النِّحلـة الواقفيــة

الواقفون على الأئمّة (ع)

الوقف بعد الإمام الجواد (ع)

الوقف بعد الإمام الهادي (ع)

تعريف الواقفة في عصر الإمام الكاظم (ع)

دوافع النشأة

ذرائع الواقفة

الطعن على الواقفة

موقف الإمام الرضا (ع) من الواقفة

العناد والمكابرة:

رميهم بالشرك والزندقة:

الإمام الرضا (ع) يكشف عن دوافع الواقفة

مَن رجع عن مذهب الواقفة

دور التأويل والتحريف والوضع في توسعة حركة الواقفة

حركة الغلوّ ودور الواقفة فيها

انقراض الواقفة

المصادر

 

النِّحلـة الواقفيــة

 الواقفون على الأئمّة (ع)

 وتتلخّص فكرة التوجّه إلى كتابة هذا البحث لِما لها من صلة وثيقة بين هؤلاء الواقفين وعلاقتهم بالتشريع، لاِنّهم عاصروا الأئمّة (عليهم السلام) ونقلوا عنهم الروايات، وأنّ الكثير منهم كان من المقرّبين إليهم ومن أصحاب الإجماع الذين يصحّ عنهم([1]).

 الواقفة، نحلة، أو حركة، أو تجمّع، ابتدع في عصر الأئمّة لشبهات اعترت البعض من الرواة، أو ممارسة لنوايا سيّئة عند البعض الآخر، وقد وقع الاختلاف في المراد بالواقفة، وأنّ الوقف على أيّ إمام يصحّ أن يطلق اسم الواقفة عليهم، فالمشهور بين المحقّقين يرى أنّ الوقف على قسمين، وقف بالمعنى العامّ، ووقف بالمعنى الخاصّ.

 أمّا الوقف بالمعنى الخاصّ: هو الوقف على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وهم الذين لم يؤمنوا بامتداد الإمامة إلى من بعدهم من الأئمّة (عليهم السلام).

 غير أنّ الأئمّة (عليهم السلام) واجهوا هذه الفرقة مواجهة صريحة وواضحة لاحساسهم بالخطر الذي كان معدّاً من هؤلاء لهدم أساس التشيّع وتقويضه لأنّهم يحملون في أفكارهم التي بثّوها في المجتمع الشيعي، معاول الهدم والتخريب في أوساط الناس، وقد انعكس هذا الاُسلوب في المواجهة عند تلامذة الأئمّة (عليهم السلام) من أصحابهم المخلصين والذين يتلقّون علومهم من أئمّتهم مباشرة فتركت أثرها البالغ في نفوس الأتباع.

 وإليك بعض النصوص والدلائل التي تشير إلى إنذار الأئمّة (عليهم السلام) لشيعتهم وتحذيرهم من هذه الفتنة وغيرها.

 وورد في العيون حديث آخر عن ربيع بن عبدالرحمن، قال: كان والله موسى بن جعفر (عليه السلام) من المتوسّمين، يعلم من يقف عليه بعد موته ويجحد الإمام بعد إمامته، فكان يكظم غيظه عليهم، ولا يبدي لهم ما يعرفه منهم فسمّي الكاظم لذلك([2]). وغيرها من الأحاديث الدالّة على توسّمهم الانحراف في بعض أصحابهم وشيعتهم.

 وهذا الأمر وإن اشترك فيه بقيّة الفرق والنحل كالفطحيّة مثلاً، إلاّ أنّ التشديد على الواقفة كان أكثر إحساساً من جانب الأئمّة (عليهم السلام) لمصلحة هذا التوجّه بالخصوص.

 الوقف بعد الإمام الرضا (ع)

 وقد بلغ النزاع أوجه في إمامة الرضا (عليه السلام) من قبل شيعته وتفرّقوا عنه من حيث الاعتقاد.

 إنّ الإمامة استمرّت على القول باُصول الإماميّة أيّام أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فلمّا توفّي وخلف ابنه أبو جعفر (عليه السلام) وله عند وفاة أبيه سبع سنين اختلفوا وتفرّقوا ثلاث فِرق، فرقة مضت سنن القول بالإمامة، وارتأت إمامة أبي جعفر ونقلت النصّ عليه وهي أكثر الفِرَق عَدداً، وفرقة ارتدّت إلى قول الواقفة ورجعوا عمّا كانوا من إمامة الرضا (عليه السلام)، وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى (عليه السلام) وزعموا أنّ الإمام الرضا (عليه السلام)أوصى إليه ونصّ]عليه[بالإمامة.

 والفرقة التي قالت بإمامة أحمد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، يفيدنا هذا النوع من الوقف، أنّ هؤلاء وقفوا على الإمام الرضا (عليه السلام) ولم يمتدّوا إلى الأئمّة الحقيقيّين الذين ورد النصّ على إمامتهم، وهم الجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام)، وهذا يختلف عن واقفة أبيه وجدّه، والإمام الباقر (عليه السلام).

الوقف بعد الإمام الجواد (ع)

 قال أصحاب الإمام محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام)الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه ووصيّه عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) فلم يزالوا على ذلك سوى نفر يسير عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمّد([3]).

 الوقف بعد الإمام الهادي (ع)

 فلمّا توفّي عليّ بن محمّد [الهادي] بن عليّ بن موسى الرضا صلوات الله عليهم، قالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمّد، وقد توفّي في حياة أبيه ودفن بالقرب من سرّ من رأى([4]).

 ثمّ بعد وفاة الإمام الحسن العسكري تشتّت الفرق حتى جاوزت العشرين كما أحصتها بعض الكتب.

 تعريف الواقفة في عصر الإمام الكاظم (ع)

 وأوّل من ابتدع فكرة الوقف وأظهر الاعتقاد بها وروّج لها بين أوساط الشيعة بعض الكبار من أصحاب الإمام موسى ابن جعفر (عليه السلام)، كعليّ بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، ويعتبر هؤلاء الثلاثة أوّل من ابتدع هذا المذهب، وأظهر الاعتقاد به، والدعوة إليه.

