الجزء الأول

من سيرة الامام علي (ع)

الاهداء

المقدّمة

ما نزل في عليٍّ (عليه السلام) من القرآن

أحاديث ابن عبّاس:

ولادة علي (عليه السلام)في الكعبة

محمدٌ وعلي صلوات الله عليهما خلقا من شجرة واحدة

ألقابه وكناه ونعوته (عليه السلام)

مناقبه (عليه السلام) في الحكمة والادب

من حِكَمهِ ومناقبه

ومن كلام له (عليه السلام):

ومن خطبة له (عليه السلام):

ومن خطبة له (عليه السلام):

أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مناقبه (عليه السلام)

نِعْمَ الاخ أخوك علي

أحبُّ إخواني إليَّ علي

مكتوب على باب الجنّة: عليٌّ أخو رسول الله

حديث الدار

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لكلِّ نبيِّ وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب

علي مع القرآن والقرآن مع علي

علي مع الحق والحق مع علي

حب عليّ (عليه السلام)

علي قسيم الجنّة والنار

انتخبنا منها خمسة أحاديث:

عليٌّ وحديث الثقلين

صعود علي (عليه السلام) على منكب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

خمسة عشر حديثاً

في فضائل الامام علي (عليه السلام) ومناقبه

مرج البحرين يلتقيان

عبادة علي (عليه السلام) ومناجاته في تهجده

زهد علي (عليه السلام) وورعه

شذرات من زهده وفصاحته (عليه السلام)

جود علي (عليه السلام) وكرمه

صلح الحديبيّة وفتح مكّة

 

من سيرة الامام علي (ع)

الاهداء

 

إلى أوّلِ مظلوم في الاسلام

إلى مَن تَكالَبت قوى الكُفرِ والنِفَاقِ والانحراف على هضمِ حقِّهِ، واغتصاب مَنْصَبِهِ الذي أمر الله بهِ أن يُنصَّب.

إلى مَن تجمّعَتْ فيه كلّ المكارم، وانحصرت في إرادته الاضداد.

إلى مَن حارتْ في كُنْهِ معرِفَتِهِ، وسبْرِ غَوْرِهِ عُقولُ الحُكماءِ

والفلاسِفة، وَخَضعتْ لعظمتِهِ خاشعة.

إلى مَن أفنى عُمُرَهُ في طاعَةِ ربّهِ، مُنْذُ ولادَتهِ في الكعبة المشرّفة إلى شهَادَتِهِ في مَسْجِدِ الكوفةِ، مضرّجاً بِدَمِهِ مُنادِياً: «فُزْتُ ورَبِّ الكعبة».

إلى بَطلِ المسلمين، وقائد الغُرِ المحجَّلين، وإمام المتّقين، ويَعسوب الدين، وخليفة رسول ربِّ العالمين: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

أتقدَّمُ بذكرِ بعضِ مناقبك التي لا تُحْصَى، والتي أنْعَمَ اللهُ بها عليك، وأنزل مِن الاياتِ المجيدة في شأنك، وأمر رسولَه الكريم أن يَصْدَعَ بها لاظهار فَضْلِكَ، وبيان مَنْزِلَتِك، وشموخ قَدْرِكَ، لتكون حجةً على من ناواك.

أتَقدَّمُ بهذا الجهد اليسير، وهو كلُّ جهدي، ومَعْرِفَتِي، وإدراكي، وبضاعتي المزجاة، وصحائف ولائي الخالص إليكَ، وإلى حَفِيدِكَ حَامِي الشَرِيْعة، صاحِب العصر والزمان، وناموس الحقيقة: الامام الحجّة المُنتَظر، صلوات الله وسلامه عليكما وعلى آلكما الطاهرين، لَعَلّيَ أحظى بنظرةِ عطف ورحمَة وقبول.

سَيدي أيّها العزيز، مَسّنا وأهلنا الضرُّ، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوفِ لنا الكيل، وتصدَّق علينا، إنَّ اللهَ يجزي المُتصدِّقين.

سَيدي: لقد طَفَحَ الكيل، وبَلَغَ السَيلُ الزُبى، وتكسَّرت الحَسَرات، وخَنَقَت الاهات، وَسَالَتِ العَبرات، وشدَّد الكُفَّار والمنافقون والمنحرفون وطأتهم علينا بسبب ولائنا، وكلُّ ذلك يهون على أمَلِ شَفاعتكم في الاجلة، والتشرُّف بزيارتكم ولثم أعتابكم الطاهرة في العَاجِلة، فهل تتعطّفَُون علينا بلفتة مِن لَدنكم تُنجّينا مما نحن فيه؟ أنتم أكرمُ على الله، وما ذلك عليه بعزيز.

وأهدي ثوابه إلى روح وَالِدَيَّ، الَّذَين ألهماني روح الولاء والتضحية للاسلام ولرسوله الكريم والعترة الطاهرة من أهل بيتِهِ، وَرَحِمَ اللهُ مَن قال:

لا عذّب الله اُمّي إنّها شَرِبَتْ * * * حُبَّ الوصيّ وغذّتنيهِ باللَّبنِ

وكان لي والدٌ يَهوى أبا حسن * * * فَصِرْتُ مِن ذي وذا أهوى أبا حَسَنِ

والصلاة والسلام عليكم، وعلى أهل بيتكم الطاهرين الحجج الميامين ورحمة الله وبركاته.

عيد الغدير الاغر من سنة 1420 هـ

 

حسين الشَاكري

دار الهجرة قم المقدسة

 

المقدّمة

الحَمدُ للهِ بجميعِ مَحامِدِهِ كلّها على جميع نِعمهِ كلّها، والحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب.

والصلاة والسلام على أشرف خلقه، الذي اصطفاه بالرسالة، وأصدره بالنذارة، وعلى آله الطاهرين، صلواته وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

وبعد:

ومما لا شك فيه إن نظرة الباحثين الى علي (عليه السلام)قد تجاوزت الاطار الذاتي إلى الاطار المنهجي الفاعل في حركة المجتمع عِبَر التاريخ، فنحن لا ننظر اليه كشخصية ذاتيه بل كرمز وشعار لكل المعاني الخيرة في الحياة، من هنا اكتسب إبن أبي طالب مجده، واعتلى ناصية الشمس ليدور معها ما دار الزمان، رؤية الحق، ومنهج الصدق، وحركة الجهاد، ونور اليقين، وشعاع المعرفة.

ولقد دأب الكتاب والمؤرخون والشعراء، منذ الصدر الاول، في الاطناب بشجاعة الامام علي (عليه السلام) وبطولاته الفذة مدافعاً عن بيضة الاسلام ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع الحروب والغزوات التي خاضها (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، إبتداءً من معركة بدر الكبرى، مروراً بحرب اُحد وغزوة الاحزاب «الخندق»، وحرب حنين وأوطاس وغيرها من المعارك الطاحنة، وانتصاراته المؤزرة من السماء. التي ذكرنا بعضها في العدد الاول من هذا الكراس.

وبعد التحاق الرسول الاعظم بالرفيق الاعلى، وتسنم الامام علي (عليه السلام) الخلافة بعد فترة ووقوفه بوجه المنحرفين الذين أشعلوا نار الحروب الثلاثه وهم الناكثون في البصرة، - حرب الجمل - والقاسطون في صفين مع معاوية، والمارقون في النهروان - الخوارج - ذكرت ذلك في كراس ثم عقر الجمل. ([1])

كما ذكرنا ذلك مفصلاً في تآليفنا - الجزء الثاني والثالث من موسوعة «علي في الكتاب والسنة والادب» وكذلك في المجلد الثاني والثالث من موسوعة «المصطفى والعترة» وقد اشبعنا ذلك دراسة وتحليلاً، «فراجع»([2]).

وقد وجدت لزاماً عليّ أن اذكر جانباً من فضائل الامام علي (عليه السلام) ومناقبه في كراس خاص ملخّصاً في «سِلسلة السيرة»، إحياءً لتراثنا الاسلامي، لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لتكون في متناول خطباء المنبر الحسيني، ومصدراً للمؤلفين وتوعيةً للشباب المؤمن الذي ضربه التيار الجاهلي المدعوم من قوى الكفر والالحاد والتحلل، وغزو الاراء الشاذة الضالة من بعض معتنقي المذاهب التي تدعي الاسلام، لتفرقة المسلمين وقطع الاواصر والجسور الممتدة فيما بينهم وتكفير مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

وللوقوف بوجه تلكم التيارات المنحرفة الضالة لا سيما بين شبابنا الذين قهرتهم الظروف القاسية للالتجاء الى احضانهم لسد رمقهم وحاجاتهم البايلوجية، «كالمستجير من الرمضاء بالنار» فرمى بنفسه في صحراء التيه المجرد من كل القيم وتعاليم الاسلام، ليمسخه إلى شكل آخر. ليعيش حياة التعرب.

عسى أن يعود إلى أصله بعد هجرة التعرب والضلال سائلاً المولى القدير ان يتقبل منا هذا اليسير ويعفو عنا الكثير فانه سميع بصير، ويجعله ذخراً في يوم عز فيه الناصر وعدم الشافع إلاّ رحمة الله تعالى وشفاعة رسوله وأهل بيته الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

حسين الشاكري

 

ما نزل في عليٍّ (عليه السلام) من القرآن

 

1 - روى الشهيد سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي.

2 - روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُوْمَان، قال: ما نزل في أحد من القرآن ما نزل في علي بن أبي طالب.

3 - روى ليث، عن مجاهد، قال: نزلت في عليٍّ سبعون آية لم يشركه فيها أحد.

4 - روى زيد بن الحارث، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: لقد نزلت في علي ثمانون آية صفواً في كتاب الله، ما شركه فيها أحدٌ من هذه الاُمة.

5 - روى الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية.

هذه أحاديث خمسة مرويّة بعدّة طرق وأسانيد معتمدة عند الفريقين ومحدّثيهم، تدلُ في مجملها على كثرة الايات النازلة في علي (عليه السلام)، ولذلك أفرِدتُ هذا الموضوع في كتابنا علي في الكتاب والسنة ج1/ 28 - 32.

أجمع أجلّة الصحَابة والتابعين والمفسِّرين أنّه ما نزلت في القرآن آية (يا أيّها الذينَ آمَنُوا) إلاّ وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) أميرها وشريفها ورأسها وسيّدها ولبّها ولبابها.

وقد روي ذلك عن الامام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وعبد الله بن عبّاس حبر الاُمّة، وحذيفة بن اليمان، والاصبغ بن نباتة، ومجاهد.

ومن الجدير ذِكْرُهُ هنا أنّ هذه الاية قد تكررت في القرآن في تسعين مورداً تقريباً.

 

أحاديث ابن عبّاس:

وقد رواه عنه الامام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، وأبو مالك، وسعيد بن جبير، وعباية، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وداود بن علي، عن أبيه.

* قال ابن عبّاس: مافي القرآن آية: (يا أيها الذين آمنوا) إلاّ عليّ سيدها وأميرها وشريفها، وما مِن أحد مِن أصحاب محمّد إلاّ وقد عُوتب في القرآن، إلاّ علي بن أبي طالب، فإنّه لم يُعاتب في شيء منه.

 

ولادة علي (عليه السلام)في الكعبة

 

تميّز (عليه السلام) بمناقب وفضائل لم تكن لاحد قبله ولا بعده، وكان الصحابة يتمنون ولو واحدة منها، على قول أحدهم «لكانت أحبُّ إليَّ من حُمُر النِعَم» ومن هذه الخصوصيات ولادته في بيت الله الحرام، تلك الفضيلة التي طفحت بها الكتب وتظافر على نقلها كبار المحدّثين والمؤرّخين، كالمسعودي في «مروج الذهب»، وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»، وابن طلحة الشافعي في «مطالب السؤول» وغيرهم، أذكر هنا نص كلام الحافظ الحاكم النيسابوري على ما أورده عنه الحافظ الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» قال:

«ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمكّة في بيت الله الحرام، ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه، إكراماً له بذلك، وإجلالاً لمحلّه في التعظيم».

وقال شهاب الدين الالوسي صاحب التفسير المشهور، في «الخريدة الغيبيّة في شرح القصيدة العينية» لعبد الباقي العمري عند قول الشاعر:

أنت العليُّ الذي فوق العُلى رفعا * * * ببطن مكّة عند البيت إذ وضعا

وكون الامير - كرّم الله وجهه - ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا، وذكر في كتب الفريقين السنّة والشيعة... ولم يشتهر وضع غيره - كرم الله وجهه - كما اشتهر وضعه، بل لم تتَّفق الكلمة إلاّ عليه ; وما أحرى بإمام الائمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين، وسبحان مَن يضع الاشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين».

وقال عند قول الشاعر العمري:

وأنت أنت الذي حُطت له قدمٌ * * * في موضع يده الرحمان قد وضعا

«أحبَّ عليه الصلاة والسلام أن يكافئ الكعبة حيث ولد في بطنها بوضع الصنم عن ظهرها».

وقد ذكرت في باب مستقل قصّة صعود علي (عليه السلام) على منكب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورميه الاصنام، فلاحظه.

أمّا تفاصيل حادثة الولادة الميمونة فمروية في مصادر معتبرة كثيرة، منها: الاسناد مذكورة في المجلد الثاني من موسوعة علي في الكتاب والسنة للمؤلف ص20/ 21.

روى هؤلاء جميعاً بإسنادهم إلى سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب:

كنتُ جالساً مع العبّاس بن عبد المطّلب وفريق من بني عبد العزَّى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد - أم أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) - وكانت حاملةً به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق فقالت:

ربّ، إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ النبيّ الّذي بنى هذا البيت، وبحقّ المولود الّذي في بطني لمّا يسّرت عليَّ ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرُمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أنَّ ذلك أمرٌ من أمر الله عزَّ وجلَّ.

ثمَّ خرجت في اليوم الرّابع وبيدها أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ثمَّ قالت:

إنّي فُضِّلتُ على مَن تقدَّمني من النساء، لانَّ آسية بنت مزاحم عبدت الله عزَّ وجلَّ سرّاً في موضع لا يحبُّ أن يعبد الله فيه إلاّ اضطراراً.

وأنَّ مريم بنت عمران كانت تتعبد في بيت المقدس فلما احست بالمخاض قيل لها هذا بيت عبادة لا ولادة فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً، ثم هزَّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطباً جنيّاً، فإنّي دخلتُ بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنّة وأوراقها، فلمّا أردتُ أن أخرج هتف بي هاتف:

يا فاطمة، سمّيه عليّاً فهو عليٌّ، والله العليّ الاعلى يقول: إنّي شققت اسمه من اسمي، وأدّبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الّذي يكسر الاصنام في بيتي، وهو الذي يؤذّن فوق ظهر بيتي ويقدّسني ويمجّدني، فطوبى لمن أحبّه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه.

وتسابق الشعراء إلى نظم بدائع القصائد في هذه الحادثة الميمونة، أذكر منها مقاطع من موشّحة العلاّمة الميرزا اسماعيل الشيرازي المتوفّى سنة 1305 هـ، التي ذكرها العلامة الاميني في كتابه «الغدير» ج6/ 29 - 31 نقتطف منها ما يلي:

مالكاً ثقل ولاء الاُممِ

شاطئ الوادي طوى من حرمِ

بسنا أنواره في الظّلمِ

إذ تجلّى نوره في آدمِ

جلَّ معناه فلمّا يُعلمِ

فوطا تربته بالقدمِ

حيث لا يدنوه من لم يحرمِ

وإليهم كلُّ فخر ينتمي

 

محمدٌ وعلي صلوات الله عليهما خلقا من شجرة واحدة

 

روى جابر بن عبد الله الانصاري، قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم بعرفات وعليٌّ تجاهه، إذ قال له: أُدن منّي يا علي، خلقت أنا وأنت من شجرة واحدة، صنع جسمك من جسمي ; خلقت أنا وأنت من شجرة، فأنا أصلها، وأنت فرعها والحسن والحسين أغصانها، فَمن تعلّق بغصن منها أدخله الله الجنّة.

وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا وعلي من شجرة واحدة، والناس من أشجار شتّى.

ونحوهما روي عن عبد الله بن مسعود وأبي أمامة، وقد ذكرنا بعض الاحاديث المتعلّقة بهذا الباب في الجزء الاوّل من كتابنا «عليٌّ في الكتاب والسنّة» ص155 فراجع.

 

ألقابه وكناه ونعوته (عليه السلام)

 

إنّ لامير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه ألقاباً وكنى ونعوتاً يتعذّر حصرها أو الالمام بها، وكلّها صادرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشتّى المواقف والمناسبات.

وأهمّ ألقابه وكناه ونعوته أذكرها على سبيل المثال لا الحصر، وكلها صادرة من الرسول الاعظم صلوات الله عليه وآله وسلّم... منها: عليٌّ:

أمير المؤمنين*إمام المتّقين*يعسوب الدين *

قائد الغر المحجّلين*أبو الحسنين*أبو الحسن *

أبو تراب *أبو السبطين*إمام البررة *

قاتل الفجرة*حامل لواء الحمد* النبأ العظيم *

باب مدينة علم النبي*قسيم الجنّة والنار *

الصراط المستقيم*أبو اليتامى والمساكين *

أخو رسول الله * خليفة رسول الله * وارث رسول الله *

ولي كل مؤمن * الفاروق الاعظم * الصدّيق الاكبر *

بعد رسول الله

أرحم الناس بالرعيّة*أبصر الناس بالقضيّة *

أشجع الناس قلباً*أحسن الناس خلقاً *

أصدق الناس لساناً*أعلم الناس حكماً *

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فتح خيبر: يا علي، لولا أن تقول فيك طوائف من أُمّتي ما قالت النصارى في عيسى إبن مريم لقلتُ فيك اليوم مقالاً لا تمرَّ بملامن المسلمين إلاّ أخذوا تراب رجليك، وفضل طهورك يستشفون به ; ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي... إلى آخر حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) مذكور في ج4 ص 484 من إحقاق الحق.

