها صعقت وأخذتني الرجفة، واستيقظت من نومي فزعاً مرعوباً، وكان ذلك قُبَيل الفجر بقليل.

الحديث لا يزال لسماحة العلاّمة الاميني، قال:

ثم قمت من فراشي لاسبغ الوضوء استعداداً للصلاة والعبادة، ولكني مازلت ذاهلاً مرتبكاً من جراء الحلم، وقد أخذ مني كل مأخذ، حتى طلوع الشمس، عند ذلك ارتديت ملابسي وخرجت قاصداً أحد العلماء من أصدقائي، له اطلاع بتفسير الاحلام، فقصصت عليه ما رأيت في المنام «الحلم»، وبعد الانتهاء، من حديثي تبسم، وقال: أبْشر سوف تصاهر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتتزوج إحدى بناتها.

وفعلاً تحقّق الحلم ; بعد فترة قصيرة سافر العلاّمة الاميني إلى إيران وتزوج العلوية بنت المرحوم آية الله السيد علي الخلخالي، وأنجب منها أولاداً صالحين.

بعد أن استمعت القصة كاملة من سماحته، قلت له مازحاً ومعلقاً: شيخنا الجليل، كل خدماتك التي قمت بها لا تشفع لك عند أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليها السلام) حتى تصاهرهم وتتزوج ابنتهم، فتبسم سماحته وعرف مغزى تعليقي ومزاحي.

القصة الخامسة:

من رؤى العلاّمة الاميني على حوض الكوثر...

حدثني شيخي واستاذي آية الله العلاّمة الورع السيد محمد تقي الحكيم عافاهُ الله - صاحب كتاب «الاصول العامة للفقه المقارن» - في النجف الاشرف، بعد وفاة العلاّمة الاميني رضوان الله عليه قال:

حدثني أحد علماء خوزستان الاجلاء ذكر اسمه - ولكني نسيت اسمه - قال: رأيت فيما يرى النائم، كأنّ القيامة قد قامت، والناس في المحشر يموج بعضهم في بعض، وهم في هلع شديد، وفي هرج ومرج، كل واحد منهم مشغول بنفسه، ذاهلٌ عن أهله وأولاده، ويصيح: إلهي نفسي نفسي النجاة، وهم في أشد حالات العطش، ورأيت جماعةً من الناس يتدافعون على غدير كبير، من الماء الزلال، تطفح ضفتاه، وكل واحد منهم يريد أن يسبق الاخر لينال شربةً من الماء، كما رأيت رجلاً نوراني الطلعة، مربوع الجسم، مهيب الجانب يشرف على الغدير ; يُقدِّمُ هذا ويسمح لذاك أن ينهل ويشرب، ويذود آخرين ويمنعهم من الورود والنَهل.

«الحديث لا يزال للشيخ الخوزستاني»:

قال: عند ذلك علمت أنّ الواقف على الحوض والمشرف على الكوثر هو الامام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فتقدمت وسلمت على الامام (عليه السلام) فاستأذنت منه لانهل من الغدير وأشرب، فأذن لي فتناولت قدحاً مملوءاً من الماء فشربته، ونهلت.

وبينما أنا كذلك إذ أقبل العلاّمة الاميني (قدس سره) فاستقبله الامام بكل حفاوة وتكريم معانقاً إياه، وأخذ كأساً مملوءاً بالماء وَهَمَّ ان يسقيه بيده الشريفة، فامتنع الاميني في بادىء الامر ; تأدباً وهيبةً، ولكن الامام (عليه السلام) أصرَّ على أن يسقيه بيده الكريمة، فامتثل الاميني للامر وشرب.

قال الشيخ: فلما رأيت ذلك تعجبت، وقلت: يا سيدي يا أمير المؤمنين، أراك رحبت بالشيخ الاميني، وكرّمته بما لم تفعله معنا، وقد أفنينا أعمارنا في خدمتكم وتعظيم شعائركم، واتباع أوامركم ونواهيكم، وبث علومكم؟!! فالتفت إليَّ الامام (عليه السلام) وقال: «الغدير غديره» فاستيقظت من نومي وقد عرفت - حينذاك - ما للعلاّمة الاميني من منزلة عند الله عزَّ وجلَّ وعند رسوله الكريم وعند أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين.

معجزة للامام (عليه السلام) شاهدها الاميني:

سمعت ممن سمع من العلاّمة الاميني (قدس سره) يقول:

كنت في ليلة من ليالي القدر في حرم الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد منتصف الليل، ولعلها كانت ليلة القدر، ليلة شهادة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكنت مشغولاً بالعبادة والتهجد، إذ دخل الحرم رجل قروي حاملاً ابنه الكسيح، فأنزله من على متنِه وربطه بالضريح المطهر وجلس عنده برهةً، ثم قال لولده باللّهجة الدارجة: «بوي آني رايح آكل فرني من باب الصحن وأجيك أشوفك علي طيّبك» ، أي: «إني ذاهب إلى خارج الصحن لاتناول قليلاً من المحلّبي ثم أعود إليك لارى أنّ الامام عليٌ (عليه السلام) قد شافاك من مرضك».

فتركه في مكانه وخرج من الحرم، يقول الشيخ الاميني: ولقد لفت نظري كلام القروي الذي قال لولده بضرس قاطع، وكأنّه على موعد من الامام (عليه السلام) في شفاء ولده الكسيح حتماً، وذلك بإذن الله تعالى ; لما لامير المؤمنين من منزلة رفيعة عنده.

ثم أردف الاميني قائلاً: سلبني كلام هذا القروي توجهي، وأصبحت أتوقع حدثاً مهماً، وما أن انقضت ساعة إلاّ وقام الصبي الكسيح من عند الضريح على قدميه وهو يصرخ وينادي والده: «بُويَ إنتَ وين عِفتني؟» أي: «لماذا تركتني وحدي؟»، وفي هذه الاثناء دخل القروي والد الكسيح إلى الحرم، وشاهد ولده واقفاً على قدميه، فناداه: «ها بُويَ طَيَّبك علي؟» أي: «يا ولدي شافاك الامام عليّ (عليه السلام)؟»، فأمسك ولده بيده ماشياً على قدميه وخرجا من الحرم المطهر، وكأنّ شيئاً لم يكن، وكأنه لم تحدث معجزة ولا كرامة لامير المؤمنين (عليه السلام).

نكتة طريفة:

كنت على مائدة سماحة العلاّمة الاميني (قدس سره) ظُهر يوم من الايام نتناول طعام الغداء، وكان يحدثني بتخطيطه للمراحل التي ما بعد إكمال بناية المكتبة، وتأثيثها، وأنا مأخوذ بأحاديثه الشيقة، استمع إليها، فجأة توقف عن حديثه وابتسم، فلفت انتباهي، وقال: اُحدِّثك هذه النكتة الطريفة: دخلت يوماً الدار فوجدت الاطفال - من أحفادي وأسباطي - يلعبون في ساحة الدار ولم يشعروا بورودي، وكان بيد أحَدِهم «مصباح كهربائي عاطل»، وكان معتزاً به، فقال له الاخر: اخفيه عن جدنا إذا حضر، ولا تدعه يراهُ، فقال الذي بيده المصباح لماذا؟!! قال: أخشى إن رآهُ عندك يأخذهُ منك، ويذهب به إلى المكتبة؟

أقول: ما ترك الشيخ الاميني شيئاً ذا قيمة وشأن في داره إلاّ وأخذه إلى المكتبة، حتى الاطفال اصبحوا يشعرون بذلك ; لذلك كان الاطفال يحذّر بعضهم البعض.

بادرة جديرة بالذكر:

حدثني العلاّمة الاميني (قدس سره) قال: بعدما أنهيت أعمالي اليومية خرجت إلى السوق الذي هو قريب من دار سكناي([15]) ; لاشتري ما أحتاجه للبيت من طعام، وكنت واقفاً على محل القصاب لاشتري اللحم، وكان إلى جنب القصاب دكان بقالة لسيد ضعيف الحال، فانتهز هذا السيد وقوفي ونزل من دكانه ليحدثني في مسألة، وَهمَّ أن يتكلم في حاجته ولكن بعض الطلبة المحيطين بي حال دون ذلك فانشغلت وما استمعت لحديث السيد وطَلَبه.

وما أن وصلت الدار تذكرت فتركت ما اشتريت من لحم وخضروات ورجعت إلى السيد مسرعاً، لاستَمِعَ إلى طلبه وما يريده، فلما وصلت قام السيد البقال وطلب من الشيخ الاميني أن يدخل دكانه، قال الشيخ: لما صرت داخل دكانه، قام وأدار ظهره إلى السوق وفتح حزامه الذي هو حبل من ليف، وقال للشيخ: انظر ما على جسمي غير هذا الرداء المهلهل والعلويات اللّواتي في بيتي لا يملكن سوى عباءة واحدة يتناوبن عليها لاداء فريضة الصلاة، وليس لهن ما يسترن أجسادهن به.

يقول الشيخ - وهو الذي يذوب حباً في خدمة السادة من أولاد عليّ وفاطمة (عليهما السلام) قال: لما سمعت كلام السيد استشطت غضباً وقلت: أين الاغنياء وأهل الحقوق الشرعية وسهم السادة؟!! فأمسكت بيد السيد وأنزلته من دكانه وقلت: تعال معي، وقصدت به مسرعاً إلى الحرم المطهر ; لاشكو إلى جده الامام من ظلم من يأكل الحقوق الشرعية، وما ان وصلت باب الصحن الشريف، وإذا بالحاج عبد الحسين أبو الريحة «البستاني»([16]) يناديني، وقد سلمني مبلغ ثلاثين ديناراً - وكان يومذاك مبلغاً كبيراً - وقال: إنّ الشيخ الفلاني - وهو من رؤساء العشائر المحيطة بالنجف الاشرف - قدم هذا المبلغ هديةً لك لتستعين به على اُمورك، قال العلاّمة الاميني: أخذت المبلغ فوراً وسلمته بكامله إلى السيد، وقلت له: خذ هذا المبلغ ; أرسله لك جدك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخذ السيد المبلغ وكاد يطير فرحاً وذهب مسروراً إلى داره وعياله.

أقول: علماً أنّ هذا المبلغ كبير جداً بالنسبة لذلك اليوم، وربّما يكفيه لمصرف سنة كاملة، ومع ذلك لم يبق الشيخ منه شيئاً لنفسه مع شدّة حاجته.

زيارة المكتبة:

في سنة 1387هـ = 1966م زرت سماحة العلاّمة الاميني، في مكتبة الامام أمير المؤمنين العامّة بالنجف الاشرف ; لاُهنِئَهُ بمناسبة عيد الغدير، وكان من المهنئين صديقنا الدكتور حسين محفوظ، وبعد الانتهاء من مراسم الزيارة والتهنئة، قال لي الدكتور محفوظ: هل ترغب بزيارة الشيخ أغا بزرگ الطهراني؟ ([17]) قلت: لا بأس ; فإنّهُ كان صديق المرحوم والدي، ولما دخلنا عليه قدمني الدكتور محفوظ له وعرفه بي، فرحب بي وجلست إلى جانبه، أحببت أن اعرّفه بنفسي أكثر قلت له إني ابن الحاج محمد الشاكري، فلما سمع اسم المرحوم والدي قام من مجلسه «بصعوبة لعجزه» وعانقني مجدداً، وقال: المرحوم والدك كان صديقاً لي، وانتزع خاتماً من خنصره، كان عقيقاً أحمر مسطحاً مكتوباً عليه اسمَه ولقبه، وكان يختم به رسائله ومستنداته الشخصية، وقال: هذا الخاتم أهداه والدك لي قبل أكثر من خمسين سنة، وحفر عليه اسمي بنفسه([18])، ومنذ ذلك الوقت وللان أنا استعمله واستفيد منه وأدعو له، فتعجب الدكتور محفوظ، بهذه العلاقة والحرفة معاً.

والمرحوم الشيخ آغا بزرگ الطهراني كان من أبرز المحقّقين والمصنفين في علم الرجال ومعرفة الكتب من بين العلماء في النجف الاشرف، وعنده مكتبة عامرة كماً وكيفاً وقد أوقفها في حياته إلى مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجف الاشرف ; لتنقل إلى المكتبة بعد وفاته (رحمه الله)، وقد قرأت الوقفية بنفسي.

المبادىء الهدامة:

في زمن الشاه المقبور غزت المبادىء الهدامة الوافدة منها والمتوطنة، جميع أنحاء إيران ومرافقها الرسمية وغيرها، وتغلغلت في النفوس، لا سيما الشباب منهم، وكانت لهذه الجمعيات مراكز لبث سمومها، ومحافل علنية لعقد اجتماعاتها، منتشرة في المدن الكبيرة والمناطق الحساسة، وكانت مجازةً مِن قبل السلطات الحاكمة حينذاك رسمياً.

وأبرز تلك الجمعيات نشاطاً وتأثيراً: الماسونية، والبهائية، ومن ثم الشيوعية، والصهيونية، وأخيراً غزا البلاد المذهب الوهابي الضال المضل، كل ذلك كان يجري تحت سمع ونظر الشاه، وبتشجيع من الوزارة التي كان يرئسها البهائي الماسوني «عباس هويدا»، وأصبح دعاة هذه المبادىء الهدامة والجمعيات بيدهم المعاول الفتاكة ; لهدم وتخريب المبادىء الفاضلة، والقيم، والاخلاق التي بشّر بها الاسلام، حتى تركت هذه الهجمة الشرسة، والغزو البربري المتحلل من كلِ القيم والاخلاق بصماته، وخلق البلبلة في نفوس الشباب المثقف منهم خاصةً، وقد عجز العلماء، والخطباء، والمرشدون عن الوقوف بوجه هذا التيار، بل الاعصار الجارف المدمر.

فضعفت المقاومة الاسلامية شيئاً فشيئاً، واعترى بعض حملة شعار الدين الضعف، وأصابهم الفتور، وتسرب إليهم الخمول، وكادت الكارثة أن تحِلَّ بعامة المسلمين، ومال بعض المثقفين إلى العلمانية وارتدّوا عن الاسلام.

غير أنّه تصدّى بعض الغيارى من العلماء والمثقفين الواعين لجهاد الملحدين، وشمروا عن ساعد الجد للوقوف بوجه العاصفة، والتصدي لحملة المبادىء الضالّة المضلة، وكان في طليعتهم آية الله المجاهد العلاّمة الاميني رضوان الله عليه، وتسنم الصدارة في الخطابة من على منابر خراسان واصفهان([19]) والمدن المهمة المحيطة بها إلى شيراز، حيث وفد المذهب الوهابي من السعودية عبر الخليج مدعوماً بالاموال الطائلة.

وبقي العلاّمة الاميني شهرين أو أكثر يصعد المنبر كل ليلة في إصفهان ولمدة ساعتين أو ثلاث ; ليلقي بياناته وحججه في تثبيت دعائم الاسلام، وتفنيد المبادىء الوافدة التي بعثتها قوى الصليبية والصهيونية العالمية واتخذوا النظام الماسوني، والبهائي، والوهابي والشيوعي مخلب قِط بوجه حملة الاسلام ومبادئه، كما فضح العلاّمة الاميني أساليبهم الملتوية الهدامة، والقوى الشريرة الملحدة، كما ورد في الحديث الشريف: «الكفر ملة واحدة» وكرر تلك الكلمة السيد الخميني (قدس سره).

حتى استطاع - بعد هذه الجهود الجبارة المضنية - أن يمسك بيده المبادرة، ويعيد معظم الشباب المنحرف إلى جادة الصواب، وإلى التمسك بعرى دينه، وقيمه، وأخلاقه.

هذا مَا حَدَّثني به سماحة العلاّمة الاميني، بعد عودته إلى النجف الاشرف من سفرته إلى إيران، والتي دامت أكثر من أربعة أشهر.

وهذه واحدة من بطولاته في ساحات الجهاد، التي تعددت إلى عدة جبهات.