دوافع النشأة

 والمتطلّع في الروايات والتأريخ وكتب الرجال يلمس أنّ أبرز الدوافع في نشوء هذه الشبهة والترويج لها هو أنّ قوّام الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) وخزنة أمواله التي تجبى له من شيعته، طمعوا فيما كان بأيديهم من الحقوق الشرعية والأخماس، ولقد اجتمع عند هؤلاء أموال طائلة خلال الشطر الأخير من حياة الإمام الكاظم (عليه السلام)عندما كان يرزح تحت وطأة سجون الظالمين([5])، ولمّا استشهد الإمام الكاظم (عليه السلام)في السجن بالسمّ، طالبهم الإمام الرضا (عليه السلام) بما عندهم من الأموال، فغرّرت بهم الدنيا، وأنكروا موت أبيه (عليه السلام)، ولقد كان عند عليّ بن أبي حمزة البطائني ثلاثون ألف دينار، وعند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألف دينار وستّ جوار، وعند أحمد بن أبي بشر السرّاج عشرة آلاف دينار، فنازعتهم نفوسهم وأطماعهم في تسليم هذه الأموال للإمام الرضا (عليه السلام)، متحيّلين لذلك بإنكار موت الإمام الكاظم (عليه السلام)،  مدّعين أنّه حيّ يُرْزق، وأنّهم لم يسلّموا من هذه الأموال شيئاً حتى يرجع فيسلّموها له، وذلك لأجل التمويه على العامّة، ولتمرير جشعهم وطمعهم عبر طريق صحيح حسب اعتقادهم، والحقيقة أنّهم ابتعدوا عن جادّة الهدى وهووا في قرار الجحيم.

 1/ عن الحسين بن محمّد بن عمر بن يزيد، عن عمّه، قال: كان بدء الواقفة أنّه كان اجتمع ثلاثون ألف دينار عند الأشاعثة زكاة أموالهم وما كان يجب عليهم فيها، فحملوا إلى وكيلين لموسى (عليه السلام)بالكوفة، أحدهما حيّان السرّاج، والآخر كان معه، وكان موسى (عليه السلام) في الحبس، فاتّخذوا بذلك دوراً، وعقدوا العقود، واشتروا الغلاّت. فلمّا مات موسى (عليه السلام) وانتهى الخبر إليهما، أنكرا موته، وأذاعا في الشيعة أنّه لا يموت; لأنّه هو القائم، فاعتمدت عليه طائفة من الشيعة، وانتشر قولها في الناس، حتى كان عند موتهما أوصيا بدفع المال إلى ورثة موسى (عليه السلام)، واستبان للشيعة أنّهما قالا ذلك حرصاً على المال([6]).

 فروى محمّد بن يعقوب بالإسناد عن يونس بن عبدالرحمن، قال: مات أبو إبراهيم (عليه السلام) وليس من قُوّامه أحد إلاّ وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته، طمعاً في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلمّا رأيت ذلك وتبيّنت الحقّ وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام)ما علمت، تكلّمت ودعوت الناس إليه، فبعثا إليّ وقالا: ما يدعوك إلى هذا، إن كنت تريد المال فنحن نغنيك؟ وضَمِنّا لي عشرة آلاف دينار، وقالا لي: كفّ، فأبيت، وقلت لهما: إنّا روينا عن الصادقين (عليهما السلام)أنّهم قالوا: «إذا ظهرت البدع فعلى العالِم أن يُظهر علمه، فإن لم يفعل سُلِبَ نور الإيمان» وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كلّ حال، فناصباني وأضمرا لي العداوة([7]).

 فأمّا ابن أبي حمزة فإنّه أنكره ولم يعترف بما عنده، وكذلك زياد القندي، وأمّا عثمان بن عيسى فإنّه كتب إليه: إنّ أباك (صلوات الله عليه) لم يمت، وهو حيّ قائم، ومن ذكر أنّه مات فهو مبطل، واعمل على أنّه قد مضى كما تقول، فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وأمّا الجواري فقد اعتقتهنّ وتزوّجت بهنّ([8]).

 قال: فكتب إليه، إن لم يكن أبوك مات فليس لك من ذلك شيء، وإنّ كان قد مات على ما تحكي فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وقد أعتقت الجواري وتزوّجتهنّ([9]).

 والده موسى بن جعفر (عليه السلام)، ومن هؤلاء إبراهيم وإسماعيل ابنا أبي سمّال - أو السمّاك - ولمّا خرج ابن طباطبا ضدّ الحكم العبّاسي، وأرسل الرشيد إليه جيشاً بقيادة أبي السرايا، خرج معه أحمد ابن الإمام موسى بن جعفر لحرب ابن طباطبا، فقال لهما جماعة: إنّ هذا الرجل قد خرج مع أبي السرايا، فما تقولان؟ فأنكرا ذلك من فعله، ورجعا عنه، وقالا: أبو الحسن موسى حيّ، نثبت على الوقف([10]). ووقفا عند القول بإمامته، إلى غير ذلك ممّا يشير إلى أنّ المنحرفين عن أبي الحسن الرضا كانوا من بين الذين أغرتهم الدنيا، واستبدّ بهم الطمع، فتظاهروا بإنكار موت أبيه طمعاً بما كان بأيديهم من الأموال التي كانت بحوزتهم لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام).

 والشيء الآخر أنّ نشوء هذه الفكرة لم يكن عن اعتقاد واقتناع بواقعيّة وأصالة مبادئها، بل كان لمجرّد رغبات ماديّة وعوامل دنيويّة انحرفت بأصحابها عن الطريق المستقيم.

 ذرائع الواقفة

 واحتجّوا قبل ولادة الإمام الجواد (عليه السلام)بحديث الصادق (عليه السلام): أنّ الإمام لا يكون عقيماً، وقالوا للإمام الرضا (عليه السلام): كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟!

 على أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) قد بيّن في حياته المفاد الواقعي لبعض هذه الأخبار بقوله: «ما من إمام يكون قائماً في اُمّة إلاّ وهو قائمهم، فإذا مضى فالذي يليه هو القائم والحجّة حتى يغيب عنهم، فكلّنا قائم».

 وبيّن الإمام الرضا (عليه السلام) كذلك خطأ فهمهم لمضامين الأحاديث التي تمسّكوا بها، وفسّر لهم المضمون الصحيح لها، وأنّها على خلاف ما بنى عليه دُعاة الوقف، فألزمهم الحجّة في كذب ما تأوّلوه.