 

مناقبه (عليه السلام) في الحكمة والادب

 

كما قال العلامة المرحوم السيّد رضا الهندي النّجفي في قصيدته الكوثرية المشهورة التي هي خمس وخمسون بيتاً، ألقاها يوم عيد الغدير الاغر في الحفلة التي أقامها سادن الروضة المطهَّرة لحرم امير المؤمنين (عليه السلام) حينذاك السيّد جواد الرفيعيُ التي مطلعها:

أمفلِج ثغرك أم جوهر * * * ورحيق رضابك أم سكر

قد قال لثغرك صانعه * * * إنا أعطيناك الكوثر

إلى أن قال:

1 - هذا عملي فاسلك سبلي * * * إنْ كنت تُقِرّ على المنكر

2 - فلقد أسرفت وما أسلفت * * * لنفسي مافيه أعذر

3 - سوّدت صحيفة أعمالي * * * ووكلتُ الامر إلى حيدر

4 - هو كهفي مِن نوب الدنيا * * * وشفيعي في يوم المحشر

5 - قد تمّت لي بولايته * * * نِعَمٌ جَمّتْ عن أن تشكر

6 - لاصيب به الحظ الاوفى * * * وأُخصَّص بالسهم الاوفر

7 - بالحفظِ من النار الكبرى * * * والامن من الفزع الاكبر

8 - هل يمنعني وهو الساقي * * * أن أشرب من حوض الكوثر

9 - أم يطردني عن مائدة * * * وضعت للقانع والمعتر

10 - يا مَنْ قد أنكر من آيات * * * أبي حسن مالم ينكر

11 - إن كنت لجهلك بالايّام * * * جحدت مقام أبي شبّر

12 - فاسأل بدراً واسأل أُحُدَاً * * * وسل الاحزاب وسل خيبر

13 - مَن دَبّر فيها الامر ومَن * * * أردى الابطال ومَن دَمّر

14 - مَن هدَّ حصون الشرك ومَنْ * * * شاد الاسلامَ ومن عَمّر

15 - مَنْ قدَّمه طه وعلى * * * أهل الايمان له أمَّر

16 - قاسوك أبا حسن بسواك * * * وهل بالطود يُقاس الذر

17 - أنّى ساووك بمَن ناووك * * * وهل ساووا نعلي قنبر

18 - مَن غيرك من يُدعى للحرب * * * وللمحراب وللمنبر

19 - أفعال الخير إذا انتشرت * * * في الناس فأنت لها مصدر

20 - وإذا ذكر المعروف فما * * * بسواك به شيءٌ يذكر

21 - أحييت الدين بأبيض قد * * * أودعت به الموت الاحمر

22 - قطباً للحرب يدير الضَّرب * * * ويجلو الكرب بيوم الكر

23 - فاصدع بالامر فناصرك * * * البتَّار وشانئك الابتر

 

من حِكَمهِ ومناقبه

 

وهاك مقتطفات من أقوال سيّد الحكماء وأمير البُلغاء وإمام المتّقين عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام):

1 - إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، ولكنّي وجدتك أهلاً للعبادة فعبتدك.

2 - لو كُشِفَ لي الغِطاء ما ازددت يقيناً.

3 - سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق السماوات، فإنّي أعلم بها مِن طرق الارض.

4 - التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه.

قال الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين): ثلاث كلمات لامير المؤمنين فقئن عين البلاغة:

5 - في الحكمة: قيمةُ كل امرء ما يحسنه، الناس أعداء ما جهلوا، المرء مخبوءٌ تحت لسانه.

6 - في الاخلاق: أحْسِن إلى مَن شئت تكن أميره، واستغنِ عمَّن شئت تكن نظيره. واحتج إلى مَن شئت تكن أسيره.

7 - في الدعاء: إلهي كفى بي عزَّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً. أنت كما أحبّ فاجعلني كما تحب.

من كتاب (حق اليقين) للسيّد عبد الله شبر من ص 299 إلى ص 307 استمع إلى مقتطفات منه، يقول:

لمّا دخل أمير المؤمنين الكوفة، دخل عليه حكيمٌ من العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد زيَّنت الخلافة وما زيَّنتك، ورفعتها وهي كانت أحوج إليك منك إليها.

أخرج السلفي في (الطبريات) عن عبد الله بن أحمد إبن حنبل قال: سألتُ أبي عن علي ومعاوية، فقال:

اعلم أنّ عليّاً كان كثير الاعداء، ففتش له أعداؤه شيئاً فلم يجدوا، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه، كيداً منهم له.

ومن كراماته الباهرة:

1 - أن الشمس ردَّت عليه لمّا كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجره، والوحي ينزل عليه، وعليّ لم يصلِّ العصر، فما سرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ وقد غربت الشمس، فقال النبي: يا علي، هل صلّيت العصر؟ قال: لا. فقال النبي: اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، فطلعت بعدما غربت، وحديثُ ردِّها صحّحه الطحاوي والقاضي في الشفاء.

2 - وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «وقفوهم إنّهم مسؤولون» عن ولاية عليّ.

وكان هذا هو مراد الواحدي بقوله في قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون)([3]) عن ولاية علي (عليه السلام)وأهل البيت، لانّ الله تعالى أمر نبيّه أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم عن تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودّة في القربى، والمعنى أنّهم يُسألون: هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أضاعوها وأهملوها، فتكون عليهم المطالبة والتبعة؟

3 - أخرج الطبراني عن علي (عليه السلام) قال: إنّ خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا علي، إنّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه أعداؤك غضاباً مقمحين.

4 - وأخرج ابن سعد عن علي (عليه السلام) - قال: أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أوّل من يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول الله: فمحبّونا؟ قال: مِن ورائكم. «اللّهم اجعلنا منهم».

5 - وقال في الصواعق المحرقة في قوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أُولئك هم خير البرية)سورة البيّنة آية 7: اخرج الحافظ جمال الدين، عن ابن عبّاس أنّ هذه الاية لمّا نزلت قال النبي لعليٍّ (عليه السلام): أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين.

فقال: ومَن عدوّي؟

قال: من تبرّأ منك ولعنك.

6 - وأخرج أحمد والترمذي، عن جابر قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً. ولو رمنا الاتيان بجميع الاخبار التي رواها أعلام القوم، فضلاً عن الامامية، في كتبهم وصحاحهم وزبرهم وبيناتهم لاحتجنا لجمعها كتباً كثيرة، فإنَّ الفضائل التي ذكروها لا تُحصى، والمناقب التي سطّروها لا تستقصى، ولو كان البحر مداداً، والاشجار أقلاماً والثقلان كتّاباً، والملائكة حسّاباً لما أحصوا عُشر معشار مناقبه، صلوات الله عليه، كما ورد في الاثر والعيان يغني عن النقل والبيان، ولعمري لو لم يقع عليه نصٌّ بالخلافة، لكانت صفاته الظاهرة، ومناقبه الباهرة، وأخلاقه الفاخرة، ونعوته الزاهرة نصوصاً صريحة، وبراهين واضحة صحيحة، فكيف وقد وقع ذلك؟!

7 - قال الخليل بن أحمد النحوي: احتياج الكلّ إليه واستغناؤه عن الكلّ دليلٌ على أنّه إمام الكلّ.

وسُئِلَ عن مدحه فقال: ما أقول في مدح امرء كتمت أحباؤه فضائله خوفاً، وأعداؤه حسداً، ثمَّ ظهر مابين الكتمانين ما ملا الخافقين؟!

ولله در ابن أبي الحديد المعتزلي حيث قال في شرحه([4]):

أمّا فضائله فإنّها قد بلغت من العِظم والجلالةِ والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمح معه التعرّض لذكرها والتصدّي لتفصيلها، وما أقول في رجل أقرَّ له أعداؤه وخصومهُ بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله؟!

وقد غلب واستولى بنو أُميَّة على سلطان المسلمين في شرق الارض وغربها، واجتهدوا بكلِّ حيلة في إطفاء نوره، والتحريف عليه، ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمَّن فضيلة أو يرفع له ذكر، حتّى حظروا أن يسمَّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلاّ رفعة وسمُوَّاً وشموخاً، وكان كالمسك كلّما ستر انتشر عرفه، وكلّما كتم تضوَّع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت منه عين واحدة أدركته عيون كثيرة أُخرى.

وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة، وتنتمي إليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة؟! فهو رئيسُ الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلّى حلبتها، كلّ من نزع فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى.

ثمَّ قال: ومن العلوم: (علم الفقه) وهو أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الاسلام فهو عيال عليه، ومستفيدٌ من فهمه.

ومن العلوم (علم التفسير)، وعنه أخذ ومنه تفرّع.

وعن ابن عبّاس وهو المرجع.

قيل له: أين علمك من ابن عمّك؟

فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.

ومن العلوم: (علم الطريقةِ والحقيقة وأحوال التصوّف) وأرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشبلي والجنيد والبسطامي والكرخي وغيرهم.

ومن العلوم (علم النحو والعربيّة) وهو الذي ابتدعه ووضعه، (وعلم أبو الاسود الدؤلي اسسه ومنهاجه).

وإنْ رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها.

أمّا الشجاعة فإنّه أنسى الناس فيها مَن كان قبله، ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة، تضرب بها الامثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع ما فرَّ قط ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاُولى إلى ثانية، وفي الحديث (كانت ضرباته وتراً).

ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال ابن العاص: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلاّ اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق؟! وأراك طمعت في إمارة الشام بعدي.

وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، ومن جملة الامر أن كلّ شجاع إليه ينتهى وباسمه ينادى في مشارق الارض ومغاربها.

وأمّا القوّة والايد فبه تضربُ الامثال فيهما وهو الذي قلع باب «قلعة» خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه.

وهو الذي قلع الصخرة العظيمة في أيّام خلافته بيده بعدما عجز الجيش كلّه عنها، وانبطّ الماء من تحتها، عند رجوعه من النهروان، ونطقت الصخرة بامامته وتسمى للان بالمنطقة في غرب بغداد بالقرب من جامع براثا.

أمّا السخاء والجود فحاله فيه ظاهر، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه أنزل الله تعالى في كتابه المجيد: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) آية 8 الانسان.

وروى المفسِّرون أنّه لم يملك إلاّ أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فأنزل الله تعالى فيه: (الذين ينفقون أموالهم بالَّيل والنهار سراً وعلانية) 274 البقرة.

وروي عنه أنّه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدّق بالاجرة، ويشدّ على بطنه حجراً.

وأمّا الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهر صحّة ما قلناه يوم الجمل حين ظفر بمروان بن الحكم، وكان أعدى الناس له، وأشدّهم بغضاً، فصفح عنه.

وأمّا الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوّه أنّه سيّد المجاهدين، وهل الجهاد لاحد من الناس إلاّ سواه؟ وهذا من المعلومات بالضرورة، كالعلم بوجود الشمس في رابعة النهار.

وأمّا الفصاحة، فهو إمام الفصحاء، وسيّد البلغاء، وعن كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق - «بعد كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».

وأمّا سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيّا والتبسّم، فهو المضروب به المثل.

وأمّا زهده في الدنيا] زهد الراحلين عنها [فهو سيّد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه تشدُّ الرحال، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً، وكان ثوبه مرقعاً بجلد تارة وبليف أُخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرابيس الغليظة، فإذا وجد كمّه طويلاً قطعه بشفرة ولم يخطه، وكان يأتدم إذا ائتدم بملح أو خلٍّ، فإذا ترقّى عن ذلك فببعض نبات الارض، فإذا ارتفع عن ذلك فقليل من ألبان الابل، ولا يأكل اللحم إلاّ قليلاً، وهو الذي طلّق الدنيا، «ثلاثاً». هذا ما ذكره ابن ابي الحديد في شرحه.

وقال ابن أبي رافع: دخلت عليه يوم عيد فقدّم جراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبز شعير مرضوضاً فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف تختمه وما عهدتك بخيلاً؟! قال: خفت هذين الولدين أن يلتّاه بسمن أو بزيت.

وأمّا العبادة، فكان أعبد الناس، وأكثرهم صلاةً وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الاوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه ورده والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتّى يفرغ من ورده، وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.

وقيل لعلي بن الحسين (عليه السلام) وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من عبادة جدّك؟ فقال: عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا قراءة القرآن والاشتغال به، فهو المنظور في هذا الباب، واتفق الكل على أنّه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن غيره يحفظه حينذاك، ثمَّ هو أوّل مَن جمعه، وأئمة القرآن كلّهم يرجعون إليه، وعيالٌ عليه.

وأمّا الرأي والتدبير فكان من أسَدِّ الناس رأياً وأصحّهم تدبيراً، وهو الذي أشار على عمر لما عزم أن يتوجّه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأُمور كان صلاحه فيها ولو قبلها وعمل بها لم يحدث عليه ما حدث.

وما أقول في رجل يحبّه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوّة، وتعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لاهل الملّة، وتصوِّرُ ملوك الافرنج صورته في بِيَعها وبيوت عبادتها حاملاً سيفه مشمراً لحربه، وتصوِّر ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، وكان على سيف عضد الدولة وركن الدولة صورته، وكان على سيف ألب أرسلان وابنه ملك شاه صورته، وكأنّهم يتفاءلون به بالنصر والظفر».

وما أقول في رجل أحبَّ كل أحد أن يتكثّر به، وودَّ كلّ أحد أن يتجمّل ويتحسّن بالانتساب إليه.

وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيّد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة، وهو الذي كفل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صغيراً وحماه كبيراً ومنعه من مشركي قريش، ولقى لاجله عنتاً عظيماً، وقاسى بلاءً شديداً، وصبر على نصره والقيام بأمره.

وقد جاء في الخبر أنّه لمّا توفي أبو طالب (عليه السلام) أوحى الله تعالى إليه: اخرج منها - يعني من مكّة - فقد مات ناصرك.

وله مع شرف هذه الاُبوَّة أن ابن عمّه سيّد الاولين والاخرين، وأخاه جعفر ذو الجناحين «يطير بهما في الجنة»، وزوجته سيّدة نساء العالمين، وابنيه سيّدا شباب أهل الجنّة، وآباؤه آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُمّهاته أُمّهات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو مسوط بلحمه ودمه لم يفارقه منذ خلق الله تعالى آدم إلى أن مات عبد المطّلب بين أخوين شقيقين عبد الله وعبد مناف «أبي طالب» وأُمّهما واحدة، فكان منها سيّد الناس هذا الاوّل وهذا التالي، وهذا المنذر وهذا الهادي إنما «أنت منذر ولكل قوم هاد».

وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى، وآمن بالله وعبده وكل مَن في الارض يعبد الحجر ويجحد الخالق.

ولو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل هذا الكتاب بل يزيد عليه، انتهى كلام ابن أبي رافع ملخصاً، وبالجملة ففضائله الباهرة ومناقبه الظاهرة وكراماته الفاخرة قد ملات الاقطار واشتهرت اشتهار الشمس في رابعة النهار.

 

ومن كلام له (عليه السلام):

والله لان أبيتَ على حَسك السعدان مُسهَّداً، وأُجَرَّ في الاغلال مُصفَّداً، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البِلى قُفُولها، ويطول في الثرى حلولها. والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بُرّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شُعث الشعور غُبر الالوان من فقرهم كأنما سُوّدت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكّداً وكرَّر عليَّ القول مردِّداً، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقي فأحميتُ له حديدةً ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجَّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل!! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه؟ وتجرّني إلى نار سجَّرها جبّارها لغضبه؟ أتئنُّ من الاذى؟ ولا أئنُّ من لظى؟.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بِملفوفة في وعائها، ومعجونة شنئتها، كأنما عُجنت بِريق حية أو قيئها، فقلت: أَصِلةٌ أم زكاةً أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت. فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت: هبلتك الهَبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ا؟ أمختبطٌ أنت؟ أم ذو جنة أم تهجر؟ والله لو أُعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإنّ دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها! ما لِعليٍّ ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى؟ نعوذ بالله من سُبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين.

 

ومن خطبة له (عليه السلام):

أما بعد، أيها الناس. فأنا فقأْت عين الفتنة، ولم تكن ليجرأ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلَبها. فاسألوني قبل أن تفقدوني، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأْتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يُقتل من أهلها قتلاً، ويموت منهم موتاً. ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائهُ الاُمور وحوازب الخطوب لاطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين.

 

ومن خطبة له (عليه السلام):

أيها الناس إني قد بَثثتُ لكم المواعظ التي وعظ الانبياءُ بها أُممهم. وأدَّيت إليكم ما أدت الاوصياءُ إلى مَن بعدهم. وأدَّبتكم بِسُوطي فلم تستقيموا. وحَدوتُكم بالزواجر فلم تستوثقوا. للهِ أنتم! أتتوقَّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟.

إلى آخر خطبه ومواعظه...

عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان الله خلقني وخلق علياً نورين بين يدي العرش، نسبح الله ونقدسه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق الله آدم (عليه السلام) اسكننا في صلبه، ثم نقلنا من صلب طيب وبطن طاهر حتى اسكننا في صلب ابراهيم (عليه السلام)، ثم نقلنا من صلب ابراهيم الى صلب طيب وبطن طاهر حتى اسكننا في صلب عبد المطلب.

ثم افترق النور في عبد المطلب فصار ثلثاه في عبد الله، وثلثه في ابي طالب، ثم اجتمع النور مني ومن علي في فاطمة، والحسن والحسين نوران من نور رب العالمين([5]).

قال المسعودي: وجدت في كتاب «الاخبار» لابي الحسن النوفلي، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اذ اقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه اسفر في وجهه، فقلت: يا رسول الله، انك لتسفر في وجه هذا الغلام؟!

فقال: يا عم رسول الله، واللهِ، اللهُ اشد حباً له مني، انه لم يكن نبي الاّ وذريته الباقية بعده من صلبه، وان ذريتي بعدي من صلب هذا، انه اذا كان يوم القيامة دعي الناس باسمائهم وباسماء امهاتهم ستراً من الله عليهم، إلاّ هذا وشيعته فانهم يدعون باسمائهم واسماء آبائهم لصحة ولادتهم.

 

أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مناقبه (عليه السلام)

 

وهي خمسة وعشرون حديثاً من أربعين حديثاً انتقيتها من الجزء العاشر من كتاب الغدير من ص 278 - 281.

1 - قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليٌّ مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي».

2 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهم والِ مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره واخذل مَن خذله».

3 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصى الله).

4 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروني، بم تخلفوني فيهما).

5 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن يريد أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولَّ علي بن أبي طالب، فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلال).

6 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عنوان صحيفة المؤمن حبُّ علي إبن أبي طالب).

7 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نظر إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام): «أنا حربٌ لمن حاربكم وسِلم لمن سالمكم».

8 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عليٌّ منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي).

9 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث له: (عليّ أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجلين إلى جنّات ربِّ العالمين، أفلح مَن صدّقه، وخاب مَن كذَّبه ; ولو أنّ عبداً عَبدَ الله بين الركن والمقام ألف عام وألف عام، حتّى يكون كالشن البالي، ولقي الله مبغضاً لال محمّد أكبَّه الله على منخره في نار جهنم).

10 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق).

11 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا علي، طوبى لمن أحبَّك وصدّق فيك، وويلٌ لمن أبغضك وكذب فيك).

12 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصورٌ مَن نصره، مخذولٌ مَن خذله).

13 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) (مَن أحبَّ عليّاً فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني).

14 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أوحى (الله) إليَّ في عليٍّ ثلاث، أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغر المحجلين).

15 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يجوز أحدٌ على الصراط إلاّ مَنْ كتب له عليّ الجواز).

16 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يجوز أحدٌ على الصراط إلاّ ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته ; يشرف على الجنّة، فيدخل محبِّيه الجنة، ومبغضيه النار).

17 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (معرفة آل محمد براءة من النار، وحبُّ آل محمد جواز على الصراط، والولاء لال محمد أمان من العذاب).

18 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (سيكون بعدي قوم يقاتلون عليّاً، على الله جهادهم، فمَن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانهِ، فمَن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيء).

19 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غُضاباً مقمحين. قال: ومَن عدوّي؟ قال: مَن تبرّأ منك ولعنك).

20 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق).

21 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الزموا مودَّتنا أهل البيت، فإنّه مَن لقى الله عزَّ وجلَّ وهو يودُّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمَله إلاّ بمعرفة حقّنا).

