من سيرة قمر بني هاشم (عليه السلام) والشهداء
الفهرست
من سيرة قمر بني هاشم (عليه السلام) والشهداء
1 - العباس بن علي بن ابي طالب (عليه السلام)
2 - عبد الله بن علي بن ابي طالب (عليه السلام)
3 - عثمان بن علي بن ابي طالب (عليه السلام)
4 - جعفر بن علي بن ابي طالب (عليه السلام)
رعايتها
لسبطيّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
ولادة
علي الاكبر (عليه السلام)
محاورة
علي الاكبر مع ابيه (عليه السلام)
من
قصيدة الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي
من
قصيدة الخطيب الشيخ أحمد الوائلي
أبو الفضل العبّاس بن الامام علي (عليه السلام) نموذجاً رائعاً
وفريداً من أولاد الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)، بعد
الامامين الحسن والحسين (عليهما السلام) فهم
معصومون وأئمة بالنص، ولقد حاز ابي الفضل العباس قصب السبق في الفضائل ومكارم
الاخلاق، فضلاً عن الشجاعة والعلم والاخلاص.
وقد اخذ ابو الفضل العباس باطراف رداء المجد من ابيه الامام
علي بن ابي طالب، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)ووصية
وخدنه واليه ينهى طيب الارومة ومكارم الاخلاق وهو غني عن التعريف، اما من جهة الام
فهي السيدة الزكية فاطمة بنت حزام بن خالد - بيت شجاعة وكرم - وابوها حزام من
اعمدة الشرف في العرب، في الجاهلية والاسلام.
اما نسب ابي الفضل العباس، فهو من صميم الاسرة العلوية،
والدوحة الهاشمية، التي هي من اجلّ واشرف الاُسر التي عرفتها الانسانية في جميع
ادوارها بعد شرف الامامين الحسن والحسين (عليهما
السلام)،
تلك الاُسرفه الكريمة والعريقة في الشرف والمجد.
اسئلة تعالى ان يتقبل مني هذا اليسير ويعفو عني الكثير فانه
سميع بصير.
قم المشرّفة
- دار الهجرة
الفاتح من
رجب الاصب سنة 1420
حسين
الشاكري
لما اراد الامام علي (عليه
السلام)
ان يتزوج ندب اخاه عقيلاً، وكان عالماً بانساب العرب، ان يخطب له امرأة قد أولدتها
الفحول من العرب يتزوجها لتلد منه غلاماً زكياً شجاعاً حتى ينصر ولده الامام
الحسين (عليه السلام) في يوم
الطف بكربلاء([1])
فاشار عليه عقيل بالسيدة فاطمة بنت حزام الكلابية - المكنات بام البنين، فانه ليس
في العرب من هو اشجع من اهلها، ولا افرس، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم، «نحن خير
عامر بن صعصعه» فلا ينكر عليه احد من العرب، فندب الامام (عليه السلام) عقيلاً لخطبتها.
فانبرى عقيل الى ابيها فعرض عليه الامر، فاسرع فرحاً اليها يبشرها فاستجابت
باعتزاز وفخر.
يروى: حينما كان عقيل يحدث ابيها حزام بشأن خطبة ابنته
فاطمة، كانت فاطمة تحدث امها بحلم رأتها في منامها، كانها هي جالسة في دارها اذ
وقع القمر في حجرها، وتبعه اربع كواكب «نجوم» ولما انتهت من حديثها دخل ابيها
يبشرها ويبشر امها بقدوم عقيل ابن ابي طالب لخطبة فاطمة الى اخيه الامام علي (عليه السلام) ولما سمع ابيها الحلم
استبشر، وقال: لقد حقق الله رؤياك يا بنيّتي فابشري بسعادة الدنيا والاخرة.
وزُفت إلى الامام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وقد رأى فيها النضج
والعقل الراجح، وهي لم تزل في ريعان شبابها ولم تبلغ العشرين من عمرها، بالاضافة
الى الايمان العميق، وسمّو الاخلاق، ومحاسن الصفات، والاخلاص فاعزها (عليه السلام) فكانت جديرة ان تكون
قرينة الايمان وسمو الذات.
ويروى ليلة زفافها قالت للامام علي (عليه السلام) لي اليك حاجة قال: (عليه السلام) وما حاجتك؟ قالت أرجو
آن لا تسميني فاطمة لالاّ ينكسر قلب الامامين الحسنين واختيهما ويتذكروا امهم، عند
ذلك سماها بكنيتها ام البنين، وهذه واحدة من ضروب الادب والوفاء لسيدة نساء
العالمين بعد رحيلها.
رعايتها لسبطي النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم).
تزوج الامام علي (عليه
السلام)
من فاطمة ابنة حزام العامرية، بعد شهادة الصديقة فاطمة الزهراء كما يراه بعض
المؤرخين([2])
او بعد ان تزوج بامامه بنت زينب كما يراه البعض الاخر([3]) كل هذا حصل
بعد وفاة السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) لان الله
سبحانه وتعالى حرّم النساء على عليّ (عليه السلام) ما دامت
فاطمة موجودة عنده([4])
على قيد الحياة، كما حرم النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم)
على نفسه الزواج في حياة السيدة خديجة.
فولدت فاطمة بنت حزام أربعة بنين، فهم، العباس، وعبد الله،
وجعفر، وعثمان، وعاشت بعده مدة طويلة إلى مابعد واقعة الطف واستشهاد اولادها
الاربعة، ولم تتزوج من غير الامام (عليه السلام) كما ان
امامة، واسماء بنت عميس، وليلى النهشلية لم يخرجن الى أحد بعده على الرغم ممن تقدم
لخطبتهن فامتنعن وروت احداهن حديثاً عن الامام علي (عليه
السلام)
ان ازواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده فلم يتزوجن الحرائر الاربعة وامهات الاولاد
اللاتي توفي عنهن الامام علي (عليه السلام) عملاً
بالرواية.
يكنى أبا الفضل، وامه ام البنين فاطمة بنت حزام من بني عامر
بن كلاب بن صعصعة، وهو اكبر ولدها، وآخر من قتل من اخوته لامه وابيه، بين يدي اخيه
سيد الشهداء الامام الحسين بن علي يوم عاشوراء، وعمره اربع وثلاثون عاماً.
وامه ام البنين بنت حزام، عن عبد الله بن العباس قال: قتل
عبد الله بن علي يوم عاشوراء بين يدي اخيه الحسين (عليه
السلام)
وهو ابن خمس وعشرين سنة، ولا عقب له.
وامه ام البنين - قال: عبد الله بن العباس، قتل عثمان بن علي
وهو ابن واحد وعشرين سنة، فتقدم وقاتل، رماه خولي بن يزيد بسهم، فاوهطه، وشد عليه رجل
من بني ابان بن دارم فقتله واخذ رأسه، الا لعنة الله على الظالمين.
وعثمان بن علي الذي روى عن ابيه علي (عليه السلام) انه قال. انما سميته
باسم اخي عثمان بن مظعون - رضوان الله عليه.
وامه ام البنين بنت حزام، بالاسناد الى عبد الله بن العباس
قتل جعفر بن علي (عليه السلام) وهو ابن
تسع عشرة سنة، ان العباس بن علي (عليه السلام) قدم اخاه
جعفراً بين يديه ليحتسبه عند الله، ولا عقب له.
وقال: نصر بن مزاحم: ان خولي بن يزيد الاصبحي - لعنه الله -
قتل جعفر بن علي.
وقامت السيّد أمّ البنين برعاية سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وريحانتيه
وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما
السلام)،
وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوّضهما بعض الخسارة الاليمة التي مُنيا بها
بفقد أمّهما سيّدة نساء العالمين، فقد ترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما.
لقد كانت السيدة أم البنين تُكِنُّ في نفسها من المودّة
والحبّ للحسن والحسين (عليهما السلام) ما لا
تكنّه لاولادها اللذين كانوا ملء العين في كمالهم وآدابهم.
لقد قدّمت أم البنين أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، على
أبنائها في الخدمة والرعاية، ولم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لابناء ضرّتتها
وتقدّمهم على أبنائها سوى هذه السيّدة الزكيّة، والسيدة فاطمة بنت اسد الهاشمية
لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كانت
ترى ذلك واجباً دينياً لان الله أمر بمودّتهما في كتابه الكريم، وهما وديعة رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،
وريحانتاه، وقد عَرفت أمّ البنين ذلك فوفت بحقّهما وقامت بخدمتهما خير قيام.
وكان أوّل مولود زكيّ للسيّدة أمّ البنين هو سيّدنا المعظّم
أبو الفضل العباس (عليه السلام)، وقد
ازدهرت يثرب، وأشرقت الدنيا بولادته وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الاسرة
العلوية، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره، وأضاف الى
الهاشميين مجداً خالداً وذِكراً نديّاً عاطراً.
وحينما بُشِّر الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا المولود المبارك
سارع الى الدار فتناوله، وأوسعه تقبيلاً، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذّن
في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، لقد كان أوّل صوت قد اخترق سمعه صوت أبيه رائد
الايمان والتقوى في الارض، وأنشودة ذلك الصوت.
«الله أكبر..». «لا إله إلاّ الله».
وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الانبياء،
وأنشودة المتّقين في أعماق أبي الفضل، وانطبعت في دخائل ذاته.
وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل (عليه السلام)، قام الامام أمير
المؤمنين (عليه السلام) بحلق شعر راسه،
والتصدّق بزنته ذهباً أو فضّة على المساكين وعقّ عنه بكبش كما فعل ذلك مع الحسن
والحسين (عليهما السلام) عملاً
بالسنّة.
سنة ولادته:
أفاد بعض المحقّقين أن أبا الفضل العباس (عليه السلام) وُلد سنة (26 هـ) في
اليوم الرابع من شهر شعبان([5]).
