هاشم وعبد شمس

الفهرست

هاشم وعبد شمس

المقدّمة

اسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليهما السلام)

هاشم وعبد شمس:

هاشم وبنوه:

هاشم والرفادة:

هاشم والسقاية:

المطّلب الغيدق:

رحلة الشتاء والصيف:

هاشم وقيصر:

أعود من حيث أسهب بي القلم.

حلف المطيّبين وحلف لعقة الدم:

زواج هاشم:

ولادة شيبة الحمد:

هاشم بن عبد مناف:

استنجاد شيبة بأخواله:

حلم حفر زمزم:

الشرف الأكبر:

نذر عبد المطّلب:

ذبح وفداء:

زواج عبد الله:

حملها بالنبيّ (صلى الله عليه وآله):

وفاة الزوج:

ولادتها النبيّ (صلى الله عليه وآله):

(حليمة السعدية) ظئر الرسول:

أصحاب الفيل:

عبد المطّلب يتضرّع إلى الله:

الطفل وخاتم النبوّة:

النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبحيرى:

وفاة عبد المطّلب:

اُ مـيّـة

عودٌ على بدء:

منافرته لهاشم:

عبد المطّلب واُميّة:

 

هاشم وعبد شمس

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمّد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

منذ أن أهبط الله سبحانه وتعالى آدم إلى الأرض أنزل معه إبليس عليه اللعنة ليكون له حزناً، ويوسوس لضعاف النفوس من أبنائه.

كما قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد:

(فَأزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ

وَمَتَاعٌ إلَى حِين)([1]).

فأوّل ما أزلّ الشيطان قدم قابيل ووسوس له قتل أخيه هابيل. في قصّة مفصّلة ذكرها القرآن الكريم، والأحاديث وكتب السير والتفسير، نعرض عنها روماً للاختصار.

ومنذ ذلك الحين إلى يومنا هذا تأسّس خطّان: خطّ الرحمن الذي يمثّله آدم وذرّيته الصالحين، وخطّ إبليس ومن تبعه من بني آدم.

(إنَّا هَدَيْـنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وَإمَّا كَـفُوراً)([2]).

حتّى مثّل هذان الخطّان هاشم وذرّيته عبد المطّلب وما ولد، وعبد شمس، وتبعه عبده الذي تبنّاه (اُميّة)

وما أدراك ما اُميّة وذرّيته، فسيأتي ذكرهما مفصّلا في البحث الذي يليه.

وهذان الخطّان في مسيرة البشرية اختلفا ذات اليمين وذات الشمال.

ذاك جعل الله غاية في دنياه وجعلها وسيلةً لرضاه.

وهذا جعل الله وسيلة لرضا دنياه، فالله عنده واسطة والغاية سواه، كما قال الإمام الحسين (عليه السلام): الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما دارت معائشهم، وإذا مُحِّصوا بالبلاء قلّ الديّانون.

هاشم وعبد المطّلب، جعلا نفسيهما طواعية لأمر الله أن يبذلا فيه مهجتيهما وكلّ ما يملكان ليتفيّئا جنان غفران الله وظلال رضوانه.

أسأله تعالى أن يجنّبنا وساوس الشيطان ويهدينا سواء السبيل فإنّه أرحم الراحمين.

حسين الشاكري

قم المقدّسة

أوّل ذي القعدة سنة 1421 هـ

 

اسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليهما السلام)

لمّا نبعت بئر (زمزم) من أثر رفس الطفل إسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليه السلام) بقدميه من شدّة العطش - في قصّة طويلة مفصّلة سبق ذكرها في كرّاس مستقلّ من هذه السِلسِلة - وانتشر ماء زمزم وحامت الطيور على المنطقة قصدته القبائل العربيّة الرحّل للانتهال من نميره فاستوطنت عشائر جُرهم بن قحطان بن يقطن بن عيبر ابن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح، وكان نازلا بأعلى مكّة بقعيقعان في أعالي مكّة بعد حصول الموافقة من صاحبة الماء السيّدة (هاجر) زوجة إبراهيم الخليل واُمّ إسماعيل، وبعدهم جاء العماليق بعد حصولهم على الموافقة والإذن أيضاً، واستوطنوا في أسفل مكّة

فتعايشت القبيلتان معايشة سلميّة في حياة السيّدة هاجر وبعدها ردحاً من الزمن.

ولمّا شبّ إسماعيل النبيّ (عليه السلام) تزوّج امرأةً من جرهم وصار له منها أولاد، ثمّ تزوّج امرأةً من العماليق فصار له منها أولاد أيضاً، وكبر أولاد إسماعيل وهم سادات مكّة والبيت الحرام وزمزم، ولكنّ أخوالهم الجرهميين اعتدوا عليهم واستضعفوهم واستولوا على الحرم وقدسيّته، وكذلك فعل العمالقة فصاروا كفرسي رهان، وأولاد إسماعيل لا يقدرون الوقوف بوجوههم، حتّى طغى العماليق وتجبّروا وأفسدوا في الأرض، حتّى اُجلوا من الحرم بعد نزاع وحروب دامية، وبقى جرهم سيّد الموقف([3]).

وحلّ محلّهم السميدع سيّداً قطوراء، نازلا بقومه في أسفل مكّة وكلّ منهما يعشّر([4]) من مرّ بهما مجتازاً إلى الحرم([5]).

ثمّ بعد ذلك وقع نزاع بين جرهم وقطوراء، فاقتتلوا قتالا شديداً فقتل سميدع، واستوثق الأمر لمضاض وأصبح الحاكم بمكّة والبيت ولا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتشارهم بمكّة وغيرها نظراً لخؤولتهم ولعظمة البيت الحرام، أن يكون به بغي أو قتال.

ثمّ صار المُلك بعد مضاض إلى ابنه الحارث ثمّ إلى عمرو بن الحارث.

ثمّ بغت جرهم بمكّة وأكثرت فيها الفساد وألحدوا بالمسجد الحرام، فقام مضاض بن عمرو بن الحارث فيهم فقال: يا قوم احذروا البغي فإنّه لا بقاء لأهله، قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق، استخفّوا بالحرم فلم يعظّموه وتنازعوا بينهم واختلفوا] فهلكوا [فلا تستخفّوا بحقّ الحرم وحرمة بيت الله، ولا تظلموا من دخله وجاءه معظّماً لحرمته، أو جاءه بائعاً لسلعته، أو مرتغباً في جواركم، لم يسمعوا لقوله ولم يرتدعوا عن غيّهم، وقد بلغ من هتكهم لحرمة البيت، حتّى أنّ اُسافة بن بَغي، وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل، اجتمعا في الكعبة، فكان منه إليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريباً ليعتبروا بهما، فلمّا طال الزمان بعد ذلك عُبِدا من دون الله (وثنين) فكانا صنمين منصوبين يقال لهما: (اساف، ونائلة).

فلمّا أكثرت جرهم البغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم قبائل خزاعة، الذين كانوا نزلوا حول الحرم، وكانوا من

ذرّية عمرو بن عامر الذي خرج من اليمن بعد سيل العرم،  وقيل إنّ خزاعة من بني إسماعيل، فالله أعلم.

والمقصود أ نّهم اجتمعوا لحربهم، واقتتلوا قتالا شديداً. واعتزل بنو اسماعيل كلا الفريقين، فغلبت خزاعة على جرهم وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان، وأجلوهم عن البيت، فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي وهو سيّدهم إلى غزالي الكعبة وهما من ذهب، وإلى سيوف محلاّة وأشياء ثمينة اُخرى فدفنها في زمزم، وعلم زمزم أي ردمها وأهال عليه التراب حتّى ساوت مع الأرض، وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن.

وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض:

وقائلة والدمع سكب مبادر***وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا***أنيسٌ ولم يسمر بمكّة سامرُ

إلى آخر القصيدة التي ذكرها([6]).

وأصبحت خزاعة سيّدة الموقف والحاكمة على البيت الحرام فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابراً عن كابر حتّى كان آخرهم، حليل بن حبشية الذي يصل نسبه إلى عمرو بن ربيعة الخزاعي، وقد تزوّج قصي بن كلاب ابنته حُبّى، فولدت له بنيه الأربعة وهم عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزّى، وعبد القصي.

استمرّت خزاعة على ولاية البيت نحواً من ثلاثمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، والله العالم.

وكانوا مشؤومين في ولايتهم، لأ نّهم أوّل من أسّس عبادة الأوثان بالحجاز، والذي جلبها رئيسهم عمرو بن لحي الخزاعي لعنه الله إلى الجزيرة، وأوّل من دعاهم إلى ذلك، وكان ذا مال جزيل، يقال إنّه يملك عشرين ألف بعير.

قد تقدّم ما كان من أخذ جرهم ولاية البيت من بني إسماعيل وطمعوا فيهم لأ نّهم أبناء بناتهم، وما كان من توثّب خزاعة على جرهم وانتزاع ولاية البيت منهم.

قدم قصي بن كلاب مكّة وهو شاب، فتزوّج حُبَّى ابنة رئيس خزاعة حليل بن حبشية، ولمّا كبر حليل أوصى إلى قصي بولاية البيت الحرام لما رأى من فتوّته ومكارم أخلاقه، وشخصيّته القويّة، وكثرة نسله من ابنته حُبَّى، بالإضافة إلى شرف سلفه، ووسطه في قريش، قال له: أنت أحقّ بذلك منّي. وهناك قصص اُخرى مثيرة قامت بها خزاعة أعرضنا عنها روماً للاختصار. وحليل بن حبشيّة آخر من ولي البيت الحرام من خزاعة، ومنه أخذها قصي بن كلاب.

هاشم وعبد شمس:

ويهمّنا من سياق هذا الحديث هو عبد مناف بن قصي دون إخوته، فقال ابن هشام: فولد عبد مناف أربعة نفراً،

هاشم وعبد شمس توأمان والمطّلب واُمّهم عاتكة بنت مرّة بن هلال، ونوفل بن عبد مناف واُمّه واقدة بنت عمرو المازنية.

أمّا عبد شمس فقد كان ضعيف الحال وعيال على أخيه هاشم، وأمّا نوفل فكان خامل الذكر.

أمّا هاشم فكان بكر أبيه، وتلو هاشم عبد شمس، وكانا توأمين، وكانت إبهام قدم هاشم ملصقة بجبهة عبد شمس، ولا يمكن نزعها إلاّ بحدّ السيف وخروج الدم فتشائم الكهنة والعرّافة وقالوا: سيكون بينهما سيلا من الدماء، وقد حصل ذلك فعلا([7]).

ومن ذلك الحين بدأ التنافس بينهما منذ حداثة سنّهما، وسيأتي ذلك مفصّلا.

هاشم وبنوه:

ولد لهاشم أربعة ذكور، وخمسة اناث، أمّا الذكور

عبد المطّلب واسمه (شيبة)، وأسد، وأبا صيفي، ونضلة.

أمّا عمرو العلا هاشم فقد بزّ إخوانه بالشرف والمجد والسؤدد، وساد قريش وتخصّص بالرفادة والسقاية ومن بعده يأتي المطّلب.

كان هاشم غضّ الشباب، طيّب النشر، مشرق الثغر، أغرّ الجبين، صبيح الوجه، مبارك الناصية، لا تكاد تقع عليه العين حتّى تعلق به فلا تنصرف عنه، وكان لهذه الوسامة المشرقة يسمّيه الناس: (البدر).

وإذا انتهى الحديث إلى هاشم فقف منه حيث شئت، فإنّما أنت واقف إلى المفاخر البكر وإلى المآثر الغرّ، وإلى المجد المؤثّل.

ثمّ قف حيث تشاء من الأمكنة التي سعى إليها هاشم يومئذ أو طاف بها، فسترى فيه عطفاً على العاني والمكروب، وهشّاً إلى البذل والعطاء، وموئلا للمظلومين والبؤساء، أياديه توحي للمدح ما توحي، وتنطق القرائح ما تنطق.

ففي كلّ ركب حديث، وفي كلّ بلد شاد ترقّ ألحانه وتنسجم أوزانه، وتتعالى معانيه، تحبّب للناس هاشماً، وتدعو إلى احترامه وإيثاره([8]).

فإنّكم حين ترهفون السمع تستمعون إلى مدائح لا تنتهي يصوغها الشعراء قلائد في جيد كلّ خَلَف من هذا البيت.

ملوك وأبناء الملوك وسادة***تَفَلّق عنهم بيضه الطائر الصقرِ

متى تلق منهم طامحاً في عنانه***تجده على إجراء والده يجري

هاشم والرفادة:

قام هاشم بالرفادة خير قيام، بذل جلّ ماله وجهده

لإطعام الجياع في مكّة، وهشم لهم الثريد باللحم على أطعان كبيرة من الأدم([9])، ونادى فيهم المنادي، هَلُمّ إلى الرفادة، في يوم ساغب جياع، في الموسم وغيره من أيام السنة، حتّى أنّ ابن الزبغرى الذي يعتبر من الأعداء الألدّاء لهاشم استلّ منه الاعتراف بقوله:

كانت قريش بيضةٌ فتفلّقت***فالمخّ خالصها لعبد منافِ

الرايشين وليس يوجد رايش***والقائلين هَلُمَّ للأضيافِ

والخالطلين غنيّهم بفقيرهم***حتّى يعود فقيرهم كالكافِ

عمرو العلا هشم الثريد لمعشر***كانوا بمكّة مسنتين عجافِ

هذا هاشم في رفادته...

هاشم والسقاية:

أمّا في سقايته للحجيج وغيرهم، كان يحفر الآبار، ويأتي بالماء العذب ويضعه في أحواض من الأدم ويبذله للحجيج وسائر أهل الحرم.

كما حفر الأبيار العديدة قبل أن يكشف بئر زمزم ولده شيبة الحمد عبد المطّلب، امتداداً لما حفر جدّه قصي الأبيار، فلم تزل السقاية بيد عبد مناف فكان يسقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم، على الإبل في المراد والقرب ثمّ يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاجّ فينتهلوا حتّى يتفرّقوا، فكان يستعذب ذلك الماء.

وقد كان قصي حفر بمكّة آباراً فأصبح الماء بمكّة غزيراً، وكان الناس يشربون قبل ذلك من آبار خارجة من الحرم، فأوّل من حفر قصي بمكّة بيراً يقال لها العجول، وكانت الحجيج إذا قدمت مكّة يردونها فيسقون منها ويتراجزون عليها.

أروِ من العجول ثمّ انطلق***إنّ قصيّ قد وفى وقد صدق

بالشبع للحيّ وريّ المغتبق

كما حفر قصيّ أيضاً بئراً عند الردم الأعلى، ثمّ حفر هاشم بن عبد مناف (بذر) وقال حين حفرها لأجعلنّها للناس بلاغاً، وهي البير التي في حقّ المقوم ابن عبد المطّلب، وهي يقول فيها بعض ولد هاشم:

نحن حفرنا بذر***بجانب المستندر

نسقي الحجيج الأكبر

وحفر هاشم أيضاً بير سجلة، وحفر بعد ذلك شيبة الحمد بير (زمزم)، وسيأتي تفصيل ذلك في ترجمة عبد المطّلب (شيبة الحمد).

هذا ما كان من هاشم السقاية والرفادة، كما أ نّه سنّ رحلة الشتاء والصيف، وهو أوّل من فتح التبادل التجاري بين مكّة واليمن والحبشة في فصل الشتاء، كما أ نّه فتح التبادل التجاري بين مكّة والشام في الصيف، على أوسع

نطاقه كما ذكره القرآن المجيد في سورة قريش: (لإ يلافِ قُرَيْش * إ يلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)، وإذا أردنا أن نتوسّع في ترجمة هاشم لاحتجنا إلى مجلّد ضخم لعرض أمجاده، ومواهبه، وعطاياه.

كان هاشم من أشرف رجال قريش وأوسعهم ثراءً، وكان إذا أقبل الحجّاج إلى مكّة وقف خطيباً في قومه يستحثّهم على خدمة الحجيج وإطعامهم.

ومن خطبه التي ألقاها على قومه في هذا الصدد:

«يا معشر قريش إنّكم جيران الله وأهل بيته، وإنّه يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله يعظمون حرمة بيته، فهم لذلك ضيف الله، وأحقّ ضيف بالكرامة ضيف الله، وقد خصّكم الله بذلك وأكرمكم به ثمّ حفظ منكم أفضل ما حفظ جارٌ من جاره فأكرموا ضيفه وزوّاره فإنّهم يأتون من كلّ بلد ضوامر كالقداح، وقد ازحفوا وتفلوا وقملوا وأرملوا فأقروهم وأغنوهم وأعينوهم. والله لو كان مالي يتّسع لذلك لما كلّفتكم شيئاً»

بمثل هذا البيان الساحر المشرق المحكم يستحثّهم على الترادف بالمساهمة بتيسير وسائل الراحة لوفود الموسم.

فإذا أعدّ الخراج وأقبل الموسم أمر بالحياض ينقل إليها الماء من الآبار ليسقي منها الحاجّ وكان يطعم الحجاج قبل التروية بمكّة وبمنى بجمع وعرفة فيثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر، ويزوّدهم بالمياه إلى منى على قلّة الماء يومئذ، فإذا صدروا من منى فقد انتهى الموسم وتفرّق الناس وختمت الضيافة.

اُحبّ أن اُطلع القارئ الكريم على نسك هاشم وصلاحه وتأثّمه في تلك الجاهلية التي لا تتورّع من مكروه في قطع رحم أو نهب مال أو أكل حرام أو أخذ الربا، لأجتلي منه هذه الصور الإسلامية الصحيحة التي سبقت زمانها.

كان هاشم يحرص كلّ الحرص على ألاّ يقطع رحماً، ولا يظلم أحداً ويأكل مال حرام في ما يكسبه، ومن

ورعه كان أشدّ حرصاً على أن يكون المال الذي ينفقه في سبيل الله، فيطعم منه ويسقي به الحاجّ حلالا طيّباً.

ومن خطبة يقول: أسألكم بحرمة هذا البيت ألاّ يخرج منكم من ماله لكرامة زوّار بيت الله الحرام ومعونتهم إلاّ طيّباً، لم يؤخذ بظلم، ولم يقطع فيه رحم، ولم يغتصب، ولا من ربا.

وكان هاشم أوّل من أطعم الثريد باللحم بمكّة المكرّمة وكان اسمه عمرواً، وما سمّي هاشم إلاّ لهشمه الخبز بمكّة ليعمل منه ثريداً يقدّمه لكافّة حجّاج بيت الله الحرام.

وتتلخّص قصّة الكعك هذه في أنّ مكّة اُصيبت في إحدى السنوات بقحط شديد إلى درجة عزّ فيها وجود الخبز واقترب موسم الحجّ إلى بيت الله الحرام.

وخشي هاشم أن يأتي الحجّاج كعادتهم كلّ عامّ فلا يجدوا الثريد الذي اعتادوا عليه، والذي اشتهر به أهل مكّة في سائر البلاد التي كانت على دين إبراهيم (عليه السلام)، قصد هاشم بلاد الشام في قافلة كبيرة فابتاع من هناك

كمّيات هائلة من الكعك الذي كان أهل الشام بارعين في عمله... وحمّل هذه الكميّة على الإبل وعاد بها إلى مكّة.

وهشم (عمرو) ذلك الكعك كلّه هشماً وصنع منه لوناً فريداً من الثريد قدّمه إلى حجّاج بيت الله الحرام.

لذلك انبرى ابن الزبعرى بقوله:

عمرو العلا هشم الثريد لمعشر***كانوا بمكّة مسنتين عجافِ

سنت إليه الرحلتان كلاهما***سفر الشتاء ورحلة الأصيافِ

هذه نبذة عابرة عن حياة هاشم والد عبد المطّلب وجدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله).

المطّلب الغيدق:

ولا ننسى في هذا المقام أخاه وشقيقه المطّلب، الذي قام مقام أخيه هاشم في غيابه وبعد فقده، من الرفادة والسقاية لعامّة الناس وللحجيج خاصّة، حتّى لقّب

بـ (الغيدق)، واستمرّ على بذله وعطائه حتّى شبّ شيبة الحمد عبد المطّلب واشتدّ ساعده وقام مقام عمّه بعد وفاته، أمّا عمّه نوفل فقد استولى على ما تركه أخيه هاشم وكاد أن يحوزه لنفسه، لولا أن استجار عبد المطّلب بأخواله بني النجّار في يثرب، وجاؤوا مسلّحين لنجدة ابن اُختهم، وخلّصوا ما تركه هاشم من براثن عمّه نوفل في قصّة ستأتي مفصّلة، إن شاء الله في ترجمة عبد المطّلب.