 1/ عن الحسن بن الحسن - في حديث - قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أسألك؟ فقال: سل إمامك؟ فقلت: مَن تعني، فإنّي لا أعرف إماماً غيرك؟ قال: هو عليّ ابني، قد نحلته كنيتي. قلت: سيّدي أنقذني من النّار، فإنّ أبا عبدالله (عليه السلام)قال: إنّك القائم بهذا الأمر. قال: أَوَلم أكن قائماً؟

 2/ عن الفضل بن شاذان بسنده إلى الحسن بن قياما الصيرفي، أنّه قال: حججت سنة ثلاث وتسعين ومائة، وسألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك،  ما فعل أبوك؟ قال: مضى كما مضى آباؤه. قلت: فكيف أصنع بحديث حدّثني به يعقوب بن شعيب، عن أبي بصير: أنّ أبا عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: إن جاءكم مَن يخبركم أنّ ابني هذا مات وكُفّن وقُبِر ونفضوا أيديهم من تراب قبره فلا تصدّقوا به.

 3/ وعن محمّد بن يونس بن الحسن الواسطي، عن الحسن بن قياما الصيرفي، أنّه قال: سألت أبا الحسن الرضا عن أبيه، فقال: مضى كما مضى آباؤه. فقلت: فكيف أصنع بحديث حدّثني به زرعة بن محمّد الحضرمي، عن سماعة ابن مهران: أنّ أبا عبدالله الصادق قال: إنّ ابني هذا - وأشار إلى ولده موسى - فيه شبه لخمسة أنبياء، يُحسد كما حُسِد يوسف، ويغيب كما غاب يونس; وذكر ثلاثة اُخر.

 4/ وعن ابن أبي نجران وصفوان، قالا: حدّثنا الحسين ابن قياما - وكان من رؤساء الواقفة - فسألنا أن نستأذن له على الرضا (عليه السلام)، ففعلنا، فلمّا صار بين يديه، قال له: أنت إمام؟ قال (عليه السلام): نعم. قال: إنّي اُشهد الله أنّك لست بإمام.

 قال: لأنّا روينا عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنّ الإمام لا يكون عقيماً، وأنت قد بلغت هذا السنّ وليس لك ولد.

 قال عبدالرحمن بن أبي نجران: فعددنا الشهور من الوقت الذي قال، فوهب الله له أبا جعفر (عليه السلام) في أقلّ من سنة.

 5/ وعن الحسين بن بشّار، قال: كتب ابن قياما إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتاباً، يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟

 6/ وعن محمّد بن عليّ، عن ابن قياما - وكان من الواقفة - قال: دخلت على عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، فقلت له: يكون إمامان؟ قال: لا، إلاّ وأحدهم صامت.

 والله ليجعلنّ الله منّي ما يثبت به الحقّ وأهله، ويمحق به الباطل وأهله.

 الأدلّة على بطلان الوقف

 1/ قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ثمّ لم تزل الإمامية بعد من ذكرناه على نظام الإمامة، حتّى قُبض موسى بن جعفر (عليه السلام)، فافترقت بعد وفاته فرقاً:

 ـ وقال جماعة منهم بالوقف على أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وادّعوا حياته وزعموا أنّه هو المهديّ المنتظر، وقال فريق منهم: إنّه قد مات وسيبعث، وهو القائم بعده.

 واعتلّت الواقفة فيما ذهبوا إليه بأحاديث رووها عن أبي عبدالله (عليه السلام)، منها أنّهم حكوا عنه (عليه السلام): أنّه لمّا ولد موسى بن جعفر (عليه السلام) دخل أبو عبدالله (عليه السلام)على حميدة البربرية، اُمّ موسى (عليه السلام)، فقال لها: بخ بخ، حلّ المُلك في بيتكِ.

 ثمّ يُقال لهم، فيما تعلّقوا به من الحديث الأوّل: ما أنكرتم أن يكون الصادق (عليه السلام) أراد بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الأمر والنهي، وأي دليل في قوله لحميدة: «حلّ الملك في بيتِكِ» على أنّه نصّ على ابنه، وأنّه القائم بالسيف! أوما سمعتم قول الله تعالى يقول:) فَقَدْ آتَيْنا آل إِبْراهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (([11])؟ وإنّما أراد ملك الدين والرياسة فيه على العالمين.

 مع أنّه يقال لهم: ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى (عليه السلام)، وما البرهان على أنّ أباه نصّ عليه، فبأيّ شيء تعلّقوا في ذلك واعتمدوا عليه، أريناهم بمثله حجّة إمامة الرضا (عليه السلام) وثبوت النصّ على أبيه (عليه السلام)، وهذا ما لا يجدون عنه مخلصاً ([12]).

 على أنّ موته اشتهر ما لم يشتهر موت أحد من آبائه (عليهم السلام); لأنّه اُظهر واُحضر القضاة والشهود، ونودي عليه ببغداد على الجسر، وقيل: «هذا الذي تزعم الرافضة أنّه حيّ لا يموت، مات حتف أنفه». وما جرى هذا المجرى لا يمكن الخلاف فيه.

 قال: وكشف عن وجه مولاي حتى رأيته وعرفته، ثمّ غُطّي وجهه واُدخل قبره صلّى الله عليه.

 وروى عدّة أحاديث تدلّ بمجموعها دلالة قاطعة على تحقّق وفاة الإمام الكاظم (عليه السلام)([13])، ثمّ إنّ النصوص المتظافرة عن النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الهدى (عليهم السلام) تشير إلى أنّ الإمام الغائب هو الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وليس غيره، وهذان الأمران يدلاّن بوضوح على فساد مذهب الواقفة.

 على أنّ المشهور عنه (عليه السلام) أنّه وصّى إلى ابنه عليّ بن موسى (عليه السلام) وأسند إليه أمره بعد موته، والأخبار بذلك أكثر من أن تحصى، ولو كان حيّاً باقياً لما احتاج إليه([14]).