سمّى الامام أمير المؤمنين (عليه
السلام)
وليده المبارك (بالعباس) وقد استشفّ من وراء الغيب انه سيكون بطلاً من أبطال
الاسلام، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل، ومنطلق البسمات في وجه الخير، وكان
كما تنبّأ فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لاهل
البيت (عليهم السلام)، فقد دمّر
كتائبها وجندل أبطالها، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء، ويقول
الشاعر فيه:
عبست وجوه القوم خوف الموت*** والعبّاس فيهم ضاحك متبسّم
كنيته: وكُنِّي سيّدنا العبّاس (عليه
السلام)
بما يلي:
كُنّي بذلك لانّ له ولداً اسمه الفضل، ويقول في ذلك بعض من
رثاه:
أبا الفضل يامن أسّس الفضل والابا*** أبى الفضل إلاّ أن تكون
له أبا
وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة فلو لم يكن له ولد
يُسمّى بهذا الاسم، فهو - حقّاً - أبو الفضل، ومصدره الفياض فقد أفاض في حياته
ببرّه وعطائه على القاصدين لنبله وجوده، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأً لكل ملهوف،
فما استجار به أحد بنيّة صادقة إلاّ كشف الله ما ألمّ به من المحن والبلوى.
كُنّي بذلك لانّ له ولداً اسمه (القاسم) وذكر بعض المؤرّخين
أنّه استشهد معه يوم الطفّ، وقدّمه قرباناً لدين الله، وفداءً لريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
أمّا الالقاب التي تُضفي على الشخص فهي تحكي صفاته النفسية
الحسنه، وقد أضفيت على أبي الفضل (عليه السلام)عدّة ألقاب رفيعة
تنمّ عن نزعاته النفسية الطيبة، وما اتصف به من مكارم الاخلاق وهي:
كان العبّاس (عليه السلام) في روعة
بهائه، وجميل صورته آية من آيات الجمال، ولذلك لقّب بقمر بني هاشم، وكما كان قمراً
لاسرته العلوية الكريمة، فقد كان قمراً في دنيا الاسلام.
وهو من أجلّ ألقابه، وأحبّها إليه، أما السبب في امضاء هذا
اللقب الكريم عليه فهو لقيامه بسقاية عطاشى أهل البيت (عليهم
السلام)
حينما فرض الارهابي المجرم ابن مرجانة الحصار على الماء، وأقام جيوشه على الفرات
لتموت عطشاً ذرية النبيّ (صلى الله عليه وآله
وسلم).
أمّا العلقمي فهو اسم للنهر الذي استشهد على ضفافه أبو الفضل
العباس (عليه السلام)، وكان
محاطاً بقوى مكثّفة من قبل ابن مرجانة لمنع ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيّد شباب
أهل الجنّة، ومن كان معه من نساء وأطفال من شرب الماء، وقد استطاع أبو الفضل بعزمه
الجبّار، وبطولته النادرة أن يجندل الابطال، ويهزم أقزام ذلك الجيش المنحطّ،
ويحتلّ ذلك النهر، وقد قام بذلك عدّة مرّات، وفي المرّة الاخيرة استشهد على ضفافه
ومن ثمّ لُقِّب ببطل العلقمي.
ومن ألقابه المشهورة (حامل اللواء) وهو أشرف لواء انّه لواء
أبي الاحرار الامام الحسين (عليه السلام)، وقد خصّه
به دون أهل بيته وأصحابه، وذلك لما تتوفر فيه من القابليات العسكرية، ويعتبر منح
اللواء في ذلك العصر من أهمّ المناصب الحسّاسة في الجيش.
وهو من الالقاب الكريمة التي يمنح بها القائد الاعلى في
الجيش، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن تدبيره، وقوّة بأس، وقد اضفي هذا الوسام
الرفيع على سيّدنا أبي الفضل، وذلك لما أبداه يوم الطفّ من الشجاعة والبسالة في
الذبّ والدفاع عن معسكر الامام الحسين (عليه
السلام)،
فقد كان قوّة ضاربة في معسكر أخيه، وصاعقة مرعبة ومدمّرة لجيوش الباطل.
وهو من الالقاب الجليلة في الجيش التي تُمنع لابرز الاعضاء
في القيادة العسكرية، وقد قُلّد أبو الفضل (عليه
السلام)بهذا
الوسام لانّه كان عميد جيش أخيه أبي عبدالله، وقائد قوّاته المسلّحة في يوم الطفّ.
ومن الالقاب المشهورة لابي الفضل (عليه السلام) (حامي الظعينة).
يقول السيّد جعفر الحلّي في قصيدته العصماء التي رثاه بها:
حامي الضعينة أين منه ربيعة*** أم أين من عليا أبيه مكرم
وانّما اضفي عليه هذا اللقب الكريم لقيامه بدور مشرّف في رعاية
مخدرات النبوة وعقائل الوحي، فقد بذل قصارى جهوده في حمايتهنّ وحراستهنّ
وخدمتهنّ ، فكان هو الذي يقوم بترحيلهنّ، وانزالهنّ من المحامل طيلة
انتقالهنّ من يثرب الى كربلاء.
وهذا من أكثر ألقابه شيوعاً، وانتشاراً بين الناس، فقد آمنوا
وأيقنوا أنه ما قصده ذو حاجة بنية خالصة إلاّ قضى الله حاجته، وما قصده مكروب الاّ
كشف الله ما ألمّ به من محن الايام، وكوارث الزمان.
أمّا ملامحه فقد كان صورة بارعة من صور الجمال، وقد لُقّب
بقمر بني هاشم لروعة بهائه، وجمال طلعته، وكان متكامل الجسم قد بدت عليه آثار
البطولة والشجاعة، ووصفه الرواة بأنّه كان أبا الفضل العباس (عليه السلام)رجلاً وسيماً جميلاً،
يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان الارض، وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان حامل لواء
الامام الحسين (عليه السلام) يوم
عاشوراء حتى استشهد([6]).
واستوعب حب العباس قلب أمّه الزكيّة، فكان عندها أعزّ من
الحياة، وكانت تخاف عليه، وتخشى من أعين الحسّاد من أن تصيبه بأذى أو مكروه، وكانت
تعوذبالله، وتقول هذه الابيات:
أعيذه بالواحد*** من عين كلّ حاسد
قائمهم والقاعد*** مسلمهم والجاحد
صادرهم والوارد*** مولدهم والوالد([7])
كان الامام أمير المؤمنين (عليه
السلام)
يرعى ولده أبا الفضل في طفولته، ويعنى به كأشدّ ما تكون العناية فأفاض عليه
مكوّنات نفسه العظيمة العامرة بالايمان والمثل العليا، وقد توسّم فيه أنه سيكون
بطلاً من أبطال الاسلام ، وسيسجّل للمسلمين صفحات مشرقة من العزّة والكرامة.
كان الامام أمير المؤمنين (عليه
السلام)
يوسع العباس تقبيلاً، وقد احتلّ عواطفه وقلبه، ويقول المؤرّخون: إنّه أجلسه في
حجره فشمّر العبّاس عن ساعديه، فجعل الامام يقبّلهما، وهو غارق في البكاء، فبهرت
أمّ البنين، وراحت تقول للامام:
«ما يبكيك؟» يا أبا الحسن.
فأجابها الامام بصوت خافت حزين النبرات:
«نظرت إلى هذين الكفّين، وتذكّرت ما يجري عليهما..».
وسارعت أمّ البنين بلهفة قائلة:
«ماذا يجري عليهما»..
فأجابها الامام بنبرات مليئة بالاسى والحزن قائلاً:
«إنّهما يقطعان من الزند..».
وكانت هذه الكلمات كصاعقة على أمّ البنين، فقد ذاب قلبها،
وسارعت وهي مذهولة قائلة:
«لماذا يقطعان»..
وأخبرها الامام (عليه السلام) بأنّهما
انّما يقطعان في نصرة الامام والذبّ عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأجهشت
أمّ البنين في البكاء، وشاركنها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها([8]).
وخلدت أمّ البنين الى الصبر، وحمدت الله تعالى في أن يكون
ولدها فداءً لسبط رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)
وريحانته.
نشأ أبو الفضل العبّاس (عليه
السلام)
نشأة صالحة كريمة، قلّما يظفر بها إنسان فقد نشأ في ظلال أبيه رائد العدالة
الاجتماعية في الارض، فغذّاه بعلومه وتقواه، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة،
والعادات الطيّبة ليكون مثالاً عنه، وانموذجاً لمثله، كما غرست أمّه السيّدة فاطمة
في نفسه، جميع صفات الفضيلة والكمال، وغذّته بحبّ الخالق العظيم فجعلته في أيّام
طفولته يتطلّع الى مرضاته وطاعته، وظلّ ذلك ملازماً له طوال حياته.
ولازم أبو الفضل أخويه السبطين ريحانتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن
والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة فكان يتلقّى منهما قواعد الفضيلة، وأسس الاداب
الرفيعة، وقد لازم بصورة خاصة أخاه أبا الشهداء الامام الحسين (عليه السلام)فكان لا يفارقه في حله
وترحاله، وقد تأثّر بسلوكه، وانطبعت في قرارة نفسه مُثُله الكريمة وسجاياه الحميدة
حتى صار صورة صادقة عنه يحكيه في مثله واتجاهاته، وقد أخلص له الامام الحسين كأعظم
ما يكون الاخلاص وقدّمه على جميع أهل بيته لما رأى منه من الودّ الصادق له حتى
فداه بنفسه.
واحتلّ أبو الفضل (عليه
السلام)
قلوب العظماء ومشاعرهم، وصار انشودة الاحرار في كلّ زمان ومكان، وذلك لما قام به
من عظيم التضحية تجاه أخيه سيّد الشهداء، الذي ثار في وجه الظلم والطغيان، وبنى
للمسلمين عزّاً شامخاً، ومجداً خالداً.
وفيما يلي بعض الكلمات القيّمة التي أدلى بها بعض الشخصيات
الرفيعة في حقّ أبي الفضل (عليه السلام).
أمّا الامام زين العابدين فهو من المؤسسين للتقوى والفضيلة
في الاسلام، وكان هذا الامام العظيم يترحّم - دوماً - على عمّه العبّاس ويذكر
بمزيد من الاجلال والاكبار تضحياته الهائلة لاخيه الحسين وكان ممّا قاله في حقّه
هذه الكلمات القيّمة:
رحم الله عمّي العبّاس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه،
حتى قُطعت يداه، فأبدله الله بجناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل
لجعفر بن أبي طالب، وان للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع
الشهداء يوم القيامة..»([9]).