ما كان هاشم نبيّاً ولا إماماً بل كان حنيفاً مسلماً يدين لله بدين جدّه إبراهيم (عليه السلام)، وما كان مشركاً ولا انحنى لوثن، كذلك كان آباؤه الطاهرون موحّدون، ينتقل من صلب شامخ إلى رحم طاهر، كما قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد لنبيّه الكريم: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) لتجري عليه نواميس الحياة، وتعدّه للنضج والكمال، لتنتقل به في مراحل طبيعية من صلب قصي، إلى عبد مناف، إلى هاشم، إلى (شيبة الحمد)

عبد المطّلب، إلى عبد الله، فيولد النبيّ الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله)وإلى (عبد مناف) أبو طالب فيولد وصيّه والإمام من بعده، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

وكذلك يتقلّبون في مدارج التطوّر والنضج، لخلق زعامات ومراتب كريمة، كابراً عن كابر، من الإعداد التكاملي الهادي التي شعّت بنور النبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله)والإمامة الكبرى على أمير المؤمنين وأبنائهما المنتجبين.

كانت النبوّة والإمامة توأمين متحابّين يتسايران معاً في مدارج هذه الأصلاب الشامخة، والأرحام الطاهرة، حتّى انتهيا إلى صلب (شيبة الحمد) عبد المطّلب، ثمّ اُودعتا في بنيه - وكلّ أبنائه سراة - فوزّعتا بأمر الله وتقديره في صلب عبد الله فكان محمّد (صلى الله عليه وآله)، وفي صلب (عبد مناف) أبي طالب (عليه السلام) فكان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما ولدتني بغي قطّ منذ كنت في صلب آدم (عليه السلام)، فلم تزل تنازعني الاُمم كابراً عن كابر

حتّى خرجت في أفضل حيّين من العرب: هاشم وزهرة».

كان هاشم يستمدّ من أرواح النبوّة والإمامة مجتمعين له في هذه المرحلة عطفه على ذلك البلد الجديب مكّة، وعلى ذلك الوادي الممحل، وعلى تلك النفوس الشقيّة البائسة، فيأخذ على نفسه أن ينشئ في البلد خصباً، وفي الوادي نماءً، وفي النفوس سعادة وهناءً.

وفي هاشم تجسّدت صورة الإسلام الصادقة التي سبقت زمانها، فإنّ أعمال هاشم، وعقله، وهداه، وأخلاقه، وحياته كلّها، كانت نواة صالحة، تفتّقت عنها أكمام النبوّة، وبراعم الإمامة، وقد اخضرّت هذه النواة، وأفرعت، وآتت اُكلها الطيّب وثمرها اليانع. وأشرقت لها الحياة، وأنِسَت بها الإنسانية وازدهرت منها الحضارة، وليس غريباً أن ترى في هاشم هذه الصورة، ما دام نواة لهذه الأسرار.

ولا بدّ لهاشم وهو يحمل نور محمّد (صلى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السلام) أن يكون اُمّةً وحده، ممتازاً بخلقه وأخلاقه وآفاقه.

هذا هاشم في نفسه، وإذا رأينا هاشماً على هذا النحو كان لنا أن نقول: إنّ من عسف الأيام أن يوضع هاشم في كفّة تقابلها كفّة فيها اُميّة العاهر، الذميم خُلقاً وخِلقةً وسوء فعال، وسيأتيك ذكره المشؤوم وعبوديّته لعبد شمس.

قال الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في خطبته الشقشقية: متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم حتّى صرت اُقرن إلى هذه النظائر، وهذا من هوان الدنيا على الله.

لم يكتفِ هاشم إلى ما بلغه في مكّة وبين قريش وسائر القبائل العربية في الجزيرة، من الجاه والبسطة والنفوذ فيقف عندها، ولم يقف عند بلوغه رفادة الحاجّ وسقايته حين انتهتا إليها، بل كان توّاقاً إلى أبعد من ذلك وإلى ما ورائهما من وجوه الخير والإصلاح ومعاني التجديد والتقدّم والمكارم.

فقد كان يطوف به طائف من نفسه يدعوه أن يخرج

من عسر هذه الحياة إلى يسر، ومن ضيق هذا العيش إلى سعة، فما بال قريش ترضى بهذا الانكماش، يخافون أن تمتدّ إليهم الذئاب إذا همّوا بالخروج إلى تشوّف ألوان الحياة، بعيدين عن ليالي الشعاب، ونهارات البطاح، فيظلّون جامدين على هذا النوع من الحياة، لا يحيدون عنه.

كان طبيعياً أن يظفر هاشم بهذه العظمة، وينتهي بمكارمه إلى هذه المكانة المرموقة يسود بها العرب غير مدافع، فإنّ حياة هاشم الغضّة الطريّة، القصيرة بمقدارها، الطويلة الكبيرة بكيفيّتها الحافلة، التي تفيض بألوان البرّ ومكارم الأخلاق والتجديد في حياة قريش التي كانت حبيسة في مكّة، بعيدة عن الامتزاج والتواصل، وعن الأسفار وضرب آباط الإبل في وجوه الأرض، قانعة بما يفد إليها من سلع وبما يمرّ بها من بضائع.

وعظمة هاشم تتجلّى في هذا التجديد والابتكار إلى عمل مجد أعظم منها في برّه وإحسانه، وفي هشمه الثريد

وإطعامه الحجيج، وردّه المظالم عن العانين والمكروبين.

على أنّ هذه العظمة مظاهر الإنسانية الرفيعة لها جلالها ولها قيمتها في ذاتها.

ولكن عبقرية العظمة أظهر ما تكون بهذا الفكر المبتدع وبهذه النفس الخلاّقة التي تخرج بقومها من الضيق إلى السعة، ومن البؤس والشقاء إلى السعادة، ومن القلّة إلى الوفرة.

رحلة الشتاء والصيف:

ومن أجل ذلك سنّ لقريش رحلتي الشتاء والصيف، حتّى إذا أيفع (صقر قريش) وضاقت نفسه بهذا العيش المحدود ابتدع فكره الولود طرقاً انداحت له كما يريد، وابتكر لقريش وسائل جديدة للتجارة والرفادة يوغلون بها يميناً وشمالا فيعودون موقّرين حقائب وأجمالا.

يقول عبد الله بن العبّاس: والله لقد علمت قريش أنّ أوّل من أخذ الإيلاف وأجاز لها العيرات لهاشم،

وما شهدت قريش رحالا بسفر، ولا أناخت بحضر، إلاّ بهاشم. والله إنّ أوّل من سقى بمكّة ماءً عذباً وجعل باب الكعبة ذهباً إلاّ عبد المطّلب([10]).

هاشم وقيصر:

وكان هاشم سبباً في اتّصال المودّة مع القيصر، فإنّ قيصر حين بلغه عن هاشم ما بلغه دعاه إليه وكلّمه فاُعجب به([11]) وأحبّه وكان هاشم حصيفاً متّزناً في اُبّهة الكرامة والعزّة، وسحره ببيانه واستولى عليه بسلطان عقله وحديثه، فيصل إليه ما يريد.

وقال له مرّة وهما يتحادثان: لعلّك - أ يّها الملك - تتّسع لقريش تختلف بمتاجرها إلى هذه البلدة الغنيّة، فتصارف رعاياك بما تحمل إليهم ما تحتاج إليه

ممّا عندهم فتصيب التجّار في بلدك بعض الربح المتبادل.

ولعلّك - أ يّها الملك - تربح من معنويات هؤلاء الوافدين أكثر ممّا تربح رعيّتك من مادّياتهم، فإنّ لقريش جاهاً في العرب وسلطاناً تستحقّ بهما أن تختصّها ببعض الودّ، ولقريش من الوفاء - رعاك الله - وعرفان الجميل ما تستطيع أن تعتمد عليه وتثق به.

ولعلّ قريشاً - أ يّها الملك - في نفسها وفي وسطها من العرب ومن التجارة مستحقّه، وإنّ تميّزها في هذا الاحتلاف (بحلف) مكتوب بينك وبينها، يخوّلها الإلمام بهذه الأسواق، مطمئنّة آمنة.

وكان قيصر يصغي إلى هاشم مأخوذاً بمنطق حديثه، وقد اقتنع بفكرة سياسية قد تعينه على مزاحمة كسرى بهذه المعاهدة فكتب حلفاً يعطي قريشاً طلبات هاشم، منها أن يتوسّط إلى النجاشي أيضاً أن يسمح لقريش بالاتجار في الحبشة، ويعقد معها حلفاً كحلفه.

وتسفر شمس مكّة عن صباح مشرق، يحمل لأهلها

من الأيدي والكرامة، ومن الحياة والمَنعة ما حمل أهل مكّة أن تقذف بأبنائها للاستهلال بـ (قمر قريش) في موكبه الهادف، كما يزحف الغيث إلى الأرض الجرداء لتعشب من آفاقه بالخير والريّ والحياة فيكلّل النفوس بالبِشر والبشاشة ويطلها بالبرّ والندى.

الحقّ أنّ هاشماً عبقري مشبوب الجذوة محكم الري، لأنّ قيصر إذا جاز لقريش أن تختلف إلى الشام، وتوسّط لها أن تختلف إلى الحبشة، فمن يمنع هذه القبائل الممتدّة في الصحراء أن تملك الطرق على هذه التجارة، فتستلب أعيانها وأموالها، أو تلتحم مع حرّاسها بمعارك تجعل التجارة جحيماً، والأسفار عذاباً، بعكس الغرض الذي يرمي إليه هاشم، من اليسار لقريش في أمن وراحة، إذاً فعليه أن يضمن سلامة القوافل والعير في مسيرها بين الحجاز والشام، وبين مسيرها من الحجاز واليمن والحبشة ذاهبة وراجعة، إنّ لعقله الموهوب تدابير يقود الاُمور سَلِسَة طيّعة، وبه كان صاحب الإيلاف - أي الائتلاف - الضامن الذي منّ الله به على قريش في سورة قريش.

بهذا التدبير الحكيم استنّ هاشم رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة، ورحلة الصيف إلى الشام، وربما جاوزها إلى أنقرة ومنطقة الأتراك.

فأشرك في التجارة ملوك الروم في الشام، والعباهلة ملوك اليمن، واليكسوم ملوك الحبشة، وجعل لهم نصيباً من الربح، كما كان يسوق لهم إبلا مع إبله ليخفّف عنهم مؤونة الأسفار، ويشترط عليهم لقاء ذلك حفظ القوافل وأمان التجارة.

ثمّ اتّجه بعد ذلك إلى القبائل والأحياء المنبثّة في الصحراء، فإذا به يتّفق معهم على الأمان والسلامة بأن يحمل لهم بضائعهم بلا كراء.

بهذا الحلف والنظام حوّل هاشم مسبعة الطريق الضارية إلى أمن ودعة، وبدّل تهاويل الصحراء الفاتكة إلى طمأنينة واستقرار.

هذه الأحداث المجدّدة اشتقّت بمعجزة هاشم من جدب مكّة خصباً نامياً مزدهراً، وهو لم يزل في غرارة عمره، فقد اختار الله هاشماً وهو في خضمّ هذا الجهاد، عن عمر أعلى رواية تقول إنّه كان خمساً وعشرين ربيعاً، وأبناء هذا العمر الغضّ ممّن تعرف ويعرفه الناس يظنّون أ نّهم لا يزالون أغرار، فلا تطمع بهم النفوس.

فقد مات هاشم في إحدى رحلاته إلى الشام، اُصيب بوعكة في (غزّة) بفلسطين أودت بحياته، فسلام عليه يوم وُلد ويوم جاهد وأبدع، ويوم يُبعث حيّاً ليلتحق بالصالحين من عباده المؤمنين.

وفي الواقع إنّ من يسمع بحدث هاشم ومآتيه من غير أن يعلم بحقيقة عمره، لا يصدّق، بل يصوّره في الذهن أ نّه شيخ مديد العمر الذي ناء بأعباء السنين، واحتقب الأعوام.

هذا فضل هاشم من الناحية الفكرية ومن حيث الجدوى والعمل. وإذا تجاوزنا هذه الناحية الخلاّقة المجدية فإلى هاشم ترجع المكارم ومن ناحيته ينبعث الحيا فيمطر الهلكى، فإذا نفوسهم مخضرّة وآمالهم معشبة وواديهم خصيب.

أعود من حيث أسهب بي القلم.

كانت مناصب قريش في عبد الدار بكر أبيه قصي حيث عوّضه بها عن خمول ذكره([12])، ليلحقه بإخوانه الذين شرفوا عليه وتقدّموا، ثمّ أورثها هو أبناءه فكانت لهم السقاية، والرفادة، والحجابة، واللواء، والندوة، ومع كلّ ذلك فلم تكن أمر مكّة وقريش لهم وإنّما كانت السيادة لعبد مناف([13]).

ومهما يكن من الأمر فإنّ هاشماً لم يجد جدارة عند بني عبد الدار لإدارة هذه المناصب الرفيعة في قريش، ولم يجدهم اُمناء على القيام بأعباء هذه الوظائف([14]).

فقام - من أجل ذلك - بدفعهم عنها ليحقّق أمانيه في

أدائها وتنظيم الحياة على نحو يرجو أن تكون هذه الأحياء الكريمة من قريش في بلد كريم في مكّة.

حلف المطيّبين وحلف لعقة الدم:

وفي يوم من أيّامه المحجلة المباركة يجمع هاشم إخوانه المطّلب، وعبد شمس، ونوفل([15]) يدعوهم للتساند في طلب السقاية والرفادة واللواء والندوة والحجابة، والحجّة في استيلائهم على ذلك أنّ لهم الفضل والتقدّم والوجاهة في قومهم، ولأ نّهم أعرف بتوجيهها وأحقّ بها من بني عبد الدار، الذي عجز العبدريون عن أدائها، ولكنّهم أبو الاعتزال وأصرّوا على التمسّك بما لديهم، وكان لا بدّ للإلحاح المتبادل أن يفضي إلى النزاع.

فتنشقّ مكّة إلى صفّين بل إلى ثلاثة صفوف، فأمّا الصفّ الأوّل المطالب يتألّف من بني عبد مناف وأحلافهم بني زهرة وبني أسد وبني تيم، وبني الحارث وقد عرفوا بالمطيّبين لأ نّهم أخرجوا جفنة ملأوها عطراً فغمسوا بها أيديهم وتحالفوا على التساند.

وأمّا الصفّ الثاني المستأثر، ويتأ لّف من بني عبد الدار وأحلافهم من بني مخزوم، وسهم، وجمح، وعدي، وقد عرفوا بالأحلاف، وبلعقة الدم، لأ نّهم أخرجوا جفنة ملأوها دماً فغمسوا أيديهم بها وتحالفوا على التساند.

وأمّا الصفّ الثالث الذي آثر السلامة ورأى الحياد أبقى له وأضمن لوداد الجميع، ويؤلّف هذا الصفّ بنو عامر وبنو محارب.

عبّأ كلّ صفّ من صفّي النزاع أحلافهم للقتال وفيما هم يدلفون إلى الحرب أو كادوا، أذّن مؤذّن فيهم بالصلح فتداعى القومان، وتراضيا على أن ينال بنو عبد مناف

السقاية والرفادة، ويبقى في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة.

ومن المتعيّن أن يتقلّد وزارتي السقاية والرفادة من بني عبد مناف هاشم، لأ نّه مجدهم وسيّدهم، وإذا صحّ أن يعارض من بني أبيه أحد فهو المطّلب (فيض قريش) ونداها السمح الكريم، ولكن فيض قريش من الأدب وعرفان مقام أخيه بمكان التسليم له والخضوع إليه، وقد وليهما بعده مدّة طفولة شيبة الحمد عبد المطّلب، ثمّ أرجعهما إليه حين شبّ واشتدّ ساعده.

أمّا عبد شمس فقد كان ذا إقلال، وكان عيالا على أخيه هاشم يضمنه وينفق عليه، فلا يستطيع في هذا الحال أن يصبو إلى نزاعه، وأمّا نوفل فأهون بأمره عن أمر أخيه.

قام هاشم بأمر هاتين الوزارتين واستعدّ لحمل هذا الواجب، يعدّ لهما إدارة صالحة يستقيم عليها مجد قريش وترجع بها حميدة مشكورة خاصّة إذا أقبل الحجيج على

ضامر من كلّ فجٍّ عميق.

فكان هاشم يفرض على قريش جعلا رقيقاً هو أشبه ما يكون بالتخيير منه بالتكليف، والأمر أن يجبوا إليه من أموالهم الطاهرة الطيّبة، ما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام من الربا.

أجمع المؤرّخون على أنّ الله امتحن أهالي مكّة بسنوات عجاف كسني يوسف، فقد أكلت الأخضر واليابس، وأرهقت من أمرهم عسراً، فخلت البيوت ممّا فيها من قوت، والجيوب ممّا يسدّ الرمق، فهبّ عند ذلك هاشم وحده ونهض بهذا العبء يمدّ المجاعة بالشبع، والفقر بالغنى، فأصحر إلى الشام عجلا، لا يتريّث تعباً حتّى إذا بلغها تحمّل من البر وشحن ما شاء أن يشحن ممّا يحتاج إليه الناس، وعاد كما جاء مسرعاً يصل نهاره بليله حتّى إذا بلغ مكّة أمر الطهاة أن يعدّوا الخبز، والجزّارين أن يهيّؤوا اللحم لهذه القصاع الكريمة، ويجعل الطعام أكواماً، ينثال عليها الناس من كلّ حدب وصوب ثمّ يصدّون عنها شبعاً.

هذه من عُلاه إحدى المعالي***وعلى هذه فقِس ما سواها

هكذا أوسع هاشم قريشاً وردّ لها رونق الحياة بعد الذبول.

زواج هاشم:

وفي إحدى رحلاته التجارية مرّ هاشم بن عبد مناف بحيّ بني النجّار في يثرب (المدينة المنوّرة) فرأى فتاة رائعة الجمال، وتلاقت عيونهما لبضع لحظات، لكنّها كانت آسرة لقلب (أمير قريش). وسأل عن تلك الفتاة، علم أنّ اسمها (سلمى) وأ نّها ابنة عمرو بن عدي بن النجّار من سادات الخزرج، حينما تقدّم هاشم لخطبتها اشترطت وأهلها أن يقيم هاشم في ديارهم معها، واشترطوا أ نّه لو أنجب منها أطفالا يظلّون مع اُمّهم سلمى وقومها بيثرب.

ولفرط جمال سلمى، وقوّة شخصيّتها، رضى هاشم بكلّ الشروط.

وكانت سلمى من الخزرج، وأصلهم من اليمن ومن سبأ التي اشتهر نساؤها بالجمال، وفتنة العيون، وكانت منهن بلقِيس ملكة سبأ التي تزوّجها النبيّ سليمان (عليه السلام)في قصّة مفصّلة ذكرها القرآن الكريم.

ويقول المؤرّخون بسبب هذا النسب، رحّب ملك اليمن (سيف بن ذي يزن) بعبد المطّلب بن هاشم حين وفد عليه من قريش، قائلا له: مرحباً بابن اُختنا.

سافر هاشم بسلمى إلى مكّة ثمّ إلى الشام.

ولادة شيبة الحمد:

وحملت سلمى، فلمّا اقترب أوان وضعها احترم هاشم الوعد الذي قطعه على نفسه، بأن يقيم أبناؤها منه عند قومها فعاد بها إلى يثرب - المدينة - لكي تضع مولودها هناك.

ولد مولدها البكر ذكراً، وكان غزير الشعر، ناعماً حالك السواد، به خصلة صغيرة ناصعة البياض، ومن أجل هذه الخصلة البيضاء من شعره، أطلقت عليه اُمّه اسم (شيبة)...

وترك هاشم ابنه شيبة الحمد مع اُمّه ثمّ سافر في رحلة تجارية إلى الشام... فمرض في مدينة غزّة - بفلسطين - ووافاه الأجل المحتوم هناك بعيداً عن قومه وعن زوجته وابنه الرضيع.

لم تتزوّج سلمى بعد موته على الرغم من شبابها وجمالها وحسبها ونسبها.. وكرّست كلّ حياتها ترعى ابنهاالحبيب شيبة.

وبلغ شيبة الثامنة أو التاسعة من عمره، وهو في رعاية اُمّه سلمى ابنة عمرو بن عديّ.

وكانت اُمّه العظيمة تحدِّثه دائماً عن أبيه هاشم سيّد قريش وعن أمجاده وكرمه وعظمته شأنها في ذلك شأن كلّ زوجة أصيلة تقدِّر زوجها حقّ قدره، وتحفظه في محضره ومغيبه.

وفي أحد الأيام مرّ رجل من بني الحارث في حي بني النجار من طرقات مدينة يثرب فرأى غلامين يتشاجران. وإذا به يسمع أحدهما يقول للآخر في اعتزاز:

ـ من أنت؟ أنا ابن هاشم سيّد قريش وسيّد البطحاء ! أنا ابن هاشم الثريد للحجّاج..

وما كاد الرجل يسمع ذلك حتّى اقترب من الغلام وسأله:

ـ ماذا قلت؟ !.. ومن أنت؟..