من سنَّ سُنَّة سيئةً:

حدثني شيخي واستاذي العلاّمة الاميني (قدس سره) في داري ببغداد([20]) قائلاً:

كان في طهران جماعة من التجار المؤمنين، الذين يتصدون لاعمال الخير، وكانت عند أحَدِهم قطعة أرض واسعة في مكان مهم وحساس من طهران، وكان يفكر أن يشيد على القطعة مسجداً ومحلات ومكاتب تجارية يدرّ ريعها على المسجد ومشاريعه.

غير أنّ بعض أصدقائه، الذين ينظرون إلى الامور بالمنظار المادي البحت، رَجّح له أن يشيد عليها داراً للسينما ومحلات ومكاتب تجارية، ثمّ من وارداتها يصرف على الامور الخيرية. أخذت الفكرة منه موقع الاستحسان، بالاضافة إلى غريزة حب المال والتكاثر المتأصلة في نفس الانسان، ووسوة الشيطان، فأقدم على تشييد دار للسينما وملحقاتها، وجنى منها أموالاً طائلة. مرت السنون والاعوام، ثم توفي الرجل وترك ثروته الطائلة لورثته، ومنها دار السينما، وأسدل الستار ونسوا مُوَرِثَهُم.

وفي يوم من الايام دعا الورثةَ أحد أصدقاء والدهم من الذين يعتزون به - وهو لا يقل عن والدهم ثروةً وتديناً وعطاءً - دعاهم إلى داره على مائدة طعام، فلما حضروا وأكلوا ونهلوا وشبعوا، قال لهم: أتدرون لماذا دعوتكم؟ قالوا: أنت مثل والدنا تتلطف علينا، ثم سألهم: هل إنّ والدكم قصَّر في حقكم وفي تربيتكم، وتعليمكم، والصرف عليكم؟ ، قالوا: لا، بل تفضل، ونحن دائماً نذكره بالخير ونترحم عليه ثم أخذ يبين لهم حقوق الابوين، ويحثهم على البر بهما ; حيّين كانا أو ميّتين، وما احوجهما إليهم بعد وفاتهما إلى البر بهما.

ثم قال لهم: إني رأيت والدكم قبل أيام، كما يرى النائم، أنَّهُ في حال سَيئة للغاية يُرثى لها ومعذب بأشد العذاب، كل ذلك بسبب بنائه دار السينما، ويقول: كل عرض فيلم يقام في دار السينما يقيمون ملائكة جهنم له حفلاً مثلها، وهو الان يستصرخكم، ويناشدكم بحق الابوة التي له عليكم أن تنقذوه من هذا العذاب وتخلّصوه من هذه الورطة، وهو يطلب منكم أن تهدِموا دار السينما.

وجم الورثة لمّا سمعوا طلب أبيهم، وصار كل واحد منهم ينظر بوجه الاخر وهم في ذهول ودهشة!!

أخيراً طلب كبيرهم مهلةً ; لينظروا في أمرهم ويتشاوروا فيما بينهم، وقد مرّ الاسبوع والاسبوعان والثلاثة، وما حرّك واحدٌ منهم ساكناً، إلى أن دعاهم مرة ثانية، وعمل لهم وليمة فاخرة، وسألهم عما توصّلوا إليه من رأي؟ أجابه كبيرهم مستفسراً من الحاج: أليس المرحوم والدنا هو الذي بنى دار السينما؟ قال: نعم، ولكنه ندم على غلطته وتحمل عذابه، وهو ينشدكم الله أن تنقذوه.

قالوا: هو الذي غلط وهو الذي يتحمل غلطته!! ونتائجها! ونحن لا يسعنا أن نهدم هذا الصرح الشامخ.

تعجب الحاج وبهت من جواب الورثة، وصارت له هذه الحادثة المؤلمة درساً وعبرة ; أهكذا يكون جوابهم، وهل من الوفاء أن يتركوا أباهم يعذب عدة مرات باليوم وهم يتنعمون بما خلّفه لهم!! وبالتالي سيلحقهم العذاب مثله.

فليعتبر المعتبرون؟!! «ومن سنَّ سُنَّةً سيئةً» إلى آخر الحديث.

الاميني يتحدّى الظالمين:

حدثني العلاّمة الاميني (قدس سره) في داره بالنجف الاشرف، أو في داري ببغداد سنة 1965م ; لا أتذكر ذلك أنقلها بالمعنى:

قال: اجتمع بعض المعممين من رجال الدين من أبناء العامة، وبعض من الشخصيات المرموقة في أجهزة الدولة، ومن العسكريين، والقضاة حينذاك وغيرهم.

اجتمعوا بالحاكم الطائفي «نور الدين النعساني» بعد أن طغى وتجبر باحكامه العرفية بالابرياء من الشباب المؤمنين، حينذاك، وطلبوا منه إحالة «العلاّمة الاميني» على القضاء ومحاكمته بإثارة الطائفية، والتفرقة بين المسلمين بسبب تأليفه كتاب «الغدير»، الذي أثار الشبهات على الخلفاء الثلاثة بأحاديث الغدير وغيره.

وأخذ هؤلاء النفر يُحَرِّضُونه على الانتقام منه عن طريق القانون. قال الحاكم «النعساني»: آتوني كتابه حتى أقرأه ثم اُجيبكم على طلبكم، فلمّا جاؤوه بالاجزاء المطبوعة من كتاب «الغدير» طلب منهم مهلةً ليقرأه، وليجد بعض الثغرات القانونية، والمواد الجرمية، وليقدمه إلى المحاكمة ويحكم عليه بأقسى مواد القانون دون رحمة أو شفقة.

مرت أيام وتبعتها أسابيع والنعساني لم يتطرق إلى كتاب «الغدير» بشيء، على الرغم من الاجتماع بهم الذي كاد يكون يومياً، ولما طال بهم الانتظار طالبه بعضهم بالجواب.

قال: باستطاعتي الحكم عليه بالاعدام وتنفيذه وحرق كتبه ومصادرة أمواله وكل ممتلكاته، وإجراء أشد التنكيل به وبمن يلوذ به بشرط واحد، هل تستطيعون تحقيقه؟ فتحمس المجتمعون وقالوا كلهم: نعم ننفذ ونحقق كلما تطلبه منا.

عند ذلك قال: الشرط هو أن تحرقوا جميع مصادركم، ومسانيدكم، وكتبكم ، وصحاحكم ; حتى لا تكون له الحجة علينا عند تقديمه للمحاكمة.

فبهت الذين ضلوا وانحرفوا، واُسقِط ما في أيديهم وقالوا مستفسرين: كيف يمكن ذلك؟!!

قال: لان جميع الاحاديث والروايات التي نقلها هي من صحاحكم، ومسانيدكم، وسيركم. وأثبتها في كتابه «الغدير» في محاججاته، ومناظراته، ومناقشاته.

عند ذلك اُسقِطَ ما في أيديهم ورجعوا بخفيّ حنين، خائبين مخزيين مخذولين - ألا لعنة الله على القوم الظالمين - والعاقبة للمتقين.

ولاجل توضيح خلفيات هذه الحادثة، بودي أن أشرح لكم بعض الحيثيات والظروف والملابسات المحيطة بها، حتى تكونوا على بيّنة من واقع الامر.

أقول: إني - شخصياً - أعرف معظم رجال هذه العصابة المجرمة وأدوارهم في معاداتهم المؤمنين الشيعة، والوقوف بوجه تقدمهم، والحد من نشاطاتهم في كل المرافق، لا سيما في أجهزة الدولة، الذين يعتبرون أنفسهم هم وحدهم ورثة الحكم البغيض العثماني، وإليكم الموجز:

كان ديدن رجال الحكم المتقاعدين، ومن في الحكم، قد أسسوا جمعية غير رسمية، منذ تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، التي ورثوها من مخلفات الحكم الطائفي العثماني البغيض المقبور. وكان منهم عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء سابقاً.

كانوا يجتمعون عصر كل يوم ومساءه في بيت أحدهم([21]) يسمونه «القبولي»، وفي هذه الاجتماعات يتسامرون ويلعبون الورق «القمار» أحياناً، ويستعرضون ما استجد من الامور في أجهزة الحكم في الدولة ومؤسساتها ; عسكرية كانت أو برلمانيةً أو إدارية في الوزارات كافة، يقدمون هذا من جماعتهم ويؤخرون ذاك ممن لا يروق لهم، أو يضعون الخطط في ترسيم سياسة كل وزارة، وغيرها، حتى وصل الامر إلى تقريرهم قبول طلاب الكليات وعدمه، ودائماً يدفعون جماعتهم إلى المراكز المهمة والحساسة في الدولة، ويدفعون الشيعة عنها.

وأما إذا تقدم أحد الشباب النابه في جهاز الدولة من الشيعة غفلةً عنهم، عسكرياً كان أو في الوزارات، أو في البرلمان، لا سيما إذا كان التعيين في مكان حساس، تقوم قيامتهم ; فيقومون بخلق المشاكل والعراقيل، والتخطيط للاطاحة به ; حتى لا يصل إلى مستواهم من المراكز المهمة الحساسة، حتى لو كان هذا ممن يسايرهم، كل ذلك يجري بواسطة أولادهم وذويهم المتمركزين في أجهزة الدولة، وكان الحاكم النعساني أحدهم. كما أنّ غلق «جامعة الكوفة» ومطاردة مؤسسيها تم عن هذا الطريق، وكاتب هذه السطور أحد الضحايا.... فإنا لله وإنّا إليه راجعون.

الاميني في الاعظمية:

كان العلاّمة الاميني (قدس سره) مشغولاً في تأليف موسوعته «الغدير»، وقد وصل إلى فصل مهم من فصول الكتاب - وأظنه - «نوادر الاثر في علم عمر» أو غيره من الفصول المهمة، ولغرض جمع الاحاديث وربطها مع بعضها، والتي تخص البحث الذي بيده، وصل إلى طريق مسدود ; لانّ الكتاب الذي فيه تتمة بحثه مفقود وتعطل البحث لفقدان الحلقة التي تربط سلسلة أحاديثه بعضها بالبعض([22]).

ولما عجز عن ذلك قصد حرم أمير المؤمنين، واقفاً أمام الضريح المطهر شاكياً إليه معاناته في الحصول على هذا لمصدر، ولسان حاله يقول: سيدي الكتاب كتابك وقد عجزت عن الحصول على المصدر المطلوب، فإن كان لك حاجة بالكتاب هيّىء لي مصدره، «وخطاب الاميني لامامه يختلف عن خطابي أو خطاب أي رجل عادي».

وفي اليوم الثاني زاره - حسب العادة - العلماء والفضلاء، وهو بدوره يسألهم عن الكتاب المفقود - قال أحدهم: الكتاب الذي تبحث عنه في الاعظمية عند أحد علماء السنة - قال لي الشيخ اسمهُ ولكني نسيته - والذي أظنه أحد الثلاثة: إمّا أن يكون نجم الدين الواعظ، أو عبد الجبار الاعظمي، أو شخصاً من بيت الالوسي - على كل حال - وأردف المخبر: إنّ هذا الرجل متعصّب جداً وناصبي، بالاضافة إلى أنّه ضنين بكتابه لا يعيره لاقرب المقربين إليه، فكيف تستطيع الحصول عليه؟!! قال العلاّمة الاميني (قدس سره): أستعين بالله عليه.

قال: في اليوم الثاني عزمت السفر إلى الكاظمية، وكان ذلك في شهر رمضان والوقت صائف وحار جداً، خرجت من النجف الاشرف فجراً قاصداً زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) في كربلاء، وكنت صائماً ثم فطرت على الماء فقط، ومن ثم قصدت الامامين الجوادين (عليهما السلام) في الكاظمية، وبعد أداء مراسم الزيارة توجهت إلى الاعظمية ; لابحث عن الكتاب المفقود وصاحبه.

وصلت الاعظمية ضحىً، سألت عن دار الشيخ فدلني أحدهم عليه، فلما طرقت الباب خرج الشيخ بنفسه، وما أن رأيته سلمت عليه مصافحاً وأقبلت عليه معانقاً، فبهت الرجل واستوليت على كيانه ومشاعرة، وكان نحيف الجسم قصير القامة([23])، بعد ذلك قلت له: علمت أنّ في مكتبتك الكتاب الفلاني، وقد جئت من النجف لاطالعهُ وأقرأه، اُخِذَ الرَجُل وَبُهِتَ ولم يحر جواباً، وبحكم الهيمنة عليه ما استطاع أن يعتذر مني أو يردني، فقال: تفضل شيخي واصعد إلى المكتبة لتطّلع على ما تريد، وصعد معي - والحديث لا يزال للعلاّمة الاميني - قال دخلت المكتبة وشاهدت الغبار يعلو جميع أجزاء المكتبة، والكتب مبعثرة هنا وهناك، وكأنها مهجورة منذ زمن بعيد ولم تمسها يد منذ أشهر وربما سنين، تركني صاحب المنزل وحدي ونزل، عند ذلك فتحت حزامي - عادة يكون من قماش - ووضعت عمامتي وقبائي فيها وغطّيتها عن الغبار، وابتدأت بتنظيف الكتب، وإزالة الغبار وعزلها، وأنا أتصبب عرقاً من شدة الحر والجو الخانق ; لا مروحة، ولا ماء، حتى ولا طعام، واختلط الغبار بالعرق على رأسي ووجهي وأطرافي، وأنا مشغول في مطالعاتي واستنساخي، حتى العصر وأخذني الاعياء، ولم اُصلِّ فريضتي الظهر والعصر، ولا مرّ عليَّ أحد، وقد احتجت إلى الماء لاشرب وأتطهر.

عند ذلك طرقت الباب الداخلي فجاء الشيخ والنعاس في عينه فارتبك لما رآني بهذه الحالة، ثم قال: أنت لا تزال هنا؟!! وما هذا الغبار الذي يعلو رأسك ووجهك. فو الله لقد نسيت أنك لا تزال هنا بهذا الحر، ونسيتك تماماً، وقد تغدينا ولم يبق عندنا شيء نقدمه لك من الطعام إلاّ القليل.

قال الشيخ: لا بأس عليك، آتني بماء لاشرب وأتوضأ، فنزل مسرعاً وجاء بالماء، وبعد أن أتم الشيخ صلاته جاءه بالطعام معتذراً لقلته، وقال: هذا الذي فضل من غدائنا - مما يدلّ على أنّ شهر الصيام لم يصل إلى دارهم بعد - وهناك كلام كثير حول هذا، ولكني أطوي عنه ; روماً للاختصار.

وعلى أي حال فقد حَصَل سماحته على بغيته، واستنسخ ما يريد استنساخه بعد العمل المضني الشاق، وهكذا يكون طريق ذات الشوكة من الاولياء، والمجاهدة في سبيل تحقيق ما يصبون إليه، وهذه واحدة من المعاناة التي تحملها العلاّمة الاميني في تثبيت ركائز ودعائم الدين والولاء.

فجزاه الله عن الاسلام خير الجزاء، وحشره مع المجاهدين الصابرين.

زارني الليلة وهي ليلة الجمعة الخامس من شهر الصيام 1416هـ في داري بقم المشرفة، العلامة المجاهد الشيخ محمد مهدي الاصفي، وجرى حديث شيق عن العلماء والكتب والكتاب والمؤلفين، كما جرى ذكر العلامة الاميني (قدس سره) فذكرت شذرات من حياته الشريفة، فانبرى سماحة الشيخ الاصفي وحدثني قصة سمعها عن المرحوم العلامة الاميني نقلاً عن حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد النوري الذي كان ملازماً له ومكتبته في النجف الاشرف، وقد سمع القصة منه (قدس سره) مباشرةً - انقلها بالمعنى -

قال العلامة الاميني: كنت في احدى ليالي الجمع زائراً حرم امير المؤمنين (عليه السلام) مشغولاً بالزيارة والدعاء، طالباً من الله سبحانه وتعالى وبشفاعة امير المؤمنين ان يهيىء لي كتاب درر السمطين النادر في حينه قبل أن يطبع لاكمال بحث مهم من فصول الغدير، وبينا كنت مشغولاً بالدعاء اذ حضر قروي لزيارة الامام (عليه السلام) طالباً من حضرته ان يقضي حاجته ويشافي بقرته، وبعد اسبوع جاء القروي نفسه لزيارة الامام (عليه السلام) ليشكره ويشكره على استجابة طلبه وقضاء حاجته.