أمّا الامام الصادق (عليه
السلام)
فهو العقل المبدع والمفكّر في الاسلام فقد كان هذا العملاق العظيم يشيد دوماً بعمّه
العبّاس، ويثني ثناءً عاطراً ونديّاً على مواقفه البطولية يوم الطفّ، وكان مما
قاله في حقّه:
«كان عمّي العباس بن علي (عليه
السلام)
نافذ البصيرة، صُلب الايمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى
شهيداً..»([10]).
أمّا نفاذ البصيرة، فانها منبعثة من سداد الرأي، وأصالة
الفكر، ولا يتّصف بها إلا من صفت ذاته، وخلصت سريرته، ولم يكن لدواعي الهوى
والغرور أي سلطان عليه، وكانت هذه الصفة الكريمة من أبرز صفات أبي الفضل فقد كان
من نفاذ بصيرته.
والظاهرة الاخرى من صفات أبي الفضل (عليه السلام) هي الصلابة في الايمان
وكان من صلابة إيمانه انطلاقه في ساحات الجهاد بين يدي ريحانة رسول الله مبتغياً
في ذلك الاجر عند الله.
وثمّة مكرمة وفضيلة أخرى لبطل كربلاء العباس (عليه السلام)أشاد بها الامام الصادق
(عليه السلام) وهي جهاده
المشرق بين يدي سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله، وسيّد شباب أهل الجنّة، ويعتبر
الجهاد في سبيله من أسمى مراتب الفضيلة التي انتهى إليها أبو الفضل، وقد أبلى
بلاءً حسناً يوم الطفّ لم يشاهد مثله في دنيا البطولات.
وزار الامام الصادق (عليه
السلام)
أرض الشهادة والفداء كربلاء ، وبعدما انتهى من زيارة الامام الحسين وأهل بيته
والمجتبين من أصحابه، انطلق بشوق الى زيارة قبر عمّه العبّاس، ووقف على المرقد
المعظّم، وزاره بالزيارة التالية التي تنمّ عن سموّ منزلة العبّاس، وعظيم مكانته،
وقد استهلّ زيارته بقوله:
سلام الله، وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين،
وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصدّيقين الزاكيات الطيّبات فيما تغتدي وتروح
عليك يا ابن أمير المؤمنين..».
لقد استقبل الامام الصادق عمّه العباس بهذه الكلمات الحافلة
بجميع معاني الاجلال والتعظيم، فقد رفع له تحيات من الله وسلام ملائكته، وأنبيائه
المرسلين، وعباده الصالحين، والشهداء، والصدّيقين وهي أندى، وأزكى تحيّة رفعت له،
ويمضي سليل النبوّة الامام الصادق (عليه السلام) في زيارته
قائلاً:
وأشهد لك بالتسليم، والتصديق، والوفاء، والتضحية لخلف النبيّ
المرسل، والسبط المنتجب، والدليل العالم، والوصي المبلّغ والمظلوم المهتضم..».
وأضفى الامام الصادق (عليه
السلام)
بهذا المقطع أوسمة رفيعة على عمّه العبّاس هي من أجلّ وأسمى الاوسمة التي تضفي على
الشهداء العظام، وهي:
«أشهد، وأُشهد الله أنّك مضيت على ما مضى به البدريون
والمجاهدون في سبيل الله، الناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه،
الذابّون عن أحبّائه، فجزاك الله أفضل الجزاء وأوفى الجزاء، وأوفى جزاء أحد ممن
وفى ببيعته، واستجاب لدعوته، وأطاع ولاة أمره..».
وأثنى الامام المصلح العظيم بقيّة الله في الارض قائم آل
محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة
رائعة في حقّ عمّه العبّاس (عليه السلام)جاء فيها:
«السلام على أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين، المواسي
أخاه بنفسه، الاخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائة، المقطوعة
يداه، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد، وحكيم بن الطفيل الطائي..»([11]).
وأشاد بقيّة الله في الارض بالصفات الكريمة الماثلة في عمّه
قمر بني هاشم وفخر عدنان.
وبهذا العرض نأتي على الانطباعات الكريمة عن شخصية أبي الفضل
(عليه السلام) عند الائمة
الطاهرين (عليهم السلام)، وعند بعض
أعلام الادب العربي.
وهام الاحرار من شعراء أهل البيت (عليهم السلام) بشخصية أبي الفضل التي
بلغت قمّة الشرف والمجد، وسجّلت صفحات من النور في تاريخ الامّة الاسلامية، وقد
نظموا في حقّه روائع الشعر العربي إكباراً وإعجاباً بمثله الكريمة، وفيما يلي
بعضهم:
أمّا شاعر الاسلام الاكبر الكُميت الاسدي فقد انطبع حبّ أبي
الفضل في أعماق نفسه، وقد تعرّض لمدحه في إحدى هاشمياته الخالدة قال:
وأبو الفضل إنّ ذكرهم الحلو*** شفاء النفوس من اسقام([12])
إنّ ذكرى أبي الفضل العباس (عليه
السلام)،
وسائر أهل البيت (عليهم السلام) حلو عند كل
شريف لانّه ذكر للفضيلة والكمال المطلب، كما أنّه شفاء للنفوس من أسقام الجهل
والغرور، وسائر الامراض النفسية.
من الشعراء الملهمين الذين هاموا بشخصية أبي الفضل (عليه السلام) هو حفيده الشاعر
الكبير الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس فقد قال:
إني لاذكر للعبّاس موقفه*** بكربلاء وهام القوم يختطف
يحمي الحسين ويحميه على ظمأ*** ولا يولّي ولا يثني فيختلف
ولا أرى مشهداً يوماً كمشهده*** مع الحسين عليه الفضل والشرف
أكرم به مشهداً بانت فضيلته*** وما أضاع له أفعاله خلف([13])
وصوّرت هذه الابيات شجاعة أبي الفضل (عليه السلام) وما قام به من دور
مشرق يدعو الى الاعتزاز والفخر في حماية أخيه أبي الاحرار، ووقايته له بمهجته،
وسقايته له ولافراد عائلته وأطفاله بالماء، فلم يكن هناك مشهد أفضل ولا أسمى من
هذا الموقف الرائع الذي وقفه أبو الفضل مع أخيه أبي عبد الله (عليه السلام)...
وفيه يقول الشاعر:
أحق الناس أن يبكى عليه*** فتى أبكى الحسين بكربلاء
أخيهِ وابن والده علي*** أبو الفضل المضرّج بالدماء
ومن واساه لا يثنيه شيء*** وجاد له على عطش بماء([14])
نعم ان أحق الناس أن يمجد ويبكي على ما حلّ به من رزء قاصم
هو أبو الفضل رمز الابآء والفضيلة، فقد رزأ الامام الحسين (عليه السلام) بمصرعه، وبكاه أمرّ
البكاء لانّه فقد بمصرعه أبرّ الاخوان، وأعطفهم عليه.
وهام الشاعر العلوي السيّد راضي القزويني بشخصية أبي الفضل (عليه السلام) قال:
أبا الفضل يامن أسس الفضل والابا*** أبى الفضل إلا أن تكون
له أبا
تطلبت أسباب العلى فبلغتها*** وما كل ساع بالغ ما تطلبا
ودون احتمال الضيم عزّ ومنعة*** تخيرت أطراف الاسنّة مركبا
انّ أبا الفضل من المؤسسين للفضائل والاباء في دنيا العرب
والاسلام فقد سما الى طرق المجد، وأسباب العلى، فبلغ قمّتها، وقد تخير أطراف
الاسنّة والرماح حتى لا يناله ذلّ، ولا ضيم.
وأشاد الشاعر الكبير الحاج محمد رضا الازري في رائعته بالمثل
الكريمة التي تحلّى بها قمر بني هاشم، والتي احتلت عواطف الاحرار ومشاعرهم يقول:
فانهض الى الذكر الجميل مشمّراً*** فالذكر أبقى ما اقتنته
كرامها
أو ما أتاك حديث وقعة كربلا*** انّى وقد بلغ السماء قتامها
يوم أبو الفضل استجار به الهدى*** والشمس من كدر العجاج
لثامها
ودعا الازري بالبيت الاول من رائعته الى اقتناء الذكر الجميل
الذي هو من أفضل المكاسب التي يظفر بها الانسان فانه أبقى، وأخلد له، ودعا بالبيت
الثاني الى التأمّل والاستفادة من واقعة كربلاء التي تفجّرت من بركان هائل من
الفضائل والمآثر لال النبيّ (صلى الله عليه
وآله وسلم)،
وعرجب بالبيت الثالث على أبي الفضل العبّاس (عليه
السلام)الذي
استجار به سبط النبيّ (صلى الله عليه
وآله وسلم)
وريحانته، ولنستمع الى ما قام به العبّاس من النصر والحماية لاخيه، يقول الازري:
فحمى عرينته ودمدم دونها*** ويذب من دون الشرى ضرغامها
والبيض فوق البيض تحسب وقعها*** زجل الرعود إذا اكفهرّ
غمامها
من باسل يلقى الكتيبة باسماً*** والشوس يرشح بالمنية هامها
واشم لا يحتل دار هضيمة*** آو يستقلّ على النجوم رغامها
أو لم تكن تدري قريش أنّه*** طلاع كل ثنية مقدامها
وهذه الابيات منسجمة كل الانسجام مع بطولات أبي الفضل، فقد صوّرت
بسالته، وما قام به من دور مشرف في حماية أخيه أبي الاحرار فقد انبرى كالاسد يذبّ
عن أخيه في معركة الشرف والكرامة، غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة التي ملات البيداء
دفاعاً عن ذئاب البشرية، هذه المعركة ان أبا الفضل طلاع كل ثنية، وانه ابن من
أرغمها على الاسلام وحطّم جاهليتها وأوثانها.
ووصف الشاعر العلوي السيّد جعفر الحلّي في رائعته ما مُني به
الجيش الاموي من الرعب والفزع من أبي الفضل (عليه
السلام)
يقول:
وقع العذاب على جيوش أميّة*** من باسل هو في الوقائع معلم
عبست وجوه القوم خوف الموت*** والعبّاس فيهم ضاحك يتبسّم
قلب اليمين على الشمال وغاص في*** الاوساط يحصد للرؤوس ويحطم
ما كرّ ذو بأس له متقدماً*** إلاّ وفرّ ورأسه المتقدّم
صبغ الخيول برمحه حتى غدا*** سيان أشقر لونها والادم
ما شدّّ غضباناً على ملمومه*** إلاّ وحلّ بها البلاء المبرم
بطل تورث من أبيه شجاعة*** فيها أنوف بني الضلالة ترغم
أرأيتم هذا الوصف الرائع لبسالة أبي الفضل وقوة بأسه وشجاعته
النادرة.