قال له الغلام:

ـ أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف.. لقد مات أبي في مدينة غزّة بالشام..

وعاد الرجل إلى مكّة وقابل المطّلب أخا هاشم وشقيقه عمّ ذلك الغلام وقال له:

ـ قدمت لتوّي من يثرب.. وقد رأيت هناك ابن أخيك هاشم..

وسأله المطّلب في دهش:

ـ ابن أخي؟ !

قال له:

ـ نعم.. لقد سمعته يتباهى أمام غلام آخر قائلا: أنا ابن هاشم سيّد البطحاء وسيّد قريش.. أنا ابن هاشم الثريد للحجّاج !

وما كاد المطّلب يسمع ذلك حتّى قال:

ـ سأذهب إلى يثرب ووالله لن أرجع إلى أهلي حتّى آتي بابن أخي هاشم.

وقال له الحارثي:

إن كان الأمر كذلك فهذه ناقتي وأنت تعرف سرعتها لقد تركتها بالفناء فاركبها وانطلق بها إلى يثرب..

وانطلق المطّلب بالناقة إلى يثرب..

ولمّا وصل يثرب ودخل حيّ بني النجّار وجد

بعض الغلمان يلعبون، فتفرّسهم، وإذا به يعرف ابن أخيه لأ نّه كان يشبه أباه هاشم شبهاً كبيراً..

ونادى الغلام ثمّ سأله:

ـ هل أنت ابن هاشم؟

قال الغلام بفخر:

ـ نعم.. أنا ابن هاشم سيّد البطحاء وسيّد قريش، وهاشم الثريد للحجّاج..

واندفعت الدموع إلى عيني المطّلب وفتح ذراعيه للغلام وهو يقول له:

ـ أنا عمّك.. أنا شقيق أبيك..

وقال الغلام وهو يكاد يبكي فرحاً:

ـ لقد حدّثني قلبي بأ نّك من ريح أبي !

واندفع الغلام إلى صدر عمّه الذي احتضنه في قوّة وصار يقبّل رأسه ووجهه وكلاهما يبكي تأثّراً لهذا اللقاء حتّى اختلطت دموعهما..

وقال العمّ:

ـ سآخذك معي إلى مكّة..

فقال شيبة: أتمنّى ذلك بشرط موافقة اُمّي.

قابل المطلب السيّدة سلمى اُمّ ابن أخيه وما زال بها حتّى أرسلت معه الغلام وأذنت له بأن يصحبه إلى مكّة..

وأردفه المطّلب على ناقته، ولمّا عاد به إلى مكّة كثر تساؤل الناس عن ذلك الغلام، فخشي المطّلب عليه من الحسد، فكان يقول لكلّ من يسأله عنه:

ـ هذا عبدٌ لي..

ولم يقل ابن أخي هاشم وإنّ اسمه شيبة..

وبذلك اشتهر ابن هاشم باسم: (عبد المطّلب).

ولكنّ عمّه لم يلبث طويلا حتّى أعلن على الملأ حقيقة الأمر وقرابته له..

وعلم أهل مكّة أنّ ذلك الغلام ابن هاشم ذلك الرجل العظيم الذي كان بحقّ سيّد البطحاء.. وسيّد قريش وفخرها، والذي رفع ذكر أهل مكّة لدى جميع الحجّاج الذين كانوا يتوافدون على مكّة من كافة أنحاء جزيرة

العرب ليطوفوا بالكعبة التي بناها جدّهم ابراهيم وابنه اسماعيل، وحقّق الله سبحانه وتعالى اُمنية إبراهيم حينما دعاه أن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليه وإلى وذرّيته وأن يرزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون.

كما حقّق الله جلّت قدرته اُمنية إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربّه قائلا:

(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ * رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)([16]).

ولذلك فإنّ النخبة المختارة من ذرّية إبراهيم وإسماعيل كانوا عازفين عن عبادة الأصنام، ولذلك كان أبو طالب بن عبد المطّلب أعظم سند وأقوى حام لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد أن مات جدّه عبد المطّلب بن هاشم.

وكانت السيّدة آمنة بنت وهب اُمّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) والسيّدة

فاطمة بنت أسد والسيّدة خديجة بنت خويلد يلتقين بنسبهن في اُصول الدوحة الكريمة من نفس الأرومة العظيمة النبيلة. كنّ من المؤمنات بفاطر السماوات والأرض وكنّ يحتقرن ويكفرن بعبادة الأصنام ; لأ نّهن كنّ على دين إبراهيم الخليل.

هاشم بن عبد مناف:

كان هاشم بن عبد مناف - كما قدّمنا - من أكبر وأعظم تجّار قريش، ولمّا مات بمدينة غزّة خلَّف ثروة واسعة..

وتولّى أخوه نوفل بن عبد مناف إدارة الإرث الذي خلّفه هاشم بعد وفاته. وذلك لأنّ ابنه (شيبة).. أو (عبد المطلب) كان عند اُمّه في يثرب ولا يعرف أهل مكّة عنه أو عن أحقّيته في ميراث أبيه شيئاً..

ولمّا عاد به عمّه المطّلب إلى مكّة ثمّ أعلن على الملأ قرابته.. أصبح محتّماً على عمّه نوفل أن يردّ عليه ما كان يستحقّه من ميراث أبيه هاشم بن عبد مناف..

استنجاد شيبة بأخواله:

ولكنّ نوفل بن عبد مناف ماطل في ذلك بحجّة أنّ الغلام لم يبلغ بعد سنّ الرشد..

ولمّا يئس عبد المطّلب من الحصول على حقوقه من نوفل بن عبد مناف كلّف رسولا من قِبله ليذهب إلى أخواله أشقّاء اُمّه سلمى بنت عمرو النجارية يستنصرهم على عمّه نوفل بعد موت المطّلب.

وبعث عبد المطّلب بن هاشم مع الرسول كتاباً صاغه شعراً وتضمّن قصيدة طويلة نختار منها الأبيات التالية التي تدلّ دلالة قاطعة على بلاغته وفصاحته.

كتب عبد المطلب في رسالته:

قد كنتُ فيكم ولا أخشى ظُلامة ذي***ظلم عزيزاً منيعاً ناعمَ البالِ

فغاب مطّلبٌ في قعر مظلمة([17])***وقام نوفل كي يعدو على مالي

فاستنفروا وامنعوا ضيمَ ابنِ اُختكم***لا تخذلوه وما أنتم بخذّالِ

وما كادت تصل هذه الرسالة الشعرية إلى اُمّه سلمى وأخواله حتّى خفّوا لنجدته، فسافر إلى مكّة ثمانون رجلا من الأبطال الصناديد، وكانوا مسلّحين بأقوى وأمضى الأسلحة المعروفة في ذلك الوقت.

وعسكر جانبٌ منهم بفناء الكعبة..

وذهب الجانب الآخر وأحضروا عمّه نوفل بن عبد مناف. فما كاد يرى هؤلاء الرجال حتّى علم أ نّهم جاؤوا لنصرة ابن اُختهم، قال لهم:

ـ أنعموا صباحاً !

وبعد المذاكرة، قالوا لنوفل بن عبد مناف:

ـ عليك أن تنصف ابن اختنا من ظُلامته.

وإذ ذاك قال نوفل:

ـ سأفعل ذلك بالحبّ لكم والكرامة !

وأشهد الرجال على نوفل مشيخة قريش بذلك فردّ

نوفل على ابن أخيه عبد المطّلب جميع حقوقه وكافّة ما كان يستحقّه من أبيه هاشم بن عبد مناف.

وعاد أخواله إلى يثرب - المدينة المنوّرة - قريري العين، لكي يُطمئنوا اُمّه سلمى بأ نّهم نصروا ابنها واستردّوا حقوقه.

* * *

وعظُم شأن عبد المطّلب بن هاشم في قريش بعد تلك الواقعة.. وإنّه جدير بهذا التعظيم للصفات الحميدة التي يتحلّى بها.

وآل له ما كان لمن قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة..

ومكّنته شخصيّته القويّة من أن يصبح أشرف رجال قومه وأعظمهم خطراً وأرفعهم مكانة.

حلم حفر زمزم:

الحلم الذي رآه عبد المطلب بن هاشم عن المكان

الذي يجب أن يحفر فيه لكي يهتدي إلى عين زمزم التي ردمها بنو جُرهم وأضاعوا معالمها كما سبق ذكره.

ولهذا الحلم قصّة طريفة أيّدها جميع المؤرّخين ولا تخلو من العبرة والعِظة..

وهذا الحلم، أو تلك الرؤيا بتعبير أدقّ، ذكرها المؤرّخ ابن إسحاق وأكّد أنّ مصدرها الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال عبد المطّلب بن هاشم:

«إنّي لنائمٌ في الحجر إذ أتى آت فقال لي: احفُر طيبة([18]).

وسألته: وما طيبة؟

ولم يجبني.. ثمّ ذهب عنّي..

ولمّا كان الغد.. رجعت إلى مضجعي فنمتُ فجاءني

فقال لي: احفر برّة ! ([19])

وسألته: وما بَرّة؟

ولم يجبني.. ثمّ ذهب عنّي..

فلمّا كان اليوم التالي رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال لي:

ـ احفر المضنونة ! ([20])

فسألته: وما المضنونة؟

فلم يجبني أيضاً، ثمّ ذهب عنّي !

ولمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني ذلك الهاتف وقال لي:

ـ احفر زمزم !

فسألته: وما زمزم؟

قال لي: لا تنزف([21]) أبداً ولا تُذَمّ([22]). تسقي الحجيح الأعظم. وهي عند الفَرْت والدم. عند نقرةِ الغرابِ الأعصم([23]) عند قرية النمل»

ومعنى «الفرت والدم» أنّ ماؤها طعام طُعم، أي شراب وطعام مثل اللبن الذي يخرج من بين فرت ودم كما قال الله سبحانه في سورة النحل، إذ قال جلّت قدرته في الآية الكريمة السادسة والستّين من هذه السورة:

(وَإنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَـيْنِ فَرْث وَدَم لَـبَـناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ)([24]).

صدق الله العظيم

وبمعنى آخر بين صنمي أساف ونائلة اللذين ينحر عندهما ويتراكم الفرت والدم.

أمّا قرية النمل فقد ورد في كتاب (الروض الآنف) أنّ المقصود منها أنّ زمزمُ هي عين مكّة المكرّمة التي يُقبل عليها الحجّاج من كلّ حَدب وصَوب ويحملون إليها مختلف الحبوب كالشعير والقمح وغير ذلك. ومكّة لا تحرث ولا تزرع مثلها في ذلك مثل قرية النمل التي لا تحرث ولا تبذر وتجلب الحبوب إلى قريتها من كلّ جانب.

ويقول ابن إسحاق:

«فلمّا بُيِّن لعبد المطلب بن هاشم شأنُ زمزم ودُلّ على موضعها وعرف أ نّه قد صُدِق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب - ولم يكن له يومئذ ولدٌ غيره - فحفر فيها فلمّا بدا لعبد المطّلب بن هاشم الطيّ([25]) قال:

الله أكبر.. الله أكبر».

ويستمرّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في سرد قصّة العثور على بئر زمزم فيقول باُسلوبه الفائق البلاغة:

«فعرفت قريش أ نّه قد أدرك حاجته. فقاموا إليه فقالوا:

ـ يا عبد المطلب ! إنّها بئر أبينا إسماعيل! وإنّ لنا فيها حقّاً فأشركنا معك فيها..

قال عبد المطلب: ما أنا بفاعل. إنّ هذا الامر قد خُصِصْتُ به دونكم واُعطيته من بينكم..

قال قائل منهم: أنصفنا فإنّا غير تاركيك حتّى نخاصمك فيها !

قال عبد المطّلب: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم اُحاكمكم إليه..

قالوا: كاهنة بني سعد هُذَيم.. قال: نعم..

وكانت هذه الكاهنة بأشراف الشام([26]).

وركب عبد المطّلب ومعه نفر من بني عبد مناف وركب من كلّ قبيلة من قريش نفر.

وخرجوا.. حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز([27]) بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطّلب وأصحابه.. فظَمِئوا حتّى أيقنوا بالهلكة. وسأل عبد المطّلب أصحابه: ماذا ترَوْن؟

قالوا له: ما رأينا إلاّ تبعٌ لرأيك، فمُرنا بما شئت.

قال عبد المطّلب: إنّي أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته (أي قبره) بما لكم الآن من قوّة.. فكلّما مات رجلٌ دفعه أصحابه في حفرته ثمّ وارَوه حتّى يكون آخركم رجلا واحداً. فضيعة رجل واحد أيسرُ من ضيعة ركب جميعاً.

قالوا له: نِعمَ ما أمرت به. وقام كلّ واحد منهم فحفر حفرته (التي سيدفن فيها).

ثمّ قعدوا جميعاً ينتظرون الموت عطشاً، وهو أقسى ألوان الموت !

وفجأةً نهض عبد المطّلب بن هاشم وقال لأصحابه:

ـ والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت.. لا نضرب في الأرض.. ولا نبتغي لأنفسنا لَعَجْز ! فعسى الله تعالى أن يرزقنا ماءَ بعض هذه البلاد.. ارتحلوا..

وصدعوا لأمره فارتحلوا..

وتقدّم عبد المطّلب إلى راحلته فركبها فلمّا انطلقت به انفجرت من تحت خفّها عينٌ من ماء عذب !

وكبّر عبد المطّلب، وكبّر أصحابه، ثمّ نزل عن راحلته وشرب، وشرب أصحابه ودعا القبائل من قريش قائلا:

ـ هلمّوا إلى الماء ! لقد سقانا الله تعالى، فاشربوا واستقوا..

ولمّا شربوا قالوا له: والله قُضِيَ لكَ علينا يا عبد المطّلب ! والله لا نخاصمك في زمزم أبداً.. إنّ الله تعالى

الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة([28]) هو الذي سقاك زمزم.  فارجع إلى سقايتك راشداً..

وعَدَلوا عن الذهاب إلى تلك الكاهنة..

وعادوا جميعاً إلى مكّة المكرّمة..

* * *

هذه رواية اُخرى لابن إسحاق عن بئر زمزم وعبد المطّلب بن هاشم.. وقد نقلها كما يقول عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

ولمّا همّ عبد المطّلب بالحفر حيث كان ينقر الغراب تكاثر عليه نفرٌ من قريش وقالوا له:

ـ والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما..

ولم يكترث لهم عبد المطّلب وقال لابنه الحارث:

ـ ذُد عنّي حتّى أحفر.. فوالله لأمضين لما اُمرت به.

ولمّا وجدوه مصمّماً على ذلك تركوه، فلم يحفر إلاّ

قليلا حتّى بدا له الطيّ فقال:

ـ الله أكبر.. الله أكبر.

وواصل عبد المطّلب الحفر. وعثر على غزالين من الذهب الخالص كانا مطمورين في التراب الذي يحفّ فوهة البئر.

وكان هذان الغزالان الذهبيان قد دفنهما بنو جُرهم قبيل هروبهم من مكّة، كما سبق ذكره.

ووجد عبد المطّلب أيضاً عدداً كبيراً من الأسياف والأدراع.

ورضخ الجميع لهذه النتيجة.

أمّا عبد المطّلب فقد اتّخذ من الأسياف وذهب الغزالين حِلية لباب الكعبة. فكانت أوّل حِلية من ذهب حُليت بها الكعبة الشريفة.

وأقام عبد المطّلب بن هاشم بعد ذلك سقاية ماء زمزم للحجّاج.

* * *

وأصبح عبد المطّلب بن هاشم كبير قريش وأميرها.

وكان رغم قوّته كريماً متواضعاً مقيماً للعدل ناصراً للفقراء والضعفاء والمساكين.

وقد مدحه الشعراء كثيراً. ومنهم الشاعر حذيفة بن تمام الذي قال عنه:

ساقي الحجيج ثمّ للخَير هاشمٌ***وعبد مناف ذلك السيّد الغَمرِ([29])

طوَى زمزماً عند المقام فأصبحت***سقايتُه فخراً على كلّ ذي فخرِ

الشرف الأكبر:

لقد أكرم الله سبحانه وتعالى عبد المطّلب بن هاشم حين هداه إلى بئر زمزم، وأكرمه حين أسبغ عليه تلك الأخلاق الكريمة والخصال السامية التي جعلت منه سيّداً

وأميراً لقريش.. أو للنخبة المختارة من وِلد إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام.

ولكن الشرف الأكبر الذي حظي به عبد المطّلب بن هاشم هو أ نّه كان جدّاً لسيّد الخلق محمّد (صلى الله عليه وسلم) وللإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

وذلك علاوة على أنّ هذه الدوحة الكريمة أنجبت الكثيرين من عظماء الإسلام مثل العباس وحمزة والحسن والحسين أبناء عليّ بن أبي طالب وغيرهم عليهم سلام الله ورضوانه.

نذر عبد المطّلب:

كان عبد الله أصغر أبناء عبد المطّلب وأحبّهم إليه.

وكانت قريش تعيّر عبد المطّلب بقلّة أولاده، وكادوا يغلبونه على أمره وهو يحفر بئر زمزم لأ نّه لم يكن معه سوى ابنه الحارث.

ونذر عبد المطّلب نذراً لله تعالى إذا رزقه بعشرة أبناء

ليذبحنّ أحدهم قرباناً لله ووفاءً للنذر.

وكاد عبد المطّلب أن يذبح ابنه عبد الله ثمّ افتداه بمئة من الإبل، وإليك تفصيل ذلك.

ورزق الله عبد المطّلب بعشرة من الأبناء وستّ من البنات.

كان شيبة الحمد عبد المطّلب بن هاشم، قد نذر لله تعالى حين ما لقى عند حفر زمزم العنت و قلّة الناصر لئن رزقني الله عشرة من الأولاد يمنعوني لأنحر أحدهم لله تعالى عند الكعبة، فلمّا ولد له عشرة من البنين وعرف أ نّهم سيمنعوه، جمعهم ثمّ أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه مذعنين وقالوا بصوت واحد: «أوفِ نذرك وافعل ما شئت» كما أجاب جدّهم إسماعيل لأبيه إبراهيم لمّا أراد أن يذبحه (قَالَ يَا أبَتِ ا فْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).

فتوجّه بهم لله تعالى وقال: اللهمّ إنّي نذرت لك نحر أحدهم، وإنّي أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت.

ثمّ قرع بينهم فإذا القرعة تقع على عبد الله أحبّهم إليه، على أ نّهم جميعاً أحبّاؤه وأفلاذه وأ نّه لسخيّ بواحد منهم لقربانه، وإن كان عبد الله يقدّمه إلى مذبحه بيده راضياً مطمئنّاً لا يأخذه روع ولا يمسّه رعب أن يذبح ولده وفلذة كبده كما تذبح الشاة رضاً لله ووفاءً بالنذر، وبرّاً في الدين.

ذبح وفداء:

يا لهول ما سمع المكّيون من نكر ما يحمل هذا الطالع الجديد، أيصدّقون أم يكذّبون.

فإذا عبد المطّلب أمام هذا الحدث الذي لم يكن منه بدّ وبيده الشفرة القاطعة الثابتة في قبضته يستقبل نحر ولده عبد الله العاجي، وإذا عبد الله ثابت وديع يستقبل الشفرة بإيمان ورضا وتسليم، وحوله من إخوته وأخواته وأهله واُمّه يسيلوا من الدمع ما يصبّه الوجد ويعصرهم الألم والحسرات، وتعلّقوا جميعاً بعبد المطّلب ماسكين

يديه متوسّلين، أن يجد حيلةً لحياته بفداء أو تعويض فإنّ عبد الله أغلى من أن يصير إلى الموت، في غير حيلة أو ابتغاء وسيلة ترضي الله سبحانه وتبقي عبد الله حيّاً تجبر بحياته القلوب، ويردّ الرعب إلى موطن الأمن والدعة.

وتضاغط الناس وتزاحموا على عبد المطّلب ليخلّصوا عبد الله من شفرة أبيه الزعيم البرّ والوالد المضحّي بولده.

وكان الجمهور الهائج يستهلّ وجه عبد الله وهو رابط الجأش هادئ الأعصاب، ولكن بني مخزوم - أخوال عبد الله - ومن ورائهم قبائل قريش وبطونها جميعاً يتلطّفون بعبد الله ويحزمون في دعوتهم إيّاه أن يؤجّل ذبحه حتّى يروا رأى العرّافة([30]) ويعرضوا أموالهم كلّها فداءً لزين شباب قريش، ويلحّون بلسان واحد (لا بدّ من

العذر في ذبحه).