 الطعن على الواقفة

 1/ عن عيص، قال: دخلت مع خالي سليمان بن خالد على أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال: يا سليمان، مَن هذا الغلام؟ فقال: ابن اختي. فقال: هل يعرف هذا الأمر؟ فقال: نعم. فقال: الحمد لله الذي لم يخلقه شيطاناً.

 قال: ينكرون موته، ويزعمون أن لا إمام بعده، اُولئك شرّ الخلق([15]).

 قلت: جعلت فداك، أليس ينتحلون حبّكم، ويتولّونكم، ويتبرّون من عدوّكم؟ قال: نعم. قلت: جعلت فداك، بيّن لنا نعرفهم فعَلّنا منهم. قال: كلاّ يا عمر، ما أنت منهم، إنّما هم قومٌ يفُتنون بزيد، ويُفتنون بموسى([16]).

 قلت: جعلت فداك، قد أزغت قلبي عن هؤلاء. قال: يضلّ به قوم من شيعتنا بعد موته جزعاً عليه فيقولون لم يمت، وينكرون الأئمّة (عليهم السلام) من بعده، ويدعون الشيعة إلى ضلالهم، وفي ذلك إبطال حقوقنا وهدم دين الله. يابن أبي يعفور، فالله ورسوله منهم بريء، ونحن منهم براء([17]).

 وقال: قلت: جعلت فداك، أوَمن شيعتكم من يتولّى عنكم بعد المعرفة؟ قال: يا حمران، نعم، وأنت لا تدركهم.

 5/ عن محمّد بن سنان، قال: ذكر عليّ بن أبي حمزة عند الرضا (عليه السلام) فلعنه، ثمّ قال: إنّ عليّ بن أبي حمزة أراد أن لا يُعبد الله في سمائه وأرضه، فأبى الله إلاّ أن يُتمّ نوره ولو كره المشركون، ولو كره اللعين المشرك.

 6/ وعن أحمد بن محمّد، قال: وقف عليّ أبوالحسن (عليه السلام)في بني زريق، فقال لي وهو رافع صوته: يا أحمد، قلت: لبّيك. قال: لمّا قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جهد الناس في إطفاء نور الله، فأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره بأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا توفّي أبوالحسن (عليه السلام) جهد عليّ بن أبي حمزة وأصحابه في إطفاء نور الله فأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره. وإنّ أهل الحقّ إذا دخل عليهم داخل سُرّوا به، وإذا خرج منهم خارج لم يجزعوا عليه، وذلك أنّهم على يقين من أمرهم، وإنّ أهل الباطل إذا دخل فيهم داخل سرّوا به، وإذا خرج عنهم خارج جزعوا عليه، وذلك أنّهم على شكّ من أمرهم، إنّ الله جلّ جلاله يقول:( فَمُسْتَقَرُّ وَمُسْتَوْدَعٌ (([18])، قال: ثمّ قال أبو عبدالله (عليه السلام): المستقرّ الثابت، والمستودع المعار([19]).

 موقف الإمام الرضا (ع) من الواقفة

 فعن البزنطي، قال: كنت شاكّاً في أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فكتبت إليه كتاباً أسأله فيه الإذن عليه، وقد أضمرت في نفسي أن أسأله إذا دخلت عليه عن ثلاث آيات، قد عقدت قلبي عليها.

 وكتب بجواب ما أردت أن أسأله عنه، عن الآيات الثلاث في الكتاب، ولا والله ما ذكرت له منهنّ شيئاً، ولقد بقيت متعجّباً لمّا ذكرها في الكتاب، ولم أدرِ أنّه جوابي إلاّ بعد ذلك، فوقفت على معنى ما كتب به (عليه السلام)([20]).

 لكن نشوء هذه الفكرة وانتشارها بين أوساط الشيعة آنذاك، يعدّ من عوامل الانقسام الخطيرة التي لا بدّ من التصدّي لها بكافّة الوسائل المتاحة، وقد تقدّم أيضاً أنّ الإمام (عليه السلام) بادر ومنذ البدء إلى تفنيد مزاعم الواقفة وذرائعهم، وهداية أصحابه إلى طريق الحقّ والهدى.

 1/ الحوار وإلزام الحجّة.

 3/ رميهم بالشرك والزندقة.

 لقد فتح الإمام (عليه السلام) بابه لأصحابه بعد ذلك ودعا لنفسه رغم قناعته بقسوة الظروف التي تكتنف هذا العمل الخطير، وما يترتّب عليه من إجراءات تعسفية من قبل السلطة، وذلك لكي يواجه الخطر الآتي من الداخل، خطر الانقسام والتكتّل، وليحفظ وحدة أصحابه، ويضطلع بأداء دوره الرسالي والتربوي، ولأنّه (عليه السلام) كان واثقاً بأنّ الرشيد لن يمسّه بسوء - رغم الرقابة المفروضة على الإمام (عليه السلام)، وذلك بالخبر الموثوق عن آبائه (عليهم السلام) عن جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانبرى (عليه السلام) لمناظرة الواقفة ولأكثر من مرّة، ليحدّ من تفشّي فكرة الوقف في أوساط شيعته.

 قال ابن السرّاج وابن المكاري: قد والله أمكنك من نفسه. قال: ويلك وبم أمكنته! أتريد أن آتي بغداد، وأقول لهارون: أنا إمام مفترض الطاعة؟ والله ما ذلك عليّ، وإنّما قلت ذلك لكم عندما بلغني من اختلاف كلمتكم، وتشتّت أمركم، لئلاّ يصير سرّكم في يد عدوّكم.

 ثمّ قال له عليّ بن أبي حمزة: إنّا روينا عن آبائك أنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله. فقال له أبو الحسن الرضا: أخبرني عن الحسين بن عليّ (عليه السلام) كان إماماً أم لا؟ فقال: لقد كان إماماً، فقال له الرضا: فمن وليّ أمره؟ قال: ولده عليّ ابن الحسين.

 فقال له أبوالحسن الرضا (عليه السلام): إنّ الذي أمكن عليّ بن الحسين (عليه السلام) أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه، يمكّن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد لِيَلِي أمر أبيه، وهو ليس في حبس ولا أسر([21]).