وبهر الامام محمد الحسين كاشف الغطاء (رحمه الله) بشجاعة أبي الفضل فقال
في قصيدته العصماء:
وتعبس من خوف وجوه أميّة*** اذا كرّ عبّاس الوغى يتبسّم
عليم بتأويل المنيّة سيفه*** تزول على من بالكريهة معلم
وان عاد ليل الحرب بالنقع ألْيلا*** فيوم عداه منه بالشر
أيوم
لقد عبست وجوه الجيش الاموي رعباً وخوفاً من أبي الفضل الذي
حصد رؤوس أبطالهم، وحطّم معنوياتهم، وأذاقهم وابلاً من العذاب الاليم.
وعرض شاعر أهل البيت (عليهم
السلام)
الشيخ عبد المنعم الفرطوسي نضّر الله مثواه في ملحمته الخالدة الى شجاعة أبي الفضل
وبسالته في ميدان الحرب قال:
علم للجهاد في كل زحف*** علم في الثبات عند اللقاء
قد نما فيه كل بأس وعزّ*** من عليّ بنجدة وإباء
هو ثبت الجنان في كل روع*** وهو
روع الجنان من كل راء
وأضاف الفرطوسي مصوّراً ما أنزله أبو الفضل من الخسائر
الفادحة في جيوش الامويين قال:
فارتقى صهوة الجواد مطلاً*** علماً فوق قلعة شمّاء
وتجلّى والحرب ليل قثام*** قمراً في غياهب الظلماء
فاستطارت من الكماة قلوب*** أفرغت من ضلوعها كالهواء
وتهاوت جسومهم وهي صرعى*** واستطارت رؤوسهم كالهباء
وهو يرمي الكتائب السود رجماً*** بالمنايا من اليد البيضاء([15])
من أجل مغنم مادي من مغانم هذه الحياة.
أمّا قوّة الايمان بالله، وصلابته فانها من أبرز العناصر في
شخصية أبي الفضل (عليه السلام)، ومن
أوليات صفاته، فقد تربّى في حجر الايمان ومراكز التقوى، ومعاهد الطاعة والعبادة
لله تعالى، فقد غذّاه أبوه زعيم الموحّدين، وسيّد المتّقين بجوهر الايمان، وواقع
التوحيد.
وصفة أخرى من أسمى صفات أبي الفضل (عليه السلام)، وهي الاباء
وعزّة النفس فقد أبى أن يعيش ذليلاً في ظلّ الحكم الاموي الذي اتخذ مال الله
دولاً، وعباد الله خولاً ، فاندفع الى ساحات الجهاد كما اندفع أخوه أبو
الاحرار الذي رفع شعار العزّة والكرامة، وأعلن أن الموت تحت ظلال الاسنّة سعادة،
والحياة مع الظالمين برما.
ومن خصائص أبي الفضل (عليه
السلام)
ومميّزاته الصبر على محن الزمان، ونوائب الدهر، فقد ألمّت به يوم الطف من المصائب
والمحن التي تذوب من هولها الجبال، فلم يجزع، ولم يفه بأيّ كلمة تدلّ على سخطه،
وعدم رضاه بما جرى عليه وعلى أهل بيته، وانّما سلّم أمره الى الخالق العظيم،
مقتدياً بأخيه سيّد الشهداء (عليه السلام) الذي لو
وزن صبره بالجبال الرواسي لرجح عليها.
ومن خصائص أبي الفضل (عليه
السلام)
الوفاء الذي هو من أنبل الصفات وأميزها، فقد ضرب الرقم القياسي في هذه الصفة
الكريمة وبلغ أسمى حدّ لها، وكان من سمات وفائه ما يلي:
وكان أبو الفضل العباس (عليه
السلام)
من أوفى الناس لدينه، ومن أشدّهم دفاعاً عنه، فحينما تعرّض الاسلام للخطر الماحق
من قبل الطغمة الاموية الذين تنكّروا كأشدّ ما يكون التنكّر للاسلام، والامة تزرح
تحت كابوس الظلم والذل والعبودية وقد تحكمت في مصيرها هذه العصابة المجرمة من
الامويين وتلاعبت بمقدراتها.
ولم يرَ الناس على امتداد التاريخ وفاءً مثل وفاء أبي الفضل
لاخيه الامام الحسين (عليه السلام)، ومن
المقطوع به أنه ليس في سجلّ الوفاء الانساني أجمل ولا أنظر من ذلك الوفاء الذي
أصبح قطباً جاذباً لكل إنسان حرّ شريف.
أمّا قوّة الارادة فانّها من أميز صفات العظماء الخالدين
الذين كُتب لهم النجاح في أعمالهم إذ يستحيل أن يحقق من كان خائر الارادة، وضعيف
الهمّة أي هدفف اجتماعي، أو يقوم بأي عمل سياسي.
ولقد كان من الطراز الاول في قوة بأسه، وصلابة إرادته،
فانضمّ الى معسكر الحق، ولم يهن، ولم ينكل، وبرز على مسرح التاريخ كأعظم قائد فذّ،
ولو لم يتّصف بهذه الظاهرة لما كتب له الفخر والخلود على امتداد الايّام.
وأترعت نفس أبي الفضل بالرأفة والرحمة على المحرومين،
والمضطهدين وقد تجلّت هذه الظاهرة بأروع صورها في كربلاء حينما احتلّت جيوش
الامويين حوض الفرات لحرمان أهل البيت من الماء حتى يموتوا أو يستسلموا لهم، ولما
رأى العباس (عليه السلام)أطفال أخيه،
وسائر الصبية من أبناء أخوته، وقد ذبلت شفاههم، وتغيّرت ألوانهم من شدّة الظمأ ذاب
قلبه حناناً وعطفاً عليهم، فاقتحم الفرات، مع ثلة من أصحابه وحمل الماء إليهم،
وسقاهم، وفي اليوم العاشر من المحرّم، سمع الاطفال ينادون العطش العطش، فتفتّت
كبده رحمة ورأفة عليهم، فأخذ القربة، والتحم مع أعداء الله حتى كشفهم عن نهر
الفرات، فغرف منه غرفة ليروي ظمأه فأبت رحمته أن يشرب قبل أخيه وأطفاله، فرمى
الماء من يده.
وقد بحث أهل السير والتاريخ في الامم السالفة فلم يجدوا مثل
هذه الرأفة والرحمة، والتضحية والمواسات التي تحلَّى بها قمر بني هاشم وفخر عدنان.
هذه بعض عناصر أبي الفضل وصفاته، وقد ارتقى بها الى قمّة
المجد التي ارتقى إليها أبوه.
اقتطف شذرات مما كتبه العلامة المرحوم السيد عبد الرزاق
المقرم من كرامات ابي الفضل العباس (عليه السلام).
ومن سنن الله سبحانه الجارية في اوليائه - «ولن تجد لسنة
الله تحويلا» - اكرامهم باظهار مالهم من الكرامة عليه والزلفى منه، وذلك غير ما
ادخره لهم من المثوبات الجزيلة في الاجلة، تقديراً لعملهم واصحاراً بحقيقة أمرهم.
ومن السادات التي خصهم به تعالى من أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام) الذين اذن الله ان
يرفع فيه اسمه «ابو الفضل العباس» فانه في الطليعة من اولئك السادات، وقد بذل في
الله تعالى ما عز لديه وهان، حتى نفسه الكريمة التي لفظها نصب عينه - «عز ذكره» -
فاجرى سننه الجارية في الصديقين باجلى مظاهرها ولذلك تجد مشهده المقدس في آناء
الليل واطراف النهار، عامراً بالزوار ومزدلفاً بارباب الحوائج من عاف يستمنحه برء
الى عان يتطلب عافيته الى مضطهد يتحرى كشف ما به من غم الى خائف ينضوي الى حمى
أمنه الى أنواع من أهل المقاصد المتنوعة فينكفأ ثلج الفؤآشد ينجح طلبته قرير العين
بكفاية امره الى متنجز باعطاء سؤله كل هذا ليس على الله بعزيز ولا من المقربين من
عباده ببعيد.
ولكثرة كراماته وآيات مرقده التي لا يأتي عليها الحصر نذكر
بعضاً منها تيمناً ولئلا يخلو الكتاب منها وتعريفاً للقراء بما جاد به قطب السخاء
على من لاذ به واستجار بتربته.
الاولى: ما يحدث به الشيخ الجليل العلامة المتبحر الشيخ عبد
الرحيم التستري المتوفى سنة 1313 هجـ من تلامذة الشيخ الانصاري اعلا الله مقامه
قال زرت الامام الشهيد أبا عبد الله الحسين ثم قصدت أبا الفضل العباس وبينا انا في
الحرم الاقدس اذ رأيت زائراً من الاعراب ومعه غلام مشلول وربطه بالشباك وتوسل به
وتضرع واذا الغلام قد نهض وليس به علة وهو يصيح شافاني العباس فاجتمع الناس عليه
وخرقوا ثيابه للتبرك بها فلما ابصرت هذا بعيني تقدمت نحو الشباك وعاتبته عتاباً
مقذعاً وقلت يغتنم المعيدي الجاهل منك المنى وينكفأ مسروراً وأنا مع ما احمله من
العلم والمعرفة فيك والتأدب في المثول امامك ارجع خائباً لا تقضى حاجتي فلا ازورك
بعد هذا ابداً ثم راجعتني نفسي وتنبهت لجافي عتبي فاستغفرت ربي سبحانه مما اسأت مع
(عباس اليقين والهداية) ولما عدت الى النجف الاشرف اتاني الشيخ المرتضى الانصاري
قدّس الله روحه الزاكية واخرج صرتين وقال هذا ما طلبته من ابي الفضل العباس اشتري
داراً وحج البيت الحرام ولاجلهما كان توسلي بابي الفضل.