ومن حسن الصدف أني كنت حاضراً بالحرم الشريف اجدد العهد واقوم بواجب اداء الزيارة، ولما سمعت كلام القروي هزتني الحادثة، لان الامام (عليه السلام) قضى حاجة القروي ولم يقضِ حاجتي وطلبي. أخذت مني هذه الحادثة مأخذها وانفعلت، فقلت مخاطباً الامام: استجبت طلب القروي وقضيت حاجته، !! وانا صار لي مدة اتوسل الى الله بحقك ان احصل على الكتاب المفقود ولم احصل عليه، وهل ان الكتاب اريده لنفسي او لكتابك الغدير؟ بكيت وجرت دموعي، ثم خرجت من الحرم وأنا في حالة نفسية سيئة وتلك الليلة ما اكلت شيئاً من شدة تأثري واويت الى فراشي ارقاً، رأيت كما يرى النائم اني تشرفت بخدمة أمير المؤمنين، قائلاً لي: القروي ضعيف الايمان وما يصبر عن حاجته.

نهضت من نومي وأنا فرح مستبشر وفي الصباح وانا على مائدة الافطار اذ طرق الباب جارٌ لنا وكان شغله بناءً، فلما دخل سلم وقال: شيخنا اني اشتريت داراً جديدة أوسع من هذه، ونقلت معظم فرشي فوجدت هذا الكتاب القديم وكان عندنا في زاوية الغرفة، قالت لي زوجتي: هذا الكتاب ما ينفعك ولا تقرأه، قدمه هدية الى جارنا الشيخ الاميني لعله يستفيد منه.

قال الاميني اخذت الكتاب ونفضت ما عليه من غبار، واذا به نفس الكتاب الخطي الذي كنت ابحث عنه من مدة غير قصيرة.

عند ذلك سجدت لله شكراً على هذه النعمة.

لقاء بين علمين:

في حديث لشيخنا الوالد - طاب ثراه - قال: وقفت في (جريدة الساعة) البغدادية الصادرة في شهر محرم عام... ([24]) على قصيدة عصماء للاستاذ حسين علي الاعظمي وكيل عميد كلية الحقوق ببغداد في رثاء الحسين (عليه السلام) واشار في التعليق على بعض أبياتها إلى أن له مؤلفاً في حياة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحببت أن اقف عن كثب على تأليفه وأسبر طريقته في ذلك. وإن وجدت لديه نظماً في واقعة (الغدير) جعلته ضمن شعراء القرن الرابع عشر الهجري. فقصدت داره وكانت على مقربة من احدى سفارات الدول الغربية، فطرقت الباب فخرج اليّ خادمه فسألته عن الاستاذ فأجاب نعم هو موجود في الدار، فطلبت مواجهته فخرج اليّ الاستاذ وما أن رآني اخذ يفكر في السرّ الذي دعاني الى زيارته، لِمَ قصد هذا العالم الشيعي زيارتي؟ أهو بحاجة للتوسط في قبول ابنائه في الجامعة؟ أم للتوسط في توظيف أحد منسوبيه في احدى الدوائر؟ فبدأته بالسلام وقلت: أنا أخ لك في الدين، فان كنت في شكّ من اسلامك فأنا قبل كل شيء اعترف باسلامك وايمانك لما سبرته في قصيدتك العصماء في رثاء سيدنا السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)من نزعة دينية. وإن كنت في شك من اسلامي فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق. فخرج الاستاذ إلى خارج الدار ومدّ يده للمصافحة، عند ذلك بسطت له ذراعيّ واحتضنته فتبادلنا القبلات وسار بي الى الغرفة الخاصة باستقبال زائريه.

عند ذلك افتتحت الحديث بالكلام حول قصيدته، وتطرقت الى ما اشار إليه في التعليق على بعض ابياتها وأن له مؤلفاً حول الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وانني قصدته من النجف الاشرف لاشكره على قصيدته ورؤية مؤلّفه.

خلال بحثنا فيما عرضته عليه دخل الغرفة بكل أدب اشباله الثلاثة، وكانوا من ذوي الثقافة العالية عليهم سيماء العلم والادب. وبعد المصافحة وتبادل عبارات الترحيب، اغتنم الاستاذ الاعظمي الفرصة واراد أن يستخبر ميزان ثقافتي وعلمي، وما أتحلّى به من العلوم الاسلامية فقال: شيخنا ما رأيكم حول كتاب (عبقرية الامام) تأليف الاستاذ المصري عباس محمود العقاد؟ ولم يكن مضى على عرض كتابه في الاسواق التجارية سوى اشهر عديدة، وقد لاقى اقبالاً كبيراً بين الشباب العربي والاسلامي.

قلت: لا اخال أنّ الاستاذ العقاد كتب ما يشفي الغليل، اذ ليس بوسعه ولا بوسع اُمّة من امثاله عرفان شخصية الامام على حقيقتها مهما جدّوا واجتهدوا في ذلك. وبهذا طرأ على الاستاذ وابنائه استغراب وتفكير، واستغرق ذلك شيئاً من الوقت في جوّ يسوده الهدوء. فتقدمت بالكلام وقلت: تسمحون لي، قد اكون انا في كلامي اوجدت نزاعاً بينكم. اذ بعد أن اترك الدار ستقوم القائمه بينكم، فتعترضون على والدكم قائلين: يا بابا! كيف يتسنى لشخص بهذه البزّة وهذا الهيكل أن يقف على الغثّ والسمين ويتعرف على ما جاء في كتاب (عبقرية الامام)؟ وستكون اجابة الاستاذ إليكم: كلاّ يا ابنائي، ليس الامر كما تزعمون، بل إنّ الرجل عالم من علماء امّة من المسلمين، وعلى علم بكلّ شيء، الا أنّه لا يروقه أن يثنى على كتاب اديب سنّي مخالف لنزعته الدينية، وحتى لا اكون اضرمت نار الفتنة بينكم سأقوم بحسم النزاع بعد ان اعرض على الاستاذ شواهد كلامي، وان كنت مخطئاً فسيتولى مناقشتي برأيه الصائب ويقضي بالحق وهو استاذ القضاء ومربي رجالاته.

عند ذلك سألت الاستاذ الاعظمي قائلاً: هل يسعنا أن نقيس الاستاذ العقاد في الفكر والنظر بواحد من العلماء امثال: أبي نعيم الاصفهاني، الفخر الرازي، ابن عساكر، الكنجي الشافعي، أو أخطب خوارزم واضرابهم ممن كتبوا حول الامام امير المؤمنين (عليه السلام) مؤلفاً خاصاً، أو تطرقوا الى ناحية من حياته في تآليفهم؟

أجاب الاستاذ قائلاً: شيخنا، من الجفاء بحق العلم والعلماء ان نقيس مائة من امثال العقاد بواحد ممن ذكرتم، اذ ان اولئك اساطين العلم وجهابذة الفكر الاسلامي، ولا يتسنى لانسان أن يسبر ما كانوا عليه من مكانة سامية في الحديث والتفسير والحكمة والفلسفة وسائر العلوم الاسلامية.

قلت: إذن ما السر في أنّ اولئك حينمايتطرقون الى ذكر الامام (عليه السلام) لم يتفوهوا في وصفه ببنت شفة بآرائهم الخاصة، بل يذكرونه بما وصفه الوحي الالهي وما روي عن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه؟

قال الاستاذ الاعظمي: هذه نظرية مبتكرة نرجو توضيحها كي نستفيد منها ونقف على السرّ الكامن فيها.

قلت: ألم نكن في دراستنا للمنطق قرأنا قول علمائه: يشترط في المعَّرِف أن يكون أجلى من المعَّرَفِ؟. فالصحابة وأئمة الحديث حيث وقفوا على قول النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ ممسوس بذات الله»([25]).

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عليّ ما عرف الله الا انا وانت، وما عرفني الا الله وانت، وما عرفك الا الله وأنا»([26]).

اهتدوا الى أنّ وجوداً، هذا جزء يسير من خصائصه وصفاته، من العسير على الامة عرفان حقيقته الا بما وصفه المولى عزَّ وجلَّ به. فاعلنوا الى الملا أنّ علياً من المعنيين بقوله تعالى: (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)([27]).

وقوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى)([28]).

وقوله تعالى: (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)([29]).

وقوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون)([30]).

وان خير معرّف للامام (عليه السلام) وخصائصه الذاتية هو ما أصحر به النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله»([31]).

وقوله: «عليّ مع الحق والحق مع عليّ يدور الحق مع عليّ حيثما دار»([32]).

وقوله: «عليّ خير البشر من أبى فقد كفر»([33]).

وقوله: «عليّ مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض»([34]).

ونرى الاستاذ العقاد قبل اشهر عديدة نشر كتاباً حول الشاعر ابن الرومي وهو من رجال القرن الثالث الهجري، وله تراجم مسهبة في كتاب التاريخ والسير، ولم يتحلَّ بشيء من الخصائص فوق خصائص الانسان في حين أخذ العلماء والاساتذة عليه شطحات كثيرة، ونشروا حولها مقالات مسهبة لعدم عرفانه بسيرة الرجل وسلوكه، او اخطائه في تحليل تاريخ حياته، أو بُعدِه عن دراسة نفسيته، أو سوء تفهمه لفلسفة الرجل وشعره.

فمؤلف هذا مبلغه من العلم في الكتابة عن انسان في شاكلته، وهذه سعة اطلاعه عمن انبرى مئات من الكتاب في الكتابة عنه، كيف يتسنى له أن يعرّف بفكره ونظره شخصية ممسوسة بذات الله، وان يكتب عن قطب رحى الحق الذي يدور الحق معه حيثما دار؟

وان كنت أنت أيها الاستاذ قد اتبعت في تآليفك طريقة العقاد فأراني في غنى عن مطالعته، وان اتبعت في كتابك سيرة السلف واعتمدت في بحثك على كتاب الله وسنة نبيه فسأكون شاكراً لك لو سمحت لي بمطالعته.

اجاب الاستاذ الاعظمي قائلاً: كلاّ يا شيخ، انا سرت في كتابي على كتاب الله وسنة نبيه، وسأكون شاكراً لك مدى الحياة لو سبرت كتابي بدقّة وأخذت عليّ ما فاتني مع ما افضته عليّ من حديثك العلمي.

قلت له: هات بحثك وأظهر رؤوس عناوينه. فاوعز الى أحد انجاله بذلك فأحضر ملفاً ضخماً كبيراً وقال: أنا قمت بتحليل شخصية الامام شرحاً وبياناً في الكلام حول اربعة أحاديث.

الاول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور الحقّ معه حيثما دار».

قلت له: أترى هذه فضيلة تخصّ علياً سلام الله عليه؟

قال: بلى، ولم يشاركه فيه أيّ ابن انثى.

قلت: فما تقول في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عمار مع الحق والحق مع عمار يدور عمار مع الحق حيثما دار»؟ وأوعزت الى مصادر الحديث.

وجم الاستاذ حينما سمع ذلك، وطأطأ برأسه وطرأ على الحفل هدوء مشفوعٌ بتأثر مزعج، وبعد دقائق رفع الاستاذ رأسه وقال: شيخنا نسفت ربع البحث بحديثك وقضيت على الحول الذي بذلته دونه.

قلت له: بل أحييت لك كتابك وأظهرت لك بالحديث الذي ذكرته ما خفي عنك وعن الصحابة قبلك السرّ الكامن فيه.

قال: وما ذلك؟

قلت: عندما أصحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديثه حول عليّ سلام الله عليه، لم يدرك المجتمع الاسلامي الناحية الهامة الكامنة في الحديث، لذلك أصحر بحديثه حول عمار ليدرك المجتمع مكانة عليّ سلام الله عليه الالهية بذلك. ففي حديث علي (عليه السلام)جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً محوراً للحق وقطب رحاه، قال: «علي مع الحق والحق مع عليّ يدور الحق مع عليّ حيثما دار عليّ».

وفي حديث عمار قال: «عمار مع الحق والحق مع عمار يدور عمار مع الحق حيثما دار الحق».

وبهذا اراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيّن للعالم أنّ عليّاً (عليه السلام) هو قطب رحى الحق، والحق يدور معه حيثما دار هو سلام الله عليه، وكل طالب للحق عليه أن يكون على صلة في عليّ (عليه السلام) كي يتسنى له أن يعرف الحق ويتصل به ويسير على نهجه.

هنا طرأ على الاستاذ وانجاله فرحة وسرور فقالوا بصوت عال: الله أكبر، الله أكبر، ما أحلاه من شرح وتوضيح يقام له ويقعد.

الى هنا اختتم ما سمعت من حديث شيخنا الوالد - طاب ثراه - وما رسخ في بالي - ومنه سبحانه وتعالى استمد العون والتسديد. والحمد لله رب العالمين -

رضا الاميني

منقبة لامير المؤمنين (عليه السلام) بحق العلاّمة الاميني

حدّثني آية الله السيّد عبّاس الكاشاني، عندما تشرّفت بزيارته في داره بقم المقدّسة، يوم ولادة الامام الرضا (عليه السلام) مساء الثلاثاء 11 ذي القعدة الحرام من سنة1415 هـ مهنّئاً له، ومستفسراً عن صحّته، ومستعيراً منه «معجم رجال الفكر»; لاطّلع على ما كتب فيه بحق العلاّمة الاميني (قدس سره).

وجرى الحديث عن حياة العلاّمة الاميني، فحدّثني عن نادرتين سمعهما منه مباشرةً.

قال ما معناه: زرت يوماً العلاّمة الاميني (رحمه الله) في داره بالنجف الاشرف، بمعيّة آية الله السيد مصطفى الكشميري، عم آية الله السيّد عبد الكريم الكشميري - الموجود حاليّاً في قم - بحضور آية الله الشيخ محمد علي السنقري، من أجلاّء علماء كربلاء.

قال السيد الكاشاني: حدّثني العلاّمة الاميني قائلاً:

عندما وصلت في تأليفي الى الجزء السادس من «الغدير» احتجت لبعض الاحاديث والروايات المهمّة في كتاب «ربيع الابرار» للزمخشري، وهذا الكتاب - قبل أن يطبع وينشر - كان خطّياً ونادراً ولا يوجد منه إلاّ ثلاث نسخ خطّية ; واحدة منها عند الامام يحيى في اليمن، والثانية في المكتبة الظاهرية بدمشق، والنسخة الثالثة عند أحد الايات العظام في النجف الاشرف، ولمّا توفي هذا العالم (رحمه الله)، ورث المكتبة - بما فيها هذا الكتاب - ولده.

«الحديث لا يزال للعلامة الاميني (قدس سره)».

قصدته بنفسي وطلبت منه أن يعيرني كتاب «ربيع الابرار» ثلاثة أيام، فامتنع، قلت له: أعرنيه يومين، امتنع، أو يوم واحد، امتنع.

بعدها قلت له: أعرنيه ثلاث ساعات امتنع، وأخيراً قلت له: اسمح لي أن اُطالعه عندك في دارك، امتنع كذلك!! اُسقط ما في يدي، وتحيّرت ; ماذا أعمل، ولمن أذهب؟!!

قصدت بعدها المرجع الديني الاعلى السيد أبو الحسن الاصفهاني يومذاك ; ليشفع لي في إعارة الكتاب، كذلك امتنع عجيب!

ثم ذهبت الى آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء لعلّه يعيره الكتاب، فامتنع عن إعارته.

وبعد أن أصابني اليأس قصدت الحرم المطهّر وشكوت أمري الى أمير المؤمنين، ثمّ ذهبت الى داري مهموماً مغموماً، وبعد سهر الليل، أخذتني سنة من النوم، فرأيت فيما يرى النائم الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) فشكوت إليه حالي وما عانيت بسبب الحصول على الكتاب المزبور، قال لي الامام (عليه السلام): جواب سؤالك عند ولدي الحسين.