ثمّ قرع بعدئذ بين عبد الله وبين عشرة من الإبل وهي مقدار الدية المتعارف عليها يومئذ، فخرجت القرعة على عبد الله، وما زال يقترع مضاعفاً عدد الإبل عشرة عشرة، حتّى بلغ عددها مئة وترى النفوس مكبوتة والحسرات محبوسة، فخرجت القرعة عندئذ على الإبل، فتنفّس الناس الصعداء وضجّوا بالتكبير، ولم يكتفِ عبد المطّلب بهذه القرعة حتّى كرّرها ثلاث مرّات وهي تقع على المئة من الإبل. ثمّ قال: لقد وفيت بنذري ورضى ربّي بهذا الفداء، فنحرها وأطعم القاصي والداني، وحتّى وحوش البرّ وطير الفلاة.

هذا وصف موجز لما حدث من فداء عبد الله بن عبد المطّلب والد الرسول الأعظم وذلك بعد حفر زمزم وقبل عام الفيل بسنة أو أكثر قليلا.

أمّا أبناء عبد المطّلب فهم:

العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبو طالب - واسمه عبد مناف - ، والزبير، والحارث، وحجل، والمقدّم، وضرار، وأبو لهب واسمه عبد العزّى.

أمّا بنات عبد المطّلب فهن:

صفيّة، واُمّ حكيم البيضاء، وعاتكة، واُميمة، وأروى وبَرّة.

واُمّ العباس وضِرار (نُتيلة بنت خباب بن كليب).

واُمّ حمزة والمقدّم وحجل وصفيّة: هالة بنت وهيب.

واُمّ عبد الله والد الرسول (صلى الله عليه وسلم) فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بني النضر.

وهي أيضاً اُمّ أبي طالب، والزبير واُمّ جميع بنات عبد المطّلب، عدا صفيّة. فعبد الله وعبد مناف (أبي طالب) والزبير أشقّاء.

واُمّ الحارث بن عبد المطّلب (سمراء بنت جندب).

واُمّ أبي لهب (لُبنى بنت هاجر بن عبد مناف).

زواج عبد الله:

وبعد أن نجّى الله عبد الله من الذبح بعد نحر مئة من الإبل قربةً لله تعالى في الكعبة، واشتدّ ساعده، وأصبح في ريعان الشباب بهجةً وحيويّةً وقد تأ لّق نورٌ في وجهه وجبهته أكثر فأكثر، تعلّقت به سيّدات قريش وفتياته، فقلن له لمّا نظرن إلى نور وجهه، قالت إحداهن: لك مثل الإبل الذي نحر عنك، وقع عليّ الآن، فأبى واستعصم وتعفّف، ولمّا وجد ذلك عبد المطّلب أخذه بيده ومشى به إلى دار بني زهرة لما كان بين الحيّين من صداقة وطيدة وطيب أرومة، من جهة، ومن جهة اُخرى لما كان يعلم من أدب آمنة بنت وهب وحَسَبها ونسبها وكان وهب سيّد بني زهرة، ولمّا مات وهب انتقلت عائلته إلى دار أخيه وهيب بن عبد مناف بن زهرة وكان زعيم قومه بعد أخيه، خطب عبد المطّلب آمنة بنت وهب إلى ابنه عبد الله، فرحّب بذلك عمّها فزوّجها إيّاه وكان عمره حينذاك حوالي عشرين عاماً، وفي نفس المجلس خطب

عبد المطّلب هالة بنت وهيب لنفسه من أبيها، فرحّب وزوّجها إيّاه، ودخل الأب والإبن في تلك الليلة بزوجاتهما، فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطّلب حمزة والمقدّم وخجل وصفيّة، وولدت آمنة بنت وهب لعبد الله الرسول الكريم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب (صلى الله عليه وآله).

حملها بالنبيّ (صلى الله عليه وآله):

فلمّا حملت آمنة بنت وهب بالنبيّ الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله)كان السحرة والكهنة والشياطين والمردة من الجان والمردة من أهل الكتاب يظهرون العجائب، ويأتون بالغرائب من السحر، ويحدّثون الناس بما يخفون من السرائر، ويكتمون في الضمائر، وينطق السحرة والكهنة على ألسنتهم، بما يسترقون السمع من الملائكة، وما كانت السماء لتحجبهم حينذاك، إلى أن ولد خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) فلمّا حملت به السيّدة آمنة بنت وهب (عليها السلام)لم يبقَ ساحر، ولا كاهن، ولا مارد من الجنّ، ولا من

مردة أهل الكتاب إلاّ واُخبر وعَلِم بواسطة شياطينهم والجان المسخّرين لهم بقرب ولادة الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله).

منهم الكاهنان اللذان فاقا أهل زمانهما في الكهانة والسحر، وهما: ربيعة بن مازن الغسّاني المعروف بـ (سطيح) والآخر (وشق) بن هالة اليماني.

فكتب سطيح إلى وشق يخبره الحال، ويشرح له المقال: فردّ عليه الجواب، قد ظهر عندي بعض الذي ذكرت، وسيظهر النور الذي وصفت، غير أ نّي لا عِلم لي به.

كما كتب سطيح إلى زرقاء اليمامة، التي ملكت اليمن بسحرها وشعوذتها، فكانت من أعظم السحرة والكهنة، وكانت حادّة البصر، عظيمة الخطر، تنظر من مسيرة ثلاثة أيام، كما ينظر الإنسان الذي بين يديه.

وإذا أراد أعدائها الخروج إلى بلدها تخبر قومها بذلك، وتقول لهم: احذروا العدوّ فقد جاءكم من الجهة الفلانية، فيجهّزون إليه فيجدون الأمر كما ذكرت، وقد

جرت بينهما رسائل عديدة بهذا الشأن لسنا بصددها.

ومن آيات ولادة النبيّ الكريم (صلى الله عليه وآله)، أن منعت السماء صعود مردة الجنّ إليها لاستراق السمع، كما في (سورة الجن) وقد مات الكاهنان (سطيح ووشق) ليلة ولادته (صلى الله عليه وآله) وخرّت الأصنام على وجوهها، وارتجّ إيوان كسرى، ووقع منه أربعة عشر شرفة، فلمّا أصبح كسرى وقد هاله ما رأى، فدعا بوزرائه وقال لهم: ما هذا الذي حدث في البلاد، فهل عندكم علم؟

قال الموبذان، وهو كاهن المعبد: أ يّها الملك العظيم، لقد رأيت ليلة أمس إبلا صعاب تقودها خيل عِراب، قد حطّت في الوادي، وانتشرت في البلاد، وما ذاك إلاّ لأمر عظيم.

وفاة الزوج:

كلّ هذا حصل لمّا ولدت السيّدة آمنة بنت وهب (عليها السلام)الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله)، وكانت تسمع الهواتف في الليل

والنهار تبشّرها بأ نّها حاملة بسيّد البشر، وكانت تخبر زوجها عبد الله بن عبد المطلب بذلك، وبما تسمع، فيقول لها: اكتمي عن كلّ أحد أمركِ.

ولمّا كان الشهر السابع من حمل آمنة بنت وهب برسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا عبد المطلب ولده عبد الله وقال: يا بني، إنّه قرب ولادة آمنة، ونحن نريد أن نعمل للمولود الجديد وليمة وليس عندنا شيء فامضِ إلى يثرب واشتر لنا منها ما يصلح لذلك، فخرج عبد الله من وقته، وسافر حتّى وصل يثرب، وهناك طرقته حوادث الزمان فمات فيها. ووصل خبره إلى مكّة، فعظم عليهم ذلك، وبكى أهل مكّة جميعاً عليه، واُقيمت المآتم في كلّ ناحية، وناح عليه أبوه، وآمنة، وإخوته، وكان مصاباً عظيماً.

ولادتها النبيّ (صلى الله عليه وآله):

ولمّا كان الشهر التاسع من حملها، أراد الله تعالى خروج النبيّ (صلى الله عليه وآله) وما كان عليها أثر للحمل، إذ اختفى

عنها منذ شهرها السادس، ولكنّها كانت تشعر بأيام حملها الأخير وكانت تحدّث نفسها: كيف يكون وضعي، ولم يعلم بي أحد من قومي، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال، تفوح منهن رائحة المسك والعنبر، وقد تنقّبن بأطمارهن، وبأيديهن أكواب من البلّور الأبيض.

قالت آمنة (سلام الله عليها): وجعلت أقول: من أين دخلن عليّ هؤلاء النسوة؟ وقد كنت أغلقت الباب خلفي فجعلت أنظر إليهن ولم أعرف واحدة منهن.

قالت آمنة (سلام الله عليها): فتقدّمن منّي وسلّمن عليّ وقلن لي: إشربي يا آمنة من هذا الشرب، فلمّا شربت، أضاء نور وجهي وعلاه نور ساطع وضياء لامع، وقلن: أبشري بسيّد الأوّلين والآخرين، محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله) وقلن لها: لا بأس عليك يا جارية، إنّا جئنا لنخدمك، فلا يهمّك أمرك.

وقعدت الحوريات واحدة إلى يمينها، وواحدة إلى

شمالها، وواحدة بين يديها، وواحدة من ورائها، فهوّمت عين آمنة وغفت غفوة، ما كان من أمرها إلاّ أ نّها كانت نائمة عند خروج ولدها من بطنها، فانتبهت وقد وضع المولود الجديد جبينه على الأرض، ساجداً لله رافعاً سبابته إلى السماء مشيراً بهما، وهو يقول: لا إله إلاّ الله.

قال عبد المطلب: كنت في الساعة التي ولد فيها محمّد أطوف بالكعبة، وإذا بالأصنام قد تساقطت وتناثرت، والصنم الكبير سقط على وجهه، وسمعت قائلا يقول: الآن آمنة قد ولدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلمّا رأيت ما حلّ بالأصنام تلجلج لساني، وتحيّر عقلي، وخفق فؤادي حتّى صرت لا أستطيع الكلام، فخرجت مسرعاً اُريد باب بني شيبة، وإذا الصفا والمروة يركضان بالنور فرحاً، ولم أزل مسرعاً إلى أن قربت من منزل آمنة، وإذا بغمامة بيضاء قد عمّت منزلها، فقربت من الباب وإذا روائح المسك الأذفر والندّ والعنبر قد عبقت بكلّ مكان حتّى

عمّتني الرائحة.

فدخلت على آمنة وإذا بها قاعدة، وليس عليها أثر النفاس، فقلت: أين مولودك؟ اُريد أن أنظر إليه.

قالت: قد حيل بيني وبينه، ولقد سمعت هاتفاً ينادي: لا تخافي على مولودك، وسيردّ عليكِ بعد ثلاثة أيام.

فلمّا تمّت له ثلاثة أيام دخل عليه جدّه عبد المطّلب فلمّا نظر إليه قبّله وقال: الحمد لله الذي أخرجك إلينا، حيث وعدنا بقدومك، فبعد هذا اليوم لا اُبالي أصابني الموت أم لا، ثمّ دفعه إلى آمنة فجعل يهشّ ويضحك لجدّه واُمّه كأ نّه ابن سنة.

قال عبد المطّلب: يا آمنة، احفظي ولدي هذا، فسوف يكون له شأن عظيم.

وأقبل الناس من كلّ فج عميق يهنّئون عبد المطلب، وجاءت جملة النساء إلى آمنة، وقلن لها: لِمَ لم ترسلي إلينا لنساعدكِ في ولادتكِ بعد أن هنأنها بالمولود وقد

عبقت بهن جميعاً رائحة المسك، فكان يقول الرجل لزوجته: من أين لك هذا؟ فتقول: هذا طيب مولود آمنة.

فأقبلت القوابل ليقطعن سرّته فوجدنه مقطوع السرّة، فقلن لآمنة: ما كفاك أ نّك وضعت به حتّى قطعت سرّته بنفسك، فقالت لهن: والله لم أره إلاّ على هذه الحالة، ولا مسسته، فتعجّبت القوابل من ذلك، وكانت تأتيها القوابل بعد ذلك وإذا به مكحولا مقموطاً.

فلمّا مضى له من الوضع سبعة أيام، أولم عبد المطلب وليمة عظيمة وذبح الأغنام ونحر الإبل، وأكل أهل مكّة والقادمون من الناس ثلاثة أيام، وما فضل من ذلك الطعام رمي به في البرية فأكلته الوحوش والسباع والطيور.

فلمّا كان بعد أيام التمس له مرضعة تربّيه على عادة أهل مكّة، فقدمت حليمة بنت أبي ذؤيب في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء بمكّة.

(حليمة السعدية) ظئر الرسول:

خرجت حليمة بنت ذؤيب السعدية مع نسوة من بني سعد إلى مكّة يلتمسن الرضعاء، فما من امرأة عرض عليها النبيّ (صلى الله عليه وآله) فتأباه إذا قيل لها إنّه يتيم، وذلك إنّما كنّ يرجون المعروف من أبي الصبي، فما بقيت امرأة كانت معها إلاّ أخذت رضيعاً.

قالت حليمة السعدية: فلمّا أجمعنا العودة إلى ديارنا قلت لزوجي([31]): والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، ما حملني على أخذه إلاّ أ نّي لم أجد غيره. قال زوجي: لا عليكِ أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.

قالت: فذهبت إليه فأخذته، ورجعت به إلى رحلي، فلمّا وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من

لبن، فشرب حتّى روى، وشرب معه أخوه بالرضاعة حتّى روى ثمّ ناما، وما كنّا ننام منه قبل ذلك من شدّة الجوع، ثمّ قام زوجي إلى شارفنا، فإذا بها حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتّى انتهينا رياً وشبعاً فبتنا بخير ليلة.

فقال زوجي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذتِ نسمةً مباركة؟ فقلت: والله إنّي لأرجو ذلك.

ثمّ خرجنا وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حُمرهم، فيقلن: والله إنّ لابنة ذؤيب لشأن.

ثمّ قدمنا منازلنا في بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معاً شباعاً لُبَّناً، فنحلب ونشرب. وما يحلب إنسانٌ قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتّى يقول قومنا لرعياهم: ويلكم اسرحوا حيث تسرح غنم بنت أبي ذويب.

فلم تزل تتعرّف من الله الزيادة والخير حتّى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشبّ شباباً لا يشبّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتّى كان غلاماً جفراً([32]).

إلى آخر الحديث الذي ذكرناه في موسوعة المصطفى والعترة (1: 64 - 71).

وبهذا الاختيار الموفّق، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشرف وِلد آدم حسباً وأفضلهم نسباً من قِبَل أبيه واُمّه كما قال ابن هشام في كتابه (السيرة النبوية).

وقد ذكروا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:

«ما ولدتني بَغيٌّ قط منذ كنت في صُلبِ آدم. فلم تَزَل تنازعني الاُمم كابراً عن كابر حتّى خرجت في أفضل حيّين من العرب: هاشم وزهرة».

ولم تستمرّ سعادة السيّدة آمنة بنت وهب مع زوجها عبد الله بن عبد المطّلب سوى أشهر معدودة، ثمّ أرسله

أبوه إلى أخواله من بني النجّار في يثرب ليهيّئ الطعام لوليمة ولده محمّد (صلى الله عليه وسلم)، فمرض واشتدّ به المرض، فأسلمَ روحه الطاهرة إلى بارئها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما زال جنيناً في بطن اُمّه، ودفن في يثرب عند أخواله في حيّ بني النجّار([33]).

حزَن عبد المطّلب حزناً شديداً على ابنه عبد الله.. ولكنّه استبشر خيراً حينما علم من السيّدة آمنة أ نّها حامل.. وبما قالته له من أ نّها سمعت هاتفاً يقول لها:

«إنّكِ قد حملتِ بسيّد هذه الاُمّة، فإذا وقع على الأرض فقولي: اُعيذه بالواحد من شرّ كلّ حاسد، ثمّ سمّيه محمّداً».

* * *

كانت السيّدة آمنة - رضي الله عنها - تتمنّى أن تضع ابنها في الدار التي كانت تقيم فيها. وكانت هذه الدار قريبةً جدّاً من الكعبة وتقع عند الصفا، وعرفت بعد ذلك باسم دار ابن يوسف، ثمّ اشترتها (زبيدة)([34]) حينما حجّت، وشيّدت عليه مسجداً يُصلّي فيه الناس.

أصحاب الفيل:

ولمّا قرب موعد ولادة سيّد البشر أجمعين ساد مكّة الذعر والهلع حينما ترامت الأخبار بأنّ (أبرهة الأشرم) في طريقه إلى مكّة ليهدم بيت الله الحرام، وكان أبرهة - لعنه الله - على رأس جيش كبير من الأحباش تتقدّمهم أفيال مدرّبة على القتال وعلى رأسها فيل ضخم هائل يركبه أبرهة.

وكان العرب - رغم شجاعتهم - لا عهد لهم بتلك

الأفيال التي لم تكن تؤثر فيها السيوف أو الرماح.

وهجر عدد كبير من أهل مكّة بيوتهم إلى الجبال والشعاب هرباً من الخطر المتوقَّع بين ساعة واُخرى.

وذهب عبد المطّلب إلى بيت زوجة ابنه السيّدة آمنة لينصحها هي الاُخرى بالخروج من مكّة إلى يثرب حتّى لا يلحقها أيّ أذى.

ولكنّ السيّدة آمنة رفضت ذلك وقالت إنّها تريد أن تضع ابنها على مقربة من الكعبة، وأ نّها واثقة من أنّ الله سبحانه وتعالى سيحقّق لها هذه الاُمنية.

* * *

ووصل جيش أبرهة إلى ضاحية قريبة من مكّة اسمها (المُغَمَّس). وكان أحد الأعراب قد انضمّ إلى أبرهة تحت إغراء المال وأصبح دليله.. وكان اسمه (أبو رُغال). ومرِض أبو رغال هذا فجأةً ومات ودُفن في (المغمّس) فرجمت العرب بعد ذلك قبره ولبثوا سنوات طويلة يرجمون هذا القبر كلّما مرّوا به.

وأرسل أبرهة فارساً حبشيّاً اسمه الأسود بن مقصود مع كوكبة من فرسان الأحباش إلى مراعي مكّة، فساقوا عدداً كبيراً من المواشي التي كانت ترعى وكان من بينها مائتا بعير لعبد المطّلب بن هاشم.

وثار أهل مكّة، واجتمع عددٌ كبيرٌ من قريش وهُذيل وكنانة وقرّروا محاربة جيش أبرهة حتّى ولو استشهدوا عن بكرة أبيهم.

وفي هذه الأثناء وصل رسول من أبرهة كان اسمه (حناطة الحِمْيَري).

جاء (حناطة) هذا ليسأل عن أمير قريش فدلّوه على عبد المطّلب.

وقال حناطة:

ـ إنّ أبرهة يقول لكم إنّه لم يأتِ لحربكم وإنّما جاء لهدم البيت، فإن لم تحولوا بينه وبين ذلك فلا حاجة له بدمائكم، وإذا كنتم لا تريدون حرب أبرهة فهو يريد أن يقابل أميركم ولقد علمت أ نّك أمير قريش.

فقال له عبد المطّلب:

ـ والله ما نريد حربه. وما لنا بذلك من طاقة. هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يُخلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا من دفع عنه.

وقال حناطة: إن كنت لا تريد حربه فهو يريد مقابلتك.

وانطلق عبد المطّلب بن هاشم ومعه بعض بنيه لمقابلة أبرهة الأشرم ومعهم رسوله حناطة.

دخل عبد المطّلب على أبرهة الأشرم، وكان عبد المطّلب رجلا وسيماً طويل القامة عريض المنكبين مهيب الهيئة فما كاد يراه أبرهة حتّى أجلّه واحترمه.

وكان أبرهة يجلس على سرير مرتفع، فكره أن يجلس عبد المطّلب في مكان أخفض منه.. وكره كذلك أن يراه الأحباش وهو يُجلسه معه على سريره.

وهبط أبرهة عن سريره وجلس على بساطه ثمّ أجلس عبد المطّلب معه إلى جنبه.

وكان بينهما ترجمان يحسن التحدّث باللغة العربية واللغة الحبشية.

والتفت أبرهة إلى ترجمانه وقال له:

ـ اسأله ما حاجته إليّ..

وقال عبد المطّلب للترجمان بعدما سأله:

ـ إذا كان لا يريد حربنا كما قال رسوله إليّ.. فلماذا أخذ منّي مائتي بعير؟ إنّي أطلب منه أن يردّ عليّ إبلي هذه..

ولمّا سمع أبرهة ذلك قال:

ـ أتكلّمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، ولقد علمت أ نّني ما جئت إلى مكّة إلاّ لكي أهدم هذا البيت.

وسكت أبرهة قليلا ثمّ قال لترجمانه في لهجة يشوبها الامتعاض:

ـ قل له إنّه كان أعجبني حين رأيته وطمعت في صداقته.. فلمّا تحدّث عن الإبل زهدت فيه.