وما عجبت من ابي الفضل كما*** عجبت من استاذ اذ علما
لان شبل المرتضى لم يغرب*** اذا اتى بمعجز او معجب
بكل يوم بل بكل ساعة*** لمن اتاه قاصداً رباعه
وهو من الشيخ عجيب بين*** لكن نور الله يرثو المؤمن([16])
الثانية: مافي اسرار الشهادة ص325 قال حدثني السيد الاجل
العلامة الخبير السيد الامجد بن الحجة المتتبع السيد نصر الله المدرس الحائري قال
بينا أنا في جمع من الخدام في صحن ابي الفضل اذ رأيا رجلاً خارجاً من الحرم مسرعاً
واضعاً يده على أصل خنصره والدم يسيل منها فاوقفناه نتعرف خبره فاعلمنا بان العباس
قطعها فرجعنا الى الحرم فاذا الخنصر معلق بالشباك ولم يقطر منه دم كانه قطع من ميت
ومات الرجل من الغد وذلك لصدور اهانة منه في الحرم المقدس.
الثالثة: ما حدثني به العلامة البارع الشيخ حسن دخيل حفظه
الله عما شاهده بنفسه في حرم ابي الفضل (عليه
السلام)
قال: زرت الحسين في غير ايام الزيارة وذلك في أواخر أيام الدولة العثمانية في
العراق في فصل الصيف وبعد ان فرغت من زيارة الحسين توجهت الى زيارة العباس (عليه السلام) قرب الزوال فلم اجد في
الصحن الشريف والحرم المطهر احداً لحرارة الهواء غير رجل من الخدمة واقف عند الباب
الاولى يقدر عمره بالستين سنة كانه مراقب للحرم وبعد ان زرت صليت الظهر والعصر ثم
جلست عند الرأس المقدس مفكراً في الابهة والعظمة التي نالها قمر بني هاشم عن تلك
التضحية الشريفة وبينا انا في هذا اذ رأيت امرأة محجبة من القرن الى القدم عليها
آثار الجلالة وخلفها غلام يقدر بالستة عشر سنة بزي اشراف الاكراد جيل الصورة فطافت
بالقبر والولد تابع ثم دخل بعدهما رجل طويل القامة ابيض اللون مشرباً بحمرة ذو
لحية شعرها اشقر يخالطه شعرات بيض جيل البزة كردي اللباس والزي فلم يأت بما تصنعه
من الشيعة من الزيارة او السنة من الفاتحة فاستدبر القبر المطهر واخذ ينظر الى
السيوف والخناجر والدرق المعلقة في الحضرة غير مكترث بعظمة صاحب الحرم المنيع
فتعجبت منه اشد العجب ولم اعرف الملة التي ينتحلها غير انه اعتقدت انه من متعلقي
المرأة والولد وظهر لي من المرأة عند وصولها في الطواف الى جهة الرأس الشريف
التعجب مما عليه الرجل من الغواية ومن صبر ابي الفضل (عليه
السلام)
عنه فما رأيت الا ذلك الرجل الطويل القامة قد ارتفع عن الارض ولم ار من رفعه وضرب
به الشباك المطهر واخذ ينبح ويدور حول القبر وهو يقفز فلا هو بملتصق بالقبر ولا
بمبتعد عنه كأنه متكهرب به وقد تشنجت اصابع يديه واحمر وجهه حمرة شديدة ثم صار
ازرقاً وكانت عنده ساعة علقها برقبته بزنجيل فضة فكلما يقفز تضرب بالقبر حتى تكسّرت
وحيث انه اخرج يده من عبائته لم تسقط الى الارض نعم سقط الطرف الاخر الى الارض
وبتلك القفزات تخرقت.
اما المرأة فحينما شاهدت هذه الكرامة من ابي الفضل قبضت على
الولد واسندت ظهرها الى الجدار وهي تتوسل به بهذه اللهجة (ابو الفضل دخيلك انا
وولدي).
فادهشني هذا الحال وبقيت واقفاً لا ادري ما اصنع والرجل قوي
البدن وليس في الحرم احد يقبض عليه فدار حول القبر مرتين وهو ينبح ويقفز فرأيت ذلك
السيد الخادم الذي كان واقفاً عند الباب الاولى دخل الروضة الشريفة فشاهد الحال
فرجع وسمعته ينادي رجلاً اسمه جعفر من السادة الخدام في الروضة فجاءا معاً فقال
السيد الكبير لجعفر اقبض على الطرف الاخر من الحزام وكان طول الحزام يبلغ ثلاثة
اذرع فوقفا عند القبر حتى اذا وصل اليهما وضعا الحزام في عنقه واداراه عليه فوقف
طيعاً لكنه ينبح فاخرجاه من حرم العباس وقالا للمرأة اتبعينا الى (مشهد الحسين) فخرجوا
جميعاً وانا معهم ولم يكن احد في الصحن الشريف فلما صرنا في السوق بين (الحرمين)
تبعنا الواحد والاثنان من الناس لان الرجل كان على حالته من النبح والاضطراب مكشوف
الرأس ثم تكاثر الناس.
فادخلوه (المشهد الحسيني) وربطوه بشباك (علي الاكبر) فهدأت
حالته ونام وقد عرق عرقاً شديداً فما مضى الاّ ربع ساعة فاذا به قد انتبه مرعوباً
وهو يقول اشهد ان لا إله إلاّ الله واشهد ان محمّداً عبده ورسوله وان أمير
المؤمنين علي ببن ابي طالب خليفة رسول الله بلا فصل وان الخليفة من بعده ولده
الحسن ثم اخوه الحسين ثم علي بن الحسين وعد الائمة الى الحجّة المهدي عجل الله
فرجه.
فسئل عن ذلك قال اني رأيت رسول الله الان وهو يقول لي اعترف
بهؤلاء وعدهم علي وان لم تفعل يهلكك العباس فانا اشهد بهم واتبرأ من غيرهم:
ثم سئل عما شاهده هناك فقال بينا أنا في حرم العباس اذ رأيت
رجلاً طويل القامة قبض علي وقال لي يا كلب الى الان بعدك على الضلال ثم ضرب بي
القبر ولم يزل يضربني بالعصا في قفاي وانا افر منه.
ثم سئلت المرأة عن قصة الرجل فقالت انها شيعية من أهل بغداد
والرجل سني من أهل السليمانية ساكن في بغداد متدين بمذهبه لا يعمل الفسوق والمعاصي
يحب الخصال الحميدة ويتنزه عن الذميمة وهو بندرجي تتن وللمرأة اخوان حرفتهما بيع
التتن ومعاملتهما مع الرجل فبلغ دينه عليهما ما ائتا (ليرة عثمانية) فاستقر رأيهما
على بيع الدار منه والمهاجرة من بغداد فاحضراه في دارهما (ظهراً) واطلعاه على
رأيهما وعرفاه انه لم يكن دين عليهما لغيره فعندها ابدى من الشامة شيئاً عجيباً
فاخرج الاوراق وخرقها ثم احرقها وطمنهما على لاعانة مهما يحتاجان.
فطارا فرحاً وارادا مجازاته في الحال فذاكر المرأة على
التزويج منه فوجدا منه الرغبة فيه لوقوفها على هذا الفضل مع ما فيه من التمسك
بالدين واجتناب المآثم وقد طلب منهما مراراً اختيار المرأة الصالحة له فلما ذكرا
له ذلك زاد سروره وانشرح صدره بحصول امنيته فعقدا له المرأة وتزوج منها.
ولما صارت في بيته طلبت منه زيارة الكاظميين اذ لم تزرهما
مدة كونها بلا زوج فلم يجبها مدعياً انه من الخرافات ولما ظهر عليها الحمل سألته
ان ينذر الزيارة ان رزق ولداً ففعل ولما جاءت بالولد طالبته بالزيارة فقال لا أف
بالنذر حتى يبلغ الولد فايست المرأة ولما بلغ الولد السنة الخامسة عشر طلب منها
اختيار الزوجة فابت مادام لم يف بالنذر فعندها وافقها على الزيارة مكرهاً وطلبت من
الجوادين الكرامة الباهرة ليعتقد بامامتهما فلم تر منهما ما يسرها بل اساءها
سخريته واستهزاؤه.
ثم ذهب الرجل بالمرأة والولد الى العسكريين وتوسلت بهما
وذكرت قصة الرجل فلم تشرق عليه انوارهما وزادت السخرية منه.
ولما وصلا كربلا قالت المرأة نقدم زيارة العباس (عليه السلام)واذا لم تظهر منه الكرامة
وهو ابو الفضل وباب الحوائج لا ازور اخاه الشهيد ولا أباه أمير المؤمنين وارجع الى
بغداد وقصت على ابي الفضل قصة الرجل وعرفته حال الرجل وسخريته بالائمة الطاهرين
وانها لا تزور اخاه ولا اباه اذا لم يتلطف عليه بالهداية وينقذه من الغواية فانجح
سؤلها وفاز الرجل بالسعادة.
الرابعة: مافي كتاب (اعلام الناس في فضايل العباس) تأليف
التقي السيد سعيد بن الفاضل المهذب الخطيب السيد ابراهيم البهبهاني قال: تزوجت في
أوائل ذي القعدة سنة 1351 هجـ وبعد ان مضى اسبوع من أيام الزواج اصابني زكام
صاحبته حمى وباشرني أطباء النجف فلم انتفع بذلك والمرض يتزايد ومن جملة الاطباء
الطبيب المركزي (محمد زكي اباظه) وفي اول جماد الاول من سنة 1353 هجـ خرجت الى
«الكوفة» وبقيت الى رجب فلم تنقطع الحمى وقد استولى الضعف على بدني حتى لم اقدر
على القيام ثم رجعت الى النجف وبقيت الى ذي القعدة من هذه السنة بلا مراجعة طبيب
لعجزهم عن العلاج وفي ذي الحجة من هذه السنة اجتمع الطبيب المركزي المذكور مع
الدكتور محمد تقي جهان وطبيبين آخرين جاؤا من بغداد وفحصوني فاتفقوا على عدم نفع
كل دواء وحكموا بالموت الى شهر وفي محرم من سنة 1354 خرج والدي الى قرية «القاسم
بن الامام الكاظم (عليه السلام)» للقرائة
في المآتم التي تقام لسيد الشهداء وكانت والدتي تمرضني ودأبها البكاء ليلاً
ونهاراً.