فاستيقظت على أثر ذلك وقمت من فراشي، وأسبغت الوضوء - وكان ذلك قبيل الفجر - وارتديت لباسي قاصداً حرم سيد الشهداء في كربلاء، استأجرت سيّارة من موقف السيارات، وما أن وصلت كربلاء حتى قصدت الحرم المطهّر، وبعد أداء فريضة الصبح ومراسيم الزيارة شكوت للامام أبي عبد الله الحسين حالي وما أمرني به أبوه الامام أمير المؤمنين (عليه السلام).

وبعد ذلك خرجت من الحرم متّجهاً إلى حرم أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وبعد أداء مراسيم الزيارة، شكوت له حالي كما شكوت قبل ذلك الى أبيه وأخيه ; لعلّي أجد ضالّتي، ثمّ خرجت الى الصحن الشريف، وكان ذلك أو ان شروق الشمس، وما أن جلست في أحد الاواوين وأنا اُحدّث نفسي إذ أقبل إليَّ الخطيب المفوّه الشيخ محسن أبو الحب - وهو أبرز خطيب في كربلاء في حينه - فسلّم عليَّ وعانقني مرحّباً بي، ثمّ دعاني الى داره القريبة للاستراحة ولتناول فطور الصباح، فأجبت الدعوة وذهبت معه، وكان الوقت صائفاً.

فجلسنا في المكان المعدّ لنا في حديقة داره، وبعد استراحة قصيرة قلت له: أرني مكتبتك، قال: إن شاء الله بعد أن نتناول الفطور، قلت: إنّي آنس بالمكتبة والكتاب أكثر مما آنس بالجنينة وأزهارها، فامتثل الشيخ محسن أبو الحب، فرافقني الى مكتبته، وإذا بها مكتبة عامرة كمّاً وكيفاً، فصرت أجول بين الكتب: اُقلّب هذا، وأتفحّص ذاك، واُطالع الاخر، حتّى عثرت على ضالّتي المنشودة، ووجدت الكتاب الذي أبحث عنه «ربيع الابرار» للزمخشري.

ولمّا مسكته بيدي عرفت سرّ أمر الامام (عليه السلام)، ثم خنقتني العبرة وأجهشت بالبكاء، فجاءني صاحب الدار مستغرباً، ومستفسراً عن سر بكائي!

فحدثته عن مجريات الاُمور مفصّلاً، وقلت له: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أمرني وحوّلني على ابنه أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، والامام الحسين (عليه السلام) حوّلني بدوره عليك.

فلما سمع الشيخ محسن أبو الحب ذلك بكى ثم هزّته الاريحيّة، فأمسك بالكتاب وقال: شيخنا الجليل، هذا الكتاب الخطّي يعتبر من النوادر، وإنّ قاسم محمد الرجب([35]) - الناشر وصاحب مكتبة المثنى ببغداد - دفع لي به مبلغ ألف دينار([36]) لشرائه حتى يطبعه فما أعطيته إيّاه.

فأخرج القلم من جيبه وكتب عليه إهداءه الى العلاّمة الاميني، وقال: هذا جواب حوالة سيديَّ الامامين أمير المؤمنين علي، والحسين (عليهما السلام).

وبعد أن افتتح العلاّمة الاميني مكتبته العامّة في النجف الاشرف «مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة» أوقفه باسمه الاوّل «الشيخ محسن أبو الحب» رحمهما الله([37]).

انتهت هذه المكرمة، ولله الحمد أولاً وآخراً.

القصة الثانية:

التي حدثني بها سماحة السيد الكاشاني، نقلاً عن العلامة الاميني (قدس سره) مباشرة «ما معناه»:

قال: حدثني العلاّمة الاميني شخصياً بنفسه قال: ركبت مرّة إحدى البواخر المتّجهة الى ميناء جدّة ; قاصداً حج بيت الله الحرام، وكنت بزي أعرابي لابساً الكوفية - الغترة - نازعاً العمامة، وقبل أن تقلع الباخرة صعدها شيخ وقور محاط بالحشم والخدم، ولمّا صارت الباخرة تمخر عباب البحر، قصدته مسلّماً عليه، وجلست عنده، فسألني: من أين الشيخ؟ قلت له: من خدمة أهل العلم في النجف الاشرف، قال: لعلّك رافضي؟

قلت: الحمد لله على الاسلام.

قال: إنّي أكره الرافضة أشد الكره وأمقتهم «بدون مجاملة» ; لانّ أوّل اسم للشيعي «ش»، وهو مفتاح كل شر، وشؤم، وشماتة، وغيرها من الكلام التافه.

ورأيت أن اُجيبه على مقدار عقله وما يحمله من الحقد، والضغينة، وعدم الادب في اسلوب المحادثة والمجاملة.

قلت: إذا كان ذلك، فإنّ أوّل اسم السني «س» وهو مفتاح كل سوء، وسؤم، وسقر، وسم، و. و. وإلى غير ذلك، فلمّا سمع ذلك عجز عن الجواب، ارتعدت فرائصه، وغضب وشاط وصاح بي: قم عنّي أيّها... !! وصدرت منه كلمات بذيئة يترفّع عنها أهل العلم، وحتّى لا تناسب العامّة من الناس هكذا منطق أهل الباطل.

سبب تأسيس المكتبة:

كانت في النجف الاشرف مكتبات كبيرة تضم الكثير من المصادر والمخطوطات، غير أنّها كانت شخصية وخاصة ببعض البيوتات العلمية، ولا يمكن الاستفادة منها بصورة عامة، لا سيما إذا كان المؤلف أو المحقّق بعيداً عن الاسرة ; فإنّه لا يمكن أن يرى المخطوطة فضلاً عن أن يطالعها أو يستنسخ منها شيئاً.

وفعلاً فقد لاقى العلاّمة الشيخ الاميني (قدس سره) - عند تأليفه لسفره الخالد كتاب «الغدير» - الامرّين والعنت والجهد الجهيد في الحصول على المصادر المطلوبة فقد كان (رحمه الله) يبثني همومه وشكواه، وما يعانيه من الحصول على المصادر العلمية وغيرها، وقد ضاق بهذا الامر ذرعاً، وتحسس ما كان يعانيه المحقّق أو المؤلف من مرارة البحث والتنقيب، خاصة والنجف الاشرف هو المركز العلمي والديني في العالم الاسلامي. عند ذلك انقدحت عنده فكرة تأسيس مكتبة عامة في النجف الاشرف، تضم أمهات المصادر لعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك تحقيقاً لامنيات رجال البحث والتحقيق والتأليف.

فبادر - رضوان الله تعالى عليه - فور وضوح الرؤيا لديه بكل همة ونشاط، واتصل بالمؤمنين من أصحاب الامكانات الذين يدركون أحاسيسه، وفاتحهم بمشروعه القيم وسعيه في إخراجه إلى حيز الوجود، فلقي من بعضهم الرغبة الصادقة في المساهمة بإنجاز المشروع.

وأول ما ابتدأ به شراء دارين متجاورتين في محلة الحويش وفي آخر سوقه، واستمر بشراء ما يمكنه شراؤه من الدور المجاورة ; تمهيداً لتشييد مكتبة ضخمة تليق باسم النجف الاشرف ومركزه العلمي في العالم الاسلامي والشيعي، وتليق باسم صاحبها أمير المؤمنين (عليه السلام).

وفي سنة 1375هـ = 1955م بوشر بحفر الاسس وبناء (السرداب) والمخازن تحت الارض، وقد تحمل (رحمه الله) الكثير من قلة ذات اليد، ولكن الله سدد خطاه بإكمال التصميم الذي وضعه، وأصبح جهاده ذا شقّين:

الاول: جمع المال لاكمال البناء وشراء بقية الدور المجاورة.

والثاني: الحصول على المصادر من الكتب، الخطية وغيرها، فكان يسافر كل سنة إلى إيران وغيرها من الدول الاسلامية بنفسه أو يراسل من هناك لانجاز هذا المشروع العظيم.

وبعد أن مضى على هذا العمل الدؤوب أكثر من سبع سنوات تم إنجاز المرحلة الاولى من بناء المكتبة، وتم افتتاحها في يوم الغدير ; تيمناً باسم صاحب المكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سميت باسم «مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)العامة» ومع الاسف لم يكن في النجف من يتحسس بأحاسيسه، ويشعر بشعوره إلاّ القليل، على الرغم مما يضم النجف الاشرف من فطاحل العلماء والمحققين والادباء والتجار وغيرهم.

وكان (رحمه الله) يطلعني على كل شاردة وواردة من شؤون المكتبة، ويبثني همه وحزنه وشكواه، شفاهاً مرة وتحريراً أخرى. وكنت أعيش محنته وهمومه، وأشاركه باليسير الذي استطيع إنجازه من الناحية العمرانية والمالية.

وعندما كمل البناء سَجّلهُ مع الدور المجاورة التي بحوزته - والتي لم تدخل في البناء بعد - في دائرة التسجيل العقاري وفي دائرة الاوقات بالنجف الاشرف. وبما أنّه إيراني الجنسية ولا يمكن أن يكون هو الواقف فقد جعل هيئة التولية والواقفين باسم عراقيين، وهم ثلاثة: عبد الحسين النجم، وكاتب الحروف (حسين الشاكري)، وهاشم عبد الباقي الطيار، وذلك لما لمسه منا - نحن الثلاثة - من الاخلاص الصادق في إنجاز بعض شؤون المكتبة وبنائها، وتحسسنا بشعوره، كما أنّه عين متولّين شرعيين من المساهمين في إيران، وعددهم تسعة أشخاص، وهم:

العراقيون:

الحاج حسين الحاج محمد الشاكري

هاشم الحاج عبد الباقي الطيار

عبد الحسين الحاج علي النجم

الايرانيون:

الحاج اسماعيل سيگاري

الحاج فرج موحدي

الحاج سيد مصطفى عالي نسب

الحاج محمد علي بوستي

الحاج حسين عليزاده كاغذي

الحاج ابراهيم رمضاني

الحاج حسين كاشاني

الحاج الشيخ رضا الاميني النجفي

الحاج مجيد پركار

وبعد افتتاح المكتبة وانتهاء مراسم التولية والتسجيل في الدوائر الرسمية بالعراق، سافر بصحبة ولده الشيخ رضا إلى الهند لزيارة معالمها الاثرية الاسلامية، لا سيما جامعاتها ومكتباتها الضخمة التي تضم عشرات الالوف من أنفس المصادر ، لا سيما مكتبة جامعة علي گر، وغيرها المنتشرة في طول الهند وعرضها. وكان موضع استقبال كبير منقطع النظير، وعاد بعد ثلاثة أشهر بصيد سمين من أثمن مصادرنا ومعالمنا الدينية، سواء (بالمايكروفيلم) أو الاستنساخ باليد، وذلك سنة1382هـ = 1962م، وثمرة السفرة هذه ألفَ كتاباً خاصاً أسماه «ثمرات الاسفار».

وفي السنة الثانية، أو بعد أشهر من عودته من الهند سافر إلى إيران ; لنفس الغرض، ومع أنّ تردّده إلى إيران ما كان يثير انتباه أحد، غير أنّه كان يعود إلى النجف محملاً بالكتب والاثاث والسجاد الثمين وغيره ; لان كثيراً من أهل العلم والمال والمنصب يعرفون مقامه ومنزلته العلمية والجهادية.

وفي سنة 1964 قرر السفر إلى دمشق الشام ومعه ولده الشيخ رضا ; لمتابعة جولته في الاطلاع على التراث الاسلامي بين رفوف مكتباتها القديمة والاثرية، كالمكتبة الظاهرية وغيرها، فقمت بتهيئة متطلبات السفر لهما من قطع تذاكر السفر جواً إلى الشام وغير ذلك، كما اتصلت بالحاج محمود الشيرازي في دمشق هاتفياً لاستقبال العلاّمة الشيخ الاميني وتهيئة سكن مريح ولائق به ; ليكون في خدمته بإنجاز متطلباته الاخرى، والحاج محمود هذا صديق لي وتاجر متصد لمثل هذه الامور الخيرية.

وبعد فترة قصيرة سافرت إلى فرانكفورت بألمانيا الغربية لاغراض صناعية وعند عودتي لم يدر في خلدي أن أعرّج على دمشق الشام وأنا في طريقي إلى بغداد ; لانه كان من الصعوبة بمكان دخول العراقي إلى سوريا ; نتيجة للوضع السياسي حينذاك. غير أنني قررت فجأة ذلك، وكأنّ هاتفاً يهتف بي أن اُعَرِّج على دمشق، وفعلاً قدمت دمشق، وفور وصولي اتصلت بالعلاّمة الاميني وزرته في مقر إقامته وعمله، وعند اجتماعي به في الجناح المخصص له لمتابعة أعماله ومطالعاته في المكتبة الظاهرية، وجدته يواصل بحثه واثار التعب والارهاق بادية على محياه.

وعندما استقر بنا المقام اطلعني على إنجازاته العظيمة في استنساخ الكتب القيمة، والتي تعتبر من أهم مصادرنا ومراجعنا في الفقه والحديث، والتي طالما كنا نسند إليها الروايات وهي ليست في أيدينا، وكان سماحته قد استنسخ منها بيده الشريفة ما يناهز الالف وثمانمائه ورقة كبيرة (فولسكاب).

كما أطلعني على قائمة كبيرة من الكتب الخطية القديمة والمطبوعة بالحجر، والتي تضم أهم معالم تراثنا وأسانيدنا، بحيث لا يمكن استنساخها باليد حتى لو طال الامد إلى سنين عديدة ; لكثرتها، وشرح لي تفاصيل مشروعة، فأعجبت به كثيراً، وفوراً أجبته بأن تكون جميع تكاليفه على حسابي الخاص، فنظر إليّ وبكى وقال: الحقيقة تريد يا حاج؟ إنّي كنت قد قررت تصوير كل الكتب الخطية (بالمايكروفيلم) على شكل أشرطة، ومن ثم تظهيرها على الورق الحساس وتجليدها، فتصبح بذلك كتاباً يحاكي النسخ الاصلي، ولكن هذا المشروع كان يكلف مبالغ طائلة ومجهوداً كبيراً، ولما لم أكن أملك المال اللازم لذلك، بقيت متحيراً لا أدري ما أفعل ; وأخذت تدور في ذهني تساؤلات وتساؤلات.. هل أراسل تجار إيران وأفاتحهم بذلك؟ هل أؤجل المشروع أم أتركه بالمرة؟ هل أصبر حتى يفتح الله لي باباً؟ هل؟ هل؟.. ولما لم أجد حلاً ووصلت إلى الطريق المسدود، توجهت إلى الله بنية صادقة وتوسلت بالامام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد توسلي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طالباً منهم إنجاز مشروعي هذا، وأخيراً تركت الامر إلى تدبير الله جل وعلا.. وطالما سألته تعالى أن تكون المساهمة في هذا المشروع على يد نظيفة وخالصة لوجهه سبحانه، فها أنت نلت هذا الشرف والتوفيق، فهنيئاً لك. جعل الله يدك هي العليا، ولا يجعلها السفلى.

أما كمية الكتب المراد تصويرها فكانت تربوا على الربع مليون ورقة، وتكون عشرات الكتب الضخمة، غير أنّ التوفيق لم يستعفنا في تصويرها كلها فصوّرنا ما يمكن تصويره، وفعلاً رصدت المبالغ اللازمة للمشروع، وبعد الاجتماع بالسيد أنيس عمار المتصدي للتصوير والاستنساخ بحضور ومعرفة الشيخ رضا الاميني، تم الاتفاق معه، فباشر بتصوير الكتب المطلوبة من يومها. وبعد سنتين أو ثلاث أصبحت الكتب جاهزة للمطالعة، وهيئت لها خزانات خاصة لحفظها، وختم على جميعها هدية الحاج حسين الشاكري إلى مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة.