ولمّا ترجم الترجمان هذا القول ووجّهه إلى عبد المطّلب بن هاشم.. نهض عبد المطّلب واقفاً وقد رفع هامته وشمخ بأنفه ثمّ قال لأبرهة:

ـ إنّي لم اُكلّمك عن بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم لأ نّي أعرف عزمك على هدمه.. ولقد علمت أنّ عمرو بن نفاثة سيّد بني كنانة، وخويلد بن وائلة سيّد هُذيل عرضوا عليك ثلث أموال (تهامة) على ألاّ تهدم الكعبة فأبيت عليهم ذلك... فما جدوى كلامي معك في هذا الشأن وقد ركبت رأسك؟

وانتظر عبد المطّلب حتّى ترجم الترجمان ما قاله إلى اللغة الحبشية.. ثمّ قال في صوت عميق وهو يهمّ بالخروج:

ـ إنّي أنا ربّ الإبل التي أخذتها بدون وجه حقّ.. وإنّ للبيت الحرام ربّاً سيمنعه !

قال أبرهة في كفر وغرور:

ـ ما كان لربّك أن يمنعه منّي ! إمّا إبلك فسأردّها

عليك.

وحاول عبد المطّلب أن يحذّره من المصير الرهيب الذي ينتظره هو وجيشه إن هو أقدم على هدفه الأثيم وعزم على هدم بيت الله الحرام.

ولكنّ الشيطان أصمّ اُذني أبرهة الأشرم وطمس على عقله وقلبه.

كلّ هدفه كان مركّزاً على هدم الكعبة التي يفد إليها الحجّاج من كافّة أنحاء الأرض.. حتّى يتحوّلوا بعد ذلك إلى الكنيسة التي كان قد بناها في صنعاء باليمن وأنفق على بنائها مبالغ طائلة فجعل جدرانها من الرخام المتعدّد الألوان ووضع على أبوابها صفائح من ذهب.

عبد المطّلب يتضرّع إلى الله:

خرج عبد المطّلب بن هاشم من عند أبرهة الأشرم واتّجه إلى الكعبة الشريفة.

والتفّ حوله عدد كبير من أشراف قريش ومن القبائل

الاُخرى المجاورة يسألونه عمّا دار بينه وبين ذلك الطاغية من حديث.

فلمّا علموا منه أنّ الأشرم عازم على اقتحام مكّة بأفياله وجنوده وهدم الكعبة خرج عدد كبير منهم من مكّة للتحرّز في مغارات الجبال والشعاب.

وبقي عبد المطّلب ومعه نفرٌ منهم..

وأمسك عبد المطّلب بحلقة باب الكعبة واغرورقت عيناه بالدموع وأنشد قائلا:

يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا***يا ربِّ فامنع منهم حِماكا

إنّ عدوَّ البيتِ من عاداكا***امنعهم أن يُخرجوا قِراكا

وكان العرب يقولون إنّ مكّة سُمّيت بـ (بكّة) لأ نّها كانت تَبِكُّ - أي تُحطِّمُ عنق كلَّ من يريد بها أو بأهلها السوء وتورده مورد الهلاك -.

ولكنّ الناس ظلّوا بين مصدّق ومكذّب !

كانوا يتساءلون: كيف يُغلب مثل هذا الجيش العرمرم وتغلبُ تلك الأفيال الضخمة؟

لقد اختلف المؤرخون في تحديد عدد جنود الجيش الذي زحف به أبرهة من اليمن إلى مكّة.

ولكنّ أحد شعراء العرب الذي عاصر واقعة الفيل حدّده بستّين ألفاً، وذلك في قصيدة طويلة نختار منها الأبيات التالية:

تنكَّبوا عن بطنِ مكّةَ إنّها***كانت قديماً لا يُرام حَريمُها

سائل أمير الجيش منها ما رأى***ولسوف يُنْبي الجاهلين عليمُها

ستّون ألفاً لم يؤوبوا أرضهم***ولم يعشْ بعد الإياب سقيمُها

وفسّر ابن إسحاق قول الشاعر الذي قال هذه الأبيات: «ولم يعد بعد الإياب سقيمُها» بأنّ الزعبري كان يقصد بذلك السقيم أبرهة الأشرم لأ نّه حُمِل حملا إلى

صنعاء بعد أن تهرّأ جسمه وكانت أناملُ أصابعه تتساقط أنملة بعد أنملة ولاقى أمرَّ ألوان العذاب والهوان قبل أن تزهق أنفاسه وتغادر روحه الشريرة جسده.

ولمّا تقدّم أصحاب الفيل نحو الكعبة أرسل الله سبحانه وتعالى طيوراً كالخطاطيف - طير الأبابيل كما يصفها القرآن الكريم - من ناحية البحر كان كلّ طير منها يحمل ثلاثة أحجار.. حجراً في منقاره وحجرين في رجليه.

وكان حجم الحجر لا يزيد عن الحمّصة.. ولكنّه كان إذا سقط على رأس الرجل اخترقها واخترق جسمه وأهلكه.

ويميل بعض المؤرّخين إلى الربط بين هذه الحجارة وظهور بعض الأمراض الخبيثة لأوّل مرّة في الجزيرة العربية.. كمرض الجذام والجدري والحصبة.

* * *

وبعد هزيمة جيش أبرهة عظَّمت جميع القبائل قريشاً، وقالوا إنّ الله سبحانه وتعالى حارب عنهم.. وقبَّل

الكثيرون رأس عبد المطّلب بن هاشم الذي لم يتزعزع إيمانه لحظة واحدة في أنّ الله جلّت قدرته سيمنع بيته وبيت خليله إبراهيم ويحميه.

وقال اُميّة بن أبي الصلت:

إنّ آياتِ ربّنا ثاقباتٌ***لا يُماري فيهنَّ إلاّ الكَفورُ

حبس الفيل بالمُغمِّس حتّى***ظلَّ يحبو كأ نّه معقورُ

خلّفوه ثمّ ابْذَعَرُّوا([35]) جميعاً***كلّهم عظم جسمِه مكسورُ

ويقول الطبري إنّ أبرهة حينما قدِموا به مدينة صنعاء باليمن كان مثل فرخ الطير المليء بالجراح وتهرّأ جسمه ثمّ انصدع صدره عن قلبه ومات.

* * *

بعد ذلك وضعت السيّدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها ابنها محمّداً - سيّد خلق الله - في بيتها بالصفا كما كانت ترجو وتتمنّى..

ويقول ابن إسحاق:

«فلمّا وضعته اُمّه (صلى الله عليه وسلم) أرسلت إلى جدّه عبد المطّلب تقول له:

ـ إنّه قد وُلد لك غلامٌ فأته فانظر إليه.

وانطلق عبد المطّلب إلى دار السيّدة آمنة بنت وهب وما كاد يرى حفيده وينحني عليه ليقبّله حتّى اغرورقت عيناه بالدموع لأ نّه تذكّر ابنه عبد الله وتمنّى لو كان حيّاً في هذا اليوم الخالد في تاريخ البشرية جمعاء.

كان يطلّ من عيني الطفل المبارك نورٌ غير معهود.. وكان ينظر إلى جدّه كأ نّه يعرفه منذ زمن طويل..

كما كان (صلى الله عليه وسلم) عند ولادته قويّ البنية صحيحاً يبدو وكأ نّه

في الثانية من عمره.. وكانت تفوح منه رائحة عطرة.

ونظر عبد المطّلب إلى حفيده الكريم وقال وقد تحشرجت نبرات صوته بعبرات التأثّر:

الحمد لله الذي أعطاني***هذا الغلامَ الطيّبَ الأردانِ

قد ساد في المهد على الغلمان***اُعيذه بالبيت ذي الأركانِ

وحمل عبد المطّلب حفيده وانطلق به إلى الكعبة فقام يدعو الله تعالى كثيراً ويشكر له ما أعطاه.

والملاحظ أنّ جميع الأشعار التي نسبها المؤرّخون إلى عبد المطّلب بن هاشم لم يقلها إلاّ بوحي من إيمانه العميق بالله تعالى، وأكثرها قيلت بمناسبة واقعة الفيل وحماية الله بيته الحرام.

وذلك غير ما قاله من أشعار في حفيده رسول الله عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام.

الطفل وخاتم النبوّة:

مات عبد الله بن عبد المطّلب والد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وترك زوجته السيّدة آمنة بنت وهب أرملةً في السادسة أو السابعة عشرة من عمرها..

ولكنّ عمق حبّها لزوجها الراحل وعلمها بأ نّها حملت بسيّد الخلق، جعلها تكرّس حياتها لرعاية ابنها وحسن تنشئته.

وكان تأثّر السيّدة آمنة شديداً وعميقاً حينما وضعت ابنها، وتذكّرت زوجها الحبيب وازداد تأثرها لبكاء جدّه عبد المطّلب.

وكانت بطبيعتها فيّاضة العاطفة مرهفة الحسّ، فأثّر ذلك عليها فعزفت عن الطعام رغماً عنها فقلّ لبن الرضاعة لديها.

وعلم جدّه عبد المطّلب بذلك، فأرسل في طلب سيّدة كان اسمها (ثويبة)، وكان عبد المطّلب يعرفها لأ نّها كانت قد أرضعت من قبل حمزة بن عبد المطّلب المخزومي

كما أرضعت عبد الله بن جحش.

وأرضعت (ثويبة) الرسول (صلى الله عليه وسلم) بضعة أيام، ثمّ استحضر له جدّه (حليمة بنت أبي ذؤيب السعيدة) وكانت من بني سعد بن بكر، في قصّة مفصّلة سبق ذكرها.

ويقول المؤرخون إنّ السبب الرئيسي الذي حَدى بعبد المطّلب إلى تفضيل حليمة أ نّه أراد أن ينشأ محمّد (صلى الله عليه وسلم) بين الأعراب في البادية ليكون أفصحَ لساناً ويكتسب جسمه القوّة والجلد..

كان عبد المطّلب يكلأ محمّداً (صلى الله عليه وسلم) برعايته ويشترك هو والسيّدة آمنة رضي الله عنهما في حسن تنشئته.

وفي ذلك يقول ابن إسحاق:

«وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع اُمّه آمنة بنت وهب وجدّه عبد المطّلب بن هاشم في كلاءة الله سبحانه وتعالى وحفظه. ينبته الله نباتاً حسناً لما يريد به من كرامة..».

وبدت النجابة مبكّرة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكان وهو في الخامسة أو السادسة من عمره يتحدّث حديث شابّ

راشد رزين..

ويذكر المؤرّخون أ نّه كان يوضع لعبد المطّلب بن هاشم فراش في ظلّ الكعبة تكريماً له ليستريح عليه. وكان أبناء عبد المطّلب - أي أعمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - يجلسون حول ذلك الفراش ولا يجرؤ واحدٌ منهم على الجلوس عليه حتّى في غيابه..

وكان محمّد (صلى الله عليه وسلم) يحبّ جدّه حبّاً جمّاً، كما كان عبد المطّلب يبادله نفس الحبّ بل ويفضّله على جميع أبنائه..

كان محمّد (صلى الله عليه وسلم) يخرج من بيت جدّه ويذهب إلى الكعبة ليجلس مع جدّه عبد المطّلب الذي كان يرحّب به ويسعده أن يجالس الكبار والعقلاء من نخبة قريش.

وكان محمّد (صلى الله عليه وسلم) - إذا لم يجد جدّه - إلى جوار الكعبة يجلس على فراشه ينتظره، فحاول بعض أعمامه أن يؤخّروه عن ذلك الفراش ليجلس معهم حوله.. فلمّا علم عبد المطّلب بذلك زجر أبناءه أعمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقال

لهم:

ـ دعوا ابني.. فوالله إنّ له لشأناً !

وكان عبد المطّلب يحنو على محمّد (صلى الله عليه وسلم) حنواً عظيماً ويمسح يده بظهره ويضمّه إلى صدره ويرهف السمع دائماً إلى كلّ ما كان يقوله الطفل الرجل..

ويقول ابن إسحاق إنّ عبد المطّلب كان يسرّ كثيراً بأيّ شيء يصنعه محمّد (صلى الله عليه وسلم)..

* * *

ما من شكّ في أنّ السيّدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها أخبرت عبد المطّلب بن هاشم بالهاتف الذي قال لها إنّها حملت بسيّد البشر.. كما أخبرته بطبيعة الحال بالنور الذي خرج منها ورأت على هديه قصور بصرى بالشام، وبتلك الأطياف السارية التي حضرت مولد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. كما حدّثته أيضاً عن خاتم النبوّة الذي كان في ظهر محمّد (صلى الله عليه وسلم).

ولكن.. ما هو خاتم النبوّة هذا؟ !

هو خاتم يوجد بين كتفي كلّ رسول أو نبيّ من رسل وأنبياء الله سبحانه وتعالى.

ويقول ابن هاشم إنّ هذا الخاتم يشبه أثر المِحجَم.

والمحجم هو الآلة التي كان يُحجَم بها فتترك أثراً على اللحم يكون ناتئاً.

وفي كتاب الخبر وصفٌ دقيق لخاتم النبوّة هذا.. موجزه أنّ ذلك الخاتم كان كبيضة الحمامة، وكان من حوله خيلان في كلّ خال منها شُعيرة أو شعيرتان لونهما أسود فاحم.

وفي كتابي شرح المواهب والروض الآنف تحديد دقيق لموضع خاتم النبوّة بأ نّه كان عند غضروف الكتف اليسرى.

وتحدّث الكثيرون من رجال قريش عن خاتم النبوّة بعد عودة أبي طالب بن عبد المطّلب عمّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) إثر عودته من رحلة تجارية إلى الشام.

ويقول الطبري إنّ محمّداً (صلى الله عليه وسلم) تشبّث بعمّه أبي طالب

حينما رآه ذاهباً إلى الشام، فرقّ له قلب عمّه وقال:

ـ والله لأخرجنّ به معي.. ولا اُفارقه أبداً.

ولمّا نزل الركب بُصرى من أرض الشام مرّوا بصومعة راهب يُدعى بُحيرى.

النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبحيرى:

وبصرى هي مدينة في حوران.. وهي أوّل مدينة فتحها المسلمون في الشام، وكان ذلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل في سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وقد وردها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مرّتين كما يقول المؤرّخون. وتفصيلات هاتين الزيارتين الكريمتين مذكورة في كتاب (شرح المواهب).

وكان الراهب بُحيرى من أعلم علماء أهل النصرانية في ذلك الوقت..

كان يلازم صومعته ولا يغادرها إلاّ للضرورة القصوى.. غارقاً في كتبه وتعبّده وتأمّلاته.

وتشير كتب المستشرقين إلى هذا الراهب فتقول إنّه كان يسمّى (جرجيس) أو (جورج)، وأ نّه كان يهودياً من (تيماء)، ودرس التوراة ثمّ اطّلع على الإنجيل وكتب النصارى، فاعتنق النصرانية واعتزل الناس وعاش في صومعته، وذلك لأنّ الرهبانية كانت مستحبّة لدى النصارى.. فلمّا جاء الإسلام تقرّر المبدأ الذي يقول: «لا رهبانية في الإسلام» لأنّ علاقة المخلوق بخالقه يجب أن تكون مباشرة دون أيّ حاجة إلى ما كان يدّعيه بعض الرهبان من أ نّهم اُوتوا القدرة على الغفران وإيصال الدعوات إلى الله عزّ وجلّ..

وذكر بعض المؤرخين أنّ الراهب بحيرى كان في صومعته قبيل فجر أحد الأيام فإذا به يسمع هاتفاً يقول:

ـ ألا إنّ خير أهل الأرض ثلاثة: بحيرى ورباب الثني والنبيّ المنتظر، أحمد الاُمّي اليتيم.

وقد وردت تفصيلات كثيرة عن ذلك الراهب في كتب عديدة مثل (مروج الذهب) و (الإصابة) و (الروض

الانف) و (شرح المواهب).

وكان هذا الراهب لا يكترث بالقوافل التي تمرّ بصومعته حتّى مرّت قافلة أبي طالب وكان معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما زال صبياً صغيراً. وإذا بالراهب يخرج من صومعته ويصرّ على دعوتهم لتناول الطعام..

وصنع للقافلة طعاماً كثيراً..

وقال المؤرّخون العرب والأجانب أنّ السبب في ذلك يرجع إلى أنّ الراهب (بحيرى) حينما مرّت بصومعته القافلة رأى غمامة تظلّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من بين القوم.. فلمّا دعاهم إلى تناول الطعام جلس محمّد (صلى الله عليه وسلم) في ظلّ شجرة قريبة من صومعة الراهب، فإذا بالغمامة تعلو الشجرة، وإذا بأغصان هذه الشجرة تميل وتتدلّى على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكي يستظلّ بها وتحجب عنه حرارة الشمس.

ولمّا رأى الراهب (بحيرى) ذلك نزل من صومعته وقال لهم:

ـ إنّي أدعوكم جميعاً صغيركم وكبيركم عبدكم وحرّكم إلى تناول الطعام معي..

وعجب رجل من أفراد القافلة لهذا التصرّف الغريب من الراهب فقال له:

ـ والله يا بحيرى إنّ لك لشأناً اليوم ! فما كنت تصنع هذا بنا !.. وقد كنّا نمرّ بك كثيراً فلا تبالي بنا.. وإنّي لأعجب وأتساءل ما شأنك اليوم !

قال له بحيرى:

ـ صدقت.. قد كان ما تقول ولكنّكم ضيف وقد أحببت أن اُكرمكم وأصنع لكم طعاماً فتأكلوا منه كلّكم.

والتفّوا جميعاً حول ما جهّزه من طعام عدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد اعتذر عن تناول الطعام ولبث جالساً في موضعه تحت تلك الشجرة التي حنت عليه بأغصانها..

وصار بحيرى يقلّب بصره بين الناس وكأ نّه يبحث عن أمر لا يجده.. ثمّ قال لهم:

ـ طلبت منكم ألاّ يتخلّفنّ أحدٌ منكم عن طعامي هذا. فَلِمَ لا تجيبوني إلى دعوتي؟

قال أحدهم: ما تخلّف عن دعوتك أحدٌ ينبغي له أن يأتيك إلاّ غلام صغير وهو أحدثنا سنّاً..

فقال بحيرى: ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم..

قال رجل منهم: واللات والعُزّى إن كان للؤم بنا أن يتخلّف ابن عبد الله بن عبد المطّلب عن طعام من بيننا..

وذهب الرجل وأحضر محمّداً (صلى الله عليه وسلم) وأجلسه معهم..

وجعل بحيرى يلحظ محمّداً لحظاً شديداً ويراقب كلّ حركة يأتي بها ويتأمّل وجهه وجبينه وشعره وعينيه.

ولمّا فرغ القوم من طعامهم وتفرّقوا عاد محمّد (صلى الله عليه وسلم) إلى ظلّ الشجرة وجلس..

واتّجه إليه الراهب بحيرى.. ثمّ جلس إلى جواره وقال له في رفق:

ـ يا غلام.. أسألك بحقّ اللات والعزّى إلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه..

ويقول المؤرّخون إنّ الراهب بحيرى لم يذكر اللات والعزّى عن إيمان بالأصنام لأ نّه كان يكفر بها.. ولكنّه أراد أن يمتحن النبيّ هل يعبد الأصنام ويحلف بها أم يجحدها، ولكنّه ذكر ذلك لأ نّه سمع رجال القافلة يقسمون بها.

وما كاد محمّد (صلى الله عليه وسلم) يسمع من الراهب ذلك القسم حتّى بدت أمارات الغضب في وجهه الوضيء الوسيم وقال للراهب:

ـ لا تسألني باللات والعزّى.. فوالله ما أبغضتُ شيئاً قطّ بغضهما..

ونظر الراهب بحيرى إلى الغلام الصغير في إعجاب كبير ثمّ قال له:

ـ إذن.. فبالله إلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه.

فلمّا سمعه محمّد (صلى الله عليه وسلم) يقسم بالله سبحانه وتعالى ذهب عنه الغضب وقال له:

ـ سَلني عمّا بدا لك..

وصار الراهب بحيرى يسأل محمّداً (صلى الله عليه وسلم) عن أشياء من حاله في نومه ويقظته وسائر اُموره..

وأجابه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على كلّ ما سأله.

وأقبل بعد ذلك عمّ الرسول أبو طالب فلمّا رآه الراهب بحيرى سأله:

ـ ماذا يكون هذا الغلام منك؟

قال أبو طالب: إنّه ابني..

ولكنّ الراهب لم يصدّق ذلك وقال لأبي طالب وهو يضغط على كلّ كلمة من كلماته ليؤكّدها:

ـ ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً.. فالكتب عندنا تخبرنا بأ نّه وُلِد يتيماً..

وإذ ذاك قال أبو طالب: إنّه ابن أخي..

وسأله الراهب: ماذا فعل أبوه؟

قال أبو طالب: لقد مات واُمّه حبلى به..

قال الراهب: نعم.. لقد صدقت.

وكشف الراهب عن ظهر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فوجد خاتم

النبوّة عند غضروف الكتف اليسرى.