وفي الليلة السابعة من هذه السنة رأيت في النوم رجلاً مهيباً
وسيماً جميلاً اشبه الناس بالسيد الطاهر الزكي (السيد مهدي الرشتي) فسألني عن
والدي فاخبرته بخروجه الى القاسم فقال اذن من يقرأ في عادتنا يوم الخميس وكانت
الليلة ليلة خميس ثم قال اذن انت تقرأ.
ثم خرج وعاد الي وقال ان ولدي السيد سعيد مضى إلى كربلا يعقد
مجلساً لذكر مصيبة ابي الفضل العباس وفاء لنذر عليه فامضى الى كربلاء واقرأ مصيبة
العباس وغاب عني.
فانتبهت من النوم ونظرت الى والدتي عند رأسي تبكي ثم نمت
ثانياً فاتاني السيد المذكور وهو يقول الم اقل لك ان ولدي سعيد ذهب الى كربلا وانت
تقرأ في مأتم ابي الفضل فاجبته الى ذلك فغاب عني فانتبهت.
وفي المرة الثالثة نمت فعاد الي السيد المذكور وهو يقول بزجر
وشدة ألم اقل لك امضي الى كربلا فما هذا التأخير فهبته في هذه المرة وانتبهت
مرعوباً.
وقصصت الرويا من اولها على والدتي ففرحت وتفألت بان هذا
السيد هو ابو الفضل وعند الصباح عزمت على الذهاب بي الى حرم العباس ولكن كل من سمع
بهذا لم يوافقها لما يراه من الضعف البالغ حده وعدم الاستطاعة على الجلوس حتى في
السيارة وبقيت على هذا الى اليوم الثاني عشر من المحرم فاصرت الوالدة على السفر
الى كربلا بكل صورئ فاشار بعض الارحام على ان يضعوني في تابوت ففعلوا ذلك ووصلت
ذلك اليوم الى القبر المقدس ونمت عند الضريح الطاهر.
وبينا انا في حالة الاغماء في الليلة الثالثة عشر من المحرم
اذ جاء ذلك السيد المذكور وقال لي لماذا تأخرت عن يوم السبابع وقد بقي سعيد
بانتظارك وحيث لم تحضر يوم السابع فهذا يوم دفن العباس وهو يوم 13 فقم واقرأ ثم
غاب عني وعاد الي ثانياً وامرني بالقرائة وغاب عني وعاد في الثالثة ووضع يده على
كتفي الايسر لاني كنت مضطجعاً على الايمن وهو يقول الى متى النوم قم واذكر
(مصيبتي) فقمت وانا مدهوش مذعور من هيبته وانواره وسقطت لوجهي مغشياً علي وقد شاهد
ذلك من كان حاضراً في الحرم الاطهر.
وانتبهت من غشوتي وانا اتصبب عرقاً والصحة ظاهرة علي وكان
ذلك في الساعة الخامسة من الليلة الثالثة عشر من المحرم سنة 1354 هـ.
فاجتمع علي من في الحرم الشريف واقبل من في الصحن والسوق
وازدحم الناس في الحضرة المنورة وكثر التكبير والتهليل وخرق الناس ثيابي وجاءت
الشرطة فاخرجوني الى البهو الذي هو امام الحرم فبقيت هناك إلى الصباح.
وعند الفجر تطهرت للصلوة وصليت في الحرم بتمام الصحة
والعافية ثم قرأت مصيبة ابي الفضل (عليه السلام) وابتدأت
بقصيدة السيد راضي بن السيد صالح القزويني وهي:
أبا الفضل يامن اسّس الفضل والابا*** ابى الفضل الا ان تكون
له ابا
والامر الاعجب اني لما خرجت من الحرم قصدت داراً لبعض
ارحامنا بكربلا وبعد ان قرأت مصيبة العباس خلوت بزوجتي وببركات ابي الفضل حملت
ولداً سميته «فاضل» وهو حي يرزق كما رزقت عبد اخ وحسناً ومحمداً وفاطمة كنيتها ام
البنين.
هذه من علاه احدى المعالي*** وعلى هذه فقس ما سواها
وذكر ان السيد الطاهر الزاكي السيد مهدي الاعرجي وكان خطيباً
نائحاً له مدائح ومراثي لاهل البيت (عليه السلام)كثيرة ورد
النجف يوم خروجي الى كربلا فبات مفكراً في الامر وكيف يكون الحال وفي تلك
الليلة الثالثة عشر رأى في المنام كأنه في كربلا ودخل حرم العباس فرأى اللناس
مجتمعين علي وانا اقرأ مصيبة العباس فارجل في المنام.
لقد كنت بالسل المبرح داؤه*** فشافاني العباس من مرض السل
ففضلت بين الناس قدراً وانما*** لي الفضل اذاني عتيق ابي
الفضل
وانتبه السيد من النوم يحفظ البيتين فقصد دارنا وعرفهم بما
رآه وفي ذلك اليوم وضح لهم الامر.
وقد نظم هذه الكرامة جماعة من الادباء الذين رأوا السيد سعيد
في الحالين الصحة والمرض.
فمنهم السيد الخطيب العالم السيد صالح الحلي (رحمه الله).
بابي الفضل استجرنا*** فحبانا منه منحة
وطلبنا ان يداوي*** ألم القلب وجرحه
فكسا الله سعيداً*** بعد سقم ثوب صحة
بدل الرحمن منه*** قرحة القلب بفرحة
وقال الخطيب الفاضل الاستاذ الشيخ محمد علي اليعقوبي.
بابي الفضل زال عني سقامي*** مذ كساني من الشفاء برودا
وحباني من السعادة حتى*** صرت في النشأتين ادعى سعيدا
وقال العلامة الشيخ علي الجشي ايده الله:
سعيد سعدت وجزت الخطر*** من السل في مثل لمح البصر
غداة التجأت لمثوى به*** ابو الفضل حل فرد القدر
وقال السيد حسون السيد راضي القزويني البغدادي:
سعيد لقد نال الشفا من أبي الفضل*** ولولاه كان السقم يأذن
بالقتل
ولا غرو ان نال الشفا منه انه*** ابو الفضل اهل للمكارم
والفضل
وله أيضاً:
ذا سعيد بالبرء اضحى سعيداً*** وحباه الاله عمراً جديداً
من ابي الفضل بالشفا نال فضلاً*** وامتناناً ونال عيشاً
رغيدا
وللاديب السيد محمد بن العلامة السيد رضا الهندي (رحمه الله):
لم انس فضلك يا أبا الفضل الذي*** هيهات ان يحصى ثناه مفصلا
يكفيك يوم الطف موقفك الذي*** قد كان المع ما يكون وافضلا
ولقد نصرت به النبي بسبطه*** وغدوت في دنيا الشهادة اولا
وانا الذي قد كان دائى مهلكاً*** واجرتني لما استجرت مؤملا
البستني ثوب الشفاء وعدت*** حياً فيك يا ساقي عطاشى كربلا
وللخطيب الذاكر الفاضل الشيخ عبد علي الشيخ حسين:
سعيد انتجى من ضره وسقامه*** بقبر ابي الفضل المفدى فعفاه
لعمري ترى الاقدار طوع يمينه*** كوالده الكرار يمناه يمناه
فآب وابراهيم قرت عيونه*** ببرء سعيد الندب يكشر مولاه
سعيد سعيداً عش بظل لوائه*** باسعد يوم لا تزال واهناه
بفضل ابي الفضل الفضيلة حزتها*** ولولاه لم تنجو من الضر
لولاه
وللشيخ جعفر الطريفي:
عجز الطبيب لعلتي وقلاني*** وعجزت من سقمي وطول زماني
هجر الصديق زيارتي وكأنني*** ما زرته في سقمه فجفاني
حتى إذا قالوا فقلوا خفية*** هجروا الاواني خيفة العدوان
فقصدت باباً للحوائج والشفا*** العباس باباً للشفا فشفاني
لولاه واراني التراب بحفرتي*** نعم الطبيب الاوحد الرباني
وللشيخ كاظم السوداني:
فكم لابي الفضل الابي كرامات*** لها تليت عند البرية آيات
وشاراته كالشمس في الافق شوهدت*** لها من نبات المجد اومت
اشارات
سعيد سعيداً عاد منها الى الشفا*** به انسل عنه السل اذ كم
به ماتو
ابو الفضل كم فضل له ومناقب*** فيا جاحديه مثل برهانه هاتوا
هو الشبل شبل من علي وفي الوغى*** له اثر من بأسه وعلامات
لقد شعت الاكوان من بدر فضله*** بانواره ارخ (وفيها مضيئات)
وللخطيب الشيخ حسن سبتي:
الا عش سعيداً يا سعيده منعما*** مدى الدهر اذ عوفيت من فتكة
السل
عتيق حسين كان جدك اولا*** لذا صرت ثانية عتيق ابي الفضل
وللسيد نوري بن السيد صالح بن السيد عباس البغدادي:
بشرى لابراهيم في نجله*** من مرض السل غدا سالما
ابرأه العباس من فضله*** وفضله بين الورى دائما
الخامسة: حدثني الشيخ العالم الثقة الثبت الشيخ حسن بن
العلامة الشيخ محسن بن العلامة الشيخ شريف آل الشيخ المقدس صاحب الجواهر (قدس سره) عن حاج منيشد بن سلمان
آل حاج عبوده من أهل الفلاحية وكان ثقة في النقل عارفاً بصيراً شاهد الكرامة بنفسه
قال كان رجل من عشيرة البراجعة يسمى (مخيلف) مصاباً بمرض في رجليه وطال ذلك
حتييبستان وصارتا في رفع الاصبع وبقي على هذا ثلاث سنين وشاهده الكثير من آهل
المحمرة وكان يحضر الاسواق ومجالس عزاء الحسين (عليه
السلام)
ويستعين بالناس وهو يزحف على اليتيه ويديه وقد عجز عن المباشرة ويئس وكان للشيخ
خزعل بن جابر الكعبي في المحمرة (حسينية) يقيم فيها عزاء الحسين (عليه السلام) في العشرة الاولى من
المحرم ويحضر هناك خلق كثير حتى النساء يجلسن في الطابق الاعلى من الحسينية
والعادة المطردة في تلك البلاد ونواحيها ان (الخطيب النائح) اذا وصل في قرائته الى
الشهادة قام اهل المجلس يلطمون بلهجات مختلفة وهكذا النساء في اليوم السابع من
المحرم كان المتعارف ان تذكر مصيبة ابي الفضل العباس وهذا الرجل اعني «مخيلف» يأتي
الحسينية (ويجلس تحت المنبر لان رجليه ممدودتان)([17]) وحينما وصل
الخطيب الى ذكر المصيبة اخذت الحالة المعتادة من في المجلس رجالاً ونساءً وبيناهم
على هذا الحال اذ يرون ذلك المصاب بالزمانة في رجليه «مخيلف» واقفاً معهم يلطم
ولهجته «انا مخيلف قيمني العباس» وبعد ان تبين الناس هذه الفضيلة من ابي الفضل
تهافتوا عليه وخرقوا ثيابه للتبرك بها وازدحموا عليه يقبلون رأسه ويديه فامر الشيخ
خزعل غلمانه ان يرفعوه الى احدى الغرف ويمنعوا الناس عنه وصار ذلك اليوم في
المحمرة اعظم من اليوم العاشر من المحرم وصار البكاء والعويل والصراخ من الرجال
واما النساء منهن من تهلل واخرى تصرخ وغيرها تلطم.