22 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لو (عليه السلام) أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام، فصلّى وصام، ثمَّ لقى الله وهو مبغض لاهل بيت محمّد دخل النار).

23 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنَّ الله جعل أجري عليكم المودّة في أهل بيتي، وإنّي سائلكم غداً عنهم).

24 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (وقفوهم إنّهم مسؤولون عن ولاية علي).

25 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا جمع الله الاوّلين والاخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنم، ما جازها أحدٌ حتّى كانت معهُ براءة بولاية علي بن أبي طالب).

هذا مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهذا غيض من فيض ممّا جاء في ولائِه وأعدائِه، فأيُّ صحابي عادل عاصر نبيَّ الرحمة، ووعى منه هاتيك الكلمات الدريّة، وشاهد مولانا (عليه السلام) وعرف انطباقها عليه بتمام معنى الكلمة، ثمَّ تجاوز عنه، واتخذ سبيلاً غير سبيله، فبغي به الغوائل، وتربّص به الدوائر، ويقع فيه بملء فمه، وحشو فؤاده، ويرميه بقذائف الحقد والشنئان إلاّ مطعون في طهارة مولده، مثل ابن هند لافظة الاكباد؟».

 

نِعْمَ الاخ أخوك علي

 

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش: يا محمّد، نِعْمَ الاب أبوك إبراهيم، ونِعْمَ الاخ أخوك علي بن أبي طالب».

رواه ابن المغازلي في «المناقب» ص 42 وص 44 ح 66 وص 67 ح 96 بعدة طرق - طبع دار الاضواء بيروت.

ابن عساكر في ترجمة الامام علي (عليه السلام) من «تاريخ دمشق» ج 1/ 131 ح 159 طـ المحمودي - بيروت.

الحمويني في «فرائد السمطين» ج 1/ 110 ح 77 وح 78 طـ - بيروت.

الكنجي في «كفاية الطالب» ص 185 طـ طهران، وللمزيد من المصادر راجع إحقاق الحق ج 4/ 182 - 186 وج 15/ 482 - 487.

 

أحبُّ إخواني إليَّ علي

 

روى الحافظ ابن المغازلي في «المناقب» ص 299 ح 342 ط دار الاضواء - بيروت، بإسناده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أحبُّ إخواني إليَّ علي بن أبي طالب.

 

مكتوب على باب الجنّة: عليٌّ أخو رسول الله

 

روى جابر بن عبد الله، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: مكتوب على باب الجنّة قبل أن يخلق الله السماوات والارض بألفي عام «محمّد رسول الله وعليٌّ أخوه».

رواه الحافظ أبو نعيم الاصفهاني في «حلية الاولياء» ج 7/ 256 طـ مصر، والعلاّمة أخطب خوارزم في «المناقب» ص 91 ح 134 طـ دار الاضواء - بيروت والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ج 7/ 387 طـ مصر. ومحب الدين الطبري في «الرياض النضرة» ج 2/ 694 طـ مصر، وفي «ذخائر العقبى» ص 66.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عليٌّ أخي. في عدّة مواضع يصعب حصرها، ونحن نذكر نبذاً منها للاختصار، وهي مذكورة في مجلدات (إحقاق الحق) وأُشير إلى بعض صفحاتها اختصاراً، يمكنك أن تراجع المصادر فيها، وننقل هنا بعض ما رواه أعلام القوم في مصادرهم المعتبرة، أولها:

عن ابن عبّاس قال: أخذ رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيدي وأخذ بيد علي (عليه السلام) فصلّى أربع ركعات ثمَّ رفع يده إلى السماء فقال: اللهمّ سألك موسى بن عمران، وإنَّ محمّداً يسألك أن تشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وتحلل عقدةً من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري.

قال ابن عبّاس: فسمعت منادياً ينادي: يا أحمد، قد أُوتيت ما سألت.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا الحسن، ارفع يدك إلى السماء وادع ربَّك، واسأله يعطيك.

فرفع عليٌّ يده إلى السماء وهو يقول: اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً.

فأنزل الله تعالى على نبيّه: (إنّ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات سيجعَل لهُم الرحمن وِداً)([6]) فتلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه، فعجبوا من ذلك عجباً شديداً.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مم تعجبون؟ إنَّ القرآن أربعة أرباع: فربع فينا أهل البيت خاصَّة، وربع حلال، وربع حرام، وربع فرائض وأحكام، والله أنزل فينا كرائم القرآن.

روى هذا الحديث عدَّة من أعلام القوم وحفّاظهم منهم:

الحافظ أحمد بن حنبل في «فضائل الصحابة» ص 299 مخطوط نظر كتابتها في المائة السادسة.

العلاّمة ابن المغازلي المتوفّي في سنة 482 في (المناقب) ص 328 ح 375.

العلاّمة سبط ابن الجوزي في «التذكرة» ص 27 طـ الغري.

العلاّمة محبِّ الدين الطبري المتوفّي في سنة 694 في «ذخائر العقبى» ص 63 طـ مصر.

العلاّمة الشيخ سليمان القندوزي المتوفّى سنة 1293 في «ينابيع المودة» ص62 ط اسلامبول.

وللمزيد راجع المجلد الرابع من إحقاق الحق ص 56 حديث الدار ص 66 ج 2.

 

حديث الدار

 

لمّا نزلت آية: (وأنذر عشيرتك الاقربين)([7]) جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة «المسنة» ويشرب العِس «العرق»، فأمر عليّاً برجل شاة فآدمها «أي فصنعها» وفي رواية: فصنع لهم مُدّاً من الطعام وقال (عليه السلام): فأتيتهم بثريد. ثمَّ قال لهم: ادنوا باسم الله. فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا.

ثمَّ دعا بقعب من لبن، فجرع منه جرعةً، ثمَّ قال لهم: اشربوا بسم الله فشربوا حتّى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت النبي يومئذ فلم يتكلّم فتفرّقوا.

فلبثوا أيّاماً ثمنَّ صنع لهم مثله، ثمَّ أمرني فجمعتهم، فطعموا وشربوا، ثم قال لهم: يا بني عبد المطّلب، إنّي بُعِثْتُ إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، وإني جئتكم بخير الدنيا والاخرة، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيّي - وفي رواية: ومَن يواخيني ويوازرني ويكون وليّي ووصيي وخليفتي ويقضي ديني؟ - فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثاً، كل ذلك يسكت القوم ويقوم علي (عليه السلام) ويقول: أنا يا رسول الله ; - وإنّي لاحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأخمشهم ساقاً - أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي ثمّ قال: إن هذا أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي. ثمَّ قام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

هذا ملخص الواقعة «واقعة الدار» نقلتها لك بعد جمع خلاصة الروايات التي ذكرها أعلام القوم من الحفّاظ والرواة.

 

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لكلِّ نبيِّ وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب

 

رواه جماعة من أعلام القوم وحفّاظهم بطرق متعددة وألفاظ مختلفة، منهم:

الفقيه ابن المغازلي الواسطي المتوفى سنة 482 في كتابه «مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)» ص200 ح 238.

ومنهم العلاّمة أخطب خوارزم المتوفّى سنة 518 في كتابه «المناقب» ص 50 ط تبريز.

ومنهم العلاّمة الترمذي في «فتح المبين».

ومنهم محب الدين الطبري المتوفى سنة 694 في كتابه «ذخائر العقبى» ص 71 طـ مصر.

ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفّى سنة 852 «لسان الميزان» ج 4 ص 480 طـ حيدر آباد.

وللمزيد راجع المجلد 4 من إحقاق الحق من ص 71 - 84.

وخلاصة الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لاُمِّ سلمة: هذا علي بن أبي طالب لحمه لحمي، ودمه دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ إنه لا نبي بعدي.

يا أُمّ سلمة، هذا عليٌّ أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، ووصيي وعيبة علمي، وبابي الذي أُؤتى منه، أخي في الدنيا والاخرة، ومعي في السنام الاعلى، يقتل القاسطين والمارقين والناكثين.

وفي رواية العلاّمة الحمويني المصري المتوفي سنة 722 في كتابه «فرائد السمطين» عن ابن عبّاس، قال: قدم يهودي يقال له (نعثل) فقال: يا محمد، أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإنْ أجبتني عنها أسلمت على يديك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): سل يا أبا عمارة.

فسأله عدّةُ مسائل وكلما يجيبه عليها يقول له: صدقت إلى أن قال: أخبرني عن وصيّك مَن هو؟ فما من نبي إلاّ وله وصي، وإن نبيّنا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّ وصيى علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين.

قال: يا محمّد، فسمّهم لي.

قال: إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي، فهؤلاءِ إثنا عشر، عدد نقباء بني إسرائيل.

قال: فأين مكانهم في الجنّة.

قال: معي في درجتي.

قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك عبده ورسوله، وأشهد أنّهم الاوصياء بعدك، ولقد وجدتُ هذا في الكتب المتقدمة، وفيها عهد إلينا موسى بن عمران أنّه إذا كان آخر الزمان يخرج نبيّ يقال له (أحمد) خاتم الانبياء لا نبي بعده، فيخرج من صلبه أئمة أبرار عدد الاسباط.

قال: فقال: يا أبا عمارة، أتعرف الاسباط.

قال: نعم يا رسول الله، إنّهم كانوا اثني عشر.

قال: إنّ أولهم لاوي بن برخيا، وهو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبةً ثمَّ عاد فأظهر الله شريعته بعد دراستها، وقاتل مع قرسطبا الملك حتّى قتله.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): كأين في أُمتي ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وإنَّ الثاني عشر من ولدي يغيب حتّى لا يرى ويأتي على أُمتي زمن لا يبقى من الاسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه، فحينئذ يأذن الله تعالى له بالخروج، فيظهر الاسلام ويجدِّد.

ثمَّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): طوبى لمن أحبهم، والويل لمبغضهم، وطوبى لمن تمسّك بهم.

انتهى ما اخترته من الحديث، فراجع السند في صدر الحديث.

ذكر العلاّمة الحمويني المتوفي سنة 722 في «فرائد السمطين» مخطوط وغيره، عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر، أولهم أخي، وآخرهم ولدي.

قيل: يا رسول الله، ومَن أخوك؟

قال: علي بن أبي طالب.

قيل: فمَن ولدك؟

قال: المهدي الذي يملاها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

والذي بعثني بالحق بشيراً، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الارض بنور ربِّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.

وهناك روايات بطرق مختلفة وألفاظ متفاوتة، راجع ج4 من إحقاق الحق من ص 90 إلى 127.

حديث زيد بن أبي أوفى - روى عنه أعلام القوم -

منهم: العلاّمة ابن الاثير الجزري في «أُسد الغابة» ج 2 ص 220 طـ مصر.

ومنهم العلاّمة القندوزي في «ينابيع المودّة» ص 56 طـ إسلامبول عن أحمد في مسنده، عن زيد بن أبي أوفى، قال:

لمّا آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه، قال علي: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): والذي بعثني بالحق نبيّاً، ما أخّرتك إلاّ لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي وأنت معي في قصري في الجنّة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي.

ثمَّ تلا: (اخواناً على سرر مُتقابِلين)([8]) المتحابّون في الله ينظر بعضهم إلى بعض.

للمزيد راجع كتاب «إحقاق الحق» ج6 ص 475.

 

علي مع القرآن والقرآن مع علي

 

وأمّا حديث «عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع علي» فلا يقل تواتراً عن الحديث السابق، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر.

عن أُمِّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله (عليه السلام) يقول: عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

ذكره العلاّمة أخطب خوارزم المتوفّى سنة 568 في «المناقب» ص 107 طـ تبريز.

والحاكم النيشابوري المتوفّى سنة 405 في «المستدرك» ج 2 ص 124 طـ حيدر آباد.

والحافظ الگنجي الشافعي المتوفّى 658 في «كفاية الطالب» ص 253 طـ الغري.

والعلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في «فرائد السمطين» مخطوط وغيرهم.

وللمزيد راجع المصادر المذكورة في موسوعة إحقاق الحق ج5 من ص 639 إلى ص 645، وج 16 من ص 398 إلى ص 401 وغيرها.

 

علي مع الحق والحق مع علي

 

عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: دخلتُ على أُمِّ سلمة، فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً، وقالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: عليٌّ مع الحق، والحق مع علي، يدور الحقّ معه حيثما دار.

ذكر هذا الحديث معظم حفّاظ ورواة القوم بدرجة التواتر وبطرق متعددة وألفاظ مختلفة، ومتقاربة، منهم:

الحافظ ابن عساكر الدمشقي المتوفّى سنة 571 في «تاريخ دمشق» ج6 ص 107 طـ دمشق.

ومنهم العلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في «فرائد السمطين».

ومنهم الترمذي المتوفّى سنة 279.

والبيهقي المتوفّى سنة 300.

وللمزيد يمكنك مراجعة المصادر المذكورة في كتاب إحقاق الحق ج5 من ص 623 إلى 638، وهي اثنا عشر مصدراً.

 

حب عليّ (عليه السلام)

 

1 - إنّ الله تعالى أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحبِّ أربعة أوّلهم علي.

عن بريدة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّ الله أمرني بحبِّ أربعة من أصحابي، وأخبرني أنّه يحبّهم. فقلنا: يا رسول الله، من هم، فكلنا نحبُّ أن نكون منهم؟

فقال: إنَّ عليّاً منهم، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، والمقداد بن الاسود الكندي.

رواه جماعة من أعلام القوم، أذكر بعضهم كنموذج وللايجاز:

منهم أحمد بن حنبل في «مسنده» ج 5 ص 351 طـ مصر.

ومنهم الحافظ البخاري المتوفى سنة 256 في «الكنى» ص 31 طـ حيدر آباد.

ومنهم الحافظ ابن ماجة في «سنن المصطفى» ج 1 ص 66 طـ مصر.

ومنهم الحافظ الترمذي في «صحيحه» ج 13 طـ مصر.

وللمزيد راجع كتاب إحقاق الحق ج 6 من ص 200 إلى ص 208.

2 - إنّ الله أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحبِّ عليٍّ وحبِّ من يُحبَّه

عن أبي ذر، عن علي (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إنَّ جبرئيل نزل فقال: يا محمّد، إنّ الله يأمرك أن تحب عليّاً وتحب مَن يحبه.

رواه العلاّمة القندوزي في «ينابيع المودّة» ص 125 طـ إسلامبول.

3 - مَن أحبَّ عليّاً فقد أحبّني

عن أُمّ سلمة، قالت: أشهد أنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مَن أحبَّ عليّاً فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومَن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومَن أبغضني فقد أبغض الله.

وزاد في رواية أُخرى: ومَن أحبّني أدخله الله الجنّة، ومَن أبغضني أدخله الله النار.

وهناك روايات وأحاديث عديدة، وبألفاظ مُختلفة متقاربة، يصعب حصرها.

 

علي قسيم الجنّة والنار

 

انتخبنا منها خمسة أحاديث:

الحديث الاول: لما مرض الاعمش مرضه الذي مات فيه ودخل عليه ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة فقالوا: يا أبا محمّد، هذا آخر يوم من أيّام الدنيا، وأوّل يوم من أيّام الاخرة، وكنت تروي في علي (عليه السلام)، وكان السلطان يعترضك عليها، وفيها تعيير بني اميّة، ولو كنت أمسكت عنها لكان الرأي. فقال: إليَّ تقولون هذا؟! أسندوني: فسندوه، فقال: حدّثني المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان يوم القيامة، قال الله تعالى لي ولعلي: أدخلا الجنّة من أحبّكما، وأدخلا النار من أبغضكما ; فيجلس عليٌّ على شفير جهنم فيقول: هذا لي وهذا لك.

رواه جماعة من أعلام القوم بطرق متعددة وألفاظ متقاربة.

منهم العلاّمة ابن المغازلي في «المناقب».

ومنهم العلاّمة الشهير بابن حسنويه في «در بحر المناقب» ص 132 مخطوط.

ومنهم العلاّمة القندوزي في «ينابيع المودّة» ص 84.

ومنهم العلاّمة الكشفي في «المناقب المرتضوية» ص 115 طـ بومباي، وغيرهم.

للمزيد راجع كتاب إحقاق الحق ج 6 من ص 210 إلى 224.

الحديث الثاني: عن جعفر الصادق، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، أنت منّي بمنزلة شيث من آدم، وبمنزلة سام من نوح، وبمنزلة إسحاق من إبراهيم، كما قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب)([9]) الاية، وبمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من عيسى.

وأنت وصيي ووارثي، وأنت أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأوفرهم حلماً، وأشجعهم قلباً، وأسخاهم كفّاً، وأنت إمام أُمَّتي وقسيم الجنّة والنار ;

بمحبّتك يعرف الابرار من الفجّار، ويميّز بين المؤمنين والمنافقين والكفّار.

رواه أعلام القوم منهم العلاّمة القندوزي المتوفى سنة 1293 في «ينابيع المودّة» ص 86 طـ إسلامبول.

والحاكم النيسابوري المتوفّى سنة 405 في «المستدرك» ج 3 ص 136 طـ حيدر آباد.

ومنهم العلاّمة ابن عبد البر المتوفى سنة 463 في «الاستيعاب» ج 2 ص 457 طـ حيدر آباد. وغيرهم.

وللمزيد من التفاصيل راجع كتاب إحقاق الحق ج 4 ص 150 إلى 170، وص 259 وص 264 وص 287.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لعلي (عليه السلام): إنّك قسيم الجنّة والنار، وأنت تقرع باب الجنّة وتدخلها بغير حساب.

رواه جماعة من أعلام القوم:

منهم العلاّمة ابن الاثير في كتابه «النهاية» ج 3 ص 284.

ومنهم العلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في فرائد السمطين.

ومنهم الحافظ ابن كثير القرشي المتوفى سنة 774 في «البداية والنهاية» ص 355 ج 7 طـ مصر ; وغيرهم ما يقرب من الاربعين محدّثاً وعالماً، كلهم ينقلون حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بشتى الطرق وبالنعوت المذكورة أدناه.

الحديث الثالث: يا علي أنت قسيم الجنّة والنار، حامل اللواء الاكبر، صاحب لواء رسول الله في الدنيا والاخرة، الذائد عن الحوض يوم القيامة، حامل لواء الحمد أنت، وأنت أول من يقرع باب الجنّة أنت صاحب حوض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يوم القيامة، وأوّل من تنشق عنه الارض، الرؤوف بالناس، الاواه، الحليم، أفضل الناس منزلةً، أقرب الناس قرابةً، أعظم الناس غنىً.

وللمزيد من التفاصيل والاحاديث راجع كتاب إحقاق الحق ج4 ص 259 إلى 272.

الحديث الرابع: إنَّ المأمون العبّاسي، قال للامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام): بأي وجه جدّك علي بن أبي طالب قسيم الجنّة والنار.

قال: ألم تروي عن أبيك، عن عبد الله بن عباس، قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول: حُبُّ علي إيمان، وبغضه كفر؟ قال: بلى، فقال: بهذا ظهر كونه قسيم الجنّة والنار.

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنّك وارث علوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال أبو الصلت عبد السلام الهروي: ما أحسن ما أجبت به يابن رسول الله.