وهزّ الراهب رأسه في بطء ثمّ قال لأبي طالب:

ـ لقد صدقت ظنوني.. هذا هو خاتم النبوّة. فارجع بابن أخيك إلى بلده. واحذر عليه اليهود. فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفته أنا ليبْغُنّه شرّاً، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم.

وعاد به عمّه أبو طالب سريعاً حتّى أقدمه مكّة وهو يخشى عليه من اليهود.

* * *

وقبيل موت عبد المطّلب بن هاشم حدثت واقعة لمحمّد (صلى الله عليه وسلم) وهو ما زال غلاماً في الثامنة من عمره، ولمّا قصّها على جدّه أخذ الجدّ يهلّل ويكبّر ويضمّ حفيده إلى صدره وهو يقول:

ـ كنت أرجو الله كثيراً أن يرعاك، وقد استجاب عزّ وجلّ لدعوتي.. إنّ لك لشأناً عظيماً يا محمّد.

* * *

وكان عبد المطّلب بن هاشم يكبر في حفيده ما جُبل عليه من حياء، وما فُطر عليه من الصدق والأمانة.

وخير تعليق على ذلك هو ما قاله ابن هشام:

«وشبّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته. حتّى بلغ أن كان رجلا فكان أفضل قومه مروءةً وأحسنهم خلقاً وأكرمهم حسباً وأحسنهم جواراً وأعظمهم حِلماً وأصدقهم حديثاً وأعظمهم أمانةً وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنّس الرجال تنزّهاً وتكرّماً حتّى ما عرف في قومه بالصادق الأمين ; وذلك لما جمع الله سبحانه وتعالى فيه من الاُمور الصالحة».

* * *

وكان عبد المطّلب بن هاشم يَعلم أنّ ابنه أبا طالب أكثر أعمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) حبّاً له وحنوّاً عليه فكان يأذن لمحمّد (صلى الله عليه وسلم) أن يخرج مع عمّه أبي طالب في الكثير من الأحيان، ولأ نّه كان شقيق أبيه عبد الله اُمّاً وأباً.

وحدث يوماً أن أقبل على مكّة المكرّمة رجلٌ اسمه لهب بن أحجن. وكان قائفاً مشهوراً. والعرب يطلقون لفظة قائف على الرجل الذي يتفرّس في وجه الإنسان فيُخبر بشأنه ومستقبله.

ولمّا سمع أبو طالب بحضور لهب بن أحجن اصطحب معه محمّداً (صلى الله عليه وسلم) وذهب إليه.

وما كاد ابن أحجن يرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتّى اهتمّ به اهتماماً شديداً وترك بقيّة الغلمان وظلّ يتفرّس في الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتّى خشي عليه أبو طالب فابتعد بابن أخيه عنه وعاد به إلى جدّه عبد المطّلب.

وفاة عبد المطّلب:

مرض عبد المطّلب بن هاشم ثمّ اشتدّ المرض به.

وجزعت قريش كلّها لمرضه.. فقد كان أميراً لها خيّراً كريماً شهماً شجاعاً، وكانوا يلقّبونه بشيخ البطحاء. والمقصود بذلك أ نّه شيخ مكّة.. وبطحاء جمعها بطاح،

وهي بطاح مكّة.

وسمّيت قريش بالبطحاء وذلك لأنّ كثيراً من قبائل قريش كانت تقيم في الشُّعب وما بين جبال الصحراء.

وكانت قريش تطلق أيضاً على عبد المطّلب بن هاشم اسم (إبراهيم الثاني) لأنّ سيّدنا إبراهيم أبا الأنبياء هو الذي بنى الكعبة وكان عبد المطّلب أكبر نصير لدين إبراهيم والذود عن سنّته ودينه والدفاع عن بيت الله الحرام.. وما كان يفعله من مكرمات كسقاية الحجيج والرفادة وغير ذلك ممّا سبق لنا ذكره.

وأحسّ عبد المطّلب بدنوّ أجله كما يحسّ جميع الأطهار والأبرار.

وكان أكثر ما يشغل باله حفيده محمّد (صلى الله عليه وسلم) الذي كان في الثامنة أو التاسعة من عمره.

لقد مات عبد الله والد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومحمّد ما زال جنيناً في بطن اُمّه على أرجح الأقوال.. ثمّ ماتت السيّدة آمنة بنت وهب والرسول (صلى الله عليه وسلم) عمره ستّ سنوات..

فاحتضنه بعد ذلك جدّه عبد المطّلب.

ولكنّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان في رعاية وكفالة جدّه عبد المطّلب حتّى في أثناء حياة اُمّه.

وكان عبد المطّلب يحبّ حفيده (صلى الله عليه وسلم) حبّاً لا مزيد عليه.. فلمّا أحسّ بقرب منيّته استدعى ابنه أبا طالب وكان شقيق عبد الله من اُمّه وأبيه كما كان أرحم وأحنّ أعمام الرسول عليه.

ولمّا حضر أبو طالب كان أبوه عبد المطّلب في شبه غيبوبة وغشية لاشتداد المرض عليه.

ولكنّ عبد المطّلب أفاق من غشيته وطلب من ابنه أبي طالب أن يقرّب رأسه منه.. ثمّ قال له في صوت واهن خفيض يوصيه بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) لأ نّه شقيق والده عبد الله وقال:

اُوصيكَ يا عبد مناف بعدي***بمؤتم بعد أبيه فردِ

مات أبوه وهو خلف المهدِ

ـ يا بني.. تَسلّم ابن أخيك محمّداً منّي.. فأنت شيخ قومك وعاقلهم.. ومن أجد فيه الحِجى دونهم.. وهذا الغلام تحدّثت به الكهّان.. وقد رووا في الأخبار أ نّه سيظهر من (تهامة) نبيّ كريم.. وقد روي فيه علامات قد وجدتها فيه (كخاتم النبوّة) الذي سبق أن تحدّثنا عنه فأكرم مثواه.. واحفظه من اليهود فإنّهم أعداؤه.

وتندّت عينا أبي طالب بالدموع وطمأن أباه بأ نّه سيجعل من محمّد ابناً له.

وكان أبو طالب رجلا عظيماً فنفّذ وصيّة أبيه خير تنفيذ([36]).

وقد ظلّ المسلمون عامّة يذكرون بطولة وشهامة عبد المطّلب وسجاياه الرفيعة السامية التي ورّثها لابنه

أبي طالب.. كما ورَّثها لأبنائه حمزة والعباس وعبيدة بن الحارث وغيرهم.

وفي غداة غزوة بدر برز من قريش عن المشركين كلّ من عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة.. ونادى عتبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائلا له:

ـ يا محمّد أخرج إلينا (للمبارزة) أكفاءنا من قريش.

وبرز إليهم ثلاثة من رجال الأنصار المسلمين فسألهم عتبة:

ـ من أنتم؟ انتسبوا.. أي أ نّه طلب منهم ذكر أنسابهم حتّى يكونوا في شرفهم أهلا لمبارزتهم..

ولمّا انتسبوا إليه قال لهم:

ـ لا حاجة بنا إليكم.. إنّما طلبنا نزال بني عمّنا.

واستدعى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الرجال الثلاثة من الأنصار ثمّ طلب من عليّ بن أبي طالب وعمّه حمزة بن عبد المطّلب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب الخروج إليهم لمبارزتهم.

وبارز عليّ بن أبي طالب أقوى ما فيهم وهو الوليد بن عتبة فقتله وشطر جسمه إلى نصفين بضربة سيف واحدة.

وقتل حمزة بن عبد المطّلب عتبة.

وبعد ذلك قَتل عبيدةُ بن الحارث شيبةَ، وقد بُتِر ساقه، فحُمِل إلى المدينة مجروحاً فمات في الطريق، فهو أوّل شهيد في الإسلام بعد الهجرة.

وقال عبيدة يومئذ: رحم الله أبا طالب لو كان حيّاً لرأى أ نّه قد صدق في قوله:

ونسلمه حتّى نُصرّعَ حولَه***ونذهلُ عن أبنائنا والحلائلِ

أى أنّ أبناء عبد المطّلب، وعلى رأسهم أبو طالب، كانوا يذودون عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويفضّلون أن يُصرعوا في سبيل سلامته ويُذهلون - أي ينسون - أبناءهم ونساءهم.

بعد ان تحدّث عبد المطّلب مع ابنه أبي طالب، وأوصاه بمحمّد (صلى الله عليه وسلم) يقول ابن إسحاق إنّه استدعى بناته فكنّ

ستّاً: صفيّة وبرّة وعاتكة واُمّ حكيم البيضاء واُميمة وأروى وقال لهن إنّ منيّته قد دنت، وطلب من كلّ واحدة منهن أن تسمعه ما تقوله في رثائه..

وكانت صفيّة بنت عبد المطّلب قد ورثت عن أبيها الفصاحة والبلاغة وقرض الشعر.. فقالت قصيدة نختار منها الأبيات التالية:

أرِقْتُ لصوت نائحة بليل***على رَجُل بقارعةِ الصَّعيدِ

على رجل كريم غير وَغْل([37])***له الفضلُ المبينُ على العبيدِ

طويل الباع أروع شيْظَميّ([38])***مطاع في عشيرته حَميدِ

فلو خَلد امرءٌ لقديم مجد***ولكن لا سبيلَ إلى الخلودِ

لكانَ مُخلَّداً اُخرى الليالي***لفضل المجدِ والحسَب التَّليدِ

وهكذا قلن في رثائه بقيّة بناته، ذكرها أرباب السير والتاريخ.

* * *

وفاضت روح عبد المطّلب بن هاشم الطاهرة إلى بارئها.

مات في مكّة في العام التاسع من موقعة الفيل، سنة 45 ق هـ.

واختلف المؤرّخون في تحديد عمره عند وفاته. فمن قائل إنّه مات عن مائة وعشرين سنة.. وقال بعضهم إنّ عمره كان مائة وأربعين.. وقال آخرون إنّه مات عن نحو ثمانين عاماً أو أكثر..

وكان موته كارثةً بالنسبة لقريش.

وغسلوه بماء السدر المعطّر.

وكفّنوه في حُلّتين من حلل اليمن يقال إنّ قيمتها كانت ألف مثقال من الذهب.

وحينما وضعوه في قبره غطّوه بالمسك والعنبر حتّى ستروا جسده الطاهر جميعه.

* * *

وهكذا انتهت حياة هذا الرجل العظيم الذي كان جدّاً لكلّ من محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب وعليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ورضوانه..

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن جدّه العظيم عبد المطّلب ابن هاشم:

«إنّ الله يبعث جدّي عبد المطّلب اُمّةً واحدةً في هيئة الأنبياء وزيّ الملوك».

وسيلي ترجمة ابنه شيخ البطحاء أبو طالب في السلسلة الثانية.

اُ مـيّـة

عودٌ على بدء:

لقد مرّ عليك وقرأت في هذا الكرّاس من أمجاد عمرو العلى هاشم وابنه شيبة الحمد عبد المطّلب وأولاده الكرام من الرفعة وسموّ الذات المفعمة بالفضائل.

والآن استمع ما لعبد شمس وبنيه من المثالب، أنقلها كما هي في كتب السير والتاريخ موجزاً.

لم أجد لعبد شمس منقبةً تذكر، ولا كرامةً تذاع، ولا عمل يمجّد، لترجمة حياته الخاملة في بطون كتب السير والتاريخ على رغم جهد المؤرّخين، ورواة السوء السائرين في ركاب الحكم الاُموي، والذين لا يتورّعون فيما يكتبون إلاّ ولا ذمّة، لرفع مستواه الاجتماعي أو ذِكْر

منقبة أو فضل له أو مكرمة بالنسبة إلى أخيه عمرو العلى هاشم بن عبد مناف الذي سبق ذكره من رفعة المقام وسموّ المنزلة، والذي بلغ أوج العظمة والشرف يافعاً بأفعاله المجيدة، وعبقريّته الخالدة، وسجاياه الحميدة وجوده وسماحته.

لعلّ الخمول الذي شمل عبد شمس يكمن وراء عقدة التخلّف عنده منذ الولادة، والشعور بالنقص، حينما ولد وإبهام قدم هاشم في جبهة عبد شمس التوأم، والدافع الثاني الحسد وخسّة الطبع والحقد والبخل المستأصل في نفسه منذ نعومة أظفاره.

والذي أجّج هذه المثالث وأذكى نار الحقد هو عبده الرومي الذي تبنّاه (اُميّة) والذي ألحقه به وجعله من قريش، وسار على أثره وحاك على منواله ابنه حرب.

كلمة لا بدّ أن نعرضها ونقول:

لسنا نعني بهاشم، أو عبد شمس أو اُميّة شخصيّتهما حينما نجعلهما عنواناً لبحثنا، وإنّما نعني الحوادث التي

خلّفتها بعد ولادة هاشم - عمرو العلا - وعبد شمس، وبنوهما، على أ نّهما داخلان فيما نحن بسبيله، بصفتها أوّل الحديث، وبأ نّهما مصدران لهذه الحياة التي شغلت العالم الإسلامي والعربي خمسة عشر قرناً.

ومن هوان الدنيا أن نضع هاشم وبنيه في كفّة ميزان تقابلها كفّة عبد شمس الذي لم يذكر التاريخ أنّ له أولاد أو ذرّية غير اُميّة وبنوه، والذي تحدّث أرباب السير والتاريخ أ نّه ربيبه وليس من صلبه، وسيأتي تفصيله، وهذا من صروف الدهر الغاشمة الظالمة الدالّة على بواخ منطق الدنيا وبواره وعلى ضيعة المقاييس الصحيحة، وعدم وجود السنخيّة بين الكفّتين، التي ترتفع بأقدار الناس، أو تهبط بها على مقدار ما فيها من وزن الحقائق، فإنّ النسبة فيما بينهما منقطعة، وإن كان لا بدّ من نسبة فلتكن تبايناً، كما يقول علماء المنطق.

كان اُميّة جهماً، آدم، قصيراً، ذميماً، سيّئ الطالع، نكداً، ضئيلا، عمى آخر عمره فكان يقوده عبده ذكوان

ـ الذي تبنّاه وألصقه بقريش - وسمّاه - أبا عمرو - وكان اُميّة سارقاً إباحياً عاهراً، ضعيفاً، أدنى إلى صفات العبيد منه إلى صفات الأحرار، ثمّ هو مشكوك في نسبه، ومستعبداً استعبده عبد المطّلب، (منفيّ نفاه هاشم) - وستأتي ترجمته موجزاً -.

أنقل إليك نبذة ممّا ذكر السيّد صدر الدين شرف الدين في كتابه هاشم واُميّة موجزاً:

لاُميّة شخصية مجهولة الواقع يحوم التاريخ حولها بشكّ وريبة، وينسبها المؤرخون باحتياط وتحفّظ.

فإذا قيل إنّه عبشمي اللّحمة، كان قولا لا يستند إلى اليقين، ولا يصدر عن القطع، ذلك لأنّ في الرواة والمؤرخين من يقول بأ نّه عبد رومي لعبد شمس، ثمّ تبنّاه عبد شمس لأسباب لا نتحقّق منها جيّداً.

ولعلّ من هذه الأسباب أنّ من العرف عند العرب أن يتبنّوا الربائب والعبدان إذا استوى ذلك لأحدهم بحبّ منه لربيب أو لعبد، أو لعلّ منها أنّ اُميّة كان قرشياً بالولاء،

والنسبة بهذا الوجه صحيحة عند العرب، أو لعلّ منها أنّ اُميّة كان لبقاً في استيلائه على مولاه، وفي استئثاره بحبّه ورضاه.

ومهما تكن الأسباب فإنّ عبد شمس تبنّى اُميّة، ثمّ مضى الزمن واُميّة يدعو مولاه أباً، والمولى يدعوه ابناً، حتّى ألف الناس هذه الاُبوّة وهذه البنوّة التنزيليتين.

ولعلّ أحداً يستبعد أن يكون اُميّة عبداً مستنداً في استبعاده إلى جرأة اُميّة على منافرة هاشم، أو معتمداً على أنّ قريشاً كانت تنظر إليه نظرها إلى القرشي الصريح، لعلّ أحداً يستند إلى هذا أو إلى نحوه في استبعاده عبوديّة اُميّة، ولكن جرأة اُميّة العبد مستمدّة من جرأة عبد شمس المولى، ولا نرانا في حاجة إلى التدليل على هذه الظاهرة - ظاهرة استمداد العبيد قوّتهم من مواليهم - فاُميّة إن تكن به قوّة على منافرة أو تحرّش فإنّما يركب في ذلك عبد شمس ويستلئم بقواه، وحسبه منها أنّ عبد شمس أخ لهاشم وابن لعبد مناف.

على أ نّي أشكّ في صدق هذه المنافرة - وإن رويتها بعد هذا الفصل - وأرتاب جدّ الارتياب في خبر جرأته، وأحسب أنّ للدعاية في سلطان الاُمويين شأناً في عمل هذه الأحاديث لتلحقهم ببني عبد مناف وتثبت لهم النسبة إلى قريش، فهم مطمئنون إلى انغلابهم وإلى فشلهم في حديث المنافرة مادام سياقها يثبت بنوّة اُميّة لعبد شمس، وصنع الانغلاب والرضى بالعبودية طريقان وعران لم يختاروا سلوكهما لولا أ نّهم محتاجون إلى إثبات هذه النسبة التي تقرّبهم من هاشم:

ويكاد يثبت عندي أنّ هذه الأقاصيص والأخبار مصنوعة أو محرّفة فإنّه لا يجوز في رأيي على الأقلّ أن يتواضع هاشم وعبد المطّلب إلى منافرة اُميّة وكلّ تقدير من تقادير حياتهما وتقادير حياته لا يبيح ذلك ولا يرضاه، وأكاد لا أشكّ أنّ اُميّة نفسه لم يحدّث نفسه أن يطمح إلى هذا الخيال من معارضة هاشم أو مجاراة عبد المطّلب في مآتيهما أو مساواتهما في مراقيهما، بل

لا أكاد أشكّ في أنّ المجتمع الذي عاشا فيه لا يبيح لاُميّة ذلك، واُميّة اُميّة الذي عرفوه ثمّ عرّفونابه، وهاشم وابنه هما هما كما عرفوهما و عرّفونا بهما.

ولكن فلتكن الرواية صحيحة، وليجرؤ اُميّة فينافس هاشماً وينافس عليه مكانته، فما أظنّ أنّ هذه الجرأة تستطيع أن تضمن له صحّة النسب ما دام في الإمكان أن يتذرّع العبيد بأسماء مواليهم.

وما أظنّ كذلك أنّ نظر قريش إليه نظرهم إلى القرشيين يكفل له صحّة النسب أيضاً ما دام استطاع أن يستحوذ على عبد شمس نفسه وأن يسوقه إلى تبنّيه وإيثاره، فإنّه مستطيع - إذا استطاع ذلك - أن يسخّر الوسائل التي استحوذ بها على عبد شمس فيسعى بها إلى بعض هذا الجاه كمعبّر عن رأي عبد شمس أو ناطق بلسانه، ثمّ يرتقي بعدئذ وترقيه وسائله إلى أن ينال بعض النظر إليه قرشياً.

وما يدرينا لعلّهم نظروا إليه قرشياً تبعاً للعادة التي

تبنّوا بها الربائب والعبدان على نحو التنزيل، أو لعلّهم نظروا إليه قرشياً على نحو المجاز بعلاقة الولاء ولكلّ تقدير من هذه التقادير وجهه المعتبر في عرفهم.

وما يدرينا فلعلّهم لم ينظروا إليه إلاّ عبداً كما نظروا بعدئذ إلى ابنه أبي عمرو - كما كنّاه اُميّة حين أراد أن يتبنّاه - فكان عند اُميّة وبنيه أبا عمرو وعند قريش كلّها(ذكوان) العبد - كما يقول النسّابة دغفل([39]) -.

وفي الحقّ أنّ تكرار التبنّي في هذا النفر، وحرص معاوية والاُمويين على أنّ ذكوان العبد إنّما هو أبو عمرو ابن اُميّة، نقطة ضعف تضاعف الشكّ في أمر اُميّة نفسه،

والنواء يثبت أنّ تداخل الأنساب في تأريخهم شيء مألوف فعلوه في الجاهلية، ولم يتحرّجوا عنه في الإسلام حين احتاجوا إليه في زياد بن أبيه هذا الذي تآخاه معاوية وتبنّاه لأبيه فيما هو معروف من أمره مشهور شهرة تغنينا عن شرحه وإيضاحه([40]).

وإنّ من يمعن شيئاً من الإمعان ويحاكم التاريخ على ضوء التحليل والمناقشة يجد عوناً أيّ عون على اعتبار اُميّة عبداً استغلّ بساطة سيّده الساذج، واستأثر به استئثاراً.