وذكر لي ملا عبد الكريم الخطيب من أهل المحمرة وكان حاضراً
وقت الحديث ان الشيخ خزعل في كل يوم يصنع طعاماً لاهل المجلس في الظهر وفي ذلك
اليوم تأخر الغداء الى الساعة التاسعة من النهار لبكاء الناس وعويلهم.
قال العلامة الشيخ حسن المذكور ثم انه سئل مخيلف عما رآه
وشاهده فقال بينا الناس يلطمون على العباس اخذتني سنة وانا تحت المنبر فرأيت رجلاً
جميلاً طويل القامة على فرس ابيض عال في المجلس وهو يقول يا مخيلف لم لا تلطم على
العباس مع الناس فقلت له يا اغاتي لا اقدر وانا بهذا الحال فقال لي قم والطم على
العباس قلت له يا مولاي انا لا اقدر على القيام فقال لي قم والطم قلت له يا مولاي
اعطني يدك لاقوم فقال «انا ما عندي يدين» فقلت له كيف أقوم قال الزم ركاب الفرس
وقم فقبضت على ركاب الفرس واخرجني من تحت المنبر وغاب عني وانا في حالة الصحة وعاش
سنتين او اكثر ومات.
وحدثني المهذب الكامل ميرزا عباس الكرماني انه تعسرت عليه حاجة
فقصد ابا الفضل واستجار بضريحه فما اسرع ان فتحت له باب الرحمة وعاد بالمسرة بعد
الياس مدة طويلة فانشأ:
ابا الفضل اني جئتك اليوم سائلا*** لتيسير ما ارجو فانت اخو
الشبل
فلا غرو ان اسعفت مثلي بائساً*** لانك للحاجات تدعى ابو
الفضل
هذا ما اردنا اثباته من الكرامات وهو قطرة من بحر فان
الاتيان عليها كلها يحتاج إلى مجلد كبير لان الله سبحانه منح (حامي الشريعة) جزيل
الفضل واجرى عليه من الفيض الاقدس مالم يحوه بشر غير الانبياء المقربين والائمة
المعصومين جزاء لذلك الموقف الباهر الذي لم يزل يرن رجع صداه المؤلم في مسامع
القرون والاجيال مذكراً بما ابداه ابو الفضل من اباء وشمم وكر واقدام وتضحية دون
الشرع القديم.
وبادر الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن الى سيّده ابن مرجانة
فأخذ منه أماناً لابي الفضل وأخوته الممجّدين، وقد ظنّ أنّه سيخدعهم، ويفردهم عن
أخيهم أبي الاحرار، وبذلك يضعف جيش الامام، لانّه يخسر هؤلاء الابطال الذين هم من
أشجع فرسان العرب، وجاء الخبيث يشتدّ كالكلب، وقد وقف أمام جيش الحسين، وهتف
منادياً:
«أين بنو أختنا العباس، واخوته؟..».
وهبّت الفتية كالاسود، فقالوا له:
«ما تريد يا ابن ذي الجوشن؟..».
فانبرى مستبشراً يبدي لهم الحنان المزيّف قائلاً:
«لكم الامان..».
وصاحوا به، وهم يتميّزون من الغيظ، فقد لذعهم قوله:
«لعنك الله، ولعن أمانك، أتؤمننا، وابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا أمان
له...»([18]).
وولّى الخبيث خائباً، فقد ظنّ أن السادة الاماجد اخوة الامام
من طراز أصحابه الممسوخين الذين باعوا ضمائرهم على ابن مرجانة ووهبوا حياتهم
للشيطان، ولم يعلم أن اخوة الحسين (عليه السلام) من أفذاذ
الدنيا، الذين صاغوا الكرامة الانسانية، وصنعوا الفخر والمجد للانسان.
وزحفت طلائع الشرك والكفر لحرب ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر
الخميس لتسع خلون من شهر محرم، بعد أن صدرت إليهم لاوامر المشدّدة من ابن مرجانة
بتعجيل القتال وحسم الموقف خوفاً من تبلور رأي الجيش وحدوث انقسام في صفوفه، وكان
الامام محتبياً بسيفه أمام بيته إذ خفق برأسه، فسمعت شقيقته عقيلة بني هاشم السيدة
زينب أصوات الرجال، وتدافعهم نحو أخيها، فانبرت إليه فزعة مرعوبة، فأيقظته، فرفع
الامام رأسه فرأى أخته مذهولة، فقال لها بعزم وثبات:
«إنّي رأيت رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) في المنام، فقال: إنك تروح إلينا..».
وذابت نفس العقيلة أسى وحسرات، وانهارت قواها ، ولم
تملك نفسها أن لطمت وجهها، وراحت تقول:
«يا ويلتاه...»([19]).
والتفت أبو الفضل الى أخيه فقال له:
«أتاك القوم..».
وطلب الامام منه أن يتعرّف على خبرهم قائلاً:
«اركب بنفسي أنت يا أخي، حتى تلقاهم، فتقول لهم: مابدا لكم،
وما تريدون؟..».
لقد فدى الامام (عليه السلام) أخاه
بنفسه، وهو مما يدلّ على سموّ مكانته، وعظيم منزلته، وانه قد بلغ قمّة الايمان،
وأعلى مراتب المتقين... وأسرع أبو الفضل نحو الجيش، ومعه عشرون فارساً من أصحابه،
ومن بينهم زهير بن القين، وحبيب بن مضاهر، وسألهم أبو الفضل عن سبب زحفهم، فقالوا
له:
«جاء أمر الامير أن نعرض عليكم النزول على حكمه، أو
نناجزكم...»([20]).
وقفل العباس الى أخيه، فأخبره بمقالتهم، وراح حبيب بن مضاهر
يعظهم ويحذّرهم من عقاب الله قائلاً:
«أما والله بئس القوم يقدمون غداً على الله عزّ وجلّ، وعلى
رسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قتلوا
ذريته، وأهل بيته، المتهجّدين بالاسحار، الذاكرين الله كثيراً بالليل والنهار،
وشيعته الاتقياء الابرار..»([21]).
وردّ عليه بوقاحة عزرة بن قيس فقال له:
«يا ابن مظاهر إنّك لتزكّي نفسك..».
وانبرى إليه البطل الفذّ زهير بن القين فقال له:
«اتق الله يا ابن قيس، ولا تكن من الذين يعينون على الضلال
ويقتلون النفس الزكية الطاهرة، عترة خيرة الانبياء..».
اللواء يعقد على رمح او عصا، ويقال له الراية، عقد الرسول
الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لحمزة بن
عبد المطلب لواء ابيض في شهر رمضان اول الهجرة، فحملها وانشد يقول:
فما برحوا حتى انتدبت لغارة*** لهم حيث حلوا ابتغى راحة
الفضل
بامر رسول الله آول خافق*** عليه لواء لم يكن راح من قبل
لواء لديه النصر من ذي كرامة*** اله عزيز فضله افضل الفصل([22])
وهو اول لواء عقدها (صلى
الله عليه وآله وسلم) للمسلمين في شوال من السنة الاولى للهجرة ومن
بعده كانت راية الاسلام مع الامام علي (عليه
السلام)
في جميع مغازى الرسول (صلى الله عليه
وآله وسلم)
ولم يفته مشهد من مشاهده كلها الاّ في غزوة تبوك حيث لم يقع فيها قتال([23]).
فكان حملة الالوية يحرصون على رفعها لكونها معقد الجيش وبها
يتم نظامهم، ولم ينكسر الجيش الاّ بقتل صاحب الراية وسقوطها.
ومن هنا نَعرِف مكانة ابي الفضل العباس من البسالة والشجاعة
والشهامة، ويوم عبأ الامام الحسين اصحابه، فاعطى رايته اخاه العباس، مع وجود
اخوته، كما ان في اصحابه من هو اكبر سناً منه واكثر مراساً مع صدق المفادات، ولكن
الامام الحسين (عليه السلام) وجد اخاه
ابا الفضل العباس اكفى ممن معه لحملها، واحفظهم لزمامها، واحماهم لجواره، واثبتهم
للطعان، واربطهم جأشاً واشدهم مراساً.
فليس غريباً اذا ظهر في غصن هاشم ما يبهر العقول.
قسماً بصارمه الصقيل وانني*** في غير صاعقة السما لا اقسم
لولا القضاء لمحا الوجود بسيفه*** والله يقضي ما يشاء ويحكم
هذا ما كان عليه العباس (عليه
السلام)
فقد استشهد مجاهداً وفياً صابراً.