فقال (عليه السلام): يا أبا الصلت، إنّها كلمة من حيث يهوى، ولقد سمعت أبي، عن آبائِه، عن جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت قسيم الجنّة والنار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي فذريه، وهذا لكِ فخذيهِ.

بالمعنى نقلته من كتاب إحقاق الحق، ج4 ص 264.

الحديث الخامس: روي عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول: إنّ في عليٍّ خصال، لو كانت واحدة في رجل اكتفى بها فضلاً وشرفاً، منها: وليُّ عليٍّ وليُّ الله، وعدو علي عدو الله، ومنها: عليٌّ حجّة الله على عباده، ومنها: حبُّ علي إيمانٌ وبغضه كفرٌ، ومنها: حزب عليٍّ حزب الله، وحزب أعدائهِ حزب الشيطان، ومنها: عليٌّ مع الحق والحق مع عليٍّ لا يفترقان، ومنها: عليٌّ قسيم الجنّة والنار.

أخرج الدارقطني أنَّ علياً قال للستة الذين جعلهم عمر بن الخطاب أهل الشورى: أنشدكم الله، هل فيكم أحد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عليّ أنت قسيم الجنّة والنار، فيوم القيامة، تقول للنار: هذا لي، وهذا لك؟ فقالوا: لا.

الجزء العشرون من كتاب إحقاق الحق ص 395 وبهذه المناسبة، قال الشافعي:

عليٌّ حُبُّهُ جُنَّة * * * قسيم النار والجَنَّة

وصي المصطفى حقّاً * * * إمام الانس والجِنّة

ولمزيد من التفاصيل، راجع موسوعة إحقاق الحق ج 4 ص 160 وص 259 وص 264، وص 287، وص 379، وج 15 ص 185 - 186.

 

عليٌّ وحديث الثقلين

 

وهو حديث متواتر مشهور، صحيح ثابت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، رواه أئمة الحديث وكبار الحفّاظ بطرق كثيرة متعددة عن بضع وعشرين صحابياً منهم الامام أمير المؤمنين والحسن وفاطمة صلوات الله عليهم، وأبو أيّوب الانصاري وأبو ذر الغفاري وأبو رافع وجابر بن عبد الله الانصاري وجبير بن مطعم وحذيفة بن أُسيد الغفاري وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقّاص وطلحة بن الزبير وعبد الرحمان بن عوف وعمرو بن العاص وغيرهم حثَّ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على التمسّك بهما واتباعهم وحذّر من مخالفتهما والتخلّف عنهما، كرره في الاشهر الثلاثة الاخيرة من عمره الشريف أربع مرات وهذا دليل على شدّة اهتمامه بهذا الامر وأنّه أهم الاُمور لديه ومؤشر الهداية والضلالة بعده، وصدر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أربعة مواقف:

1 - يوم عرفة في حجّة الوداع على ناقته القصواء.

2 - يوم غدير خم لمّا رجع من حجّة الوداع.

3 - في مسجده بالمدينة في آخر خطبة خطبها وهو مريض.

4 - على فراشه في حجرته وقد امتلات من أصحابه.

وإليك نص ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه المناسبات:

1 - عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول:

«يا أيّها الناس، إنّي تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».

2 - عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حجّة الوداع ونزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن ثمَّ قال:

«كأنّي دعيت فأجبت، وإنّي قد تركتُ فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الاخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض».

ثمَّ قال: «إنَّ الله مولاي وأنا وليُّ كلّ مؤمن» ثمَّ أخذ بيد علي فقال:

«مَن كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللهمَّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه».

قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

فقال: ما كان في الدوحات أحدٌ إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأُذنيه.

3 - عن جابر بن عبد الله، قال: أخذ النبي بيد علي والفضل بن عبّاس في مرض وفاته، خرج يعتمد عليهما حتّى جلس على المنبر فقال:

«أيّها الناس، تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله، ثمَّ أُوصيكم بعترتي وأهل بيتي».

4 - عن عبد الله بن عبّاس وأُم سلمة أنّهما سمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي قبض فيه وقد امتلات الحجرة من أصحابه، يقول:

«أيّها الناس، يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي».

ثمَّ أخذ بيد علي (عليه السلام) فرفعها وقال: «هذا عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض فأسألهما ما خلّفت فيهما».

فهذه أربعة نصوص قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أربع مناسبات تأكيداً لفضل أهل بيته ووجوب تقديمهم، ونصّاً على إمامتهم وأهليتهم لقيادة الاُمّة من بعده.

أمّا مصادر حديث الثقلين فكثيرة جداً لا يسع المجال لذكر جلّها فضلاً عن كلّها، ولكن أذكر هنا شيئاً يسيراً، فممّن رواه:

1 - الحافظ مسلم في «صحيحه»، ج7/ 122، 123 طـ مصر بأربعة طرق.

2 - الحافظ الترمذي في «صحيحه» ج 13/ 199 و 200 طـ مصر بعدة طرق.

3 - الحاكم النيسابوري في «المستدرك» ج 3/ 109 و 148 و 533 طـ حيدر آباد دكن بعدّة طرق.

شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي في «الاعتقاد» ص 163 طـ القاهرة.

 

صعود علي (عليه السلام) على منكب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

 

وقد ذكرناه مع بعض مصادره في الجزء الاول من كتابنا «عليٌّ في الكتاب والسنة» ص 178 في قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل)([10])، وأشرنا إلى أسماء بعض المؤلفات الخاصّة بهذا الحديث الشريف، وإليك هذا الحديث برواية الحافظ ابن المغازلي، مع مصادر أُخرى.

روى في «المناقب» ص 202 ح 240 طـ بيروت، بإسناده إلى سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليٍّ بن أبي طالب يوم فتح مكّة: أماترى هذا الصَّنم بأعلى الكعبة؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال: فأحملك فتناوله.

فقال: بل أنا أحملك يا رسول الله.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): والله، لو أنَّ ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا منّي بضعة وأنا حىٌّ ما قدروا، ولكن قف يا عليُّ.

فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده إلى ساقي عليّ فوق القُرنوس، ثمَّ اقتلعه من الارض بيده فرفعه حتّى تبيّن بياض إبطيه، ثمَّ قال له: ماترى يا عليُّ؟

قال: أرى أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد شرَّفني بك حتّى أنّي لو أردت أن أمسَّ السّماء لمسستها.

فقال له: تناول الصَّنم يا عليُّ! فتناوله ثمَّ رمى به.

ثمَّ خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تحت عليّ وترك رجليه، فسقط على الارض، فضحك فقال له: ما أضحكك يا عليُّ؟

فقال: سقطت من أعلى الكعبة فما أصابني شيء.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وكيف يصيبك شيء وإنّما حملك محمّد، وأنزلك جبريل!

وروى في ص 429 ح 5 بإسناده إلى أبي مريم، عن عليٍّ (عليه السلام)، قال: انطلقت أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اجلس لي! فصعد على منكبي، فذهبت أنهض به فرآني من ضعفي، فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجلس لي، وقال: اصعد على منكبي.

قال: فنهض بي، فإنّه يخيَّل إليَّ لو شئت لنلت أُفق السَّماء، حتّى صعدت على البيت، وعليه تمثال صفر - أو نحاس - فجعلت أزيله عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، حتّى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اقذف به! فقذفته، فتكسَّر كما تنكسر القوارير.

ورواه جماعة من كبار حفّاظ العامّة وأبناءهم.

1 - الحافظ أحمد بن حنبل في «المسند» ج 1 ص 84 طـ مصر.

2 - النسائي في «الخصائص» ص 31 طـ التقديم - مصر.

3 - سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص» ص31 طـ النجف.

4 - محب الدين الطبري في «ذخائر العقبى» ص 85 طـ مصر.

5 - الحاكم النيشابوري في «المستدرك» ج2/ 367 و ج 3/ 5 طـ حيدر آباد.

6 - الخطيب البغدادي في «موضع أوهام الجمع والتفريق» ج 2/ 432 طـ حيدر آباد.

وفي «تاريخ بغداد» ج13/ 302 طـ القاهرة.

7 - أخطب خوارزم في «المناقب» ص 71 طـ تبريز.

8 - المتقي الهندي في «كنز العمال» ج 15/ 151 طـ حيدر آباد دكن.

9 - جلال الدين السيوطي في «أنيس الجليس» ص 184.

ولمزيد من المصادر راجع «إحقاق الحق» ج 8/ 679 - 691، و ج 18/ 162 - 170، والغدير 7/ 9 - 13.

وفي بعض المصادر المتقدِّمة وردت هذه الابيات منسوبة للشافعي:

قيل لي قل في علي مِدحاً * * * ذكره يخمد ناراً مؤصدة

قلت لا أقدم في مدح امرىء * * * ضلَّ ذو اللبِّ إلى أن عبده

والنبي المصطفى قال لنا * * * ليلة المعراج لما صعده

وضع الله بظهري يده * * * فأحسَّ القلب أن قد برده

وعليٌّ واضع أقدامهُ * * * في محل وضع الله يده

وللشيخ الشاعر البارع صالح بن عبد الوهاب بن العرندس الحلّي، أحد أعلام الشيعة ومن مؤلّفي علمائها في الفقه والاُصول، المتوفّى في الحلة حدود سنة 840 هـ، والمدفون فيها وقبره شاخص يزار ويتبرّك به، له قصيدة طويلة ذكر فيها جملة وافرة من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومنها:

وصعود غارب أحمد فضلٌ له * * * دون القرابة والصحابة أفضلا

إلى أن قال:

هذا الذي حاز العلوم بأسرها * * * ما كان منها مجملاً ومفصّلاً

هذا الذي بصَلاته وصِلاته * * * للدين والدنيا أتمّ وأكملا

هذا الذي بحسامه وقناته * * * في خيبر صعب الفتوح تسهّلا

وأباد مرحب في النزال بضربة * * * ألقت على الكفّار عبئاً مُثقلا

وكتائب الاحزاب صيّر عَمروها * * * بدمائه فوق الرمال مُرمَّلا

وتبوك نازل شوسها فأبادهم * * * ضرباً بصارم عزمه لن يُفللا

 

خمسة عشر حديثاً

في فضائل الامام علي (عليه السلام) ومناقبه

 

1 - عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو أنَّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجن حسّاب، والانس كتّاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب.

ونظم هذا المعنى الامام الشافعي فقال:

يقولون لي قل في علي مدائحاً * * * فإن أنا لم أفعل يقولوا معاندُ

إلى أن قال ونِعْمَ ما قال:

فلو أن ماء الابحر السبعة التي * * * خلقن مداداً والسماوات كاغدُ

وأشجار أرض الله أقلام كاتب * * * إذا الخط أفناهنّ عُدن عوائدُ

وكان جميع الجن والانس كتّباً * * * إذا كَلَّ منهم واحد قام واحدُ

وراموا جميعاً منقباً أثر منقب * * * لما خطَّ من تلك المناقب واحدُ

وقال العوفي ونعم ما قال:

ولو كانت الاجام كلّ بأسرها * * * تقطع أقلاماً وتُبرى وتحضر

وكانت سماء الله والارض كاغداً * * * وكانت بأمر الله تطوى وتنشر

وكان جميع الانس والجن كتَّباً * * * وكان مداد القوم سبعة أبحر

لكلَّت أياديهم وغار مدادهم * * * ولم يعطِ عشر العُشر من فضل حيدرِ

2 - عن أبي الحمراء، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

3 - عن الامام الباقر (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: قال رسول الله: كنتُ أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يزل الله ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبد المطّلب، ثمَّ أخرجه من صلب عبد المطّلب، وقسمه قسمين: قسماً في صلب عبد الله، وقسماً في صلب أبي طالب، فعليٌّ منّي وأنا منه، لحمه لحمي، ودمه دمي، فمَن أحبَّه فبحبي أحبّه، ومَن أبغضه فببغضي أبغضه.

رواه جماعة من أعلام القوم وحفّاظهم، منهم: العلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في «فرائد السمطين» مخطوط.

ومنهم: العلاّمة الزرندي الحنفي المتوفّى سنة 750 في «نظم درر السمطين» ص 79 طـ مصر.

ومنهم العلاّمة الترمذي المتوفّى سنة 1025 في «المناقب المرتضوية» ص 71 طـ بومباي.

ومنهم العلاّمة سليمان القندوزي سنة 1392 في «ينابيع المودّة» ص 10 طـ الاستانة.

ومَن أراد المزيد فليراجع كتاب إحقاق الحق ج5 ص2 الحديث الحادي والخمسون.

4 - روى العلاّمة المحدِّث الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه المتوفّى سنة 680 في «در بحر المناقب» مخطوط، قال:

روى عن جماعة ثقات أنّه لما وردت حُرَّة بنت حليمة السعدية على الحجّاج الثقفي ومثلت بين يديه، قال لها: أنتِ حرّة بنت حليمة السعدية؟ فقالت له: فراسة من غير مؤمن.

فقال لها: الله جاء بك، فقد قيل عليكِ أنّك تفضِّلين عليّاً على أبي بكر وعمر وعثمان.

قالت: لقد كذب الذي قال أنّي أفضّله على هؤلاء خاصّة.

قال: وعلى مَن غير هؤلاء؟!

قالت: أُفضِّله على آدم ونوح ولوط وإبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى بن مريم.

فقال لها: أقول لك أنك تفضّلينه على الصحابة فتزيدين عليهم سبعة من الانبياء من أُولي العزم! فإنْ لم تأتيني ببيان ما قلتِ وإلاّ ضربتُ عنقك.

فقالت: ما أنا فضّلته على هؤلاء الانبياء، بل الله عَزَّ وجلَّ فضّله في القرآن عليهم، في قوله تعالى في حقّ آدم: (وعصى آدم ربَّه فغوى)([11]) وقال في حقّ عليٍّ (عليه السلام): (وكان سعيكم مشكوراً)([12]).

فقال: أحسنت يا حرّة، فبمَ تفضّليه على نوح ولوط؟ قالت: الله تعالى فضّله عليهما بقوله: (ضربَ اللهُ مثلاً للذينَ كفروا امرأةَ نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدينِ من عِبَادنا صالحين فخانتاهما)([13]) وعلي بن أبي طالب كان ملائكة تحت سدرة المنتهى زوجته بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة الزهراء، الذي يرضى الله لرضاها، ويسخط لسخطها.

فقال الحجّاج: أحسنتِ يا حرَّة، فَبم تفضّليه على أبي الانبياء إبراهيم خليل الله؟

فقالت: الله ورسوله فضّله بقوله: (وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمِن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)([14]) وأمير المؤمنين (عليه السلام) قال قولاً لم يختلف فيه أحد من المسلمين: «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً» وهذه كلمة لم يقلها قبله ولا بعده أحد.

قال: أحسنت يا حرّة، فبمَ تفضّليه على موسى نجي الله؟

قالت: يقول الله عز وجل: (فخرج منها خائفاً يترقب)([15]) وعلي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخف حتّى أنزل الله في حقّه: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)([16]).

قال: أحسنتِ يا حرّة، فبمَ تفضّليه على داود؟

قالت: الله فضّله عليه بقوله: (يا داود إنّا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحقّ ولا تتبع الهوى)([17]).

قال لها: في أي شيء كانت حكومته؟

قالت: في رجلين: أحدهما كان له كرم، وللاخر غنم، فنفشت الغنم في الكرم فرعته، فاحتكما إلى داود، فقال: تباع الغنم وينفق ثمنها على الكرم حتّى يعود إلى ما كان عليه ; فقال له ولده: لا يا أبة، بل نأخذ من لبنها وصوفها. فقال الله عزَّ وجلَّ: (ففهمناها سليمان)([18]).

وإنَّ مولانا أمير المؤمين (عليه السلام) قال: اسألوني عمّا فوق، اسألوني عمّا تحت، اسألوني قبل أن تفقدوني، وإنّه (عليه السلام)دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فتح خيبر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للحاضرين: أفضلكم وأعلمكم عليّ.

فقال لها: أحسنتِ يا حرَّة، فبمَ تفضّليه على سليمان؟

وقالت: الله فضّله عليه بقوله: (ربِّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لاحد من بعدي)([19]) ومولانا علي (عليه السلام)لما ادّعوا النصيرية فيه ما ادّعوا قاتلهم ولم يؤخِّر حكومتهم، فهذه كانت فضائله لا تعدل بفضائل غيره.

قال: أحسنتِ يا حرَّة، خرجت من جوابك، ولولا ذلك لكان ذلك. ثمَّ أجازها وأعطاها وسرّحها تسريحاً حسناً، رحمة الله عليها.

5 - عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن سرَّه أن يحيي حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن، غرسها ربّي فليوالي عليّاً من بعدي، وليوالي وليّه، وليقتدِ بالائمة من بعدي، فإنّهم عترتي، خُلِقُوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمَّتي، القاطعين فيهم صِلَتي، لا أنالهم الله شفاعتي.

رواه الحافظ أبو نعيم الاصفهاني المتوفى سنة 430 «في حلية الاولياء» ج1 ص 86 طـ مصر.

والعلاّمة ابن أبي الحديد المتوفّى سنة 955 في «شرح نهج البلاغة» ج2 ص 450.

والعلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في «فرائد السمطين» مخطوط.

والعلاّمة المتّقي الحنفي المتوفّى سنة 975 في «كنز العمال» ج 6 ص217 طـ حيدر آباد الدكن.

والعلاّمة سليمان القندوزي المتوفّى سنة 1293 في «ينابيع المودّة» ص 126 طـ إسلامبول.

ومن يريد التفاصيل فعليه بكتاب إحقاق الحق ج 5 ص 111.

6 - قام أبو ذر وأخذ بحلقة باب الكعبة فقال: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة أبو ذر. ثمَّ قال: أيّها الناس، إنّي سمعت نبيّكم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مثلُ أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تركها غرق.

ويقول: مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل، مَن دخله غفر له.

ويقول: إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

رواه العلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في «فرائد السمطين» مخطوط.

ورواه العلاّمة سليمان القندوزي المتوفّى سنة 1293 في «ينابيع المودّة» ج 1 ص 27 طـ دار الفرقان.

وراجع كتاب «إحقاق الحق» ج 5 ص 86 حديث 90.

7 - عن الامام جعفر بن محمّد الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، مثلك في أُمّتي مثل المسيح عيسى بن مريم، افترق قومه ثلاثة فرق، فرقة مؤمنون وهم الحواريون، وفرقة عادوه وهم اليهود، وفرقة غلوا فيه فخرجوا من الايمان ; وإنَّ أُمَّتي ستفترق فيك ثلاث، فرقة شيعتك وهم المؤمنون وفرقة أعداؤك وهم الناكثون، وفرقة غلوا فيك وهم الجاحدون والضالّون.

فأنت يا علي وشيعتك في الجنّة ومحبو شيعتك في الجنّة، وعدوك والغالي فيك في النار.

رواه العلاّمة أخطب خوارزم المتوفّى سنة 568 في كتابه «المناقب» ص 221.

كما رواه العلاّمة الشيخ سليمان القندوزي المتوفّى سنة 1293 في «ينابيع المودّة» ص 109 ط إسلامبول.

8 - روى سُلَيم بن قيس الهلالي في كتابه عن سعد بن عبادة، قال: (ومن عنده علم الكتاب)([20]) عليٌّ.