 2/ وعن صفوان بن يحيى، عن أبي جرير القمّي، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثمّ إليك، ثمّ حلفت له: وحقّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحقّ فلان وفلان حتّى انتهيت إليه بأنّه لا يخرج منّي ما تخبرني به إلى أحد من الناس، وسألته عن أبيه، أحيّ هو أو ميّت؟ فقال (عليه السلام): قد والله مات.

 قلت: هلاك غيبة، أو هلاك موت؟ قال: هلاك موت.

 قلت: فأوصى إليك؟ قال: نعم.

 قلت: فعليك من إخوتك إمام؟ قال: لا.

 المحور الثاني:

 1/ فعن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، قال: كنت كتبت معي مسائل كثيرة قبل أن أقطع على أبي الحسن (عليه السلام)، وجمعتها في كتاب ممّا روي عن آبائه (عليهم السلام) وغير ذلك، وأحببت أن أتثبّت في أمره وأختبره، فحملت الكتاب في كمّي وصرت إلى منزله وأردت أن آخذ منه خلوة، فاُناوله الكتاب، فجلست ناحيةً وأنا متفكّر في طلب الإذن عليه، وبالباب جماعة جلوس يتحدّثون، فبينا أنا كذلك في الفكرة والاحتيال في الدخول عليه، إذ أنا بغلام قد خرج من الدار وفي يده كتاب، فنادى: أيّكم الحسن بن عليّ الوشّاء ابن بنت إلياس البغدادي؟

 قال: هذا الكتاب اُمرت بدفعه إليك فهاك خُذه، فأخذته وتنحّيت ناحيةً فقرأته، فإذا والله فيه جواب مسألة مسألة، فعند ذلك قطعت عليه، وتركت الوقف([22]).

 ثمّ قال (عليه السلام): وقد نسيت ما كان أهمّ المسائل عندك، فاستبصرت - الحديث([23]).

 فرجعت إلى البيت، وقد سبقني كتاب أبي الحسن يأمرني فيه أن أدعو إلى هذا الأمر ذلك الرجل، فانطلقت إليه، وأخبرته، وقلت: أحمد الله واستَخِره مائة مرّة.

 فقال لي: أشهد أنّه الإمام المفترض الطاعة. قلت: وكيف ذلك؟

 4/ وعن جعفر بن محمّد بن يونس، قال: جاء قوم إلى باب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) برقاع فيها مسائل، وفي القوم رجل واقفيّ، وأقف على باب أبي الحسن بن موسى (عليه السلام)، فوصلت الرقاع إليه، فخرجت الأجوبة في جميعها، وخرجت رقعة الواقفيّ بلا جواب، فسألته: لِمَ خرجت رقعته بلا جواب؟

 فما استتمّ كلامه حتّى خرج الخادم، فأخذ رقعته من يده ودخل بها، وعاد الجواب فيها إلى الرجل، فقال: الحمدلله، هذان برهانان في وقت واحد([24]).

 لقد جهد الإمام (عليه السلام) ليؤكّد خطأ فكرة الواقفة وعدم واقعيّتها كما تقدّم في مناظرتهم، ولقد عانى (عليه السلام) كثيراً في محاربة هؤلاء، ودحض أباطيلهم، وكشف دخائل نفوسهم، وتعريتهم أمام الملأ لئلاّ تنخدع بهم النفوس الضعيفة، ولقد أثمرت جهود الإمام (عليه السلام) في عودة قسم كبير من أصحابه إلى جادّة الحقّ وترك القول بالوقف، وسنذكر طائفة من أخبارهم فيما بعد.

 العناد والمكابرة:

 1/ عن عليّ بن الحكم، عن حيدر بن أيّوب، قال: كنّا بالمدينة في موضع يعرف بــ «قبا»، فيه محمّد بن زيد بن عليّ، فجاء بعد الوقت الذي كان يجيئنا فيه، فقلنا فيه: جعلنا الله فداك، ما حبسك؟

 ثمّ قال محمّد بن زيد: والله يا حيدر، لقد عقد له الإمامة اليوم، وليقولنّ الشيعة به من بعده.

 قال: يا حيدر، إذا أوصى إليه فقد عقد له الإمامة.

 3/ وعن غنّام بن القاسم، قال: قال لي منصور بن يونس ابن بزرج: دخلت على أبي الحسن - يعني موسى بن جعفر (عليه السلام) - يوماً، فقال لي: يا منصور، أما علمت ما أحدثت في يومي هذا؟ قلت: لا.

 قال: فدخلت عليه فهنّأته بذلك، وأعلمته أنّ أباه أمرني بذلك، ثمّ جحد منصور بن يونس بعد ذلك، فأخذ الأموال التي كانت في يده وكسرها ([25]).

 قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): إنّ زياد بن مروان روى هذا الحديث، ثمّ أنكره بعد مضيّ موسى (عليه السلام)، وقال بالوقف، وحبس ما كان عنده من مال موسى بن جعفر (عليه السلام)([26]).

 قال: فقال الرضا (عليه السلام)لغلام له شيئاً لم أعرفه، فنزل الغلام، فجاء بماء في مَشْرَبة، فناوله فشرب، وصبّ الفضلة على رأسه من الحرّ.

 فقال لي يزيد بن إسحاق: ويحك يا عليّ! فما تريد بعد هذا، ما تنتظر؟ قلت: يا أخي دعنا.

 قلت: فما باله لا يجيء عنه كما جاء عن آبائه؟ قال: فقال لي: ما أدري ما تقول، ونهض وتركني، فلم ألبث إلاّ يسيراً حتّى جاءني بكتاب فدفعه إليّ، فقرأته فإذا خطّ ليس بجيّد، فإذا فيه:

 قال: وكانت له بنت تلقّب بالجعفريّة، قال: فخطّ على اسمها، فلمّا قرأت الكتاب قال لي: هاته. قلت: دعه. قال: لا، اُمرت أن آخذه منك. قال: فدفعته إليه.

 رميهم بالشرك والزندقة:

 1/ عن صفوان، عن إبراهيم بن يحيى بن أبي البلاد، قال: قال الرضا (عليه السلام): ما فعل الشقيّ حمزة بن بزيع؟ قلت: هو ذا قد قدم.