وتمر الايام والمكتبة تزخر شيئاً فشيئاً بالكتب والمصادر. وكانت وفود علمية وأدبية أو سياسية - في بعض الاحيان - تزور العراق، وكانت الحكومة تجعل لضيوفها برنامجاً لزيارات العتبات المقدسة، وفي مقدمتها النجف الاشرف ; لانها عاصمة التشيع وإحدى أهم المدن الرئيسية العلمية، فهي كالجامع الازهر بالقاهرة ، وجامعة القرويين بتونس، وجامعة الزيتونة بفاس في المغرب، وعند زيارتهم النجف الاشرف بعد الحرم المطهر للامام علي (عليه السلام) يزورون أهم معالمها ومن جملتها مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذات مرة كنت في اجتماع في المكتبة وإذا باتصال هاتفي - وكان المتكلم قائم مقام النجف - يخبر الشيخ رضا الاميني بوصول وفد إلى النجف الاشرف ويريد زيارة المكتبة، وعند سماعي الخبر غادرت المكتبة ; لافسح المجال للشيخ بالتوجه إليهم والاستعداد لملاقاتهم أولاً، وثانياً لاني ماكنت أحب الظهور في مثل هذه المناسبات.

وفي الاسبوع الثاني - عند زيارتي - حدثني فضيلة الشيخ رضا الاميني عن زيارة الوفد قائلاً: كان الوفد يتألف من رئيس الجامعة العربية بالقاهرة، ورئيس جامعة ام درمان بالسودان، وممثل اليونسكو في الشرق الاوسط، وكان بمعيتهم الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، ومدير المكتبات العام في بغداد، وقد حدثهم عن تاريخ تأسيس المكتبة وما تحتويه من الكتب القيمة والاثار النفيسة، والاشياء النادرة، ولا سيما بعد مشاهدتهم المصورات وأفلام المايكروفيلم، التفت ممثل اليونسكو إلى مدير المكتبات العام متسائلاً: تقولون إنّ عمر المكتبة لا يتجاوز عشر سنوات وليس لها أي مورد؟! فأجابه الدكتور محيي الدين: نعم. فقال رئيس الوفد: هذا مستحيل، كيف يكون ذلك مع عدم وجود الموارد الثابتة؟ فأجابه الشيخ رضا: نعم، وهكذا معظم مشاريعنا، وبعد ذلك سأل عن اسم المتبرع لهذه المجموعة من الكتب المصورة والمثبت اسم هاديها عليها، هل هو زعيم أو شخصية علمية ومثرية كبيرة؟ فلما أجابه بأنّ المُهدِي لهذه المجموعة من الكتب هو شخص كاسب اعتيادي، اندهش أكثر وقال: إذا كان الرجل البسيط والكاسب منكم يتحسس بهذه الاحاسيس ويتبرع بهذه المجموعة الضخمة، فكيف بالاكبر منه؟! لقد ثبت عندي أنّ هذا الشعب حي لا يموت.

الاميني يودّع الدنيا:

وتمضي بنا الايام، وأنا على ما عليه من النشاط ومواصلة العمل الدؤوب بتشعباته، حتى ابتلى العلامة الشيخ الاميني بمرضه الذي لازم بسببه الفراش ابتداء من سنة 1968م حتى وفاته في صيف سنة 1970م. وعلى الرغم من عرضه على عدة أطباء اختصاصيين في بغداد، وإدخاله المستشفى مرات عديدة، إلاّ أنّ ذلك لم يجدِ نفعاً، وأخيراً سافر إلى طهران لاتمام علاجه حيث العناية والاطباء الماهرون هناك أكثر وأوفر.

وبعد سنة من العلاج الطبي، وبناء على طلب أولاده سافرت إلى طهران سنة1969م ; لزيارة مرقد الامام الرضا (عليه السلام) أولاً، وزيارته ثانياً، وعند زيارتي له في المستشفى وجدت المرض قد أثَّر فيه وأصبح نصف مشلول، يغشى عليه ساعة بعد ساعة، واليك تفصيل ذلك.

زيارة الوداع للاميني:

عصر أحد الايام من أوائل سنة 1390هـ اتصل بي هاتفياً أحد الذين يتصلون بالعلاّمة الاميني في داري ببغداد، وقال: وصلت تواً من طهران بأمر مهم يخص العلاّمة لاستشارتك، وأنا الان منتظرك في المكتب([38]) قلت: خلال نصف ساعة سأكون عندكم.

فلما وصلت المكتب كانوا في انتظاري، فلما استقر بي المقام سألته: خيراً إن شاء الله، ما الذي جاء بك؟!

قال: تعلم إنّ سماحة الشيخ لا يزال في إحدى مستشفيات طهران وقد تدهورت صحته، ورغب بعضنا نقله إلى بغداد وإدخاله في إحدى مستشفياتها ; حتى إذا توفي يكون قريب رمسه وبجوار قبره، والبعض الاخر يعارضون ذلك، كما أنّ أصدقاء الشيخ يعارضون ذلك، وأخيراً تم الاتفاق على مشورتك بحضورهم جميعاً أن آتيك وأستشيرك، والرأي الاخير لك فما تراه؟!! وقد وافق الجميع على هذا الاقتراح.

بعدما سمعت كلامه. قلت للموفد: أسألك بعض الاسئلة، أجبني عنها بصراحة.

قال: تفضل.

قلت: هل إنّ العناية الطبية رديئة في المستشفى والادارة مقصرة في حقه؟

قال: لا، أما المستشفى من أرقى مستشفيات طهران، والعناية فيها فائقة جداً ومركَّزة، خاصة في خدمة سماحة الشيخ.

قلت: هل إنّ القائمين بتحمل مصاريف العلاج في المستشفى شعرتم منهم بعض التباطؤ، أو الملل في الدافع؟

قال: بل العكس إنّهم يتفادونه بكل غال ونفيس، ويعارضون أشد المعارضة في إخراجه من المستشفى ونقله إلى العراق.

قلت: هل تتصور إن مستوى العلاج في العراق أرقى منه في إيران؟

قال: لا، بل مستوى العلاج في إيران أرقى بكثير ومتقدم بمراحل.

قلت: إذا نقلته إلى العراق، فهل تضمن وصوله سالماً أو يموت بالطريق؟

قال: لا أضمن ذلك، والله العالم.

قلت: إذا نقلته إلى مستشفيات بغداد ووصل سالماً من الذي يقوم بتغطية نفقات علاجه الباهض وتكاليفه؟!

قال: ننقله إلى دارنا في النجف، لاننا يئسنا من شفائه، وأحب أن يموت على فراشه في النجف.

قلت: إذا نقلته إلى داره بالنجف فمن يقوم بخدمته وتمريضه، هل تقوم بذلك زوجته العجوز، أو زوجات أولاده وهن في إيران أو ماذا؟! ومن؟!

قال: ننقله إلى مستشفى الكوفة.

قلت مستغرباً مستشفى الكوفة؟!! ، وهل مستواه يساوي عُشر مستوى المستشفيات العادية؟ أنت تعلم أنّ الصحيح إذا دخل مستشفى الكوفة يخرج منها مريضاً.

عند ذلك سكت ولم يعلق على كلامي. هنا تدخل أحد الحضور الذي جاء معه وقال: الحق مع الحاج الشاكري، وانّ كلامه صحيح ومنطقي.

قال الموفد: إذاً ما العمل؟ وبدون أن أُجيبه على قوله: أخرجت ورقة برقية وكتبت عليها العبارة التالية: سماحة الشيخ يبقى في المستشفى، وسأكون عندكم خلال يومين إن شاء الله. وقلت له: خذ هذه البرقية وأبرقها حالاً إلى طهران.

وخرجنا معاً من مكتبي، وأوصلته إلى مركز البريد والهاتف بسيارتي وذهبت إلى داري وأنا منفعل ومتأثر جداً، وكلي قلق واضطراب.

وفي اليوم الثاني أرسلت جواز سفري بيد أحد الموظفين لاخذ الويزة من السفارة الايرانية ببغداد، وقطعت بطاقة سفر على أول طائرة متجهة إلى طهران، وحينما وصلت طهران توجهت رأساً الى المستشفى «بيمارستان آريا مهر» استقبلني نجله الشيخ رضا الاميني وشرح لي كل أبعاد القضية وما يتعلق بصحة سماحة الشيخ وخلفياتها، وما يتعلق بأمور أخرى وأبعادها.

ثم صعدنا معاً إلى غرفته، ووقفت أمام سريره، وكان في حالة إعياء يغمى عليه ساعةً ويفيق ساعة، ودار الشيخ رضا إلى الجهة الثانية من السرير وكلم والده وأخبره بقدومي، ففتح عينه ونظر إليَّ، ولما شاهدني انفجر باكياً حتى اخظلت بدموعه لحيته والوسادة، ثم قال «بالفارسية» ولسانه ثقيل نسبياً: «آمدي آمدي» أي: «أتيت أخيراً أتيت»، وأنا واقف أمامه متبسماً في وجهه، «ولكن والله يعلم كانت نياط قلبي تتقطع وتقطر دماً وأقول في نفسي: هذا الرجل العملاق هكذا يصرعه المرض؟ فلتخسأ الدنيا وما فيها، وبعد أن هدأ روعه قلت له بلهجة كلها حنان وعطف وبلسان لين هادىء: سيدي تعزّ بعزاء الله، أحدِث لله شُكراً على ما ابتلاك به كما ابتلى نبيّه أيوب فصبر وأعطاه الله أجر الصابرين، وما هذه الامتحانات إلاّ لتزكية أعمالك ورفع درجاتك.

ثم بقيت عنده إلى المساء، واتصل الشيخ رضا هاتفياً ببعض أهله ومعارفه وخُلَّص أصحابه يخبرهم بقدومي، فحضر بعضهم، وكان من بينهم أعضاء هيئه تولية مكتبة «الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)» بالنجف الاشرف: الحاج فرج موحدي، والحاج حسين كاشاني، والحاج إسماعيل سيكاري، وغيرهم من الساكنين في طهران.

وبقيت مع سماحة الشيخ ثلاثة أيام تحسنت صحته خلالها تحسناً ملموساً ثم استأذنت منه لزيارة الامام الرضا (عليه السلام) وبعد يومين رجعت لاجد صحة سماحته قد تحسّنت من الارض إلى السماء مما تعجب به الاطباء المشرفون على علاجه، وقد عزوا ذلك إلى حالتِه النفسية بسبب قدومي وبعثي الامل في نفسه، وقد طلب مني بعض المتولين على المكتبة أن افاتح سماحة الشيخ باناطة إدارة المكتبة إلى المتولين في حياته ; لانهم لم يجرأوا على مفاتحته.

وقبل عودتي إلى بغداد كانت صحته جيدة والبشر يطفح على وجهه، انتهزت الفرصة فقلت له: شيخنا الجليل الحمد لله الذي مَنَّ عليك بالشفاء مما ألَّم بك، وأرجو أن تكون هذه بداية التحسن المُطرد لصحتكم، وإني أرجو أصالةً عن نفسي ونيابةً عن اخواني المتولين بإناطة إدارة المكتبة والاعتماد علينا بحسب الخطة التي رسمتموها لنا وتحت إشرافكم عندما سمع كلامي أطلق آهةً وزفرة من أعماق نفسه، كأنما نكأت الجرح، ثم قال: والله يا حاج هذا هو الهم الذي يشغل بالي وليس المرض الذي ألَّم بي. قلت: سنكون عند حسن ظنكم إن شاء الله.

ثم اتخذ القرار بعد سفري، وتحسن صحة سماحته بأن يجمع الشيخ رضا المتولين المتواجدين في طهران بخدمة سماحته ; ليخطب فيهم ثم ينيط أمر إدارة المكتبة إليهم شرعاً. وفعلاً اجتمعت هيئه التولية بخدمته ورسم لهم الخطة التي في نفسه لاداره المكتبة وشروطها، وبعدها اصدر كتاباً في تخويل المتولين اناطة ادارتها في حياته، وأرسلت صورة من القرار لي مع ترجمتها بالعربية وقد تركتها في ارشيف مكتبي في بغداد.

ثم أمر سماحته نجله الشيخ رضا أن يقرأ عليه الجزء الثاني عشر - والذي لم يطبع بعد - لتقويم النص وتصحيح فصوله وأبوابه، وكذلك الجزأين الاخيرين الثالث عشر والرابع عشر من بعده.

إلى هنا فقد ودعت سماحة العلاّمة الاميني مستأذناً بالعودة إلى بغداد، على أمل اللقاء به في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدت إلى بغداد، وما كان يدور في خلدي أن يكون هذا الوداع هو الوداع الاخير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وبعد أسبوعين سافرت إلى اليابان ; لحضور المعرض الدولي العالمي، وبعد الانتهاء عرجت إلى هونگ كونگ، ومن ثم إلى كانتون عاصمة الصين الشعبية التجارية لحضور معرضها السنوي، ومنها إلى تايلند «سيام»، ومنها إلى البحرين ثم الكويت ثم بيروت، وبعد عودتي إلى بغداد باسبوع، انتقل إلى جوار ربه الامام السيد محسن الحكيم اِلى الرفيق الاعلى في احد مستشفياتها، فارتجت العاصمة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب بالفاجعة المؤلمة، وحصل لي شرف المساهمة في مراسيم التشييع وإقامة المآتم والفواتح.

وبعد اسبوع من هذا الحدث المؤلم داهمت مكتبي ثلة من جلاوزة السلطة البعثية الصدامية واقتادوني إلى داري، وبعد تفتيش داري تفتيشاً دقيقاً اُبلغتُ بحكم اعتقالي، واُخذت إلى إحدى زنزانات المباحث «الامن» تحت مجهر التحقيق الرهيب، بتهمة «النشاط الرجعي» وبقيت رهن التحقيق زهاء ثلاثة أشهر.

وفي هذه الفترة لبى نداء ربه العلاّمة الاميني، ونقل جثمانه الطاهر من طهران إلى النجف الاشرف - وأنا منعزل عن العالم الخارجي كله، ولا عِلمَ لي بما يدور حولي خارج الزنزانة الانفرادية التي اُودِعت فيها نعم في هذه الفترة استدعيت للتحقيق وسُئلت عن علاقتي «بالعلاّمة الاميني».

وبعد إطلاق سراحي علمت بوفاته وما جرى له من تشييع مهيب في طهران وبغداد والكاظمية وكربلاء والنجف إلى رمسه الاخير وحفرته المباركة - في جنب مكتبته الخالدة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كلمتي الاخيرة:

مات الاميني، والصلاة بين شفتيه، والايمان والولاء ملء جنبيه ; غارقاً في بحر الايمان واليقين، متفكراً ومتأملاً في الحكمة والبيان. قاصداً الحقيقة والعرفان.

مات الاميني، بعدما حاز قصب السبق في مضمار علمه وعمله، كما بَزَّ أقرانه في كشف سبل الزيف والانحراف.

ذهب الاميني، بعدما ترك لوعةً في قلوب أهله وطلابه، وعارفي فضله.

راح الاميني، بعدما ترك فراغاً لا يُملا، وثلمة لا تسد، وكسراً لا يجبر، وحياةً لا تعوض.

ارتحل الاميني، وانتقل إلى جوار ربه قرير العين. بعدما جاهد كل باطل وتدليس، وصارع كل رذيلة، وكافح كل موبقة، إلاّ المرض الخبيث الذي هجم عليه هجوم الصاعقة، وألَّم به الالم فصرعه، وأرداه إلى المصير الذي لابد أن يصير إليه كل حي. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فسلام عليه يوم ولد، ويوم درس ودرّس، ويوم ألّف وكتب، ويوم بلّغ وجاهد، ويوم مات، ويوم يبعث حياً، ويوم يفد على ربه، ورسوله، وإمامه، ليشرب من حوض الكوثر وغديره، ويجاور ساداته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

هذا ما كان مني وما خطر على بالي، وعند الله سبحانه احتسبه الذي لا تضيع ودائعه، ولا يضل ولا ينسى سجل أعماله، كما قال سبحانه وتعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

المكتبة والمكتبات([39])

بقلم الشيخ رضا الاميني

مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة:

المشروع الثقافي الضخم الذي أحست الطبقات المثقفة - وفي مقدمتها الحوزة العلمية بفطاحل علمائها وأفاضل كتّابها - بحاجتها الماسة إليه.