قال: معاوية بن أبي سُفيان: هو عبد الله بن سلام.

قال سعد: أنزل الله: (إنّما أنت منذر ولكل قوم هاد)([21]).

وأنزل: (أفمن كان على بينة من ربّه ويتلوه شاهد منه)([22]) فالهادي من الاية الاُولى والشاهد من الاية الثانية عليٌّ، لانّه نصبه يوم الغدير وقال: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه.

وقال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي. فسكت معاوية ولم يستطع أن يردّها.

رواه العلاّمة الشيخ سليمان البلخي النقدوزي المتوفّى سنة 1293 في «ينابيع المودّة» ص 104 طـ إسلامبول.

9 - حديث (أنا وأنت أبوا هذه الاُمّة).

ذكر العلاّمة القندوزي المتوفّي سنة 1293 في كتابه (ينابيع المودّة) ص 123 طـ إسلامبول: في المناقب عن أبي سعيد بن عقيصا، عن سيّد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام)، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

يا علي، أنت أخي وأنا أخوك، أنا المصطفى للنبوة، وأنت المجتبى للامامة، أنا وأنت أبوا هذه الاُمّة، وأنت وصيي ووارثي وأبو ولدي، أتباعك أتباعي، وأولياؤك أوليائي، وأعداؤك أعدائي، وأنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في المقام المحمود، وصاحب لوائي في الاخرة، كما أنت صاحب لوائي في الدنيا، لقد سَعُدَ من تولاّك وشقي مَن عاداك، وإنَّ الملائكة لتتقرب إلى الله تعالى بمحبتك وولايتك، وإنَّ أهل مودّتك في السماء أكثر من أهل الارض.

يا علي، أنت حجَّة الله على الناس بعدي، قولك قولي، وأمرك أمري، ونهيك نهيي، وطاعتك طاعتي، ومعصيتك معصيتي، وحزبك حزبي، وحزبي حزب الله.

ثمَّ قرأ الاية: (ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنَّ حزب اللهِ هُم الغالبون)([23]).

10 - حديث (أنا وعلي من شجرة واحدة)

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّ الله خلق الانبياء من أشجار شتى، وخلقني وعليّاً من شجرة واحدة، فأنا أصلها وعليٌّ فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، فمَن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومَن زاغ عنها هوى.

ولو أنَّ عبداً عبد الله بين الصفا والمروة (وفي روايات بين الركن والمقام) ألف عام، ثمَّ ألف عام، ثمَّ ألف عام، ثمَّ لم يدرك صحبتنا أكبّه الله على منخريه في النار، ثمَّ تلا الاية: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودَّة في القُربى)([24]).

قلتُ: هذا حديث حسن عال، رواه الطبراني في معجمه.

ورواه جماعة من أعلام القوم، منهم: العلاّمة الگنجي الشافعي المتوفّى سنة 658 في «كفاية الطالب» ص 178.

ومنهم: الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفّى سنة 852 في «لسان الميزان» ج 4 ص 434 طـ حيدر آباد.

ومنهم العلاّمة القندوزي في كتابه «ينابيع المودّة» ص 245 و 256.

وللمزيد راجع موسوعة إحقاق الحق ج5 ص 262 إلى 266.

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اشتدَّ غضب الله على اليهود، واشتدَّ غضب الله على النصارى، واشتدَّ غضب الله على من آذاني في عترتي.

رواه ابن المغازلي في «مناقبه» ص 393 طـ دار الاضواء - بيروت - وراجع إحقاق الحق ج 18 ص 435.

11 - روى الثعالبي عن الامام أبي الحسن الرضا، عن آبائه، عن جدِّه علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حرِّمت الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطّلب ولم يجازه أحد عليها فأنا أُجازيه غداً إذا بعثني يوم القيامة.

12 - حديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه».

روى هذا الحديث جماعة من أعلام القوم وحفّاظهم بعدة طرق، وبألفاظ متقاربة مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية، ومَن نزع يداً من طاعة جاء يوم القيامة لا حجّة له».

منهم: الحافظ الطيالسي في «مسنده» ص 259 طـ حيدر آباد.

ومنهم: الحافظ مسلم القشيري في «صحيحه» ج 8 ص 107.

ومنهم: العلاّمة الكركي في «نفحات اللاهوت» ص 12 طـ الغري.

ومنهم: العلاّمة القندوزي المتوفّى سنة 1293 في «ينابيع المودة» ص 117 طـ إسلامبول، حيث قال:

في المناقب بسنده عن عيسى بن السري، قال: قلتُ لجعفر الصادق (عليه السلام) حدَّثني عمّا ثبت عليه دعائم الاسلام إذا أخذت بها زكا عملي ولم يضرني جهل ما جهلت.

قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ محمّداً رسول الله، والاقرار بما جاء به من عند الله، وحق في الاموال من الزكاة، والاقرار بالولاية التي أمر الله بها، ولاية آل محمّد، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن مات ولم يعرف إمامه مات ميتةً جاهلية».

وقال الله عزَّ وجلَّ: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الامر منكم)([25]) فكان عليٌ صلوات الله عليه، ثمَّ صار من بعده الحسن، ثمَّ من بعده الحسين، ثمَّ من بعده علي بن الحسين السجّاد، ثمَّ من بعده محمّد بن علي الباقر، ثمَّ من بعده جعفر بن محمّد الصادق، ثمَّ من بعده موسى بن جعفر الكاظم، ثمَّ من بعده علي بن موسى الرضا، ثمَّ من بعده محمّد بن علي الجواد، ثمَّ من بعده علي بن محمّد الهادي، ثمَّ من بعده الحسن بن علي العسكري، ثمَّ من بعده الامام الحجّة بن الحسن المنتظر، الذي يملا الله به الارض عدلاً بعدما مُلِئت جوراً، وهكذا يكون الامر، إنَّ الارض لا تصلح الاّ بإمام، ومَن مات لا يعرف إمامه مات ميتةً جاهلية. راجع كتاب إحقاق الحق ج 13 ص 85 إلى 86.

13 - حديث الرطب الصيحاني.

روى العلاّمة الحمويني المتوفّى سنة 722 في «فرائد السمطين» بسنده إلى جابر بن عبد الله الانصاري، قال: كنتُ يوماً مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض حيطان المدينة ويد علي (عليه السلام) في يده، فمررنا بنخل، فصاح النخل: هذا محمّد سيّد الانبياء، وهذا عليٌّ سيّد الاوصياء، وأبو الائمة الطاهرين.

ثمَّ مررنا بنخل فصاح النخل هذا المهدي، وهذا الهادي.

ثمَّ مررنا بنخل فصاح النخل: هذا محمّد رسول الله، وهذا عليٌّ سيف الله.

فالتفت النبي إلى علي فقال: يا علي، سمِّه الصيحاني، فسمّي من ذلك اليوم الصيحاني.

ولا يزال إلى اليوم يعرف بهذا الاسم في المدينة.

وروى هذا الحديث العلاّمة جمال الدين الزرندي الحنفي المتوفّى سنة 750 في «نظم درر السمطين» ص 124 طـ مصر. وغيرهم.

14 - حديث «حب آل محمد»

روى العلاّمة الخوارزمي في «المناقب» ص 43 طـ تبريز بالاسناد إلى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن أحبَّ عليّاً قَبِلَ الله منه صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب دعاءه.

ألا وَمن أحبَّ عليّاً أعطاه الله بكل عرق في بدنه مدينة في الجنّة.

ألا ومَن أحبَّ آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط.

ألا ومَن مات على حبِّ آل محمد فأنا كفيله بالجنَّة مع الانبياء.

ألا ومَن أبغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله. ورواه أيضاً في «مقتل الحسين» ص 40 طـ الغري. ورواه الحافظ ابن حجر العسقلاني في «لسان الميزان» ج 5 ص 62 طـ حيدر آباد.

15 - روى العلاّمة الترمذي في «المناقب المرتضوية» ص 206 طـ بومباي قال: روي في بشائر المصطفى بإسناد طويل أنّه دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم ضاحكاً في بيت علي (عليه السلام)، فقال: قدمت لاُبشّرك يا أخي: بأنَّ جبرئيل نزل إليَّ في ساعتي هذه برسالة من عند الله، وهي:

إنَّ الله تعالى يقول: يا أحمد، أبشر عليّاً بأنَّ أحبّاءُك مطيعهم وعاصيهم من أهل الجنّة، فسجد عليٌّ شكراً لله، وقال ; اللهمَّ اشهد، فإنّي قد أعطيتهم نصف حسناتي.

فقالت فاطمة: اللهم اشهد، وأنا قد أعطيتهم نصف حسناتي.

فقال الحسن والحسين (عليهما السلام): ونحن قد أعطيناهم نصف حسناتنا.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ولستم بأكرم منّي، وأنا قد أعطيتهم حسناتي.

فنزل جبرئيل، فقال: يا رسول الله، إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: لستم بأكرم منّي، وقد غفرت سيئات محبّي علي، وأرزقهم الجنّة ونعيمها.

أقول: إستناداً إلى هذا الحديث وغيره من الاحاديث النبويّة الصحيحة، الواردة في شأن أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب (عليه السلام) نظم العلاّمة الجليل الخواجة نصير الدين الطوسي، رضوان الله عليه هذه الابيات الرائعة:

لو أنَّ عبداً أتى بالصالحات غداً * * * وودَّ كلُّ نبيّ مرسل ووليّ

وصام ما صام صوّاماً بلا ملل * * * وقام ما قام قواماً بلا كسلِ

وعاش في الناس آلافاً مؤلَّفة * * * خلواً من الذنب معصوماً من الزَلَلِ

وطار في الجوِّ لا يأوي إلى كنف * * * وغاص في البحر لا يخشى من البللِ

ما كان ذلك يوم الحشر ينفعه * * * إلاّ بحب أمير المؤمنين علي

يقول المؤلف:

اللّهم اجعلنا من شيعتهم ومحبيهم، آمين يا رب العالمين.

كراماته ومناقبه:

قال ابن طلحة الشافعي: «اعلم أكرمك الله بالهداية إليه، إن الكرامة عبارة عن حالة تصدر لذي التكليف خارقة للعادة، لا يؤمر بإظهارها وبهذا القيد يظهر الفرق بينها وبين المعجزة، فإنّ المعجزة مأمور بإظهارها لكونها دليل صدق النبي في دعواه النبوة، فالمعجزة مختصة بالنبي لازمة له، إذ لابد له منها فلا نبي إلا وله معجزة، والكرامة مختصة بالولي إكراماً له، إذا عرفت هذه المقدمة، فقد كان علي بن أبي طالب (عليه السلام)، من أولياء الله تعالى، وكانت له كرامات صدرت خارقة للعادة أكرمه الله بها، كما كان له معاجز، إذ من يدعي النبوة وكذلك الامامة، لابد أن تظهر على يديه المعاجز التي يعجز البشر عن إتيانها تطابق دعواهما تدل على صدق قولهما وادعائهما النبوة أو الامامة، وعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين قد ادعى الامامة وقد ظهرت على يده الكريمة معاجز تطابق دعواه فهو الامام حقاً.

وقد سطر العلماء الكرام جزاهم الله خيراً كرامات ومعاجز فهي من الكثرة بحيث يصعب حصرها، ولكني أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر.

إخباره (عليه السلام)، بحال الخوارج المارقين، وأن الله تعالى أطلعه على أمرهم، فأخبر به قبل وقوعه، وخرق به العادة، وذلك أنهم لما اجتمعوا وأجمعوا على قتاله، وركب إليهم (بجيشه) لقيه فارس يركض فقال له: يا أمير المؤمنين إنهم سمعوا بمكانك فعبروا النهروان منهزمين، فقال له (عليه السلام): أنت رأيتهم عبروا؟ فقال: نعم، فقال (عليه السلام): والذي بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعبرون ولا يبلغون قصر بنت كسرى حتى تقتل مقاتلتهم على يدي، فلا يبقى منهم إلاّ أقل من عشرة، ولا يقتل من أصحابي إلاّ أقل من عشرة، وركب وقاتلهم كما تقدم، وجرى الامر على ما أخبر به (عليه السلام) ولم يعبروا النهر».

وهي مسطورة في كراماته نقلها صاحب تاريخ فتوح الشام.

ومن كراماته في المغيبات، ما أورده ابن شهر آشوب في كتابه، إنّ علياً (عليه السلام) لما قدم الكوفة، وفد عليه الناس، وكان فيهم فتى، فصار من شيعته يقاتل بين يديه في مواقفه، فخطب امرأةً من قوم فزوّجوه، فصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يوماً الصبح، وقال لبعض من عنده، اذهب إلى موضع كذا تجد مسجداً إلى جنبه بيت فيه صوت رجل وامرأة يتشاجران، فاحضرهما إليّ، فمضى وعاد وهما معه، فقال لهما: فيم طال (شجاركم) تشاجركما الليلة؟ فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إنّ هذه المرأة خطبتها وتزوجتها فلما خلوت بها وجدت في نفسي منها نفرة منعتني أن ألمّ بها ; ولو استطعت إخراجها ليلاً لاخرجتها قبل النهار، فنقمت على ذلك وتشاجرنا إلى أن ورد أمرك، فصرنا إليك، فقال (عليه السلام) لمن حضره: رب حديث لا يؤثر من يخاطب به أن يسمعه غيره، فقام من كان حاضراً ولم يبق عنده غيرهما، فقال لها علي (عليه السلام): أتعرفين هذا الفتى؟ فقالت: لا، فقال (عليه السلام): إذا أنا أخبرتكِ بحالة تعلمينها فلا تنكريها؟ قالت: لا يا أمير المؤمنين، قال (عليه السلام): ألست فلانة بنت فلان؟ قالت: بلى، قال (عليه السلام): ألم يكن لك ابن عم وكل منكما راغب في صاحبه؟ قالت: بلى، قال (عليه السلام): أليس أن أباكِ منعكِ عنه ومنعه عنكِ ولم يزوجه بكِ وأخرجه من جواره لذلك؟ قالت: بلى، قال: أليس (قد) خرجت (ذات) ليلة لقضاء الحاجة فاغتالك وأكرهكِ ووطئك فحملت وكتمت أمرك عن أبيك وأعلمتِ أمكِ، فلما آن الوضع أخرجتك أمك ليلاً فوضعت ولداً فلففته في خرقة وألقيته من خارج الجدار فجاء كلب يشمه فخشيت أن يأكله فرميته بحجر فوقعت في رأسه فجشه (أي رأس الطفل) فعدت إليه أنت وأمك فشدّت رأسه أمكِ بخرقة من جانب مرطها([26]) ثم تركتماه ومضيتما ولم تعلما حاله؟ فسكتت فقال لها: تكلمي بحق، فقالت: بلى والله يا أمير المؤمنين إنّ هذا الامر ما علمه مني غير أمي، فقال: قد أطلعني الله عليه ; فأصبح فأخذه بنو فلان فربّى فيهم إلى أن كبر، وقدم معهم الكوفة وخطبك وهو ابنك.

ثم قال للفتى: اكشف رأسك! فكشفه فوجد أثر الشجة، فقال (عليه السلام): هذا ابنك قد عصمه الله تعالى مما حرّمه عليه، فخذي ولدك وانصرفي فلا نكاح بينكما وله في هذه الواقعة (عليه السلام)، ما يقضي بولايته ويسجل بكرامته».

 

وأخيراً إخباره بالمغيبات وانتظاره يوم شهادته (عليه السلام):

ومنها: إخباره (عليه السلام) بقصة قتله، وذلك أنه لما فرغ من قتال الخوارج عاد إلى الكوفة في شهر رمضان، فأمّ المسجد فصلى ركعتين، ثم صعد المنبر فخطب خطبة حسناء، ثم التفت إلى ابنه الحسن فقال: يا أبا محمّد كم مضى من شهرنا هذا؟ فقال: ثلاثة عشر يا أمير المؤمنين، ثم سأل الحسين (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد الله كم بقي من شهرنا يعني رمضان هذا؟ فقال: سبع عشرة يا أمير المؤمنين، فضرب يده إلى لحيته وهي يومئذ بيضاء، فقال: ليخضبنها بدمها إذ انبعث أشقاها ثم قال:

أريد حباءه ويريد قتلي * * * خليلي من عذيري من مراد([27])

وعبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله يسمع، فوقع في قلبه من ذلك شيء فجاء حتى وقف بين يدي عليّ (عليه السلام)، وقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين هذه يميني وشمالي بين يديك فاقطعهما، أو فاقتلني، فقال علي (عليه السلام): وكيف أقتلك ولا ذنب لك؟ ولو أعلم أنّك قاتلي لم أقتلك ; ولكن هل كانت لك حاضنة يهودية؟ فقالت لك يوماً من الايام: يا شقيق عاقر ناقة ثمود؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين فسكت عليّ (عليه السلام) فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين من الشهر([28]) قام ليخرج من داره إلى المسجد لصلاة الصبح وقال: إنّ قلبي يشهد بأنّي مقتول في هذا الشهر، ففتح الباب فتعلق الباب بمئزره فجعل ينشد:

اشدد حيازيمك للموت * * * فإنّ الموت لاقيك

ولا تجزع من الموت * * * إذا حل بناديك

فخرج فقتل صلوات الله عليه.

قال ابن طلحة (رحمه الله): وهذه من جملة الكرامات المضافة إليه، ولم أصرف الهمة إلى تتبّع ما ينسب إليه من كراماته وما أكرمه الله به من خوارق عاداته، لكثرة غيرها من مزاياه وتعدد مناقب مقاماته.

إذا ما الكرامات اعتلى قدر ربّها * * * وحلّ بها أعلى ذرى عرفاته

فإنّ عليّاً ذا المناقب والنهى * * * كراماته العليا أقلّ صفاته

هذا آخر كلام ابن طلحة رحمه الله تعالى.

نقل العلامة الاربلي في كتابه كشف الغمة ص 340 طبع بيروت ما نصّه منها:

وذكر أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتاب المناقب في الفصل التاسع في فضائل شتّى في جملة إسناده إلى أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه ما هذا لفظه: الامام الحافظ طراز المحدثين أحمد بن مردويه، وهذا لفظ حديثه في كتاب المناقب مولانا علي (عليه السلام)، عن ابن عباس (رضي الله عنه)، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)] في بيته عليلاً فغدا إليه عليٌّ (عليه السلام) وكان يحب أن لا يسبقه أحد، فدخل فإذا النبي [في صحن الدار وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فدخل عليٌّ (عليه السلام)، فقال: السلام عليك، كيف أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: بخير، قال له دحية: إنّي لاحبك، وإنّ لك مدحة أزفها إليك أنت أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجلين، أنت سيد ولد آدم ما خلا النبيين والمرسلين، ولواء الحمد بيدك يوم القيامة، تُزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان زفاً قد أفلح من تولاّك، وخَسِرَ من تخلاّك، محبو محمد محبوك، ومبغضو محمد مبغضوك، لن تنالهم شفاعة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ادن مني يا صفوة الله، فأخذ رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوضعه في حجره فانتبه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ما هذه الهمهمة؟ فأخبره الحديث، قال: لم يكن دحية الكلبي كان جبرئيل (عليه السلام)، سماك باسم سماك الله به، وهو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين، ورهبتك في صدور الكافرين.