 قال صفوان: فقلت فيما بيني وبين نفسي: شكّاك قد عرفتهم، فكيف يموتون على الزندقة؟! فما لبثنا إلاّ قليلاً حتى بلغنا عن رجل منهم أنّه قال عند موته: هو كافر بربّ أماته!

 2/ عن عليّ بن عبدالله الزبيري، قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الواقفة، فكتب: الواقف عاند من الحقّ، ومقيم على سيّئة، إن مات بها كانت جهنّم مأواه وبئس المصير([27]).

 4/ وعن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): اُعطي هؤلاء الذين يزعمون أنّ أباك حيّ من الزكاة شيئاً؟ قال (عليه السلام): لا تعطهم، فإنّهم كفّار مشركون زنادقة([28]).

 6/ وعن محمّد بن عاصم، قال: سمعت الرضا (عليه السلام)يقول: يا محمّد، بلغني أنّك تجالس الواقفة؟ قلت: نعم، جعلت فداك، اُجالسهم وأنا مخالف لهم.

 7/ وعن سليمان بن الجعفري، قال: كنت عند أبي الحسن] الرضا[(عليه السلام) بالمدينة إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة، فسأله عن الواقفة، فقال أبو الحسن (عليه السلام): ( مَلْعُونينَ أَيْنَما ثُقِفوا اُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً ) ([29]) والله إنّ الله لا يبدّلها حتّى يقتلوا عن آخرهم([30]).

 9/ وعن محمّد بن الفضيل، قال: قلت للرضا (عليه السلام): جعلت فداك، ما حال قوم قد وقفوا على أبيك موسى (عليه السلام)؟

 10/ وعن عمر بن فرات، قال: سألت أبا الحسن] الرضا[(عليه السلام) مَن الواقفة؟ فقال: يعيشون حيارى، ويموتون زنادقة([31]).

 12/ وعن إبراهيم بن عقبة، قال: كتبت إليه - يعني أبا الحسن (عليه السلام) -: جعلت فداك، قد عرفت بعض هذه الممطورة، فأقنت عليهم في صلاتي؟

 13/ وعن عبدالله بن جندب، قال: كتب إليّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام):

 وذكر في آخر الكتاب:

 للعبيد، ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم، بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر، وردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ومستنبطه; لأنّ الله يقول في محكم كتابه:( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى اُولي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (([32]) يعني آل محمّد، وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام، وهم الحجّة لله على خلقه([33]).

الإمام الرضا (ع) يكشف عن دوافع الواقفة

 فكتب: قال أبو جعفر (عليه السلام): لا يستكمل عبد الإيمان حتّى يعرف أنّه يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم في الحجّة والطاعة، والحلال والحرام، لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين فضلهما، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات وليس له إمام حيّ يُعرف مات ميتة جاهلية».

 وقال أبو جعفر (عليه السلام): من سرّه أن لا يكون بينه وبين الله حجاب حتى ينظر إلى الله وينظر الله إليه، فليتولّ آل محمّد (عليهم السلام) ويبرأ من عدوّهم، ويأتمّ بالإمام منهم، فإنّه إذا كان كذلك نظر الله إليه ونظر إلى الله.

 أمّا ابن السرّاج فإنّما دعاه إلى مخالفتنا والخروج من

 وأمّا ابن أبي حمزة فإنّه رجل تأوّل تأويلاً لم يحسنه ولم يؤتَ علمه، فألقاه إلى الناس، فلجّ فيه، فكره إكذاب نفسه في إبطال قوله بأحاديث تأوّلها، ولم يؤتَ علمها، ورأى أنّه إذا لم يصدّق آبائي بذلك لم يدرِ لعلّ ما خبّر عنه مثل السفياني وغيره أنّه كائن، لا يكون منه شيء، وقال لهم: ليس يسقط قول آبائه بشيء، ولعمري ما يسقط قول آبائي شيء، ولكن قصر علمه عن غايات ذلك وحقائقه، فصار فتنةً له وشبهةً عليه، وفرّ من أمر فوقع فيه([34]).

مَن رجع عن مذهب الواقفة

 وكذلك رجع بعض من كان في عصره (عليه السلام)، مثل: أحمد ابن محمّد بن أبي نصر، والحسن بن عليّ الوشّاء، وغيرهما ممّن قال بالوقف، فالتزموا الحجّة وقالوا بإمامة الرضا (عليه السلام)وإمامة مَن بعده من ولده (عليهم السلام)، وفيما يلي بعض الأحاديث الواردة في ذلك.

 2/ وعن يزيد بن إسحاق شعر، وكان من أدفع الناس لهذا الأمر، قال: خاصمني مرّة أخي محمّد، وكان مستوياً، قال: فقلت له لمّا طال الكلام بيني وبينه: إن كان صاحبك بالمنزلة التي تقول فاسأله أن يدعو الله لي حتّى أرجع إلى قولكم. قال: قال لي محمّد: فدخلت على الرضا (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك، إنّ لي أخاً، وهو أسنّ منّي، وهو يقول بحياة أبيك، وأنا كثيراً ما اُناظره، فقال لي يوماً من الأيام: سل صاحبك - إن كان بالمنزلة التي ذكرت - أن يدعو الله لي حتّى أصير إلى قولكم، فأنا اُحبّ أن تدعو الله له.

 «اللّهمّ خُذ بسمعه وبصره ومجامع قلبه حتّى تردّه إلى الحقّ». قال: كان يقول هذا وهو رافع يده اليمنى. قال: فلمّا قدم أخبرني بما كان، فوالله ما لبثت إلاّ يسيراً حتّى قلت بالحقّ([35]).

 قال الحسين: فقلت للرضا (عليه السلام): مضى أبوك؟ قال: إي والله، وإنّي لفي الدرجة التي فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن كان أسعد ببقاء أبي منّي! ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول:( وَالسَّابِقُون السَّابِقُونَ اُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (([36]).

 وقال: أما إنّي ما رأيته ولا دخل عليَّ، ولكنّه آمن وصدق فاستوصِ به.

 دور التأويل والتحريف والوضع في توسعة حركة الواقفة

 دور التأويل

 2/ الوضع لنصرة المذهب فقد قام أصحاب المذاهب بوضع أحاديث لنصرة المذهب.