وبقيت آماداً طويلة تنتظر مثل هذا المشروع المبارك بفارغ الصبر، حتى قيض الله سماحة آية الله العلاّمة الاميني (قدس سره) لتحقيق هذه الامنية. وما خطا خطوته الاُولى نحو تأسيس هذه المكتبة إلاّ وكانت يد الشاكري أوّل يد امتدت لمساعدة هذا المشروع، ولا غرو فالشاكري - كما عرفناه - ربيب مؤسسها - طاب ثراه - وغذيّ روحه، وقوّة عينه، وهو قبل ذلك وبعد ابن النجف البار والمتحسس بآلامها، والغارق بأحلامها وآمالها.

ولمعرفة الشيخ وثقته به واعتماده على هديه وعقله، فقد انتخبه عضواً متميزاً في هيئة التولية، وكان من رعايته لهذه المؤسسة أن قام بما يلي:

أ - ساهم في عمارة المكتبة الحالية.

ب - وساهم في دفع قسم من رواتب العمال الذين يقومون بإدارتها.

ج - كما قام بتصوير مجموعة من الكتب الخطية النفيسة والنادرة المنتقاة من كنوز المكتبات العامة في سوريا وتركيا وغيرهما، وجلبهما من خارج العراق.

وبداية حديث الكتب المصورة هذه له قصة طريفة، وهي من دلائل توفيق الله وفضله على فضيلة الحاج الشاكري دام عزّه.

ففي عام (1384 هجري قمري) عزم شيخنا الوالد (قدس سره) على السفر إلى سوريا، وكان غرضه من تلك الرحلة هو البحث عن المصادر التي لا تزال مخطوطة، ولم يقدّر لها أن تخرج إلى عالم النور وتحتل مكانتها بين المطبوعات، وتعتبر من أهم الاسانيد والمصادر التي نشير إليها في مطبوعاتنا وكتبنا ونرجع إليها، وهي من نفائس آثار السلف ومن كنوز التراث الاسلامي، وتزخر بها مكتبات دمشق، كالمكتبة الظاهرية ومكتبة الاوقاف، وكان غرضه من وراء كل ذلك إنجاز سِفرهِ الخالد وموسوعته الكبرى «الغدير».

وكان الاُستاذ الشاكري عمدة تهيئة متطلبات السَفر وإقامة شيخنا الوالد في الشام، حيث أقام فيها زهاء أربعة اشهر، وعرضت للشاكري في تلك الفترة سفرة إلى أوربا في بعض شؤونه التجارية، وعند عودته إلى بلده عرّج على دمشق بدافع رباني ليطمئن على صحة الوالد ويلبّي حاجاته، وماإن هبطت الطائرة في مطار دمشق حتى أسرع توّاً إلى المكتبة الظاهرية، حيث يقيم الوالد في غرفة خاصة خُصِّصَت له من قبل الاساتذة الافاضل أعضاء المجمع العلمي وأسرة المكتبة، تكريماً له واعترافاً بمكانته العلميّة.

وحينما دخل عليه في غرفته الخاصة تلك شاهد العلاّمة الكبير غارقاً بين مئات الكتب النفيسة مشتغلاً بالمطالعة، فسلّم عليه وما أن رفع الوالد طرفه الكريم ليرد عليه السلام حتى قام من مكانه وضمّه إلى صدره، وعانقه معانقة الوالد الولهان لولده متبسّماً في وجهه، وقد أولاه من عطفه الابوي ما يملا النفس ارتياحاً. وكان يسأل عن أفراد عائلته ويتفقد أحوالهم واحداً واحداً، كما هو ديدنه في رسائله وعندما يجتمع معه.

وبعد أن استقرّ به المجلس وتجاذبا أطراف الحديث - والحديث ذو شجون - وأراه إنتاجه الجبار الرائع، ومنه أنّه (رحمه الله) استنسخ من نفائس الكتب الخطيّه بيده الشريفة زهاء ألف وثمانمائة صفحة بالحجم الكبير (فولوسكاب) وطالع مئات الكتب الخطيّه والمراجع والمصادر.

وبعد أن أكمل حديثه حانت من الولد البار الشاكري التفاتة إلى والده الروحي، فوجد إحدى عينيه حمراء ملتهبة كأنّها علق دم من كثرة الكتابة والمطالعة، وشاهده في حالة يرثى لها من الاجهاد والانهيار والتعب، فقال له: شيخنا، الله الله في صحتك، ورفقاً بحالك وحالنا، أنتم اليوم لستم ملكاً لانفسكم فحسب بل لامير المؤمنين (عليه السلام) وللاُمة الاسلامية كلّها.

قال له هذه الكلمات وهو ينظر إليه ويرى آيات التعب والنصب قد بدت على محيّاه، غير أنّه (قدس سره) ذلك البطل العملاق، بل ذلك الجبل الاشم، عرفه كل من عرفه لا يعبأ بمثل هذه الاتعاب ولا تحركه العواصف، ولا يخضع إلاّ أمام هدفه السامي المقدس، الذي تحدوه إليه عقيدة راسخة وقدم ثابت في ميدان الولاء للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاهل بيته الاطهار (عليهم السلام). فهو شديد الولاء عميق الايمان متفان في حب أهل البيت (عليهم السلام)، لا يبالي في تحقيق أهدافهم أن تدك السماء أو تصعد الارض إلى السماء.

فقال الشاكري لسماحته: هل لكم من عمل أقوم بإنجازه خدمة لسيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فرمى إليه الشيخ بطرفه الكريم وقد انفتحت أسارير وجهه، وعلته ابتسامة وتهلّل فرحاً وهو يقول: نحن الان في أمسّ الحاجة إلى تصوير كمية من هذا التراث الاسلامي ونقله إلى جامعة النجف الاشرف ; ليقف عليه الباحثون من رجالاتنا هناك.

وحين أعلمه الشاكري أنّه مستعد لدفع ثمن ذلك مهما كلّف. استبشر الوالد وانشرح صدره وظهرت عليه آيات السرور، وكأنّ همّاً ثقيلاً قد اُزيح عنه، وقال: كنت قبل قليل أدعو الله وأتضرع إليه بحق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقيض لي رجلاً من مواليه ومحبيه يقوم بهذه المهمة، ولم أنته من دعائي وتضرعي إلاّ وأنت قائم على رأسي، فهنيئاً لك، ودعا له بالتوفيق وقبول الاعمال.

فقال الشاكري: ما كان بالحسبان أن أزوركم في دمشق ; فإني كنت على وشك أن أعود إلى العراق، ولكن بجذب ملكوتي خطر في ذهني أن أزوركم أوّلاً ثم أرجع إلى بغداد، وليس هذا إلاّ من فضل ربّي.

هذا ما حدث في بدء العمل بتصوير المخطوطات التي قامت المكتبة ولا تزال مستمرة بتصويرها وجلبها من مختلف البلدان.

وكان من المقرر أن يصور من هذه النفائس أكثر من نصف مليون صفحة، ولكن الظروف الصعبة حالت دون ذلك.

ولا زال الشاكري الفتى المؤمن يشارك في المشاريع الخيريّة والجمعيات الدينية والمحافل الثقافية، ومن كان لله كان الله له.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

النجف الاشرف

الشيخ رضا الاميني 1390هـ = 1969م

مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام):

غير خفي ما للمكتبات العامة من الاثر البليغ والنفع الجلي في تنمية العقول والاذهان، ومالها من الفائدة المحسوسة في تعميم الثقافة ونشر العلوم والاداب بين أفراد أي مجتمع حَظي بوجودها ووفق للاستفادة منها، وهذا البلد الامين، النجف الاشرف، بلد العلم والدين والادب قد تأسست فيه هذه المكتبة العظيمة والمعهد الثقافي الجليل - أعني بها مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة - بفضل جهود مؤسسها، والساعي لتدعيم كيانها، الحجة المجاهد شيخنا الاكبر العلاّمة (الاميني) دام ظله، حتى كمل بناؤها المشيد بجميع مرافقه ومشتملاته فجاءت فريدة في هندستها وآية في زخرفها.

وهي لا زالت، ولم تزل، سائرة بخطى واسعة نحو التقدم وإلى الامام في توارد هدايا الكتب إليها من جميع الاقطار الاسلامية، حتى بلغ عدد كتبها المطبوعة حتى اليوم ما ينيف على نصف مليون عنوان كتاب بما في ذلك حوالي سبعين الف عنوان كتاب خطي([40])، وكلها هدايا دعاة الفضيلة ومقدّري العلم والفن والادب، وإنّ الامل وطيد في أن نفتح أبوابها للمطالعين والمستفيدين في القريب العاجل إن شاء الله ; ليتسنى لهم الارتشاف من معينها الزاخر، والارتواء من زلالها العذب، ولتقر بها عيون الامة الاسلامية، راجين حسن التوفيق لمؤسسها القائم في شؤونها، والله من وراء القصد.

استخلص ما جاء في صحائف المكتبة، بأعدادها الثلاثة التي صدرت في النجف الاشرف وطهران باللغتين العربية والفارسية خلال عشر سنين، ابتداءً من سنة 1373 - 1385هـ.

ومما جاء في العدد الاول من الصحيفة المذكورة الصادرة سنة 1373هـ ق.. ص36، قال مدير المكتبة: ان المتبرعين بالمال في تأسيس المكتبة وتوطيدها، وتشييد بنائها الضخم الفخم، فجلهم من ايران، وقد ذكرنا اسمائهم في الصحيفة المنشورة باللغة الفارسية كما يلي.

والمساعد الوحيد من العراق الذي يعدّ من مؤسسي المكتبة، هو الثقافي الشهم النبيل الحاج حسين الحاج محمد الشاكري النجفي نزيل بغداد، له خطوات واسعة في مؤازرة هذا المشروع المقدس تذكر وتشكر مع الابد.

واما غيره من العراقيين فاليك اسماء اولئك ومقدار ما تبرعوا به، وللجميع الشكر المتواصل ولهم الفضل.

وفي صفحة 38 باللغة الفارسية اسماء المتبرعين في الدرجة الاولى خمسة اشخاص منهم الحاج حسين الشاكري النجفي البغدادي.

(وَبَشِّرْ الْمؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً).

(هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيّينَ رَسُولاً مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَآتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين).

نهنّىء الاُمّة المسلمة - تعالى جدّها - بمبعث نبيّنا الاعظم، أفضل الانبياء والرسل، أوّلهم ميثاقاً، وآخرهم مبعثاً، ونحمد الله الّذي استنقذنا به من الهلكة، وهدانا به من الضلالة، ونوّرنا به من الظلمة، جزاه الله عنّا من مبعوث أفضل ما جزى نبيّاً عن اُمّتهِ، ورسولاً عمّن اُرسل إليه، وصلّى الله عليه وآله، والسلام عليهم.

مديرية المكتبة

ملخصاً عن المكتبة والمكتبات بقلم العلاّمة المؤسس:

صدّق الخُبر الخَبر، ونجز الوعد الصّدق، وتمّت كلمة ربّك صدقاً وعدلا، لا مبدّل لكلماته، وتحقّقت الانباء والبشائر الصادقة، وجاء من بعد عيسى نبيٌّ اسمه أحمد، وبُعث صاحب الرسالة الخاتمة، وازدانت الدنيا بالتجلّي الاعظم، بمبعث خير الوجود علّة الخليقة، وجوهرة الانسانيّة السامية.

فهذا أسعد يوم تتباهى به الامم، تجلّى فيه سرّ (إنِّي أعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) ; بُعث فيه النبيّ الاقدس، رحمةً للعالمين، وفي يُمناه الكتاب العزيز، يدعو الناس لما يحييهم، يتلو عليهم آيات ربّه، ويزكّيهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة.

فالعالم برحبه وسعته مكتب تعليمه وتربيته، وبين شرق الارض وغربها مدرسة، وكتابه الكريم المفعم بالحقائق والدقائق الرقائق، المشحون بالغرر والدرر من المعارف والمعالم الالهيّة، بمفرده يتكفل بتزكية النفوس، وإصلاح الدنيا، وكسح العراقيل عن مسير الانسان، وبوحدته يحدو البشر على السعادة الابديّه، ويهديهم مهيع الحقّ، ومنهج السعد الخالد.

فبالكتاب والحكمة يتأتّى تتميم مكارم الاخلاق، وهو الغاية المتوخّاة من البعثة الشريفة، كما جاء في حديث الصادع الكريم، وبهما يكافح كلُّ مبدأ هدّام لنواميس الشريعة، وتجتثُّ أُصول جراثيم الفساد عن صالح المجتمع العام.

وبالتدبّر في آي القرآن الكريم ومحكماته يعلم قيمة العلم والكتاب في سوق الاعتبار، ويبين ما للتعليم والتربية الدينيّة من الاهميّة الكبرى في حياة الانسان الروحيّة والماديّة، ومراحل سيره إلى الخلود، والفوز الدائم، والحياة مع الابد.

ولا منتدح عن العلم قطّ لايّ أحد، حتّى لمن لم يرد إلاّ الحياة الدنيا، وسعى فيها سعيها، وما أكثر من علوم يحتاج إليها الانسان من الطبيعيّات، والرياضيّات، والاجتماعيّات والاقتصاديّات، والطبيّات، والفلكيّات، والنجوميات والمنطقيّات ، والادبيّات، والاخلاقيّات، والتأريخيّات، والصناعيّات.. إلى ضروب من العلوم والفنون الّتي يفتقر إليها المجتمع البشري، وإن لم يعتنق فضيلة الدين، ولم يأبه لحياة الاخرة، ولم يقتف أثر علومها الناجعة.

فمن الضروريّ عندئذ:

عدّ فكرة الكتاب والمكتبة من أكبر ما يهتمّ به عظماء الدنيا والدين من قديم الزمان، وأهمّ ما تصرف دونه همم الرجال منذ القدم ; تدور عليهما عظمة الدول والحكومات العالميّة، عند من يشعر بالحياة الانسانيّة، عند من يتحلّى بروح الثقافة الحيّة الشاعرة، عند من يملك عِرق الفضيلة النابض.

الكتاب والمكتبة رمز رقيّ كلّ ملّة، وسمة تقدّم كلّ نحلة، ومقياس رشد الامم وسادتها، بهما تتأتّى طلبة الانسان وما يتوخّاه من عوامل النجاح والفلاح، والفوز في العاجل والاجل.

المكتبة تؤدّي رسالات الانبياء، وتقيم الاود والعوج ببلاغات الاوصياء، وتمثّل الحقائق ورجالاتها، وتصوّر أمثلتها نصب العين بدروس سير الاولياء، وتطهّر درن القلوب بعظات الاصفياء، وتزيح علل النفوس بكلم رجال الصدق وحكمهم ; رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا.

المكتبة دار التوجيه والارشاد، دار الفنون والعلوم والمعلّمين العالية، أينما تولّي وجهك تتراءى لك في كلّ جناح منها جامعة، وفي كلّ صفح كليّة، وفي جوانبها معاهد للعلوم، وصفوف للفنون، فيها بغية الطالب، ومنية المريد، واُمنية المستفيد.

المكتبة محتشد رهيب يحفل فيها علماء ربّانيّون، وحكماء محنّكون، وأعلام فنيّون، وفلاسفة إلهيّون، وأساتذة الصنائع، ومدارس الخطابة والوعظ، وصيارفة الاداب والاخلاق، وعباقرة العلوم والفنون، وجهابذة التأليف والتصنيف، ورجال السياسة والقادة، صفّاً صفّاً كأنّهم بنيان مرصوص.