قال رضي الدين (رحمه الله): إنَّ من ينقل هذا، عن الله جل جلاله برسالة جبرئيل (عليه السلام) وعن محمد صلوات الله عليه، لمحجوج يوم القيامة، بنقله إذا حضر بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسأله يوم القيامة عن مخالفته لما نقله واعتمد عليه. انتهى ما نقلته.

 

وهذه واقعة رد الشمس إكراماً من الله تعالى له:

ومما رواه أصحابنا من الايات التي ظهرت على يديه الشاهدة بما تدل مناقبه ومزاياه عليه، ردّ الشمس عليه مرّتين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّة وبعد وفاته مرّة.

روت أسماء بنت عميس وأمّ سلمة رضي الله عنهما وجابر بن عبد الله الانصاري، وأبو سعيد الخدري في جماعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ذات يوم في منزله وعلي (عليه السلام) بين يديه، إذ جاءه جبرئيل (عليه السلام)يناجيه عن الله سبحانه، فلما تغشاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يرفع رأسه حتى غاب الشمس، فصلى العصر جالساً إيماءً فلما أفاق قال لامير المؤمنين (عليه السلام): فاتتك العصر؟ قال: صليتها قاعداً إيماءً. فقال: ادع الله يردّ عليك الشمس حتى تصليها قائماً في وقتها، فإن الله يجيبك لطاعتك لله ولرسوله، فسأل الله في ردّها فردّت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلاّها ثم غربت قالت أسماء وأم سلمة: أم والله سمعنا لها عند غروبها كصرير المنشار.

وبعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أراد أن يعبر الفرات ببابل، واشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم، فصلّى هو (عليه السلام)مع طائفة من أصحابه العصر، وفاتت جمهورهم فتكلموا في ذلك، فلمّا سمع سأل الله في ردّها ليجتمع كافة أصحابه على الصلاة، فأجابه الله تعالى وردّها، فكانت كحالها وقت العصر ; فلما سلم بالقوم غابت وسمع لها وجيب شديد هال الناس([29])، وأكثروا التسبيح والتهليل والاستغفار، والحمد لله على نعمته الّتي ظهرت فيهم، وسار خبر ذلك في الافاق وفي ذلك يقول السيّد إسماعيل بن محمّد الحميري:

ردّت عليه الشمس لما فاته * * * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب

حتّى تبلّج نورها في وقتها * * * للعصر ثم هوت هويّ الكوكب

وعليه قد ردّت ببابل مرة * * * أخرى وما ردّت لخلق معرب

إلاّ ليوشع أوله من بعده * * * ولردّها تأويل أمر معجب([30])

ومن ذلك أنّ عليّاً (عليه السلام) اتّهم رجلاً يقال له الغيرار برفع أخباره إلى معاوية فأنكر ذلك وجحده، فقال أمير المؤمنين: لتحلف بالله أنّك ما فعلت؟ قال: نعم وبدر فحلف، فقال عليّ (عليه السلام): إن كنت كاذباً فأعمى الله بصرك، فما دارت عليه الجمعة حتى عمي وأخرج يقاد وقد أذهب الله بصره.

ومن ذلك أنّه (عليه السلام) نشد الناس من سمع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فشهد اثنا عشر رجلاً من الانصار، وأنس بن مالك في القوم لم يشهد فقال له أمير المؤمنين: يا أنس ما منعك أن تشهد وقد سمعت ما سمعوا؟ قال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اللّهُم إن كان كاذباً فاضربه ببياض أو بوضح لا تواريه العمامة قال طلحة بن عمير: فأشهد بالله لقد رأيتها بيضاء بين عينيه.

ومن ذلك أنّه نشد الناس فقال: أنشد الله رجلاً سمع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهُم وال من والاه وعادِ من عاداه»، فقام اثنا عشر بدريّاً، ستة من الجانب الايسر، وستة من الجانب الايمن، فشهدوا بذلك فقال زيد بن أرقم: وكنت فيمن سمع ذلك فكتمته، فذهب الله ببصري وكان يتندم على ما فاته من الشهادة ويستغفر الله.

في كتاب الانوار النعمانية عن كتاب المناقب مسنداً إلى صعصعة بن صوحان: أنه دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام)لمّا ضرب فقال: يا أمير المؤمنين أنت أفضل أم آدم أبو البشر؟ قال علي (عليه السلام): تزكية المرءِ نفسه قبيح. لكن قال الله تعالى لادم: (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)([31]) وأنا أكثر الاشياءِ أباحها لي وتركتها وما قاربتها.

ثم قال: أنت أفضل يا أمير المؤمنين أم نوح؟ قال علي: إن نوحاً دعا على قومه، وأنا ما دعوت على ظالمي حقي، وإبن نوح كان كافراً، وابناي سيدا شباب أهل الجنّة.

وقال: أنت أفضل أم موسى؟ قال (عليه السلام): إنّ الله تبارك وتعالى أرسل موسى إلى فرعون فقال: (فأخاف أن يقتلون) حتى قال الله تعالى: (لا تخف إني لا يخاف لديَّ المرسلون)([32]) قال: (رب إني قتلت منهم نفساً وأخاف أن يقتلون)([33]) وأنا ما خفت حين أرسلني رسول الله بتبليغ سورة البراءَة أن أقرأها على قريش في الموسم مع أني كنت قتلت كثيراً من صناديدهم، فذهبت بها وقرأتها عليهم وما خفتهم.

ثم قال: أنت أفضل أم عيسى ابن مريم؟ قال علي: عيسى كانت أُمّه في بيت المقدس فلما جاءَ وقت ولادتها سمعت قائلاً يقول: أُخرجي، هذا بيت العبادة لا بيت الولادة، وأنا أُمّي فاطمة بنت أسد لما قرب وضع حملها كانت في الحرم فانشقّ حائط الكعبة وسمعت قائلاً يقول: أُدخلي. فدخلت في وسط البيت، وأنا وُلدتُ فيه، وليس لاحد هذه الفضيلة، لا قبلي ولا بعدي.

 

مرج البحرين يلتقيان

 

اقتران النور من النور عليٌّ من فاطمة الزهراء (عليهما السلام).

من أوَّل المبادىء التي تبنّاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بداية بعثته هو الحث على النكاح، ودفع الشباب المسلم على تأسيس الاُسرة وبناء اللبنةِ الصالحة للمجتمع المؤمن الواعي، وتحمّل المسؤولية في تربية الجيل الصاعد، كما أمر الله تعالى في محكم كتابه المجيد إذ قال: (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم)([34]).

كما وردت أحاديث شريفة كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وروايات عديدة عن الائمة الطاهرين (عليهم السلام) في الحثِّ على الزواج وتكوين الاُسرة النظيفة.

منها ما قاله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن تزوّج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الاخر».

ولم يكتف بالحثِّ على الزواج كلامياً فحسب، بل عمد إلى تطبيق الامر بنفسه عملياً، وبأبسط الجهد والتكاليف، التي كان يتهيبها الشباب ويحجم عن الاقدام عليها، وجاء هذا التطبيق مع مَن؟ مع ابنته سيّدة نساء العالمين (عليها السلام)، وإليك وصف الواقعة بصورة موجزة ومختصرة:

لمّا أدركت فاطمة الزهراء سلام الله عليها مدرك النساء، خطبها أكابر المسلمين من قريش ومن أهل الفضل والسابقة في الاسلام، ومن أهل الشرف والمال، وكلّما ذكرها رجل من قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرض عنه بوجهه، حتّى أصبح الرجل منهم يظن في نفسه ربّما أنّه ساخط عليه، أو قد نزل فيه وحي من السماء، كما خطبها أبو بكر، ومن بعده عمر، فكان جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمرها إلى ربها».

جاء بعض الصحابة يوماً إلى علي (عليه السلام)، وهو في حائط له خارج المدينة يسقي الزرع، وسألاه عمّا يمنعه من خطبته فاطمة (عليها السلام)، فقال لهما: ما يمنعني إلاّ الحياء، وقلّة ذات اليد. فقال له سعد: اذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واخطب منه فاطمة، فإنّه يزوّجك إيّاها، والله ما أرى أنّه يحبسها عليك.

فأقبل عليٌّ (عليه السلام) يقصد دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهبط الامين جبرائيل على رسول الله وأخبره بمجيء علي وقصده، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) في دار أُمِّ سَلمَة رضوان الله عليها، فطرق الباب، فنادت أُمّ سلمة: مَن بالباب؟ فقال لها (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يجيبها عليٌّ (عليه السلام): قومي يا أُمّ سلمة، وافتحي له الباب، ومريه بالدخول ; فهذا رجل يحبّه الله ورسوله ويحبهما.

فقالت أم سلمة: فداك أبي وأُمّي: ومَن هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره؟!

فقال: مه، يا أُمّ سلمة، فهذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق([35])، هذا أخي وابن عمّي، وأحبّ الخلق إليَّ.

فقامت أُم سلمة وفتحت الباب، وإذا به علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قالت أُمّ سلمة: والله ما دخل حين فتحت الباب حتّى علم أنّي رجعت إلى خدري، ثمَّ دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فأجابه النبي: وعليك السلام، اجلس. فجلس ورأسه مطأطأ ينظر إلى الارض، كأنّه قصد لحاجة وهو يستحي أن يبديها حياءً.

فقال رسول الله: إنّي أرى أنّك أتيت لحاجة، فقل ما حاجتك، وابدِ ما في نفسك فكلّ حاجة لك مقضية.

فقال (عليه السلام): فداك أبي وأُمّي، إنّك لتعلم، أخذتني من عمّك أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي، فغديتني بغذائك، وأدبْتني بأدبك، فكنتَ إليَّ أفضل من أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد في البر والشفقة ; وإنَّ الله تعالى هداني بك وعلى يديك، وأنت - والله - يا رسول الله، ذخري وذخيرتي في آخرتي ودنياي، يا رسول الله، وقد أحببت، مع ما شدَّ الله من عضدي بك - أن يكون لي بيت، وأن تكون لي زوجة أسكن إليها، وقد أتيتك خاطباً راغباً، أخطب إليك ابنتك فاطمة، فهل أنت مزوّجي يا رسول الله؟

فتهلّل وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرحاً وسروراً، ثمَّ تبسّم في وجه عليّ (عليه السلام) وقال: فهل معك شيء أُزوّجك به؟

فقال عليٌّ (عليه السلام): فداك أبي وأُمّي، والله ما يخفى عليك من أمري شيء، أملك سيفي ودرعي، وناضحي([36])، ومالي شيء غير هذا.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، أمّا سيفك فلا غنى بك عنه، تجاهد به في سبيل الله، وأمّا ناضحك تنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكني قد زوّجتك بالدرع، ورضيت بها منك.

يا عليّ أُبشّرك؟

فقال: نعم فداك أبي وأُمّي بشِّرني فإنّك لم تزل ميمون النقية، مبارك الطائر، رشيد الامر، صلّى الله عليك.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أبشر، فإنَّ الله تعالى قد زوجكها في السماء من قبل أن أُزوّجك في الارض، إلى آخر كلامه.

وهناك أحاديث عديدة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، في قصّة الزواج في ا لسماء أكثر منها في الارض.

ثمَّ قال: يا علي، إنّه ذكرها قبلك رجال، فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رسلك حتّى أخرج إليك. فدخل عليها، فقامت فأخذت رداءه، ونزعت نعله، وأتت بالوضوء فتوضّأ وغسّلت رجليه، ثمَّ قعدت، فقال لها: يا فاطمة! فقالت: لبيك، ماحاجتك يا رسول الله؟

قال: إنَّ علي بن أبي طالب مَن قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألتُ ربّي أن يزوّجك خير خلقه، وأحبّهم إليهِ، وقد ذكر عن أمرك شيئاً، فماترين؟ فسكتت، ولم تولِ وجهها ولم ير فيها كراهةً، فقام وهو يقول: الله أكبر، سكوتها إقرارها.

فمضى عليٌّ (عليه السلام) إلى المسجد، وجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أثره، وفي المسجد جلَّ المهاجرين والانصار، فصعد المنبر وارتقى أعلى درجته، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال:

معاشر المسلمين، إنَّ جبرئيل أتاني آنفاً، فأخبرني عن ربِّي جلَّ جلاله أنّه جمع الملائكة عند البيت المعمور، وأنّه أشهدهم جميعاً أنّه زوّج أمته فاطمة من عبده علي بن أبي طالب، وأمرني أن أُزوّجه في الارض، وأُشهدكم على ذلك.

ثمَّ جلس وقال لعلي (عليه السلام): قم يا أبا الحسن فاخطب أنت لنفسك. فقام وحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله، وقال:

الحمد للهِ شكراً لانعمهِ وأياديه، ولا إله إلاّ الله شهادةً تبلغه وترضيه، وصلّى الله على محمّد صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، ومجلسنا هذا ممّا قضاه الله وأذن فيه، وقد زوّجني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ابنته فاطمة، وجعل صداقها درعي هذا، وقد رضيت بذلك، فاسألوه واشهدوا.

فقال المسلمون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): زوّجته يا رسول الله؟ فقال: نعم.

فقالوا: بارك الله لهما شملهما.

وانصرف رسول الله إلى أزواجه، فقال: يا علي، انطلق الان فبع درعك وأتني بثمنه حتّى أُهيىء لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما.

قال عليٌّ (عليه السلام): فانطلقت، فبعت الدرع بأربعمائة درهم سود هجرية - وفي رواية أُخرى: أربعمائة وثمانين، أو خمسمائة درهماً - فلمّا قبض الدراهم أقبل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وطرح الدراهم بين يديه، فدعا أبا بكر فدفع إليه حفنة منها، وقال: اشتر بهذه الدراهم لابنتي فاطمة ما يصلح لها في بيتها. وبعث معه سلمان وبلال ليعيناه على حمل ما يشتريه من متاع.

ومكثت بعد ذلك شهراً لا أُعاود رسول الله في أمر فاطمة بشيء استحياءً منه، غير أنّي كنت إذا خلوت به يقول لي: يا أبا الحسن، ما زوجتك وما أجملها؟ أبشر يا أبا الحسن فقد زوّجتك سيّدة نساء العالمين.

قال الامام علي (عليه السلام): فلمّا كان بعد شهر دخل عليَّ أخي عقيل، فقال: يا أخي، ما فرحتُ بشيء كفرحي بتزويجك فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، يا أخي، فما بالك لا تسأل رسول الله يدخلها عليك فتقرّ عيناً باجتماع شملكما؟

فقلت: يا أخي والله، إنّي أحبُّ ذلك، وما يمنعني من مسألته إلاّ الحياء منه.

فقال عقيل: أقسمت عليك إلاّ قمت معي.

فقمنا نريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلقينا في طريقنا أُم أيمن مولاة رسول الله فذكرنا لها ذلك، فقالت: لا تفعل، دعنا نحن نكلّمه، فإنَّ كلام النساء في هذا الامر أحسن وأوقع بقلوب الرجال.

ثمَّ انثنت راجعة، فدخلت على أُم سَلَمة فأعلمتها بذلك، وأعلمت نساء النبي فاجتمعن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان في بيت عائشة، فأحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله، قد اجتمعنا لامر لو أنَّ خديجة في الاحياء لقرّت بذلك عيناها.

قالت أُمّ سلمة: فلمّا ذكرنا خديجة بكى (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمَّ قال: خديجة؟ وأين مثل خديجة؟ صدّقتني حين كذّبني الناس، وآزرتني على دين الله، وأعانتني عليه بمالها، وإنَّ الله عزّ وجلّ أمرني أبشر خديجة ببيت في الجنّة من قصب الزمرد، لا صخب فيه ولا نصب.

قالت أُمّ سلمة: فقلنا: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله، إنّك لم تذكر من خديجة أمراً إلاّ وقد كانت كذلك، غير أنّها قد مضت إلى ربّها فهنّأها الله تعالى بذلك، وجمع بيننا وبينها في درجات جنّته ورضوانه ورحمته.

يا رسول الله، وهذا أخوك وابن عمّك علي بن أبي طالب، يحبّ أن تدخل عليه زوجته فاطمة تجمع بها شمله.

فقال: يا أُمّ سلمة، فما بال عليٍّ لا يسألني ذلك؟

فقلت: الحياء منك.

قالت أُم أيمن: فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلقي إلى عليّ فأتيني به.

فخرجتُ من عنده فإذا عليٌّ (عليه السلام) ينتظرني، ليسألني عن الجواب، فحضر عليٌّ عنده، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هيىء منزلاً حتّى تحوّل فاطمة إليه.

فحوّل فاطمة إلى علي (عليه السلام) في منزل حارثة، وبسطوا على أرض البيت كثيباً من الرمل، ونصبوا عوداً يوضع عليه السقاء (القربة) وستروه بكساء، ونصبوا خشبة من حائط إلى حائط للثياب، وبسط جلد كبش ومخدة ليف.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، اصنع لاهلك طعاماً فاضلاً. وجاء أصحابه بالهدايا.

وأمر النبي فطحن البرُّ (الحنطة) وخبزه، وذبح الكبش، واشترى عليٌّ تمراً وسمناً، وأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وحَسر عن ذراعه، وجعل يشدخ التمر بالسمن فقال: يا علي، أُدع مَن أحببت.

قال عليّ (عليه السلام): فأتيت المسجد وهو غاص بالناس، فناديتُ: أجيبوا إلى وليمة فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأجابوا من النخلاء والزروع، وأقبل الناس إرسالاً وهم أكثر من أربعة آلاف رجل، وسائر نساء المدينة ورفعوا منها ما أرادوا، ولم ينقص من الطعام شيء، ثمَّ دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصحاف والاواني، فملئت، ووجّه بها إلى منازل أزواجه، ثمَّ أخذ صحيفة، وقال: هذه لفاطمة وبعلها.

وكان لفاطمة (عليها السلام) يوم بنى بها علي بن أبي طالب (عليه السلام)تسع سنين.

عن ابن بابويه: أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنات عبد المطلب ونساء المهاجرات والانصار أن يمضين في صحبة فاطمة (عليها السلام)، وأن يفرحن، ويرجزن ويكبِّرن، ويحمدن، ولا يقولن مالا يرضي الله تعالى.

قال جابر: فأركبها رسول الله على ناقته - وفي رواية على بغلته الشهباء - وأخذ سلمان زمامها والنبي وحمزة وعقيل وجعفر وأهل البيت يمشون خلفها مشهّرين سيوفهم، ونساء النبي قدّامها يرجزن.

فأنشأت أُمّ سلمة تقول:

سِرن بعون الله جاراتي * * * واشكرنه في كلِّ حالاتِ

واذكرن ما أنعم ربّ العلى * * * من كشف مكروه وآفاتِ

فقد هدانا بعد كفر وقد * * * أنعشنا ربُّ السماواتِ

وسِرن مع خير نساء الورى * * * تُفدى بعمات وخالاتِ

يابنت من فضّله ذو العلى * * * بالوحي منه والرسالاتِ

إلى آخر ما رجزن به امهات المؤمنين.

وكانت النسوة يرجِّعن أوّل البيت من كل رجز ثمَّ يكبِّرن، ودخلن الدار، ثمَّ أنفذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي (عليه السلام)، ثمَّ دعا فاطمة (عليها السلام) فأخذ يدها ووضعها في يده، وقال: بارك الله في ابنة رسول الله. وقال: يا علي، نعم الزوجة فاطمة، ويافاطمة نعم الزوج علي.