أقول: إنّ من يقف إلى هذه المحاكمات إن لم يستيقن أنّ اُميّة إن كان إلاّ عبداً فإنّه يشكّ - على الأقلّ - في نسبته ويرتاب في أمره، فلا يقطع بحكم.

إنّ هاشماً وعبد شمس توأمان فيما يرويه الطبري وابن الأثير وابن أبي الحديد وإنّ هاشماً مات عن خمس

وعشرين سنة من العمر في أعلى الروايتين، وفي رواية إنّه قبض وله من العمر عشرون.

وبناءً على أيّ الروايتين نستبعد أن يكون لعبد شمس يومئذ ولد كبير يكتوي بنار الحسد وتتحرّك فيه نوابض المنافسة على مجد يذكر أو على ذكر ينشر.

متى تزوّج عبد شمس؟ ومتى ولد اُميّة؟ وما مقدار عمر اُميّة - إن كان ابنه - وعبد شمس في العشرين أو في الخامسة والعشرين من عمره. بل هو دون هذه السنّ في الغرارة من غير شكّ لأنّ المنافسة لم تقع سنة مات هاشم وإنّما وقعت قبل ذلك.

ولنفرض أنّ هاشماً هشم الثريد في المجاعة الجائحة - كما سنفصّله - وهو ابن العشرين، ويلزم هذا الفرض أن يكون لعبد شمس مثل هذه السنّ بطبيعة كونهما توأمين أو دون هذه السنّ إذا كان هاشم أسنّ منه - كما يروى -.

ثمّ لنفرض أنّ عبد شمس تزوّج في الرابعة عشرة من عمره وعلقت زوجه باُميّة سنة الزواج فكم يكون عمر

اُميّة سنة المجاعة حين طمح إلى مجاراة هاشم؟

يكون عمره ست سنين على أوسع تقدير، ثمّ لنوسع الفرض فيلتزوّج عبد شمس مبكّراً جدّاً، ولتكن المنافسة متأخّرة جدّاً. فهل يضاف إلى السنين الست أكثر من سنتين أو ثلاث؟ ولتكن أربعاً على فرض شاذّ فماذا عسى أن يكون عمر اُميّة آنئذ؟

يكون عمره عشراً.

فهل يجوز لغلام غرير في مثل هذه السنّ أن يطلب ما طلبه اُميّة؟ وهل تكون عنده ثروة تسمح له بالإنفاق على نحو يضارع به هاشماً مع العلم بأنّ أباه عبد شمس كان فقيراً مقلاّ يتّكل على أخيه هاشم في جلّ عيشه؟

ما أظنّ أحداً يستطيع أن يصدّق هذه المعجزة لرجل لم يعرف بروحانيّة ولم تؤثر به عبقرية.

أضف إلى كلّ ذلك أنّ هاشماً أجلى اُميّة - كما يقول المؤرّخون - حين تنافرا عشر سنين عن مكّة، وإذا جاز أن يقضي اُميّة هذه المدّة في منفاه بعد وفاة هاشم فإنّه

لايجوز لهاشم أن ينازل غلاماً مهما كانت ظروف المنازلة.

ثمّ إذا نازله فلا يجوز أن يحكم عليه هذا الحكم القاسي وهو في مثل هذه السنّ، لا يجوز ذلك لأنّ هاشم من خلائق برّه وعطفه وإحسانه ما يمنعه من ذلك.

هذا ما بدا لي وأنا اُقلّب وجوه الرأي من هذا الموضوع في صفحات من الطبري وابن الأثير وطبقات ابن سعد وشرح النهج والبلاذري فلا أكاد أنتهي من قراءتها ومناقشتها حتّى أستقرّ وأكاد أستقرّ على اعتقاد إلصاق اُميّة بعبد شمس إلصاقاً أو على الشكّ في نسبته هذه أقلا.

وإذا تجاوزنا هذا كلّه فإنّا مستهدون بعض الواقع من أمر اُميّة على ضوء النصوص الصحيحة الصريحة.

يقول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لمعاوية في بعض كتبه إليه بعد الموازنة بين هاشم واُميّة وبين حرب وعبد المطّلب وبين نفر من آل هاشم ونفر من آل اُميّة، يقول أمير المؤمنين: وليس المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق.

ويقول أبو طالب من أبيات أنشأها حين تظاهر عليه وعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنو عبد شمس ونوفل:

توالى علينا موليانا كلاهما***إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمرُ

بلى لهما أمر ولكن تراجما***كما ارتجمت من رأس ذي القلع الصخرُ

أخصّ خصوصاً عبد شمس ونوفلا***همانبذانا مثل ما نبذ الخمرُ

قديماً أبوهم كان عبداً لجدّنا***بني أمة شهلاء جاش بها البحرُ

يشير أمير المؤمنين بقوله (اللصيق) إلى هذا الذي نبحثه ونتساءل عنه في نسب اُميّة، وليس أدلّ من كلمة (لصيق) في اللغة العربية على انتحال اُميّة نسبه إلى عبد شمس.

وأمّا قول أبي طالب فلا يقلّ دلالة عن قول ابنه بل يزيده تفصيلا لما أجمل أمير المؤمنين، وتبييناً لما أبهم،

فإذا كان الإلصاق ملتبس الكيفية في قول أمير المؤمنين فقد أوضحه أبوه بقوله: (بني أمة شهلاء جاش بها البحر).

فالأبيات التي أنشأها أبو طالب صريحة بأنّ اُميّة شيء قذفه البحر إلى الحجاز مع التجارة التي كانت ترد إلى مكّة من الروم وغيرها.

وهل يجيش البحر بشيء من السلع الآدمية غير الرقيق والإماء؟ ولعلّ اختيار كلمة (شهلاء) في وصفه يدلّ على ما نفهمه، يعني الروم، فالشَهل زرقة العيون يشاب بها سواد العين، وهي صفة لا تعرفها العين العربية.

وهاتان الشهادتان صدرتا من أبي طالب وابنه عليّ، كما عرفناهما وعرفتهما الدنيا رجلان برّان تقيّان يتحرّجان من القول في غير علم، ويأنفان من الاعتماد على الهجاء، وإذا قالا لم يرجما بالغيب وإذا أخبرا لم يصدرا إلاّ عن الصدق والإنصاف والحقّ، لا تأخذهما في الله لومة لائم، ولا عداوة أو صداقة، ولا ينحرف بها رضى أو سخط.

كما أنّ أبا طالب عاصر زمان اُميّة الذي تثبت من واقع الحال في الجاهلية، ولشباب مكّة - يومئذ - مسارح للمجون والخلاعة، مع غانياتها، فإذا امتدّ سدول الليل سعى الفتيان وسعت الفتيات معهم إلى المواعيد والأسمار يؤلّفهم الغناء، وتنتظمهم موائد الخمر في دبر العشاء، فإذا نالوا حظّاً من السمر واللّهو والعبث لفّتهم المضاجع مع أنفاس السحر لا يستفيقون من سكر الكأس ونشوة الفسق إلاّ حين تندلع ألسنة الشمس.

بمثل هذه الحياة فتن اُميّة ولها خُلق - على دمامته - ولهذه الحياة أعدّ نفسه، لا للبذل والعطاء، ولا لدفع المغارم أو كسب المغانم ولا لرفع الحياة في ذلك البلد المقدّس المحجوج البيت الحرام، المعظّم الشعار.

ولعلّ اُميّة كان أحرص خلعاء مكّة على الخلاعة وأشدّهم تمسّكاً بمنكراتها، وتدلّ أخباره المروية على أنّ الإدمان والاستخفاف بلغا منه مبلغاً أدانه بالإباحية والدياثة وجرّه إلى عوراء تستنكرها جاهلية المنكرات.

روي أ نّه نزل عن زوجته لابنه أبي عمرو([41])... الذي يقول عنه دغبل إنّه ذكوان العبد، فبنى بها أبو عمرو، واُميّة حيّ لا يأنف ولا يطرق ولا يندّ.

فكان بهذه الإباحية نقيضة من نقائض عصره ومحيطه واُسلوباً خاصّاً من أساليب الفسق والفجور ما كان يعرفه العرب، وهذا الاُسلوب دليلا على الشكّ في نسبه، يؤيّد القول بعروضه على مكّة من وراء البحر.

نعم سبق اُميّة إلى الإباحية والاسترخاء فكان بهذا النقيض الذي لا يتلقي أبداً مع أخلاق العرب وتقاليدهم.

وإذا كان اُميّة مبالغاً بإباحيّته في وسط يغالي بمناقضته في هذا الخلق إباءً وغِيرةً، فلا جرم أن عُرف اُميّة فيه عاهراً ضعيف النفس([42]).

* * *

وبعد، فما اُريد أن أفرض هذا الرأي في نسب اُميّة فرضاً، وإنّما اُريد أن أضعه موضع الاعتبار والتأمّل كأمانة تأريخية أتخفّف من وزرها بإلقائها، ولمن يقرأ - بعدئذ - أن يُحَكِّم فيها رأيه وعقله، وله أن يأخذ بها أو يتعدّاها إلى ما يشاء من عقيدة او إيقان.

ولئن شككنا بعبودية النسبية - فإنّه لا شكّ بعبودية السببية كما يدّعي المؤرّخون والمحدّثون - وقد استعبده عبد المطّلب إلى أجل - اُميّة نفسه سمّاه - وقدره عشر سنين افتدى بها جزّ ناصيته في سباق غلب فيه([43]).

وسواء أكان اُميّة عبداً رومياً أم كان امرءاً عبشمياً، فلم يكن له في نفسه ميزة أو خليقة ترفعه إلى شرف أو نباهة أو نبل، ولم يكن لأبيه - التقديري أو الحقيقي - عبد شمس نفسه ميزة كذلك([44]) وإن كان عبد شمس شيئاً

مذكوراً بأبيه وبأخيه هاشم الذي كان يكفل عيشه وسدّ مسغبته([45]).

ثمّ إنّما كان اُميّة بعدئذ شيئاً مذكوراً ببنيه([46]) الذين واتاهم من الحظّ ما قرنهم ببني هاشم في التاريخ خصوماً ألدّاء لهاشم وبنيه فلا يذكر الهاشميين ذاكر إلاّ ذكر معهم الاُمويين مهما كان نوع الذكر.

على أنّ الدهر أبادهم وعفى على آثارهم واحتفظ بالهاشميين بقية السيف نجوماً يشرقون في كلّ جيل إشراق الصباح في أنحاء الزجاجة، ويشيعون في كلّ خلف شيوع الحياة في الأجسام الحيّة كثرةً ونفعاً.

وحسب اُميّة وبنيه من المجد ما أصابوه من مناوأتهم الهاشميين وبعثهم في الدهر خصوماً لهم أشدّاء، وليكن

بعدئذ رومياً أو عبشمياً ألم يستطع بنوه أن يقفوا لما فشل هو به وأخفق فيه من هذه المساواة الزمنية؟

* * *

بعد هذا كلّه لا نستبعد ما تلصقه به الأخبار من النقائص والصفات التي تجتمع للصعاليك من ضعاف النفوس، وقد اجتمع لاُميّة منها ما تفرّق فيهم فكان له أكبر نصيب ممكن.

كان - بالإضافة إلى ما ذكر - لصّاً يغير على الحجّاج وهو غلام([47]) فيختلس ما يتاح له اختلاسه من أشيائهم ولعلّه إنّما كان يسرق ليتمرّس بالسرقة ويعزى له شيء من الحساب حين يعد ذوو الخطر من رجال مكّة فإنّ

مكّة يومئذ كانت مستعمرة للقوّة لا يعلو فيها غير كلمة الأقوياء، وكان في مكّة أنحاء وأنماط من مذاهب النفوذ والسيطرة بعضها يلتقي والسرقة ببعض المشابه والمعاني، فنفوذ بني عدي أو بني جمح مثلا كان من طرقه السرقة ولكنّها سرقة لا تعتمد على الخلسة والاختفاء بل تعتمد على القهر والغلبة، وإذا كان السلب طريقاً إلى النفوذ والظهور فلماذا لا تكون السرقة طريقاً إليهما؟ بل لماذا لاترتقي السرقة يوماً فتكون سلباً واقتداراً؟

لعلّ اُميّة فكّر بهذا وهو يطوف بين مضارب الحاجّ وعلى هذا التقدير يكون قد أشبع من السرقة ميلين في نفسه، ميله الطبيعي إلى الاختلاس والتلصّص وميله إلى الشهرة والوجود عن هذا الطريق.

وصفات اُميّة - بعدئذ - تدلّنا بجملتها على أ نّه كان طموحاً توّاقاً إلى البروز وإن كانت أدواته ووسائله إلى ذلك وسائل الأحمق إلى بروز شيء خزيان.

كان خباً لئيماً حسوداً، وآية ذلك أ نّه كان يأرق من

همّ وألم ويقلق من حقد وغبن إذا رأى مكرمة لعمّه هاشم - إن صحّ نسبه - ومن اعتزّ بنسبته إلى هاشم عن قرب أو عن بعد فإنّ اُميّة كان يُؤذى أشدّ الإيذاء بما ينشر لهاشم من صحف الحمد ويذاع باسمه من سور الثناء.

وجملة القول إنّ صفات اُميّة تدلّ على طموح إبليسي موهوب.

كان فاسقاً لا يرضيه من حياة الفسق إلاّ أن تتلاقى عنده أطرافها.

فيسوّل له الطموح - وهو في هذه النفوس يرادف الحسد وربما لازم العجز - أن يجاري هاشماً في مراقيه الصعاب.

ينظر إلى هاشم في ألقه الباهر وفي عرفه العاطر تحيط باسمه الألقاب الكريمة يردّدها الشعراء بالقوافي الحسان، وتردّدها أندية قريش بالأسمار والأحاديث، وتردّدها القوافل تصدر عن مكّة إلى أطراف الأرض. وترد إلى مكّة من أطراف الأرض أيضاً.

ويعيد النظر إلى هاشم فإذا هو ملء السمع والبصر وملء القلوب والأفئدة.

ثمّ يعيد النظر إلى اُميّة فإذا امرؤ ضامر ينزوي من كلّ ذلك في حانة يندفع اسمه منها بروائح الخمر والسكر ويقطر بالفسق والعهر.

فهو من الناس في الوهاد والسفوح والمنخفضات، وهاشم في الأعالي والقمم والأنشاز يستشرفه الناس من حيث يشرفون على اُميّة.

هذا وما إليه حزّ في نفس اُميّة ودفعه لأن يتقمّص صفات ليس ميسوراً له أن يتقمّصها لأ نّها ليست من طبيعته ولا خلقه ولو سأل نفسه كيف صبا إلى غير أشيائه.

ولكن اُميّة يعلم أنّ كلّ علاقة بهاشم موجبة للكرامة والمجد وهي ميزة لهاشم وحده لا يشاركه فيها غيره من زعماء قريش.

علاقة الصداقة والولاء لهاشم توجب الكرامة والمجد ولكنّها غير ممكنة من طرفيها فلا هاشم يستطيع أن ينسب

إليه اُميّة ولا اُميّة يستطيع أن يوالي هاشماً.

وإن امتنعت هذه فضدّها ممكن وهو في إمكانه موف على الغرض لأنّ علاقة العداء لهاشم توجب الكرامة والمجد أيضاً.

من هنا رأيناه يصير إليها ويصرّ عليها.

منافرته لهاشم:

ومهما يكن من أمر فإنّ روايات التاريخ تجري بقصّة طموحه فتسوق لنا أ نّه ذهب مرّة في أثر هاشم يتكلّف هشم الثريد وإطعام الطعام، وخيّل إليه الحسد الذي أثاره([48]) أنّ الثريد كان سبيل هاشم إلى مجده ووسيلته إلى زعامته، وحين رآه يستأثر بالفضل في ردّ المسغبة عن

الناس في تلك السنة المجدبة احتذى مثاله في التعرّض للغفاة الجائعين ولكنّه لم يطق الاستمرار فارتدّ وشيكاً إلى سجيّته منكمشة قواه الخائرة على عجز ظاهر في نفسه قبل كفّه، وأخذه النقد يومئذ أ نّه إن لم تكن به قدرة فلماذا يقحم نفسه هذا الإقحام تحت عبء ثقيل؟ ثمّ إذا لم يقبل على هذه الأريحية بطبع كريم يلزمها حتّى يعذر في الكفّ عنها فلماذا يتطبّع غير طبعه ولماذا يتكلّف غير وضعه؟

لحاه اللاّحون بهذا وما إليه وكان من خيبته وإخفاقه في حال تدنّيه من الغضب السريع والثورة في غير سبب ومن أجل هذا ملكته ثورة من الحدّة لا موضع فيها للتدبّر، وزيّن له شيطانه أن يحمل تبعات إخفاقه هاشماً فذكر هاشماً بسوء ثمّ تمادى فذهب ينافره كأنّ هاشماً تعمّد إبطال مجده أو تولّى إحباط سعيه إلى ذلك المجد الموهوم.

ولكن هاشماً أبى أن يسفّ إلى منازلته فأعرض عنه ضنّاً بكرامته أن تمسّ بمنافرة([49]) رجل كاُميّة تصطلح عليه عوامل من شرّ وضعة، وتكتنفه هنات من خلاعة وهوان. غير أنّ قريشاً آثرت لهاشم ألاّ يستكبر وأن يجيب داعية المنافرة لئلاّ يفسّر الإحجام بمعنى من معاني الخوف أو الإخفاق في هذا التحدّي.

ومرضاةً لكرامته التي حرص عليها القرشيون وأشفقوا عليها ممّا يظنّ في إحجامه إن أحجم في غير حجّة واضحة.

اشترط خمسين ناقة سود الحدق تنحر في بطن مكّة، وجلاء عشر سنين عن مكّة فكان على المغلوب أن يرزح تحت هذين الشرطين.

وفي الحقّ أ نّهما شرطان ثقيلان في ثانيهما إعنات شديد فهل تنجح هذه الحيلة في إرهاب اُميّة؟

نعم لو أ نّه رجل يضع لكرامته ميزاناً أو يرصد لعزّته حساباً لنكل - إذن - وأحجم بل لاعترض واحتجّ على الأقلّ ولكنّه لم يفعل شيئاً من ذلك بل أقدم راضياً غير متبرّم مقبلا غير مدبر فهل معنى ذلك أ نّه واثق من النجاح أو مطمئن من الفوز؟

لا... ، لأنّ هاشماً رجل لا طريق إلى التفوّق عليه بوجه من وجوه الحقّ.

إذن أيكون معنى ذلك أنّ اُميّة مغرور أحمق يضع عن نفسه حساب المنطق.

أيضاً لا، لأنّ لاُميّة من الذكاء ما يضمن له معرفة مصلحته في حدوده وآفاقه. فماذا - إذن - سلكه في هذين الشرطين راضياً مطمئنّاً؟

لقد مرّ الجواب عن هذا السؤال، فإنّ كلّ علاقة مع هاشم موجبة للشرف والمجد والخلود، علاقة العداء كعلاقة الولاء في ذلك، كلتاهما تقوم بالغرض وتفي

بالغاية. وحسب اُميّة من هذه المنافرة أن تُروى، ثمّ لا يهمّه - بعدئذ - أن يكون مغلوباً يتقاضاه انغلابه الجلاء والتخسير.

* * *

قال الكاهن الخزاعي - جدّ عمرو بن الحمق - وهو يحكم لهاشم:

«والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجوّ من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر، لقد سبق هاشم اُميّة إلى المآثر، أوّل منه وآخر، وأبو همهمة - كنية الكاهن - بذلك خابر».

فدفع اُميّة خمسين ناقة ذبحها هاشم وأطعمها.

وجلا اُميّة عشر سنين عن مكّة قضاها في الشام.

ويقول المؤرخون في التعليق على هذه الحادثة (أ نّها أوّل عداوة بين هاشم واُميّة) وكان البادئ بها اُميّة وكأنّ هذه العداوة كانت مقدّرة بين هذين الحيّين تنعقد نطفها

في الأصلاب والأرحام حين كان هاشم وعبد شمس ينحدران توأمين([50]) - سبحان الله - تلصق إبهام هاشم في جبهة عبد شمس، وكأنّ هذا إيعاز بسيادته وتقدير لزعامته، ولكنّهما حين فرّق بينهما سال دمهما فتطيّر من حضر ومن سمع الخبر وتشاءموا أن سيكون بينهما خصام.

عبد المطّلب واُميّة:

لم ينتفع اُميّة من الدرس القاسي الذي ألقاه عليه هاشم، ولم يتّعظ بما ناء تحته من شرط هاشم فعاد بعد عشر سنين من الشام وكأ نّه كان يتّجر فيلبث ما يلبثه تجّار قريش من قطع هذه المراحل في الذهاب ومن قطعها في الإياب ومن المكث فيها ريثما يتمّ البيع

والشراء ثمّ يضمن الربح أو يبوء بالخسارة.