المكتبة مخزنٌ حافل، يحتوي ما انتجته الافكار الراقية في مختلف الامصار والاعصار، ويجمع من ولائد أنظار المفكّرين في كلّ علم وفنّ كلّ تليد وطارف، ويضمّ ما جادت به الكليّات العالميّة في أدوارها الغابرة من فوائد وفرائد من كلّ علم ناجع، وما أتحفته تلكم الكليّات للمجتمع البشري من الازهار والانوار من حدائق الفنون، وتحتفظ شوارد ما أثمرته العقول الرصينة، والافكار الناضجة، والهمم القعساء، من اناس قضوا في سبيل الفضيلة حياتهم، ومنوا دون السعي وراء صالح الامّة بكوارث وشدائد مدلهمّة.

المكتبة تشكّل صفوف التعليم والتربية، وتمثّل صنوف العلوم والفنون الحاصلة في الادوار الخالية، وتضمّ ذخائر كلّ اُمّة ونحلة من كلّ نفيس وثقل من التراث العلميّ، وهي وسيط ; تجمع بين القارىء وبين آلاف مؤلّفة من حسنات الدهر، ورجالات العصر، في قرونه الماضية، على عدد ما يوجد فيها من التآليف والكتب والمعاجم والموسوعات والصحف المكرّمة، لا لغو فيها ولا تأثيم، لا سأم فيها ولا ملل.

المكتبة تموّن وتمدّ الحياة الروحية، وتتكفّل إصلاح المجتمع البشري من كلّ ما يدنّس الغرائز، وتدعوه إلى الصالح العام، وتحدوه إلى الامام والتقدّم، إلى الانسانيّة السامية، إلى المكارم والمعالم، إلى الفواضل والفضائل، إلى الخير والصلاح، وتزحزح الملا عمّا يفسد النفوس، عمّا يبيد الملكات الفاضلة، عمّا يشوّه النفسيات الكريمة، عمّا يدنّس ذيل الانسان من كلّ رذيلة وذميمة.

المكتبة تعالج النفوس من أدواء الجهل المفضية إلى الدمار والبوار، والجهل بذرة كلّ شقاق وشغب، وشرّ ونفاق وافتراق وتفكك وتبعثر وتبدّد، وجرثومة كل الميول والاهواء والشهوات والنزعات المبيدة، ومادّة كلّ داء يميت روح الانسانية، ويبثّ في الملا عوامل الفساد، ويجرّ على الاُمّة دائرة السوء، ويسفّ أبناء الشعب إلى حضيض التعاسة، ويفتّر الجوارح والجوانح العاملة للبقاء، ويسوق صاحبها إلى الهلاك والفناء.

المكتبة تنوّر الافكار، وتحدّ البصائر، وتزكّي الارواح، وتطهّر القلوب، وتصلح الخلائق، وتوطّد للشعب جواد الصلاح، وتبلّط لهم سبل الخير، وتبوّىء الانسان مقاعد الصدق، وتجعل الانسان إنساناً، فيغدو والنور قائده، والسلام والفضيلة مهده، والحياة الروحيّة التي لا نفاد لها غايته ومنتهاه، فيجد في العاجل والاجل اُنس الاستقرار وسلامة المقام، ودعة المصير، ونجاح البداية والنهاية.

المكتبة تعقّم السرائر، وتزيل عنها أوساخ الغباوة، ودنس الغيّة، وظلم الشبه، ومعرّة السدَر في وادي الجهل، وتبصّر الانسان مواقع الانحطاط والتسافل، وتوجّهه إلى الحياة السعيدة، والفوز مع الخلود.

المكتبة شارة البلاد، وحدائق ذات بهجة لروّاد الفضيلة، ونادي حفل النبلاء، ومنتدى زمرة الثقافة، ومعقل كلّ بحّاثة إذا أعضل به البحث، ومنتجع كلّ ذي فنّ إذا أشكلت عليه المزاعم، ومكتب الصلة والتعارف بين فضض من أساتذة العلوم والفنون، ورجال البحث والتنقيب، تجمع شملهم، وتوحّد صفوفهم، وتؤلّف بين قلوبهم، إخواناً على سرر متقابلين، وتوقف كلاً منهم على فكرة الاخرين، كلّ هذه تومي إلى صالح الامّة، وما للشعب عنها محيص.

هذه هي المكتبة، غير أنّ من المأسوف عليه جدّاً أنّ دروس هذا الموضوع الخطير لم تبيّن بعدُ عند المسلمين، وما درسوها دراسة كاملة، فأهملوا هذه الاثارة ، وخسروا هذه البضاعة، وافتقدوا هذه الثروة الطائلة، وماقدروها حقّ قدرها، وما عُرفت هي اليوم عند الشرقي على ما هي عليه من القيم، ولم يدر ما هي وما خطرها، ولم يقتف الخلف أثر السلف في تقديرها، والاعجاب بها، والاهتمام بشأنها.

فجاء اناس بُعداء آخرون عرفوا قيمة هذه الفضيلة، وعلموا من أين تؤكل الكتف، فجاسوا خلال الديار، وأغاروا على كلّ تراث علميّ - كبقيّة نواميس الشرق - ووجدوها غنيمة باردة، وبذلوا دون جمعها النفس والنفيس، ومضوا على ضوء الثقافة، وشعروا وسائل رقيِّ البلاد بلادهم، وحنّكتهم الايّام، ودرّبتهم بحبائل الاستعباد، فاحتنكوا الجوامح، وركبوا المصاعب، حتّى خلى جيد الشرق وجسمه من الحلي والحلّة، وصلفر وطابه، وراحت نفائسه وآثاره ومآثره ضحيّه الجهل والغفلة والذهول، وشروها بثمن بخس دراهم معدودة، وأضاعوا ما جمعته يُمنى الاوّلين من أعلام الامّة، وقصرت يدنا ممّا انتجته أيدي رجالنا الفطاحل، وازدانت به مكتبات الغرب، هل هناك من تسوؤه الحالة، أو هل هناك اُذنٌ واعية؟

والشقة اليوم في مستوى الفكرة بين الشرقيّ والغربيّ مراحل شاسعة بُعد المشرقين ; هذا نابهٌ يقظان يسير ليلاً ونهاراً، ولا يتّخذ لنفسه معرّساً، وذاك هاجعٌ راقد، إن انتبه يوماً مّا من رقدته فخطفةٌ لاتدوم، وبرق خلّب لا يبض حجره.

هذا يركض وراء صالحه بكلّ مستطاع عدواً لا تدركه الطوارف، وذاك لا سهدة ولا يقظة، ولا رغبة ولا ركزة، يهدّده خطر الامر، وتحذّره قلّة المنّة، ويقعده قصر التفكير، وضؤولة الرأى، ويفشله التواني في العزم والارادة، وحول كلّ فكرة صالحة مزاعم وجلبة ولغط، ووراء كل عمل صالح ناجع مثبت صاخّة وصخب، وردف كلّ نهضة علميّة دينيّة اجتماعيّة حصائد الالسنة، وقذائف بالتهم ، ومحافل سوء، والرجل العامل النابه غاصٌّ بالغصص، يُغضي على القذى، ويصول بيد جذّاء، ويتحرّك حركة مذبوح، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

هلمّ معي إلى الشهادة:

هذه قرى الغرب هذه عدد نفوسهاهذه كتب مكتباتها العامّة

اشفيلد872109 , 13

يرسلفيل787760 , 11

مانيستو571379 , 8

كيتي462599 , 6

هولند247700 , 2

هذه نماذج من مكتبات القرى، وأمّا المكتبات العامّة في المدن، فتعدّ كتبها بالملايين، خذ] واشنطن [مقياساً ; فإنّها تحتوي 164 مكتبة عامّة امّهات شعب، منها مكتبة «الكونجرس»، فإنّه بحسب الاحصائيّه المنتشرة في مجلة العرب السوريّة تحتوي سبعة وعشرين مليون كتاباً، مساحتها 662/ 162 متراً مربعاً، وقس عليها مكتبات اوربا العامّة، وذلك في سنة 1950 فكيف بها الان؟!

هذه هي، وهذه نجفنا:

لا نجف العراق فقط، ولا نجف الشيعة فحسب، بل نجف الدنيا عامّة، نجف المسلمين جمعاء، نجف من يقول بالخلافة الراشدة، نجف مئات ملايين مسلمي العالم، القائلين بولاية سيد العترة، المقرونة بولاية الله وولاية رسوله في الكتاب الكريم، مرتكز تلك الخلافة ومنبثق أنوار المعالم والمعارف العالية، وعاصمة الاسلام المقدّس، ومدرسته الكبرى المؤسّسة منذ عشرة قرون، فأكبر مكتبة عامّة شاهدنا فيها إنّما هي مكتبة الششترية، وهي عبارة عن غرفة في زاوية حسينية، مساحتها 30/ 4 × 60/ 5 بارتفاع 5 أمتار، عدد كتبها المطبوعة والمخطوطة - باحصائية اليوم - تناهز أربعة آلاف مجلد، يدير جميع شؤونها رجل واحد، هو المدير، هو الخادم، هو الناظم، هو المحاسب، هو المرتب، هو المفهرس، هو وحده وحده لا شريك له.

وقس على النجف الاشرف معظم بلاد العراق الشاغرة عن الاثار العلمية، الفارغة عن مظاهر الفضيلة، الخالية عن المكتبات الراقية العامّة الكبرى.

هذه مجالي حياتنا الروحية، هذه مظاهر رقيّنا وتقدّمنا بين الامم، هذه معاهدنا العلمية المعربة عن عظمتنا، هذه ثروتنا من الثقافة والانسانية السامية، هذه ذخائرنا من التراث العلمي ادّخرناها للاجيال القادمة، هذه بضاعتنا من منابع العلم والفضيلة، هذه أشواطنا البعيدة وخطواتنا الواسعة وراء حياة امّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) المرحومة، هي آثارنا تدلّ علينا، نعم ; تدلّ علينا، تدلّ على ما نحن فيه من الانحطاط والتسال، من قصر الباع، وصغر الطويّة، من ضعف النفس، وضآلة التفكير، من تشتّت الاراء، وكثرة الاهواء السائدة.

هي آثارنا، هي جليّة أمرنا، هي هي، وأين هي من دعاوينا الفارغة، وفخفختنا في الملا بنحن نحن؟ (إنّما فَتنتُم أنفُسكُم وَغَرَّكُم باللهِ الغُرر) (هَا أنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الغَنِيُّ وَأنْتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)([41]).

المؤسس

عبد الحسين الاميني

النجف الاشرف 1379هـ

مقدمة مدير المكتبة الشيخ رضا الاميني نجل المؤسس:

مرّت على النجف الاشرف حقب وأعوام، وهي في أمسّ الحاجة إلى مكتبة عامّة عامرة عالميّة، تكون منتجعاً لروّاد العلم، ومرجعاً لبغاة الفضيلة، ومنهلاً لمن تورّد الرافدين، وريّة لحملة العلوم والفضائل، وحقلة تؤتي اُكلها كلّ حين، وتستفاد بها آناء الليل وأطراف النهار.

كما أنّها تجبي إليها ثمرات الافكار المدوّنة من كلّ حدب وصوب، فيكون فيها ريّاً لظمأ المعارف، ورواءً لجليّة الحقائق.

لم تزل هذه الفكرة تنجم وتخبو بين نوايا المفكّرين، وتلهج بها حملة الاراء السديدة ; حباً لنشر العلم طوراً، وإحياءً لروح الثقافة الصادقة آونة، وإعلاءً لكلمة الحقّ العليا حيناً، وخدمةً لمجتمع الانسانيّة تارة، وتوجيهاً للناشئة الجديدة اُخرى، وقبل الكلّ إشادة بمقام باب مدينة العلم مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

لم تكن هذه الفكرة وليدة اليوم ولا الامس، وإنّما نحن على يقين من أنّها كانت عند السلف الماضين من أعلام النجف الاشرف، ورجالها الفطاحل ; إذ الحاجة الماسّة إليها في كلّ دور من أدوار الحوزة العلميّة مفهومة واضحة، لا تخفى على أيّ أحد، بل حاجة المجتمع أمس كانت أشدّ وأكثر من اليوم، من ناحية كثرة تلامذة هذه المدرسة الكبرى، وضيق نطاق الطباعة والنشر يوم ذاك، وإن كان افتقار ناشئة اليوم أعظم وأكثر من نواحي كثيرة ; نظراً إلى تطوّر العالم الحديث.

غير أنّ الاُمور مرهونة بأوقاتها، ولله فيها تقادير، ولكلّ أمر كتاب، ولكل كتاب أجل، والله يختار لكلّ عمل فادح بارّ، وخير عظيم ناجع، اناساً من عباده الصالحين، ويمنح للمصطفين من خيرته ما شاء، ذلك تقدير العزيز العليم، فلمّا آن لهذه النفسيّة الكريمة أن تتبلّج فتضيء العالم بأنوارها، فقيّض المولى سبحانه لها فئة صالحة من المجتمع الدينيّ، هم في الذروة والسنام، وحيث يتبوّأ فيه المجد والشرف، من معاقد رجالات الامّة، يقدمهم الساعي وراء كلّ صالح دينيّ، والعاقد لواء التقدّم في مناجح الطائفة، شيخنا المجاهد، العلاّمة الحجّه، اية الله، الاميني النجفي، صاحب كتاب «الغدير» الاغرّ، المعروف بعلمه الجمّ، وفضله الكثار، وفكرته الناضجة، وهمّته القعساء، ودعوته الاصلاحيّة، ويده الناصعة في الحجاج، وولائه الخاص للعترة الطاهرة.

فكأنّ هذه المنحة الكبيرة، والحركة العلميّة المشكورة، كانت نصيب شيخنا الاوحد الامينيّ الامين، وكان يستسهل هذه النهضة الباهظة، والعبء الفادح، لم يك يستصعب أمراً كهذا، بل كان يستصغره من أوّل يومه بقوله: الله أقوى وأعظم، وكلّ شيء على الله سهل يسير، وكلّ صعب مستصعب دون ولاء سيّدنا المفدّى أمير المؤمنين (عليه السلام) أسهل ما يرام، وأيسر ما يتصوّر.

ولعمر الحقّ يستأهل حامل هذه الروح الطاهرة، والطويّة الطيّبة، والنيّة الصالحة والايمان الصادق، والمتفاني في ولاء أهل البيت الطاهر، أن يأخذ المولى سبحانه بعضده - وقد فعل - ويسهّل له المسير، ويعزّزه بنصره، والله من وراء القصد (وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

وكأنّ الامّة المسلمة كانت في انتظار هذه النهضة العلميّة من هذا البطل الدينيّ العظيم، فلبّى دعوته كلّ من قرعت سمعه عقيرته، وبادر كلّ ذي شعور حيّ عارف لصالح الامّة، إلى المساهمة والمؤازرة، دون هذا المشروع المقدّس، وليست هذه كلّها إلاّ أثر الاخلاص في العمل، وتجرّد النيّة عن كلّ ما يشوبها ويشينها، وهي آية الثقة بالله، والتوكّل الصحيح عليه، ومن يتوكّل على الله فهو حسبه، ومن يتّق الله يجعل له من أمره مخرجاً.

فشمّرت هذه الفئة الكريمة الصالحة للنهوض بهذا العبء الثقيل بكلّ ما اُوتوا من حول وطول، وأرخصوا لهذه الفكرة كلّ غال، وأنفقوا دونها كلّ نفيس، والامل في الله جلّت قدرته أن تكون هذه المكتبة نسيجة وحدها بين المكتبات العالميّة بتأييد من الله سبحانه، وبما أتاح جلّ وعلى لمؤسّسيها من التفاني في هذه الغاية الكريمة، والدأب على التقدّم بهمّة قصيّة المرمى، وإلى المولى نبتهل أن يصحبهم التوفيق للثبات على القصد، إنّه وليّ ذلك.

ونحن على يقين من أنّ هذه الفكرة الميمونة كبذرة تولد في رجالات الامّة العاملين النابهين، أفكاراً راقية تحيى بها روح الملا الديني، ويمضي بضوئها الشعب المسلم إلى النجاح والفلاح، والله وليُّ التوفيق.