ثمَّ قال: يا علي، هذه فاطمة وديعتي عندك، ثمَّ دعا وقال: اللّهم اجمع شملهما، وألِّف بين قلوبهما، واجعلهما وذريتهما من ورثة جنَّة النعيم، وارزقهما ذريَّة طاهرة طيبة مباركة، واجعل في ذريتهما البركة، واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما رضيت.

اللهمّ إنّهما أحبُّ خلقك إليَّ، فأحبّهما واجعل عليهما منك حافظاً، وإنّي أعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم.

ثمَّ خرج إلى الباب وهو يقول: طهّركما وطهر نسلكما، أنا سلمٌ لمن سالمكما وحربٌ لمن حاربكما، أستودعكما الله، وأستخلفه عليكما.

يا بنيّة لو تعلمين ما علم أبوكِ لمسخت الدنيا في عينيك.

والله يا بنيّة، ما ألوتك نصحاً، إنّي زوّجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً.

يا بنية، إنَّ الله عزَّ وجلَّ اطّلع إلى الارض اطّلاعةً فاختار من أهلها رجلين، فجعل أحدُهما أباك، والاخر بعلكِ.

يا بنيّة، نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمراً.

هذه واقعة اقتران النورين، أو ما نسمّيها (مرج البحرين يلتقيان) انتقيت بعض بنودها من كتاب (عليٌّ من المهد إلى اللحد) للسيد القزويني، مع بعض التصرّف روماً للاختصار، كما ذكر المؤلِّف أنّه نقلها واقتطفها من الاحاديث، والبحث المذكور في المجلد العاشر من كتاب بحار الانوار لشيخنا العلاّمة الجليل المجلسي (رحمه الله).

 

عبادة علي (عليه السلام) ومناجاته في تهجده

 

ما عساني أن أقول في رجل أفنى زهرة شبابه بل حياته كلها في طاعة الله، منذ اللحظة التي تنشّق فيها نسيم الحياة وولد في بيت الله الحرام بالكعبة المشرفة، إلى أن استشهد في محرابه في مسجد الكوفة مصلّياً طائعاً لله وما بينهما كان كلّ عمرة قضاها بين المسجدين في طاعة ربه.

وما عساي أن أقول في رجل قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي، ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا»؟! ولقد عجز فلاسفة الدنيا وحكماء العالم وعلماء ومفكري الامّة في وصف صفة واحد من صفاته الحميدة، ونظم في بعض مواقفه العلماء والشعراء فأجادوا منهم الامام الشافعي والعلاّمة ابن أبي الحديد المعتزلي وغيرهم. ناهيك عن عبادته.

عن علي (عليه السلام) قال: عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامّة سبع سنين؟

وروي عن عليٍّ (عليه السلام) أنّه كان إذا حضر وقت الصلاة ارتعدت فرائصه وتغيّر لونه، فسئل عن ذلك فقال: جاء وقت الامانة التي عرضها الله على السموات والارض والجبال، فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان فلا أدري أأحسن أداء ما حُمِّلت أم لا؟

كما روى ذلك أيضاً عن الامام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام).

روي أنّ عليّاً قد أصاب رجله في غزوة أُحد سهم صعب إخراجه، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإخراجه حين اشتغاله بالصلاة، فأخرجوه من رجله، فقال بعد فراغه من الصلاة، بأنّه لم يلتفت بذلك.

قيل لعليّ بن الحسين (عليه السلام) وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من عبادة جدّك؟

قال: عبادتي عند عبادة جدّي، كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا عبادة علي (عليه السلام) فقد كان أعبد الناس وأكثرهم صلاةً وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الاوراد، وقيام النافلة.

وما ضنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه، وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته؟!

وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة بعير لطول سجوده؟! وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته، ووقفت على مافيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزّته والاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من إجلال وإخلاص وتضرع، فهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت، كما قال الشاعر:

هو البكّاءُ في المحراب ليلاً * * * هو الضحّاك إذا اشتدَّ الضرابُ

كان إذا أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، مثل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، يناجي ربه:

إلهي غارت نجوم سماواتك، وأغلقت الملوك أبوابها، وطاف عليها حرّاسها، وأبوابك مفتّحات.

ويبكي بكاء الحزين، ويقول:

يا دنيا غرّي غيري، أبي تعرضتي، أم إليَّ تشوّقتِ؟! هيهات هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

ومن مناجاته في شعبان:

«اللّهمَّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، واسمع دعائي إذا دعوتك، واسمع ندائي إذا ناديتك، واقبل عليَّ إذا ناجيتك، فقد هربتُ إليك ووقفت بين يديك مستكيناً لك، متضرِّعاً إليك، راجياً لما لديك ثوابي، وتعلم مافي نفسي، وتخبر حاجتي، وتعرف ضميري، ولا يخفى عليك أمر مُنقلبي ومثواي» إلى أن يقول: «إلهي أعوذ بك من غضبك وحلول سخطك، إلهي إن كنتُ غير مستأهل لرحمتك فأنت أهلٌ أن تجود عليَّ بفضل سعتك».

إلى أن يقول: «إلهي إن أخذتني بجرمي أخذتك بعفوك، وإن أخذتني بذنوبي أخذتك بمغفرتك، وإنْ أدخلتني النار أعلمتُ أهلها أنّي أُحبّك».

إلى أن يقول: «إلهي أُنظر إليَّ نظر من ناديته فأجابك، واستعملته بمعونتك فأطاعك، يا قريباً لا يبعد عن المغتر به، ويا جواداً لا يبخل عمّن رجا ثوابه».

إلى أن يقول: «إلهي إن أنامتني الغفلة عن الاستعداد للقائك فقد نبّهتني المعرفة بكرم آلائك، إلهي إن دعاني إلى النار عظيم عقابك، فقد دعاني إلى الجنّة جزيل ثوابك».

ومن مناجاته (عليه السلام): «إلهي تعرّض لك في هذا الليل المتعرّضون، وقصدك القاصدون وأمّل فضلك ومعروفك الطالبون، ولك في هذا الليل نفحات وجوائز وعطايا ومواهب تمنّ بها على مَن تشاء من عبادك، وتمنعها مَن لم تسبق له العناية منك، وها أنا ذا يا إلهي عُبيدك، الفقير إليك، المؤمل فضلك ومعروفك، فإن كنت يا مولاي تفضّلت في هذه الليلة على أحد من خلقك، وعدت عليه بعائدة من عطفك فصل على محمّد وآل محمّد الطيبين الطاهرين الخيّرين الفاضلين، وجد عليَّ بطولك ومعروفك يا رب العالمين» إلى آخر الدعاء.

ومن الادعية المأثورة: «يا ذا الذي كان قبل كل شيء ثمَّ خلق كل شيء، ثم يبقى ويفنى كل شيء، ياذا الذي ليس كمثله شيء وياذا الذي ليس في السموات العُلى ولا في الارضين السفلى ولا فوقهن ولا تحتهن ولا بينهن إلهٌ يعبد غيره، لك الحمد حمداً لا يقوى على إحصائها إلاّ أنت، فصلِّ على محمّد وآل محمد صلاة لا يقوى على إحصائها إلاّ أنت يا أرحم الراحمين.

رواه جماعة من أعلام القوم، منهم: العلاّمة ابن حجر الهيثمي المكّي المتوفى سنة 973 في كتابه «الفتاوى الحديثية» ص 41 طـ مصر.

ومنهم: العلاّمة الترمذي، في «المناقب» ص 161 طـ بومباي.

وأما الصحيفة العلوية الحاوية على بعض ادعيته (عليه السلام)دليل قاطع على تهجده وتضرعه، في الليالي والايام وفي مضان استجابه الدعاء.

 

زهد علي (عليه السلام) وورعه

 

أمّا زهده في الدنيا، فكان سيّد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه تشدّ الرحال، وعنده تنفض الاحلاس، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً قال (عليه السلام): لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من رُقعها - أو: من راقعها. قال الامام الباقر (عليه السلام) في زهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنّه ولّي - أيام خلافته - خمس سنين، وما وضع آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قطع قطيعاً، ولا ورّث بيضاء ولا صفراء.

وترصّد غذاءه عمرو بن حريث، فأتت فضَّة بجراب مختوم، فأخرج منه خبزاً متغيّراً خشناً، فقال عمرو: يا فضّة، لو نخلت هذا الدقيق وطيبتيه.

قالت: كنت أفعل فنهاني، وكنت أصنع في جرابه طعاماً طيباً فختم جرابه.

ثمَّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فتَّهُ في قصعة، وصبَّ عليه الماء، ثمَّ ذرَّ عليه الملح، وحسر عن ذراعه، فلمّا فرغ (عليه السلام)قال: يا عمرو، لقد حانت هذه - ومدّ يده إلى محاسنه - وخسرت هذه واشار الى بطنه أن أُدخلها النار من أجل الطعام، وهذا يجزيني.

ورآه عدي بن حاتم وبين يديه شنة فيها قراح ماء وكسرات من خبز شعير وملح، فقال: إنّي لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظل نهارك طاوياً مجاهداً، وبالليل ساهراً مكابداً، ثمَّ يكون هذا فطورك! فقال (عليه السلام):

علل النفس بالقنوع وإلاّ * * * طلبت منك فوق ما يكفيها

وقال الامام الباقر (عليه السلام): إنَّ عليّاً أتى البَزازين فقال لرجل: بعني ثوبين، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، عندي حاجتك: فلمّا عرفه مضى عنه، فوقف على غلام، فأخذ منه ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم، والاخر بدرهمين، فقال: يا قنبر، خذ الذي بثلاث دراهم.

فقال: أنت أولى به، تصعد المنبر، وتخطب الناس.

فقال: أنت شاب، ولك شره الشباب، وأنا أستحي من ربّي أن أتفضّل عليك ; سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ألبسوهم ممّا تلبسون، وأطعموهم ممّا تأكلون.

فلمّا لبس عليٌّ القميص مدّكُم القميص، فأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء، فقال الغلام: هلم أكفه. قال: دعه كما هو، فإنّ الامر أسرع من ذلك.

فجاء أبو الغلام - أي صاحب الدكان - وقال: إنَّ ابني لم يعرفك، وهذان درهمان ربحهما.

فقال (عليه السلام): ما كنت لافعل، قد ماكست وماكسني، واتفقنا على رضا.

وروى ابن عبد البر المالكي في الاستيعاب بسنده وغيره أنَّ معاوية قال لضرار بن ضمرة: صف لي علياً.

قال: اعفني. قال: لتصفنَّه.

قال: أمّا إذا كان لابد من وصفه فإنّه كان (والله) بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.

كان غزير الدمعة طويل الفكرة يقلّب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، يبكي بكاء الحزين، وهو يقول:

يا دنيا، غرّي غيري، أبي تعرّضتِ؟ أم إليَّ تشوّقتِ هيهات هيهات، قد بنتك ثلاثاً، لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه آه من قلّة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق.

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك ; فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذُبِحَ وُلدها بحجرها، فهي لا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها.

وفي المناقب: ثمَّ قام وخرج باكياً فقال معاوية: أما إنّكم لو فقدتموني لما كان فيكم مَن يثني عليَّ هذا الثناء. فقال بعض مَن حضر: الصاحب على قدر صاحبه.

واما كتابه الى عثمان ابن حنيف الانصاري عامله على البصرة اذكر منها محل الحاجة.

ألا وان لكل مأمون اماماً يقتدى به ويستضيىء بنور علمه، ألا وان امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمِه بقرصيه، ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ولكن اعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسَداد، فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي طمرا.

هذا غيض مِن فيض زهده وخلاصة ماذكره رواة أعلام القوم من حفّاظ ومحدثين في كتبهم ومسانيدهم. راجع كتاب إحقاق الحق ج 4 ص 425 و ج 8 ص 272 - 274 و 598 - 600 وج 15 ص 638 إلى 644. فقد أحصى فيها أحاديث كثيرة عن مصادر معتبرة وغزيرة، وفي كتاب علي من المهد إلى اللحد للسيد القزويني ص 240.

 

شذرات من زهده وفصاحته (عليه السلام)

 

(اقتَطفتُ ذلكَ مِنْ كِتَاب لَهُ (عليه السلام) إلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْف الانْصَارِي وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةِ قَوْم مِنْ أَهْلِهَا فَمَضَى إلَيْهَا).

أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْف فَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدَبَة فَأَسْرَعْتَ إلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الاَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إلَى طَعَامِ قَوْم عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ. وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فَانْظُرْ إلَى ما تَقْضَمُهُ مِنْ هذَا الْمُقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

أَلاَ وَإنَّ لِكُلِّ مَأْمُوم إمَاماً يَقْتَدي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلاَ وَإنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ. أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ علَى ذلِكَ وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد، وَعِفَّة وَسَدَاد. فَوَ اللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبَيَّ طِمْراً.

بَلى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ. وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَآ حَافِرِهَا لاضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ، وَإنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الاَكْبَر، وتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ. وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إلَى مُصَفَّى هذا الْعَسَلِ وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أن يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقَودَني جَشَعِي إلَى تَخَيُّرِ الاَطْعَمَةِ. وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشَّبْعِ، أَوْ أَبِيتَ مِبْطاناً وَحَوْلِي بَُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادُ حَرَّى؟ أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة * * * وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ

أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ أُشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ. فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ المُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِها وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا. أَوْ أُتْرَكَ سَدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ.... إلى أن قال:

إِلَيْكِ عَنِّي يَادُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ، وَأفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ، وَاجْتَنَبْتُ الذِّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ. أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ أَيْنَ الاُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِك. هَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ. اعْزُبِي عَنِّي. فَوَ اللهِ لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّيني، وَلاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي. وَايْمَ اللهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ لاَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهَشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إَذَآ قَدَرَتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً، وَلاَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاء نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعُهَا. أَتَمْتَلىءُ السَّائِمَةُ مِنْ رَعْيِهَا فَتَبْرُكَ، وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ؟ قَرَّتْ إذاً عَيْنُهُ إذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ.

طُوبَى لِنَفْس أَدَّتْ إلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بَجَنْبِهَا بُؤْسَهَا. وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَر أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفَ مَعَادِهِمْ، وَتَجافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ. وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شَفَاهُهُمْ، وتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ (أُوْلئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

فَاتَّقِ اللهَ يَا ابْنَ حُنَيْف وَلْتَكْفِكَ أَقْرَاصُكَ لِيَكُونَ مِنَ النَّارِ خَلاصُكَ. إلى آخر كتابه.

أمّا زهده فكان يضرب به المثل ; وكان ممّا اشتهر به (عليه السلام)، من ورعه، وزهده، وعبادته التي قد أطبق عليه الخافقان، من علماء الامصار ومحققيهم، جيلاً بعد جيل، وذكره في سيرهم وتواريخهم، وإليك نموذجاً منها:

1 - هو الذي طلّق الدنيا ثلاثاً طلاق مباين لا رجعة له فيها.

2 - وهو الذي عندما كان يفرق بيت المال على المستحقين ويقول: يا صفراء غرّي غيري، يا بيضاء غري غيري، ثم يتمثل بهذا البيت:

هذا جناي وخياره فيه * * * إذ كل جان يده إلى فيه

وقد يأمر بكنس بيت المال ويُصلّي فيه ركعتين رجاء أن يشهد له يوم القيامة، انظر إلى عمله هذا في المال.

أمّا في ملبسه فقد خرج (عليه السلام) يوماً وعليه إزار مرقوع فعُوتِبَ عليه، فقال: يخشع القلب بلبسه ويقتدي بي المؤمن إذا رآه عليّ.

قال هارون بن عنترة قال: حدثني أبي قائلاً: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالخورنق وعليه سمل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قد جعل لك ولاهل بيتك في هذا المال ما يعم، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: والله ما أرزأكم من أموالكم شيئاً وإن هذه لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة ماعندي غيرها. هذا ما كان من لباسه.

أمّا طعامه، فإليك هذا النموذج الرائع، كان (عليه السلام) قد ولّى على عكبرة رجلاً من ثقيف قال: قال لي عليٌّ (عليه السلام): إذا صليت الظهر غداً فعد إليّ، فعدت إليه في الوقت المُعيّن، فلم أجد عنده حاجباً يحسبني دونه، فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز ماء، فدعا بوعاء مشدود مختوم، فقلت في نفسي: قد أمنني حتى يخرج إليّ جوهراً فكسر الختم وحلّه، فإذا فيه سويق فأخرج منه قبضة في القدح وصب عليه ماءً فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت له: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا في العراق وطعامه كماترى في كثرة؟ فقال: أما والله ما أختم عليه بخلاً، ولكني أبتاع قَدَر ما يكفيني، فأخاف أن ينقص فيوضع فيه غيره، وأنا أكره أن أدخل بطني إلاّ طيباً فلذلك أحترز عليه كماترى، فإياك وتناول مالا تعلم حلّه».

وعن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) القصر فوجدته جالساً وبين يديه صحيفةً فيها لبن (حازر) أجد ريحه من شدة حموضته وفي يده رغيف أجد قشر الشعير في وجهه، وهو يكسّر بيده أحياناً فإذا غلبه كسره بركبته وطرحه فيه، فقال: «ادن وأصب من طعامنا هذا، فقلت: إنّي صائم، فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من منعه الصوم من طعام يشتهيه كان حقاً على الله أن يطعمه من طعام الجنة، ويسقيه من شرابها، قال: فقلت لجاريته وهي قائمة بالقرب منه: ويحك يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ ألا تنخلون له طعاماً مما أرى فيه من النخالة؟ فقالت: لقد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعاماً. قال (عليه السلام): ما قلت لها؟ فأخبرته، فقال: بأبي وأمي من لم ينخل له طعاماً ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله عزّ وجلّ، (أي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)). هذا ما كان من طعامه (عليه السلام)».

 

جود علي (عليه السلام) وكرمه

 

وكان (عليه السلام) غاية في الجود، وقد وردت آيات بينات كثيرة تشير إلى سخائه وإنفاقه وإيثاره وكرمه منها في سورة الانسان (هل أتى).

كما وردت أحاديث مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن الائمة من أهل بيته (عليهم السلام)، والصحابة، أذكر هنا نزراً يسيراً منها:

1 - روى ابن شاذان القمّي في «المائة منقبة» حديث 12، بإسناده إلى الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كنت عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال النبيّ: يا أبا هريرة، أتدري مَن هذا؟

قلت: نعم يا رسول الله، هذا علي بن أبي طالب.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا البحر الزاخر، هذا الشمس الطالعة، أسخى من الفرات كفّاً، وأوسع من الدنيا قلباً، فمَن أبغضه فعليه لعنة الله.

2 - قال الحافظ أبو الفداء ابن كثير الدمشقي المتوفّى سنة 774 هـ، في «البداية والنهاية» ج 8/ 10: روى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي زكريا الرملي: ثنا يزيد إبن هارون، عن نوح بن قيس، عن سلامة الكندي، عن الاصبغ بن نباتة، عن علي أنّه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ لي إليك حاجة، فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإنْ أنتَ قضيتها حمدتُ الله وشكرتُك، وإنْ أنتَ لم تقضها حمدتُ الله وعذرتك.