لم يستفد من نفيه إلاّ إلحاحاً على العناد وإلاّ إسرافاً في الفساد وإلاّ مضياً في الحسد والعداوة، ولكأنّ بعده عن مكّة أوغر صدره وأزكى حسيكته فظنّ أ نّه إن أخفق في منافرة هاشم فقد يصيب بعض النجاح مع عبد المطّلب فمضى على غلوائه يحفظ (شيبة الحمد) ويلقاه بما يكره ويستفزّه ألوان الاستفزاز فيعرض عنه عبد المطّلب إباءً وكرماً ولكن اُميّة يلحّ في ذلك إلحاحاً يضطرّ عبد المطّلب - كما اضطرّ أباه من قبل - إلى الوقوف له غير أ نّه حين عزم على هذا الموقف ذكر أنّ اُميّة لم يتّعظ بشرط أبيه فاشترط - لذلك - شرطاً أنكر وأمكر وأبعد أثراً في إذلال هذا الإنسان الذي لا يني يتسوّر عليه بغير سبب ويتطاول إليه في غير طول ولا وسيلة.

راهنه عبد المطّلب على سباق بين فرسين ووضع لهذا الرهان فقرا صعبة ثقيلة لم تكن تقصد إلى التخسير فقط

وإنّما كانت تقصد مع ذلك إلى التحقير والإهانة وإلى إماتة معنوية اُميّة إماتة لا ينشر بعدها ولا تقوم له معها قائمة.

ولعلّ الأولى أن نسمّي هذا الرهان مباهلة أو إرهاصاً - كما يقول المتكلّمون - وإلاّ يكن من هذا القبيل فمن يضمن لعبد المطّلب أن يسبق فرسه؟

إنّها مباهلة حقّاً وليست رهاناً فإنّ لعبد المطّلب من حجاه ما يمنعه من المغامرة بكرامته لقاء سباق كهذا، وعن المخاطرة بمجد كمجده في شوط بين فرسين متماثلين أو قريبين من التماثل.

إنّ عبد المطّلب لا ينيط مصير كرامته بفرسين تعرض لهما الكبوات لو لم يكن الأمر مباهلة يثق منها بنجاح مضمون.

ولا نستبعد على عبد المطّلب هذه الروحية العظيمة فقد كان من صفاء النفس وقدس الذات بمكان..

كان هذا الرهان، أو كانت هذه المباهلة - كما أراها -

تجعل على المغلوب مائة من الإبل وعشرة من الأعبد، ومثلها من الإماء، يضاف إلى كلّ ذلك استعباد سنة وكلّ ذلك ينضاف إلى جزّ الناصية.

* * *

واستشرفت العيون ميداناً وعراً يتدفّق فيه جوادان يطويانه طيّاً ويثيران حصاه الآمنة وجنادله المستقرّة ويعقدان خلفهما جوّاً من النقع وسماء من الغبار. وكانت القلوب سريعة الخفق عاليته والأحداق واسعة النظر حادّته، والنفوس بيّنة القلق قويّته، تستحثّ الجري وتماشيه بالمناكب والأعناق والأكفّ إلاّ عبد المطّلب فإنّه كان هادئاً مطمئنّاً راضياً، وإنّ ثغره الجميل الوضّاح ليفتر عن ابتسامة غرّاء تشير إلى سبق جواده السابح المنساح.

ولم تلبث حال القوم هذه طويلا فما هي إلاّ لحظات يخفق فيها الطرف ثمّ يعود وإذا بجواد عبد المطّلب ينهب المضمار نهباً ويختصر المسافة اختصاراً ويقرّ في الغاية

يعلن انتصاره بالهمهمة والصهيل ويعقد من ذيله المنتصب قوساً لهذا النصر فيقوّسه حتّى يبلغ بطرفه ما بين اُذنيه معتزّاً مزهوّاً وخلفه منافسه يجري ويجهد في غير انتفاع.

وعاد عبد المطّلب بالشرط فوزّع منه ما يقبل التوزيع على قريش وأراد أن يجزّ([51]) ناصية اُميّة ولكنّ اُميّة افتدى جزّ ناصيته بأن يكون عبداً لعبد المطّلب عشر سنين (فكان اُميّة في حشم عبد المطّلب وعضاريطه عشر سنين)([52]).

ويدلّ على هذه العبودية قول أبي طالب حين تظاهر عبد شمس ونوفل على رسول الله وقد ذكرنا الأبيات فراجعها.

ويدلّ عليه أيضاً ما افتخر به عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية في حديث جاء فيه إنّ عبد الله قال ليزيد:

بأيّ آبائك تفاخرني؟ بحرب الذي أجرناه أم باُميّة الذي ملكناه أم بعبد شمس الذي كفلناه؟

يقول ذلك على مسمع من معاوية فيقرّ معاوية فخره ويأمر يزيد ألاّ يفاخر الهاشميين لأ نّهم «قوم لا يجهلون ما علموا ولا يجد مبغضهم لهم سبّاً»([53]).

هذه بداية النزاع بين هاشم واُميّة.

ثمّ درجت السنون تتمّ هذه البداية بأحداث يأخذ بعضها برقاب بعض.

وكانت هذه البداية التي لا مبرّر لها - كما رأيتم - بداية ظالمة لا تصدر عن الحلم ولا عن الأناة ولا عن العقل ولو كان فيها شيء من ذلك لانعكست - إذن - إلى ودّ، بل إلى اعتزاز بهذه القربى الرحيمة الحكيمة الممتازة وبهذه الرحم القريبة البرّة العظيمة، وبهذه العمومة([54]) التي ملأت

مكّة فيضاً وغيثاً وخيراً عارماً وادقاً، ثمّ تجاوزت مكّة إلى الحجاز كلّه ثمّ ضاق بها هذا القطر الضيّق بطماحها وآمالها فتدفّقت من هنا وهناك في مسارب الأرض ومسالك البيد تنجد وتتهم وتشئم وتعرق وتتيمّن وتتحبّش وتترك في كلّ مكان نشراً وفي كلّ نجد عطراً وفي كلّ أرض ذكراً.

لو أنّ لهذه البداية مصدراً من العقل لاعتاضت - إذن - عن الجفاء بالولاء وعن الصدّ بالودّ وأقبلت على هذا معتزّة مزهوّة فيمن أقبل من قريش القريبة ومن قريش البعيدة ومن غير قريش ممّن ألمّ بمكّة في تجارة أو زيارة ولكن هذه البداية انسبقت بالحسد فامتلأ صدر اُميّة من كلّ ذلك غيظاً وظلّ ذاكي الحقد حران الصدر غير منقوع الغليل.

ومردّ هذا الحسد وجود هاشم هذا الوجود الذي ملأ السمع والبصر، وبلوغه من دولة مكّة ما لم يبلغ

عبد شمس بعضه.

ثمّ يرد هذا الحسد إلى ما تركه الهاشميون في حياة مكّة من أنظمة العدل والفضيلة وأسباب التجارة والنعيم ووسائل الأمن والسلام على نحو لم يكن فيه للاُمويين ضلع ولا يد.

وبعد فإجمال حديث اُميّة أ نّه مندحر أمام هاشم، أشنع الاندحار. فهو مندحر بخلقه وأخلاقه.

ثمّ هو مندحر بنسبه الذي لا يطمأن إلى القطع بأحد احتماليه.

ثمّ هو مندحر بنفسه المجدبة من مؤهّلات هاشم.

وهو مندحر بأبنائه الذين تتقطّع بهم الطرق دون شأو أبناء هاشم.

ثمّ هو مندحر بأ نّه لم ينل حظّاً من مناصب قريش ولم يسهم بشيء من الخير في حياة مكّة.

وبعدئذ فهو مدحور حين أراد أن يزاحم هاشماً

باصطناع بعض أخلاقه ومطرود لقاء هذا التزوير الخلقي عشر سنين مع غرامة نقدية قدرها خمسون ناقة سود الحدق.

وأخيراً فهو مستعبد عشر سنين عند عبد المطّلب قضاها بين حشمه وعضاريطه.

روي أنّ حرباً بن اُميّة نافر عبد المطّلب بن هاشم إلى نفيل بن عدي فكانت دهشة نفيل عظيمة جدّاً حين رآهما مقبلين للمنافرة، وكان غريباً جدّاً أن يطمع رجل كحرب بمنافرة رجل كعبد المطّلب مع تلك الفروق العظيمة بينهما نفسيهما، وبين أبويهما من قبل، تلك الفروق الاجتماعية والنفسية والعقلية والجسمية، فروق كثيرة أ نّى التفت منها تجد فارقاً عظيماً يرفع جهة ويحطّ جهة.

قال نفيل لحرب([55]) يعلن هذه الحقيقة وقد انتهيا إليه:

«أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقلّ منك لآمة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً، وأطول منك مذوداً([56]).

أبوك معاهر وأبوه عفّ***وذاد الفيل عن بلدالحرام([57])

وإنّها لمجازفة حقّاً لأنّ في الحكم فضيحة منتظرة لحرب ولأبيه لا يستطيع حرب نفسه أن ينساها أو يتغافل عنها أو يدفعها حين يحكم عليه بها.

كما أعلن أبو سفيان الحرب ضدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)ورسالة السماء في مكّة قبل الهجرة وأشعل نار الحروب الثلاثة بعدها في مواقع بدر واُحد والأحزاب، وشاء الله أن ينصر رسوله والذين آمنوا معه ويهزم المشركين والكافرين ويخزيهم، كما نصر هاشم وعبد المطّلب من قبل ودحر المشركين والكافرين وأصحاب الفيل.

 



([1])  البقرة  : 36 .

([2])  الدهر  : 3 .

([3])  كانت جرهم في أعلى مكّة تعشّر من دخلها من أعلاها ، وكان حوزتهم وجه الكعبة والركن الأسود والمقام ، مصعداً يميناً وشمالا وقيقعان إلى أعلى الوادي .

([4])  ما يؤخذ من المارّة ضريبة المرور تسمّى تعشير .

([5])  اما قطوراء وسيّدهم السميدع وكان حوزهم أسفل مكّة ، وأجياد ، والمسفلة ظهر الكعبة ، والركن اليماني ، والثنية إلى الرمضة .

([6])  ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية 2  : 234 .

([7])  سيرة ابن هشام 1  : 233 ، طبعة بيروت ـ دار الجيل .

([8])  مقتطفة من كتاب هاشم واُميّة في الجاهلية ، للسيّد صدر الدين شرف الدين .

([9])  الأدم  : الجلود المدبوغة .

([10])  شرح النهج 3  : 358 ، عن الزبير بن بكار .

([11])  طبقات ابن سعد 1  : 43 ، وشرح النهج 3  : 458 ، وفي ترجمة ابن الأثير وابن سعد في طبقاته .

([12])  طبقات ابن سعد 1  : 41 .

([13])  الطبقات 1  : 42 .

([14])  فابن الأثير ، وابن أبي الحديد يقولان إنّ هاشماً تولّى السقاية والرفادة بعد أبيه عبد مناف الذي كان يتولاّهما .

([15])  انقسموا بعد هاشم ، فكان بنو هاشم والمطّلب وبنوه يداً واحدة ، وكان نوفل وعبد شمس وأبناؤهما يداً واحدة .

([16])  إبراهيم  : 35 ـ 36 .

([17])  يعني القبر وما في حفرته من ظلام .

([18])  كانت بئر زمزم تسمّى طيبة ; لأ نّها للطيّبين والطيّبات من ذرّية إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) .

([19])  سمّيت بئر زمزم أيضاً ( برّة ) لأ نّها كانت تفيض على الأبرار من الناس وتغيض عن الأشرار منهم .

([20])  سمّيت بئر زمزم أيضاً بالمضنونة لأ نّها كانت تضنّ بمائها على غير المؤمنين بالله وباليوم الآخر .

([21])  لا تنزف  : أي لا ينفد ماؤها ولا يدرك قاعها .

([22])  لا تذمّ  : أي لا يقلّ فيها الماء أبداً ، إذ أنّ العرب يقولون  : أذمت البئر إذا شحّ ماؤها .

([23])  الغراب الأعصم هو الغراب الذي توجد في جناحيه ريشات لونها أبيض .

([24])  النحل  : 66 .

([25])  الطيّ  : هو الحجارة التي تُطوى بها البئر .

([26])  أشراف الشام أي ما ارتفع من أرضها .

([27])  المفاوز أي الصحراوات القاحلة التي لا ماء فيها .

([28])  الفلاة هي الصحراء المجدبة التي لا ماء فيها .

([29])  الغمر  : أي الكثير العطاء الذي يغمر الإنسان بأحسانه .

([30])  كان من منطق قريش في منعهم إيّاه عن ذبحه خشيتهم أن يذهب فعله سنّة تتّبع وتقليداً يذبح به الآباء أبناءهم .

([31])  زوجها الحارث بن عبد العزّى .

([32])  الجفر  : الشابّ الغليظ الشديد .

([33])  وقد حصل لي الشرف بزيارته عدّة مرّات كلّما اُوفّق للحجّ أو العمرة وزيارة المدينة المنوّرة . وقد اندرس قبره واُعفيت معالمه في التوسّعات الجديدة .

([34])  بنت المنصور وزوجة هارون الرشيد .

([35])  ابذعرّوا  : أي تفرّقوا مذعورين .

([36])  والحديث عن أبي طالب حديث طويل ممتع ، ولذا أفردنا له كتاباً خاصّاً ضمن هذه السِلسِلة ( سيرة العظماء كرّاس 9 ) الذي يليه .

([37])  الوغل من الناس هو الضعيف الساقط المقصِّر عن نجدة المحتاجين إليه .

([38])  الشيطمي هو القوي الجسم المهيب الهيئة .

([39])  يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج ( 3  : 466 ) عن الأغاني  : إنّ معاوية قال لدغفل النسّابة  : أرأيت عبد المطّلب  ؟ قال  : نعم . قال  : كيف رأيته  ؟ قال  : رأيته رجلا نبيلا جميلا وضيئاً كان على وجهه نور النبوّة  ؟ قال معاوية  : أفرأيت اُميّة  ؟ قال  : نعم ، قال  : كيف رأيته  ؟ قال  : رأيته رجلا ضئيلا منحنياً أعمى يقوده عبده ذكوان ، فقال معاوية  : ذلك ابنه أبو عمرو ، قال دغفل  : أنتم تقولون ذلك أمّا قريش فلم تكن تعرف إلاّ أ نّه عبده .

وبعد أن استفدنا من هذا الحديث أنّ اُميّة وبنيه كانوا يحاولون إقرار العبد ذكوان ابناً لاُميّة على عيون قريش وأنّ هذه المحاولة ممكنة في اُميّة نفسه أيضاً بعد هذا نستطرد فنستفيد صورة اُميّة وشكله من شهوده ومعاصريه فلعلّ معرفة ذلك تجدي علينا في معرفة نفسه وروحه  : يروي ابن أبي  الحديد بالإضافة إلى هذا في ( 3  : 467 ) من شرح النهج  : إنّ عثمان بن عفّان تمنّى رجلا يحدّثه عن الملوك وعمّا مضى فذكر له رجل بحضرموت ، فأحضره وكان له معه حديث طويل كان منه أن سأله  : أرأيت عبد المطّلب  ؟ فقال  : نعم رأيت رجلا قعداً أبيض طويلا مقرون الحاجبين بين عينيه غرّة يقال إنّ فيها بركة ، وأنّ فيه بركة ، قال  : أفرأيت اُميّة  ؟ قال  : نعم رأيت رجلا آدم دميماً قصيراً أعمى يقال إنّه نكد ـ  وإنّ فيه نكداً  ـ فقال عثمان  : يكفيك من شرّ سماعه ، وأمر بإخراج الرجل .

([40])  تتضافر الأخبار وتتواتر في مسألة إلصاق زياد بالاُمويين وحسبنا ما جاء في كتاب كتبه حبر الاُمّة عبد الله بن العباس ليزيد بن معاوية جواباً له على كتاب كان يريد إيراده إليه يثني فيه عليه ويستميله به إليه وقد بلغه أنّ ابن العباس امتنع عن بيعة عبد الله بن الزبير فظنّ يزيد أ نّه إنّما آثره على ابن الزبير فأراد أن يستحثّه على نصره ويعده في ذلك ويمنّيه ولكن ابن العباس سفّه رأيه وعاب عقله حين خدعه فيه ، ثمّ ذكّره بثاراته عنده في قتل الحسين وسبي نسائه وجابهه بعدم الرضى ولا كرامة وكان ممّا قال  : « ومهما أنسَ من الأشياء فلن أنسى تسليطك عليهم ابن مرجانة ـ  يعني ابن زياد  ـ الدعيّ ابن الدعيّ العاهر الفاجر اللئيم اُمّاً وأباً ، الذي اكتسب أبوك في ادّعائه إيّاه لنفسه العار والخزي والمذلّة في الدنيا والآخرة ، فلا شيء أعجب من طلبك ودّي ونصري وقد قتلت بني أبي إلخ » راجع الكتاب في الجزء الرابع من أنساب الأشراف للبلاذري .

واُضيف إليه ما رواه البلاذري أيضاً في ( 4  : 78 ) عن يزيد ابن مقرع حيث يقول  :

ألا أبلغ معاوية بن حرب***مغلغلة من الرجل اليماني

أتغضب أن يقال أبوك عف***وترضى أن يقال أبوك زاني

فأقسم إنّ رحمك من زياد***كرحم الفيل من ولد الأتانِ

وقال في عبيد الله بن زياد ( أنساب الأشراف 4  : 79 )  :

شهدت بأنّ اُمّك لم تباشر***أبا سفيان واضعة القناعِ

ولكن كان أمر فيه لبس***على وجل شديد وارتياعِ

وقال عقيبة الأسدي كما في البلاذري ( 4  : 78 ) أيضاً  :

نجار فهر مبين في توسّمهم***لكن نجار زياد غير معروف

لستم قريشاً ولكن أنتم نبط***صهب اللحى والنواحي ضهية الليف

وقال عروة بن أدية ( البلاذري 4  : 88 ) لعبيد الله بن زياد  : أوّلك لزنية وآخرك لدعوة .

والشهادات على دخلة نسب ابن سميّة كثيرة جدّاً ولا تقلّ عنها كثرة وتوفّر الشهادات على أنّ في أنساب الاُمويين تداخلا مصدره تبنّي الإماء والعبيد وعدم المبالاة في أنسابهم حتّى شاع فيهم الاختلاط وكثرت الدعوة لغير الآباء وحتّى عرّض بعضهم ببعض في ذلك ، يقول البلاذري ( 4  : 138 )  : إنّ يزيد ولّى عمرو بن سعيد الأشدق على المدينة ثمّ عزله وولّى عثمان ابن محمّد بن أبي سفيان فلمّا انتهى إليها خطب الناس وذكر عمراً بسوء ـ  وعمرو حاضر  ـ فغضب عمرو ونهض فقال  : يا  عثمان ما أنا بحلو المذاقة وإنّي لقمن المضرة ، ولقد ضرستني الاُمور وجرستني الدهور ، فزعاً مرّة وأمناً اُخرى ، وإنّ قريشاً لتلم أ نّي ساكن الليل داهية النهار لا أتتبّع الظلال ، ولا أقمص حاجتي ، ولا يستنكر شبهي ولا اُدعى لغير أبي .

([41])  النزاع والتخاصم للمقريزي  : 22 ، وشرح النهج 3  : 456 .

([42])  شرح النهج 3  : 456 ، النزاع والتخاصم للمقريزي  : 22 .

([43])  اُنظر شرح النهج 3  : 466 .

([44])  اُنظر شرح النهج 3  : 454 .

([45])  راجع شرح النهج 3  : 466 .

([46])  اُنظر الصفحة 21 من النزاع والتخاصم للمقريزي .

([47])  يقول في شرح النهج ( 3  : 467 )  : « روى هشام بن الكلبي أنّ اُميّة لمّا كان غلاماً كان يسرق الحاجّ فسمّي حارساً » وهو من باب تسمية الشيء بضدّه .

([48])  هذا هو السبب المذكور في كامل ابن الأثير ( جلد 1 صفحة 7 من الجزء الثاني ) وفي طبقات ابن سعد ( 1  : 44 ) وفي الطبري  : 13 والنزاع والتخاصم  : 20 .

([49])  المنافرة هي المحاكمة ، يقال نافرت فلاناً فنفرته أي حاكمته فحكمته .

([50])  ابن الأثير 2  : 7 .

([51])  جزّ الناصية أي حلق الرأس توهيناً وإذلالا .

([52])  راجع شرح النهج 3  : 466 .

([53])  راجع شرح النهج 3  : 465 .

([54])  نجاري بهذه التدابير أحد القولين في نسب اُميّة .

([55])  راجع الطبري المجلّد الثاني ترجمة عبد المطّلب ، وطبقات ابن سعد 1  : 52 .

([56])  الصفد  : العطاء ، والمذود  : أداة الدفاع .

([57])  راجع شرح النهج 3  : 456 ، والنزاع والتخاصم  : 22 .