صورة مصغّرة عن المكتبة:

تحوي اليوم] مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) [من الكتب بشتّى اللغات ما يناهز نصف مليون عنوان([42]) بما في ذلك حوالي سبعين الف عنوان من الكتب الخطية.

كما تمتلك عشرة دور مشتراة من سنة 1374 هـ شيدت المكتبة على بعض منها والباقي ارض، تنتظر توسعه البناء.

وأهمّ ما اشترط: أنّ المتولّين - في أيّ طبقة كانوا - إن عجزوا عن القيام بواجبها ولم يمكنهم إدارة شؤونها، فعليهم التقاعد عنها وتعيين آخرين من رجال يسعهم النهوض بإدارتها، وإن افتقد - والعياذ بالله - من يمكنه حمل أعبائها فعليهم إحالة أمرها إلى مديريّة مكتبة الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) وضمّها إليها في التولية، والمتولّي أمر تلك المكتبة له أن يقوم بإدارة هذه المكتبة، مشروطاً ببقائها في النجف الاشرف، وعدم جواز حملها إلى غيرها من البلاد بأيّ مسوّغ.

تأسست المكتبة في غرة جمادى الاولى سنة 1373 الهجريّة، وقال العلاّمة السيّد محمد الحلّي النجفي مؤرّخاً:

ومكتبةٌ قد علت رفعة وباسم عليّ سمت مرتبه

أراد الاميني تأسيسها فأرّخ: له تمت المكتبه «1373»

وقال مؤرّخاً أيضاً بالميلادي:

قام الاميني لاخلاصه *** وحبّه للعترة الطيّبه

بخير مشروع تسامى علاً *** باسم عليّ صاحب المنقبه

لذا غدا يصدح تاريخه: ازدهر الغريّ بالمكتبه «1958»

مضت عليها أعوام وهي في دور الانشاء، حتّى افتتحت باليمن والسعادة في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجّه الحرام سنة 1379، ونشر في نبأ الافتتاح والدعوة إليه من أرجاء العراق منشور هذا نصّه وفصّه:

الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبشّر المؤمنين بأنّ لهم من الله فضلاً كبيراً.

في هذا اليوم النيّر السعيد، عيد تتويج سيّد العترة بيد النبيّ الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)بعمامته «السحاب» رمز الولاية الكبرى، في حشد من الامّة ; مائة ألف أو يزيدون، نبشّر رجال الثقافة، وروّاد العلم والفضيلة، بافتتاح:

مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة:

للمطالعة والاستفادة، والاستثمار من حقله اليانع، والاستضاءة بضوئها والاقتباس من نورها الزاهر، وذالك فضلٌ من الله ما أكبره وما أعظمه!!

ونرحّب بالوافدين لزيارة المكتبة العامرة من ليلة 18 ذي الحجّة إلى 22، لسنة 1379 خمس ليال متواليات، ومن يوم السبت 23 من الشهر يستمرّ الدوام إن شاء الله تعالى باليمن والسعادة، والله وليّ التوفيق.

فحريٌّ لكلّ مسلم صحيح يحمل روح الانسانيّة السامية، ويشعر بعوامل الرقيّ والتقدّم، ويبتغي الحياة السعيدة الروحيّة الّتي لا نفاد لها، أن يساهم في هذا السرور، بالحضور، ويكحل البصر بالنظر إلى جمالها البهيّ، ويباهي بهذا المشروع المقدّس ويعتزّ به، ويهنّىء كلّ فرد صاحبه بهذه المنحة الكبرى، ولوليّها الحمد أوّلاً وآخراً.

ذي الحجّة الحرام 1379

مديرية المكتبة

الشيخ رضا الاميني

صورة من طرّة الباب الرئيسيّ، صنع إيران، من قاشانيّ معرّق نفيس جداً، مكتوبة فيها بقلم الاستاذ الشهير الحاج ميرزا أحمد الزنجاني عدّة أبيات من مقطوعة للنطاسيّ المفضال الاديب الشيخ ميرزا محمّد الخليلي النجفي صاحب كتاب «معجم ادباء الاطباء»، أرّخ بها بناية المكتبة، وإليك المقطوعة:

هاهنا معهد علم شاده*** رجل الحزم الّذي عزّ قرينا

معهدٌ قد قام في إنشائه*** عزم فرد قد سما علماً ودينا

من غدا رائده الحقّ وقد*** فتح الله له فتحاً مبينا

من تفانا في وِلا حيدرة*** وبنيه الطيّبين الطاهرينا

شيخنا الحبر الاميني الّذي*** راح في حفظ الولا يطوي السنينا

بحره أجرى غدير الفضل كي*** ترتوي منه الملا عذباً معينا

رام أن يرفع للعلم الذّرى*** ببنا مكتبة تحوي الفنونا

ورجا باسم عليّ أن يرى الـ*** -عون فيها فرأى الله المعينا

شادها بيتاً رفيعاً سامياً*** خلدت فيه مساعيه قرونا

فإذا ما جاءها مستفهمٌ*** عن بناها وأتاها الوافدونا

باسم مَنْ قد اُنشئت أرّخ: بلى اُنشأت باسم أمير المؤمنينا «1376هـ»

الان حصحص الحق

من صحيفة المكتبة - بقلم العلامة الاميني المؤسس

بُعِثَ نبيّ الاسلام، نبيّ العظمة، صاحب الرسالة الخاتمة ; ليتم مكارم الاخلاق ويدعو الناس لما يحييهم، ويحدوهم إلى الحياة السعيدة، ويقودهم إلى سعادة الابد، ويهديهم إلى الصراط السويّ، إلى مهيع الجدد، إلى الطريق اللاّحب، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ويعلّمهم مالم يكونوا يعلمون ; ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة.

بُعِثَ (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي يمناه كتابه الكريم، (كِتابٌ اُحكِمَتْ آياتُه ثُمّ فُصّلَتْ مِنْ لَدُن حكيم خبير). (كتابٌ فُصّلت آياتُهُ قرآناً عربيّاً لِقوم يَعلمونَ). (ذلِك الكتاب لا ريبَ فيهِ هُدىً مِنْ ربِّ العالمينَ). (لا يأتيهِ الباطلُ مِنْ بَينِ يَديهِ وَلا مِنْ خَلفهِ تَنزيلٌ مِنْ حكيم حميد). (إنَّ في ذلكَ لرحمةً وذِكرى للمؤمنينَ، فيهِ آياتٌ بيّناتٌ هُنَّ اُمُّ الكتابِ وَاُخَرُ متشابهاتٌ فأمّا الّذينَ في قلوبِهمْ زَيغٌ فَيتَّبعُونَ مَا تشابَهَ مِنْهُ إبتغاءَ الفتنةِ وَابتغاءَ تَأْويلهِ وَمَا يَعلمُ تأويلَهُ إلاّ الله والرَّاسِخُونَ فِي العلمِ يَقولونَ آمنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عندِ ربِّنا وَما يَذكَّرُ إلاّ اُولو الالبابِ).

ضَمّ كتاب الله العزيز بين دفّتيه دروساً عالية تشريعية وتكوينيّة فيها حياة الانسان السامية، وسعادته الخالدة الابدين، فيها علم البداية وعرفان النهاية، هي بغية العلماء، ومأرب الفقهاء، ونشدة الاخلاقيّ المحنّك، وطَلبةُ الحكماء والفلاسفة، ومقصد روّاد التأريخ الصحيح، ومرمى العارف النابه السليم، ومنتجع الخطيب المفوّه، والقول الفصل: إنّه مشرّع المجتمع البشري، ومصحف الملا الانسانيّ أجمع.

حثّ سبحانه وتعالى على السير في أرجاء الارض والجولة في ربوع العالم، وإمعان النظر في آثار قدرته، ومجالي رحمته، ومحالّ كبريائه، ومظاهر عظمته، ومعالم قدسه، وعجائب صنعه، ولطائف حكمه، ودقائق ملكه، ورقائق أمره، وجوامع خلقه، ومهاد كرامته، وبدائع سلطانه، وسُبحات وجهه، وعواطف رأفته ، وسوابغ نعمه، ونفحات جلاله وجماله وكماله، ومجاري منحه ومننه، وَبيِّناتِ فضله، وآيات طَوله، وطرائق إرادته، ومشاهد مجده وحمده، سبحانه وتعالى، سبحانه وتقدّس.

يلمس السائح النابه البصير باليد منبض الملا، ويعرف علل انحطاط البشر وبواعث الانحلال في جامعة الاسلام المقدّس، ويكون على بصيرة من أدواء المجتمع وجراثيم العيث والفساد، ويعلم ما هي عوامل سرعة السير إلى التقدّم والرقيّ، وما هي موجبات تأخّر الامم عن صالحها، وتشتّت شملها، وتبدّد جمعها، واستئصال شأفتها، ويطّلع على مواقف العظة والعبر، ويتّخذ تجربة من تدهور الاثار، وتقلّبات الدول والحكومات، وتكثّر الاراء والمعتقدات، فيتجرّد للسعي وراء الحقيقة الراهنة، ويتفرّغ لابتغاء ما فيه رشده وهداه.

تُفتح للسائح النبيل أبواب العلم، ويُكشف عنه غطاؤه، فيغدو - وهو أوعى من كلّ وعيّ - نضيج الرأى، صالح الفكرة، راجح العقل، رخيّ اللب، ثابت الحصاة، حصيف النظر، بعيد الهمّة، قويّ الحنكة، عظيم الارادة، حفيّا محنّكاً حازماً، يقتحم عظائم الامور، ويعرف الوِرد من الصَدَر، ويعلم من أين تؤكل الكتف.

يحتفل الرحّال الثقافيّ بجهابذة العلم، وصيارفة الكلام، ويجتمع مع رجالات الدين والفقه والتفسير والحديث والاخلاق والتأريخ، إلى أساتذة علوم وفنون لا مندوحة لانسان عنها، إلى الحكماء والفلاسفة، إلى الساسة والقادة، إلى نوابغ، ومداره، ومصاقع، ومهرة الخطابة والبيان والادب والقريض، فيقتنص من العلوم شواردها، ومن الفنون فرائدها، ومن الصنائع بدائعها، ويؤوب إلى بيئته وقد ظفر بمبتغاه مهما كان بعيد المدى، ولم يجمح به مراده مهما كان قصيّ المرمى.

عبد الحسين أحمد الاميني

 



([1]) حاولت السلطات الرسميّه ـ حينذاك ـ بكل ما اُوتيت من وسائل الضغط والتأثير المباشر وغير المباشر ، التأثير على سماحته في تغيير اسم المكتبة الحالي إلى غيره ، لكنه أصرّ على موقفه كالطود الشامخ أمام تلكم الضغوط ، والتيّارات العاتية ، فكان كما أراد .

([2]) ومنه لقّبت العائلة بالاميني .

([3]) ذكر جانباً من رحلته الى الهند في اعداد مجلة المكتبة .

([4]) مر الايعاز إلى ترجمة هؤلاء الثلاثة آنفاً .

([5]) أوقف المرحوم الشيخ آغا بزرگ الطهراني مكتبته التحتية في حياته على مكتبة الامام أمير المؤمنين  (عليه السلام) العامة في النجف الاشرف اذا تعرضت الى الزوال وعدم الانتفاع بها . غير ان الورثة بعد وفاته (رحمه الله)ارتأوا أن تبقى المكتبة في داره إلى جنب رمسه ; لتكون نواة لمكتبة عامة .

المؤلّف الشاكري

 

([6]) القصص : 83 .

([7]) غافر : 11 .

([8]) الاعراف : 180 .

([9]) الاعراف : 172 .

([10]) الواقعة : 7 .

([11]) من قصيدة للمرحوم العلاّمة الحجة السيد محمد جمال الهاشمي .

([12]) التروية يعني يوم الثامن من ذي الحجة الحرام .

([13]) الظاهر أنّ سماحته تشرّف بحج بيت الله الحرام مرتين ; الاُولى سنة 1355 هـ = 1935م ، والثانية سنة 1375هـ = 1955م .

([14]) هذا الوصف مما رسخ في ذهني وتخيلته في ذاكرتي .

([15]) وهو سوق الحويش ـ أحد أسواق النجف الاربع حينذاك يقع في الجنوب ينتهي إلى باب قبلة الصحن الشريف .

([16]) المرحوم والد الدكتور محمود البستاني ، والدكتور محمد جواد البستاني ـ الصيدلي وغيرهم في قم والدكتور عباس البستاني في كندا حالياً .

([17]) صاحب كتاب موسوعة « الذريعة في تصنيف أعلام الشيعة » .

([18]) حرفة المرحوم والدي كانت الحفر على الاحجار الكريمة وتجارتها .

([19]) كانت بدعوة المرحوم السيد حسين خادمي لزيارة اصفهان .

([20]) انقل القصة بالمعنى .

([21]) معظم هولاء يسكنون الاعظمية ، وهي أحدى محلات بغداد مقابل الكاظمية يفصلها عنها نهر دجلة .

([22]) هذه واحدة من معاناته في تأليفه ، في البحث عن المصادر التي ربما تأخذ منه أشهر .

([23]) بينما كان العلامة (قدس سره) مديد القامة ، عريض ما بين المنكبين ، ذا هيبة وجاذبية .

([24]) لم يحضرني التاريخ بصورة دقيقة واكثر ظني أنّه كان بين اعوام 65 ـ 1367 هجرية .

([25]) حلية الاولياء ج1 : 68 .

([26]) مناقب ابن شهر اشوب ج1 باب مناقب علي (عليه السلام) .

([27]) سورة الاحزاب : الاية 33 . سنن البيهقي ج22 : 5 ، صحيح الترمذي ج2 : 209 ، مستدرك الحاكم ج2 : 416 .

([28]) سورة الشورى : الاية 23 . تفسير الطبري ج25 : 16 ، حلية الاولياء ج3 : 20 ، مستدرك الحاكم ج3 : 172 ، اسد الغابة ج5 : 367 .

([29]) سورة المائدة : الاية 55 . تفسير الطبري ج6 : 186 ، اسباب النزول ص148 ، كنز العمال ج6 : 319 ، تهذيب التهذيب ج11 : 439 .

([30]) سورة السجدة : الاية 17 . تفسير الطبري ج21 : 68 ، اسباب النزول ص263 ، الرياض النضرة ج2 : 206 .

([31]) الغدير ج1 : 14 ـ 16 .

([32]) صحيح الترمذي ج3 : 166 ، تاريخ بغداد ج14 : 321 .

([33]) تاريخ بغداد ج7 : 421 ، تهذيب التهذيب ج9 : 419 ، كنوز الحقايق ص98 .

([34]) المعجم الصغير للطبراني ج1 : 255 .

([35]) قاسم محمد الرجب رجل من أهل السنّة ، وصاحب أكبر مكتبة في بغداد ومن أوائل الناشرين في العراق ، ويمتلك ثروة طائلة من جرّاء تجارته بالكتب واحتكاره لها . أنا أعرفه شخصيّاً . المؤلّف .

([36]) كانت الالف دينار في حينه مبلغاً كبيراً ، يمكن شراء دار محترمة به .

([37]) اقول : ان قصص وحوادث احتياج « العلامة الاميني » الى المصادر المهمة النادرة تكررت بالفاظ مختلفة ، وبأزمان ومناسبات متعددة ، طيلة سنين تأليفه « لكتاب الغدير » ولعل تكرار ذلك كان صحيحاً . والله العالم . الشاكري

([38]) وكان مكتبي حينذاك في بغداد في شارع الرشيد قرب الشورجة .

([39]) آثرنا طبع هذا الموضوع ملخصاً حفظاً من الضياع فانه طبع من قبل في وريقات سرعان ما يأكل الدهر عليها .

([40]) مثلاً كل دورة من البحار تحت عنوان واحد .

([41]) سورة محمد : آية 38 .

([42]) العنوان ـ يعني كل دورة كامله تعتبر عنواناً واحداً .