فقال عليٌّ: اكتب حاجتك على الارض، فإنّي أكره أن أرى ذلَّ السؤال في وجهك.

فكتب: إنّي محتاج.

فقال عليٌّ: عليَّ بحلة، فأتي بها، فأخذها الرجل فلبسها، ثمَّ أنشأ يقول:

كسوتَني حلةً تبلى محاسنُها * * * فسوفَ أكسوكَ من حسنِ الثنا حللا

إنْ نلتَ حسنَ ثنائي نلتَ مكرمةً * * * ولستُ أبغي بما قدْ قلتهُ بدلا

إنَ الثناءَ ليحيي ذكرَ صاحبهِ * * * كالغيثِ يحيي نداهُ السهلَ والجبلا

لا تزهدِ الدهرَ في خير تواقعُهُ * * * فكلُّ عبد سيجزى بالذي عملا

فقال علي: عليَّ بالدنانير. فأُتي بمائة دينار، فدفعها إليه.

قال الاصبغ: فقلت: يا أمير المؤمنين، حلّة ومائة دينار!

قال: نعم! سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «أنزلوا الناس منازلهم» وهذه منزلة هذا الرجل عندي.

ورواه الشيخ الصدوق في «الامالي» ص 335 ح 10 طـ الاعلمي - بيروت، وزاد فيه: ثمَّ قال عليّ (عليه السلام): إنّي لاعجب من أقوام يشترون المماليك بأموالهم ولا يشترون الاحرار بمعروفهم.

ورواه العلاّمة أبو الحسن القيرواني في «العمدة» ص 16.

3 - روى الشيخ الكليني في «الكافي» ج 4/ 34 ح4 بإسناده إلى الحارث الهمدانيّ، قال: سامرتُ أمير المؤمنين (عليه السلام) فقلت: يا أمير المؤمنين، عرضت لي حاجة.

قال: فرأيتني لها أهلاً.

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: جزاك الله عنّي خيراً.

ثمّ قام إلى السراج فأغشاها وجلس، ثمّ قال: إنّما أغشيت السراج لئلاّ أرى ذلّ حاجتك في وجهك، فتكلّم، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:

«الحوائج أمانة من الله في صدور العباد، فمَن كتمها كتب له عبادة، ومَن أفشاها كان حقّاً على مَن سمعها أن يعينه.

4 - عن أبي الطفيل، قال: رأيت عليّاً (عليه السلام) يدعو اليتامى فيطعمهم العسل، حتّى قال بعض أصحابه: لوددت أنّي كنت يتيماً.

5 - عن محمّد بن الصمّة، عن أبي، عن عمّه قال: رأيت في المدينة رجلاً على ظهره قربة، وفي يده صحفة، يقول: اللّهمّ وليّ المؤمنين، وإله المؤمنين، وجار المؤمنين، إقبل قرباتي اللّيلة، فما أمسيتُ أملك سوى مافي صفحتي وغير ما يواريني، وإنّك تعلم أنّي منعته نفسي مع شدَّة سغبي أطلب القربة إليك غنماً، اللّهمَّ فلا تخلق وجهي ولا تردَّ دعوتي.

فأتيته حتّى عرفته، فإذا هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأتى رجلاً فأطعمه.

رواهما ابن شهر آشوب في «المناقب» ج 2/ 75 و 76.

6 - وفيه في ص 80 قال: وفيه يضرب المثل في الصّدقات، يقال في الدّعاء: تقبّل الله منه كما تقبّل توبة آدم، وقربان إبراهيم، وحجّ المصطفى، وصدقة أمير المؤمنين.

وكان يأخذ من الغنائم لنفسه وفرسه، ومن سهم ذي القربى، وينفق جميع ذلك في سبيل الله.

7 - وفيه في ص 122 عن الصادق (عليه السلام) قال: إنّه (عليه السلام)أعتق ألف نسمة من كدِّ يده، جماعة لا يحصون كثرةً. ووقف مالاً بخيبر وبوادي القرى.

ووقف مال أبي نيزر، والبغيبغة، وأرباحاً، وأرينة ورعْداً، ورزيناً، ورباحاً على المؤمنين، وأمر بذلك أكثر ولد فاطمة من ذوي الامانة والصّلاح.

وأخرج مائة عين بينبع وجعلها للحجيج، وهو باق إلى يومنا هذا وحفر آباراً في طريق مكّة والكوفة.

وبنى مسجد الفتح في المدينة، وعند مقابل قبر حمزة، وفي الميقات، وفي الكوفة، وجامع البصرة، وفي عبادان وغير ذلك، وعمَّر طريق مكّة.

وقد ورد ذكر صدقات أخرى لامير المؤمنين (عليه السلام)، نقلها العلامة السيد المرعشي النجفي في كتابه «إحقاق الحق» ج 8/ 583 - 592 عن مصادر معتبرة كثيرة، أذكرها هنا على نحو الاجمال.

ـ عين البيحر.

ـ عين نولا، وهي التي يقال أنَّ عليّاً (عليه السلام) عمل فيها بيده، وفيها مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو متوجه إلى ذي العشيرة.

ـ عين جبير.

ـ عين خيف الاراك.

ـ عين خيف ليلى.

ـ عين خيف بسطاس.

ـ بئر الملك، وهي من صدقاته بالمدينة.

ـ عيون بالمدينة وينبع وسويعة.

ـ وادي ترعة بناحية فدك بين لابتي حرّة.

ـ الفقران بالعالية.

ـ كلُّ مال له في ينبع.

ـ كلُّ مال له في وادي القرى.

ـ كلُّ مال له في الادنية.

ـ كلُّ مال له في رعيف.

8 - روى الحافظ أحمد بن حنبل في «المسند» ج 1/ 159 طـ الميمنية - مصر، بإسناده إلى محمّد بن كعب القرظي أنَّ عليّاً (عليه السلام) قال: لقد رأيتني مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّي لاربط الحجر على بطني من الجوع، وإنَّ صدقتي اليوم لاربعون ألفاً.

رواه:

1 - الزمخشري في «ربيع الابرار» ص 209 مخطوط.

2 - ابن الاثير الجزري في «أسد الغابة» ج 4/ 23 طـ مصر.

3 - محب الدين الطبري في «الرياض النضرة» ج2/ 227 طـ مصر.

4 - الذهبي في «تاريخ الاسلام» ج 2/ 199 طـ مصر.

5 - الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» ج9/ 123 طـ القاهرة، وغيرهم.

قال ابن الاثير بعد نقله هذا الحديث: لم يرد بقوله: «أربعين ألفاً» زكاة ماله، وإنّما أراد الوقوف التي جعلها صدقة كان الحاصل من دخولها صدقة هذا العدد، فإنَّ أمير المؤمنين عليّاً رضي الله عنه لم يدّخر مالاً.

9 - روى أبو حامد الغزالي في «مكاشفة القلوب» ص 117 قال: وضع عليٌّ كرم الله وجهه درهماً على كفّه ثمَّ قال: أما إنّك مالم تخرج عنّي لا تنفعني.

10 - روى العلاّمة الزمخشري في «ربيع الابرار» ص 210 عن محمّد بن الحنفية قال: كان أبي يدعو قنبراً بالليل فيحمّله دقيقاً وتمراً، فيمضي به إلى أبيات قد عرفها، ولا يطلع عليها أحداً، فقلت له: يا أبه، ما يمنعك أن تدفع إليه نهاراً؟

قال: يا بني، إنَّ صدقة السر تطفىء غضب الرب.

11 - قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 1/ 21 و 22 ط عيسى الحلبي - القاهرة:

وأمّا السخاء والجود: فحاله فيه ظاهرة ; وكان يصوم ويَطْوي ويؤثر بزاده ; وفيه أنزل: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتيماً وَأَسِيراً. إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً)([37]).

وروى المفسّرون أنّه لم يكن يملك إلاّ أربعة دراهم ; فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانية ; فأنزل فيه: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً).

وقال الشعبيّ وقد ذكر عليٍّ (عليه السلام): كان أسخَى الناس ; كان على الخُلُق الذي يحبّه الله: السخاء والجود، ما قال: «لا» لسائل قطّ.

وقال عدوّه ومُبْغضِه الذي يجتهد في وَصْمِه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لِمَحْفَن بن أبي محْفَن الضبيّ لمّا قال له: جئتك مِنْ عند أبخل الناس، فقال: ويحك! كيف تقول إنّه أبخل الناس، لو مَلَك بيتاً من تِبْر وبيتاً من تِبْن، لانفذ تِبْره قبل تِبْنِه.

وهو الذي كان يكنُس بيوت الاموال ويصلّي فيها.

وهو الذي قال: يا صفراء، ويا بيضاء، غرّي غيري.

وهو الذي لم يخلِّفْ ميراثاً، وكانت الدنيا كلّها بيده، إلاّ ما كان من الشام.

 

صلح الحديبيّة وفتح مكّة

 

لقد التزم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون بكل بنود الاتفاق التي اشتمل عليها كتاب الصلح بينه وبين قريش في الحديبيّة، ولكن قريشاً قد استخفت بقوة المسلمين بعد معركة موته وجرّ هذا الاستخفاف الى اربكاب حماقة، اصبح بعدها عهد الموادعة لاغياً.

كانت الهدنة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين قريش عام الحديبيّة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وكانت مدتها عشر سنوات.

فدخلت خزاعة في عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «حليفة» كما كانت مع جدّه عبدالمطلب من قبل، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وكان لبني بكر ثأر على خزاعة في الجاهلية ، فانتقعوا مع جماعة من قريش وعدوا على خزاعة، فقتلوا منهم عشرين رجلاً ليلاً على ماء يدعى «الوتير» وجاء أربعون رجلاً من خزاعة يشكون الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجزوه بذلك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا نصرت ان انصر خزاعة مما انصر منه نفسي».

وندمت قريش على ما صنعت، وعلمت انه نفض للعهد، فارسلوا ابا سفيان الى المدينة، ولما انتهى الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طلب منه تجديد العهد بينهما ويزيد في امره، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): الهذا جئت يا ابا سفيان؟ فقال: نعم، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فهلت حدث عندكم ما يوجب ذلك؟ قال: معاذ الله فنحن على موقفنا وصلحنا يوم الحديبيّة لا نغير ولا نبذل ولما فشل في سفارته قام وخرج من مجلسه الى آخر ما فصلناه في الجزء الثاني من علي في الكتاب والسنّة، والجزء الثاني من موسوعة المصطفى والعتبرة، فراجع..

عند ذلك عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غزو مكة وتفحها لفسخ العهد ونقضه من قبل المشركين، وخطط لذلك بكل سرية، ولم يكن احد من الناس يظن انه يريد قريشاً ومنع احداً ان يخرج من المدينة مخافة ان يتسرب الخبر الى قريش، ومع هذه الحيطة الشديدة فقد تسربت بعض الاخبار، ولكن سبحانه وتعالى اخبر بواسطة جبرئيل فكشفها، وفضح مرتكبيها في قصة مفصّلة ذكرناها في كتبنا المذكورة اعلاه.

ولما تجهّز الجيش خرج (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة في العشرة الاولى من شهر رمضان سنة ثمانية من الهجرة، في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والانصار وغيرهم من القبائل المنافسة للمدينة، كأسلم، وغفار، وحزينة، وجهبذة، واشجع، وسليم وغيرهم، ومعهم نحو من الف فارس وعقد للمهاجرين ثلاثة الوية، فاعطى علياً (عليه السلام)لواءً واعطى الزبير لواءً ولسعد بن ابي وقاص لواء، ووزع الالوية والرايات على الباقين، فاعطى لكل قبيلة لواء لرجل منها.

وصادفت حوادث وقصص اعرضنا عنها روماً للاختصار، الى ان دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة من أعلاها ، وأعطى الراية يوم الفتح الى سعد بن عبادة الانصاري، وامره ان يدخل بها مكة امامه، فغلظ سعد على اهل مكة واظهر ما في نفسه من الحنق عليهم، وهو يقول:

اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، فسمعها العباس عم النبي فقال: اما تسمع يا رسول الله؟ ما يقول سعد، واني لا آمن ان تكون له في قريش صولة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): ادرك سعداً فخذ الراية منه وكن أنت الذي تدخل بها مكة، فادكره الامام علي (عليه السلام)فاخذها منه ولم يمتنع سعد من دفعها اليه، فحملها الامام وهو يقول:

اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرمة، وفي رواية كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خطط لدخول مكة من جهاتها الاربعة، ودخل الامام علي (عليه السلام) باللواء من الجهة التي دخلها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما نص على ذلك جماعة من المؤرخين.

ونزل (صلى الله عليه وآله وسلم) بالابطح وضربت له خيمة بالحجون وخرج منها الى الحرم، ولما انتهى الى الكعبة تقدم وهو على راحلته، فاستلم الركن وكبّر فكبر المسلمون لتكبيره حتى ارتجت مكة، ثم طاف بالبيت وهو على راحلته ومحمد بن سلمة آخذٌ بزمامها، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً مرصوصة بالرصاص، وكان هُبَل اعظمها وهو باتجاد باب الكعبة، واساقه، ونائلة حيث ينحرون الذبائح، فجعل كلما مر بصنم منها يشير بقضيب في يده، ويقول: (جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلَ إنّ الباطِلَ كَانَ زَهُوقاً) فيضع الصنم بوجهه، ثم امر بهُبل فكُسِّر وهو واقف عليه والمشركون فوق الجبال ينظرون بقلوب ملئها الفزع والحنق.

ثم جلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ناحية من المسجد وارسل بلالاً الى عثمان بن طلحة يطلب منه مفتاح الكعبة، وكان المفتاح بيد امه، فاخذه وجاء به الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم امر ان تفتح الكعبة، ودخلها، وكانت التماثيل والصور قد ملات جدرانها من الداخل، فأمر من كان معه ان لا يدع صورة ولا تمثال الا محاه، ولما ازال كل ما فيها وطهّرها وصلّى فيها ثم خرج منها واخذ بعضادتي الباب واشرف على الناس ومعه المفتاح، واهل مكة قيام تحته، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده الا ان كل مأثرة او دم او ربا في الجاهلية فهو تحت قدمي هاتين، الا سدانة الكعبة، وسقاية الحاج».

يا معشر قريش ان الله قد اذهب نخوة الجاهلية وتعظمها بالاباء، الناس لادم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الاية: (يَا أيها الناس إنا خَلَقْناكُم مِنْ ذَكَر واُنثى وَجَعلْنَاكُم شُعُوباً وقَبائل لِتَعَارَفُوا إنّ اكرمكم عند اللهِ أتقاكُم)، ثم توجه الى اهل مكة وسألهم: ماذا ترون اني فاعل بكم وتظنّون؟ قالوا: أخ كريم وابن اخ كريم، وقد قدرت واصبح امرنا بيدك، قال: اني اقول لكم ما قاله اخي يوسف لاخوته، لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحيمن «اذهبوا فانتم الطلقاء» ملكهم عبيداً ثم اطلقهم.

واطمأن المكيون على مصيرهم بعد هذا الاعلان، بعد ان اصبحوا في قبضته وتحت قدميه، وحياتهم جميعاً رهن لكمة واحدة بوجهها لتلك الحشود المدججة بالسلاح والقادر على ابادتهم في لحظات معدودة.

ثم استدعى عثمان بن طلحة وسلمة مفتاح الكعبة وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم الاّ ظالم، بهذه الصورة الواضحة الموجزة.

وصفنا لك عزيزي القاري الكريم حديث صلح الحديبيّة وقصّة فتح مكة والذيى يعتبر من اهم المنعطفات المهمة في تاريخ الاسلام، عسى ان تأخذ منها العظة والعبر.

اختتم القسم الاول من حياة الامام امير المؤمنين علي (عليه السلام) بصورة موجزة - سائلاً المولى القدير ان يتقبل مني هذا اليسير ويعفو عني الكثير فانه سميع بصير.

ويليه القسم الثاني وهو الرابع من مسلسل السيرة.

التالي



([1]) رقم 14 من سِلسلة الثقافة الاسلامية .

([2]) ملخصاً في سلسلة السيرة رقم 1 .

([3]) الصافات : 24 .

([4]) شرح النهج : ج1 من ص 5 ـ 10 .

([5]) نزهة المجالس ج2 ص206 .

([6]) مريم : 96 .

([7]) الشعراء : 214 .

([8]) سورة الحجر : آية 47 .

([9]) سورة البقرة : آية 132 .

([10]) سورة الاسراء 17 ـ آية 81 .

([11]) سورة طه : آية 121 .

([12]) سورة الانسان : آية 22 .

([13]) سورة التحريم : آية 10 .

([14]) سورة البقرة : آية 260 .

([15]) سورة القصص : آية 20 .

([16]) سورة البقرة : آية 207 .

([17]) سورة ص : آية 26 .

([18]) سورة الانبياء : آية 79 .

([19]) سورة ص : آية 35 .

([20]) سورة الرعد : آية 43 .

([21]) سورة الرعد : آية 7 .

([22]) سورة هود : آية 17 .

([23]) سورة المائدة : آية 56 .

([24]) سورة الشورى : آية 23 .

([25]) سورة النساء : آية 59 .

([26]) المرط : كساء تأتزر به المرأة .

([27]) ويروى : عذيرك من خليلك من مراد . والحباء : العطية وعذير فعيل بمعنى فاعل أي هات من يعذرك فيه . والشعر من الامثال ويأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله .

([28]) وهذا يخالف ماهو المشهور بين الشيعة من أن هذه الواقعة كانت في ليلة التاسعة عشر وسيأتي الخلاف في ذلك في تاريخ شهادته (عليه السلام) .

([29]) لا يزال موقع مسجد رد الشمس معلوم في اطراف مدينة بابل ] الحله [ .

([30]) قال ابن حجر في الصواعق ص 126 طـ مصر ومن كراماته الباهرة أنّ الشمس ردّت عليه لما كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجره والوحي ينزل عليه وعلي لم يصلِّ العصر ـ وذكر الحديث إلى أن قال ـ : قال سبط بن الجوزي : وفي الباب حكاية عجيبة حدثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق أنّهما شاهدوا أبا منصور المظفر بن أردشير القباوي الواعظ ذكر بعد العصر هذا الحديث ونَمّقه بألفاظه ، وذكر فضائل أهل البيت فغطت سحابة الشمس حتى ظنّ الناس أنّها قد غابت فقام على المنبر وأومأ إلى الشمس وأنشدها :

 

لا تغربي يا شمس حتى ينتهى %%% مدحي لال المصطفى ولنجله %%% واثني عنانك إن أردت ثنائهم %%% أنسيت إذ كان الوقوف لاجله %%% إن كان للمولى وقوفك فليكن %%% هذا الوقوف لخيله ولرجله %%%      قالوا : فانجاب السحاب عن الشمس حتى طلعت .

([31]) سورة البقرة : آية 35 .

([32]) سورة النمل : آية 10 .

([33]) سورة القصص : آية 33 .

([34]) سورة النور : آية 32 .

([35]) الخرق : سيء التصرّف والجاهل ، والنزق : الرعن الخفيف في كل أمره ، العجول الاحمق .

([36]) البعير الذي ينقل عليه الماء .

([37]) سورة الدهر : 8 ـ 9 .