 4/ المصالح المادية والأموال التي تبذل لضعاف النفوس من أجل إيجاد الخلل الفكري والعقائدي لدى مجموعة من الناس، فيقوم أصحاب الوضع بشراء ذمم قلقة مهزوزة في ترتيب هذه الاُمور وقد حدث في بدء التاريخ الإسلامي من مثل هذه الظواهر الكثير، فقد أعطى معاوية ابن سفيان أربعة آلاف درهم مقابل تأويل آية في القرآن تقول: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (([37]) أنّها وردت في حقّ عبدالرحمن بن ملجم قاتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

 وفي كتاب الكشيّ، حينما تكلّم عن هؤلاء في حديث مسهب مع الإمام الرضا (عليه السلام) من قبل أقطاب حركة الوقف، وهم القندي، والمكاري، وابن السرّاج، ومعاندتهم للإمام (عليه السلام) بمفاهيم وألفاظ وأحاديث لم ينزل الله بها من سلطان.

حركة الغلوّ ودور الواقفة فيها

 ولهذا نرى في التاريخ الإسلامي عملية إخفاء المبادىء والأفكار والأغراض المسمومة وإظهارها بوسيلة مشروعة تتناسب ومقتضيات مصلحة الفكرة والمبدأ.

 قال الوحيد: إنّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلّسين([38]).

 ولا يمكننا حساب حركة الوقف حساباً رقمياً وعدياً نظراً للظروف السياسية المعقّدة وحالة التقيّة التي برزت في أعلى مستواها في عصر الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) خاصّة بالاضافة إلى العوامل المعقّدة والمتداخلة والظروف الخاصّة في تاريخ الشيعة التي مرّت عليهم خلال مواكبة الشيعة لأئمّتهم صلوات الله وسلامه عليهم.

 وإذا ثبت لدينا أنّ حركة الغلوّ بعيدة عن البعض وهو كذلك كما في بعض الواقفة ولكن هناك دلائل تاريخية تثبت أنّ الواقفة استعملوا أساليب معيّنة لحشر بعض المشتبهين منهم معهم. قال الغضائري في ترجمة عبدالكريم الخثعمي (كرام) قال:

 فدعوى الواقفة له واضحة لكن رواية الغلاة عنه هذا من المعاني البارزة لدعم فكرة الغلو فيما لو ضمّت في أسانيد رواياتهم شخصيّات إسلامية بالنتيجة تكون هذه العملية معزّزة للمبدأ الذي اُسّست الحركة لأجله.

 وعبارة الإمام صلوات الله عليه وقال فينا ما لم نقله في أنفسنا إشارة واضحة لما تحدث به بعض المغالين من الواقفة عن البعض من الأئمّة وخاصّة الإمام الكاظم (عليه السلام) بأنّه لم يمت أو رفع إلى السماء وغيرها من الاُمور غير الحقيقة.

 فالزيدية والجارودية والإسماعيلية والفطحية والواقفة وغيرهم من الفِرق الباطلة، سواء كانت قد عفى عليها الزمن كالواقفة والفطحية والمغالين، أو استمروا في تاريخ الإسلام فبمنظور العقيدة الصحيحة أنّ هؤلاء كالمنكرين لخلافة عليّ بن أبي طالب بل لنبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعضد ذلك قول الإمام السابق من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات.

 أمّا ما ورد في ترجمة عبدالله بن القاسم الحضرمي قال النجاشي: كذّاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يعتدّ بروايته([39])، مضافاً إلى ما ورد عن رجال الطوسي الذي صرّح بوقفه([40]). وكذلك ما رواه الكشي في ترجمة المفضّل ابن عمر قال.. حدّثني أبويعقوب بن محمّد البصري وهو غال، ركن من أركانهم أيضاً قال: حدّثني محمّد بن الحسن بن شمون وهو أيضاً منهم([41]).

 أو ما قاله عنه ابن الغضائري:... واقف ثمّ غلا، ضعيف متهافت لا يلتف إليه ولا إلى مصنّفاته وسائر ما ينسب إليه([42]).

 أقول: سبحانك الله وبحمدك هذا بهتان عظيم.

 قال الصدوق (عليه الرحمة): قال محمّد بن إسماعيل ابن بزيع عن حيّان السرّاج قال: سمعت السيّد بن محمّد الحميري يقول: كنت أقول بالغلوّ واعتقد غيبة محمّد بن عليّ بن الحنفية، وقد ظللت في ذلك زماناً فمنّ الله علىَّ بالصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) وأنقذني به من النّار وهداني إلى سواء الصراط([43]).

 هذا ما كان من نحلة الواقفة وما عثرنا عليه في الصحاح والمسانيد والموسوعات المعتبرة، نقلناه بصورة موجزة.

 انقراض الواقفة

 قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): أجمع أصحاب أبيه أبي الحسن موسى (عليه السلام) على أنّه نصّ عليه وأشار بالإمامة إليه، إلاّ من شذّ منهم من الواقفة والمسمّين الممطورة، والسبب الظاهر في ذلك: طمعهم فيما كان في أيديهم من الأموال] الواردة [إليهم في مدّة حبس أبي الحسن موسى (عليه السلام)، وما كان عندهم من ودائعه فحملهم ذلك على إنكار وفاته، وادّعاء حياته، ودفع الخليفة بعده عن الإمامة، وإنكار النصّ عليه; ليذهبوا بما في أيديهم ممّا وجب عليهم أن يسلّموه إليه، ومن كان هذا سبيله بطل الاعتراض بمقالة هذا، ووجب أن الإنكار لا يقابل الإقرار، فثبت النصّ المنقول، وفسد قولهم المخالف للمعقول، على أنّهم قد انقرضوا ولله الحمد، فلا يوجد منهم ديّار([44]).

 آملين أن يستفاد منه مَن يبغي الحقّ والحقيقة والله اسأل أن يسدّد الصواب، فإنّه أرحم الراحمين.

 15 من شهر شعبان المعظّم 1418هـ. قحسين الشاكري

المصادر

الكافي

اصول الكافي

بحار الأنوار

الخرائج والجرائح

عيون أخبار الرضا

غيبة الطوسي

الغيبة

علل الشرائع

حليّة الأبرار

العوالم

معجم الفِرق الإسلامية

النوبختي - فِرَق الشيعة

رجال الكشي

رجال الكشي

تفسير العيّاشي

الفصول المختارة

الفصول المختارة

المقالات والفِرق

قرب الاسناد

الاختصاص

رجال الطوسي

اعلام الورى

إكمال الدين

عوالم الإمام الكاظم (عليه السلام)

المجلسي - روضة المتّقين

الفصول المختارة

الواقفيّة

الهداية الكبرى

مقدّمة ابن خلدون

موسوعة المصطفى والعترة للمؤلّف ج11 و 12

فوائد الوحيد - آخر كتاب الخاقاني

 1 - القرآن الكريم

2 - نهج البلاغة

3 - الغدير للعلاّمة الأميني

4 - الفصول المهمّة - لابن الصبّاغ المالكي

5 - مروج الذهب - للمسعودي

6 - تاريخ دمشق - لابن عساكر

7 - تاريخ الاُمم والملوك - للطبري

8 - بحار الأنوار - للعلاّمة المجلسي

9 - في رحاب أئمّة أهل البيت - للسيّد محسن الأمين

10 - موسوعة المصطفى والعترة - للمؤلّف الشاكري

11 - موسوعة عليّ في الكتاب والسنّة والأدب - للمؤلّفالشاكري... وغيرها من المصادر المعتبرة

 



[1] )   ولو أنّ أصحاب الإجماع رجعوا عن الوقف فيما بعد.

[2] )   عيون أخبار الرضا (ع) 1/112، حديث 1.

[3] )   موسى بن محمّد الجواد كان أخاً للهادي (ع) وهو الملقّب بالمبرقع، جاء من الكوفة إلى بلدة قم وأقام بها حتى توفّى سنة 296هـ.

[4] )   وهو المعروف بسبع الدجيل، ومرقده شاخص يُزار بين بغداد وسامراء، وله كرامات.

[5] )   قال الشيخ الصدوق : لم يكن موسى بن جعفر ممّن يجمع المال، ولكنّه قد حصل في وقت الرشيد وكثر أعداؤه، ولم يقدر على تفريق ما كان يجتمع إلاّ على القليل ممّن يثق بهم في كتمان السرّ، فاجتمعت هذه الأموال لأجل ذلك، وأراد أن لا يحقّق على نفسه قول من كان يسعى به إلى الرشيد ويقول : إنّه تُحمل إليه الأموال، وتعقد له الإمامة ويحمل على الخروج عليه، ولولا ذلك لفرّق ما اجتمع من هذه الأموال، على أنّها لم تكن أموال الفقراء، وإنّما كانت أمواله يصل بها مواليه ـ عوالم الإمام الكاظم (ع) : ص485.

[6] )   رجال الكشي : 459، الحديث871. بحار الأنوار 48/266، الحديث27.

[7] )   غيبة الطوسي : 42. علل الشرائع 1/235، الحديث1. عيون أخبار الرضا (ع) 1/112، الحديث2. رجال الكشي : 493، الرقم 946. بحار الأنوار 48/251، الحديثان 2 و 3.

[8] )   غيبة الطوسي : 43. بحار الأنوار 48/252، الحديث4.

[9] )   غيبة الطوسي : 43. علل الشرائع : 236، الحديث2. عيون أخبار الرضا (ع) 1/113، الحديث3. بحار الأنوار 48/253، الحديث5.

[10] )   رجال الكشي 472/898.

[11] )   النساء : 54.

[12] )   الفصول المختارة : ص252 ـ 255.

[13] )   راجع كتابنا : الكاظم موسى ـ فصل : شهادته (ع) : ص413.

[14] )   الغيبة : ص24، وراجع كتابنا : الرضا علي ـ فصل : النصّ عليه (ع) : ص  .

[15] )   رجال الكشي : 457، الرقم 866. بحار الأنوار 48 : 265، الحديث24.

[16] )   رجال الكشي : 459، الرقم 869. بحار الأنوار 48/266، الحديث27.

[17] )   رجال الكشي : 462، الرقم 881. بحار الأنوار 48/268، الحديث28.

[18] )   الأنعام : 98.

[19] )   رجال الكشي : 445، الرقم 837. بحار الأنوار 48/261، الحديث15.

[20] )   عيون أخبار الرضا (ع) 2 : 212/18. بحار الأنوار 49 : 36/17. العوالم 22 : 85/31.

[21] )   رجال الكشي 463/883.

[22] )   عيون أخبار الرضا (ع) 2/228، الحديث1. بحار الأنوار 49/44، الحديث37. العوالم 22/97، الحديث51.

[23] )   الخرائج والجرائح 2/662، الحديث5. بحار الأنوار 49/48، الحديث48. العوالم 22/100، الحديث58.

[24] )   الهداية الكبرى : 288. العوالم 22/120، الحديث5.

[25] )   عيون أخبار الرضا (ع) 1/22، الحديث5. رجال الكشي 468، الحديث 893. بحار الأنوار 49/14، الحديث6. العوالم 22/48، الحديث12.

[26] )   عيون أخبار الرضا (ع) 1 : 31، الحديث25. الكافي 1 : 312، الحديث6. الغيبة : 26. بحار الأنوار 49/19، الحديث23. العوالم 22/47، الحديث28.

[27] )   رجال الكشي 455/860.

[28] )   رجال الكشي 456/862.

[29] )   الأحزاب : 61 و 62.

[30] )   رجال الكشي 457/864.

[31] )   رجال الكشي 460/876.

[32] )   النساء : 83.

[33] )   تفسير العيّاشي 1 : 26/206.

[34] )   قرب الاسناد : 350 ـ 352.

[35] )   رجال الكشي : 605، الرقم 1126. بحار الأنوار 48 : 373، الحديث34.

[36] )   الواقعة : 10.

[37] )   التوبة : 111 .

[38] )   فوائد الوحيد آخر كتاب رجال الخاقاني : ص38.

[39] )   النجاشي : 157.

[40] )   رجال الطوسي : 357.

[41] )   الكشيّ 2 : 613، حديث584.

[42] )   النسخة لابن الغضائري مكتبة السيّد المرعشي ـ قم.

[43] )   إكمال الدين وتمام النعمة : 33.

[44] )   إعلام الورى : 314.