في اليوم السابع من المحرم الحرام حوصر سيد الشهداء ومن معه،
ومنع عنهم الماء، وسد بوجههم منافذ الورود، ونفد ماعندهم من الماء فعاد كل واحد
منهم يعالج لهب الاوام - وابي الفضل العباس والغيارى من اصحابه، الاّ ان يقحموا
الشريعة ويخترقوا الرماح المشرعة والبوارق المرهفة الجمع الكنيف من جيش الضلال
برأسهم عمرو بن الحجاج - عليه اللعنة - ولكن «ساقي العطاشى» لم يتطامن على تحمل
تلك الحالة:
او تشتكي العطش الفواطم عنده*** وبصدر صعدته الفرات المفعم
ولو استقى نهر المحمرة لارتقى*** وطويل ذابله اليها سلم
لو سد ذو القرنين دون وروده*** نسفته همته بما هو اعظم
في كفه اليسرى السقاء يقله*** وبكفه اليمنى الحسام المخذم
مثل السحابة للفواطم صوبه*** فيصيب حاصبه العدو فيرجم
هناك قيض الحسين (عليه
السلام)
لهذه المهمه اخاه العباس في حين ان نفسه الكريمة تنازعه الى ذلك قبل الطلب ويحدوه
اليه حفاظه المر فامره ان يستقي للحرائر والصبية وان كان دونه شق المرائر وسفك
المهج وضم اليه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وبعث معهم عشرين قربة وتقدم امامهم
نافع بن هلال الجملي فمضوا غير مبالين وكل بحفظ الشريعة لانهم محتفون بشيم من آل
محمد فتقدم نافع باللواء وصاح به عمرو بن الحجاج من الرجل وما جاء بك قال جئنا
نشرب من هذا الماء الذي حلئتمونا عنه فقال له اشرب هنيئا قال نافع لا والله لا
اشرب منه قطرة والحسين ومن ترى من آله وصحبه عطاشا.
فقال لا سبيل الى سقي هؤلاء وانما وضعنا ههنا لنمنعهم الماء
ثم صاح نافع بأصحابه املؤا قربكم وشد عليهم اصحاب ابن الحجاج فكان بعض القوم يملا
القرب وبعض يقاتل وحاميهم «ابن بجدتها» مسدد الكماة المتربي في حجر البسالة
الحيدرية والمرتضع من لبانها «ابو الفضل» فجاؤا بالماء وليس في القوم المناوئين من
تحدثه نفسه بالدنو منهم فرقا من ذلك البطل المغوار قبلت غلة الحرائر والصبية
الطيبة من ذلك الماء وابتجت به النفوس([24]).
ولكن لا يفوت القارئ معرفة ان تلك الكمية القليلة من الماء
ما عسى ان تجدي اولئك الجمع الذي هو اكثر من مائة وخمسين رجالاً ونساء واطفالاً او
انهم ينيفون على المائتين على بعض الروايات ومن المقطوع به انه لم ترو اكبادهم
الامرة واحدة او انها كمصة الوشل فسرعان ان عاد اليهم الظما والى الله سبحانه
المشتكي.
كان اصحاب الحسين (عليه
السلام)
بعد الحملة الاولى التي استشهد فيها خمسون يخرج الاثنان والثلاثة والاربعة وكل
يحمي الاخر من كيد عدوه فخرج الجابريان وقاتلا حتى قتلا وخرج الغفاريان فقاتلا
معاً حتى ققتلا وقاتل الحر الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره حتى فعلا ذلك
ساعة فكان اذا شد احدهما واستلحم شد الاخر واستنقذه حتى قتل الحر([25]).
وفي تاريخ الطبري ج6 ص255 ان عمرو بن خالد الصيداوي وسعد
مولاه وجابر بن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله العائذي شدوا جميعاً على أهل
الكوفة فلما اوغلوا فيهم عطف عليهم الناس من كل جانب وقطعوهم عن اصحابهم فندب
اليهم الحسين اخاه العباس فاستنقذهم بسيفه وقد جرحوا اجمعهم وفي اثناء الطريق
اقترب منهم العدو فشدوا بأسيافهم مع مابهم من الجراح وقاتلوا حتى قتلوا في مكان
واحد وفازوا بالسعادة الخالدة.
ولما رأى العباس (عليه
السلام)
كثرة القتلى من أهله قال لاخوته من أُمه وأبيه عبد الله وعثمان وجعفر: تقدموا يا
بني أُمي حتى أراكم نصحتم لله ولرسوله، والتفت إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان
وجعفر وقال: تقدم يا أخي حتى أراك قتيلاً وأحتسبك([26]) فقاتلوا بين
يدي أبي الفضل حتى قتلوا بأجمعهم.
نعما قرابين الاله*** مجزَّرين على الفرات
خير الهداية أن يكون*** الهدي من زمر الهداة
من بعد ماقضوا الصلاة*** قضوا فداءاً للصلاة
ولم يستطع العباس صبراً على البقاء بعد أن فنى صحبه وأهل بيته
ويرى «حجة الوقت» مكثوراً قد انقطع عنه المد وملا مسامعه عويل النساء وصراخ
الاطفال من العطش فطلب من أخيه الرخصة، ولما كان العباس (عليه السلام)أنفس الذخائر عند السبط
الشهيد (عليه السلام) لان
الاعداء تحذر صولته وترهب اقدامه والحرم مطمئنة بوجوده مهما تنظر اللواء مرفوعاً،
فلم تسمح نفس «أبي الضيم» القدسية بمفارقته فقال له: يا أخي «أنت صاحب لوائي»([27]).
قال العباس: قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين وأُريد أن آخذ
ثأري منهم، فأمره الحسين (عليه السلام) أن يطلب
الماء للاطفال، فذهب العباس الى القوم ووعظهم وحذرهم غضب الجبار فلم ينفع! فنادى
بصوت عال: يا عمر بن سعد: هذا الحسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته
وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى، فاسقوهم من الماء قد أحرق الظما قلوبهم فأثر كلامه في
نفوس القوم حتى بكى بعضهم ولكن الشمر صاح بأعلى صوته: يا ابن أبي تراب لو كان وجه
الارض كله ماء وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد.
فرجع إلى أخيه يخبره فسمع الاطفال يتصارخون من العطش([28])
فلم تتطامن نفسه على هذا الحال وثارت به الحمية الهاشمية:
يوم أبو الفضل تدعو الظاميات به*** والماء تحت شبا الهنديَّة
الخذم
والخيل تصطكُّ والزغف الدلاص على*** فرسانها قد غدت ناراً
على علم
وأقبل الليث لا يلويه خوف ردى*** بادي البشاشة كالمدعوِّ
للنعم
يبدو فيغدو صميم الجمع منقسماً*** نصفين مابين مطروح ومنهزم([29])
ثم انه ركب جواده وأخذ القربة، فأحاط به أربعة آلاف ورموه
بالنبال فلم ترعه كثرتهم، وأخذ يطرد أولك الجماهير وحده ولواء الحمد يرف على رأسه،
ولم يشعر القوم أهو العباس يجدل الابطال أم أن الوصي يزأر في الميدان! فلم تثبت له
الرجال، ونزل إلى الفرات مطمئناً غير مبال بذلك الجمع.
ودمدم ليث الغاب يعطو بسالة*** إلى الماء لم يكبر عليه
ازدحامها
وخاض بها بحراً يرفُّ عبابه*** ضبا ويد الاقدار جالت سهامها
ألمت به سوداء يخطف برقها*** البصائر من رعب ويعلو قتامها
جلاها بمشحوذ الغرارين أبلج*** يدبُّ به للدارعين حمامها
فحلاَّها عن جانب النهر عنوة*** وولَّت هواديها يصلُّ لجامها
ثنى رجله عن صهوة المهر وامتطى*** قرى النهر واحتلَّ السقاء
همامها
وهبَّ إلى نحو الخيام مشمِّراً*** لريِّ عطاشى قد طواها
اوامها
ولما اغترف من الماء ليشرب تذكر عطش الحسين ومن معه فرمى
الماء وقال:
يا نفس من بعد الحسين هوني*** وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون*** وتشربين بارد المعين
تالله ماهذا فعال ديني
ثم ملا القربة وركب جواده وتوجه نحو المخيم، فَقُطِع عليه
الطريق وجعل يضرب حتى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق وهو يقول:
لا ارهب الموت إذا الموت زقا*** حتى أُوارى في المصاليت لقى
إني أنا العباس أغدو بالسقا*** ولا أهاب الموت يوم الملتقى
فكمن له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن
الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فبراها فقال (عليه
السلام):
والله إنْ قطعتُمُ يميني*** إني أُحامي ابداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين*** نجل النبيِّ الطاهر الامين
فلم يعبأ بيمينه بعد ان كان همُّه إيصال الماء الى اطفال
الحسين وعياله، ولكن حكيم بن الطفيل كمن له من وراء نخلة فلما مر به ضربه على
شماله فقطعها([30])
وتكاثروا عليه! وأتته السهام كالمطر فأصاب القربة سهم وأُريق ماؤها وسهم أصاب صدره
وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته!
وهوى بجنب العلقميِّ فليته*** للشاربين به يداف العلقم
وسقط على الارض ينادي: عليك مني السلام أبا عبد الله فأتاه
الحسين (عليه السلام) وليتني
علمت بماذا أتاه أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل أم بجاذب من الاخوّة إلى
مصرع صنوه المحبوب!؟
نعم حصل الحسين (عليه السلام) عنده وهو
يبصر قربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته الدماء وجللته النبال فلا يمين تبطش ولا
منطق يرتجز ولا صولة ترهب ولا عين تبصر ومرتكز الدماغ على الارض مبدد!!
أصحيح أن الحسين ينظر الى هذه الفجائع ومعه حياة ينهض بها؟
لم يبق الحسين بعد أبي الفضل إلاّ هيكلاً شاخصاً معرّىً عن لوازم الحياة وقد أعرب
سلام الله عليه عن هذا الحال بقوله: الان انكسر ظهري وقلّت حيلتي([31]).
وبان الانكسار في جبينه*** فاندكَّت الجبال من حنينه
وكيف لا وهو جمال بهجته*** وفي محياه سرور مهجته
كافل اهله وساقي صبيته*** وحامل اللواء بعالي همته([32])
وتركه في مكانه لسر مكنون اظهرته الايام وهو أن يدفن في
موضعه منحازاً عن الشهداء ليكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات وبقعة يزدلف
اليها الناس وتتزلف إلى المولى سبحانه تحت قبته التي ضاهت السماء رفعة وسناء فتظهر
هنالك الكرامات الباهرة وتعرف الاُمة مكانته السامية ومنزلته عند الله تعالى فتؤدي
ما وجب عليهم من الحب المتأكد والزيارات المتواصلة ويكون (عليه السلام) حلقة الوصل فيما بينهم
وبين الله تعالى، فشاء حجة الوقت ابو عبد الله (عليه
السلام)
كما شاء المهيمن سبحانه أن تكون منزلة «أبي الفضل» الظاهرية شبيهة بالمنزلة
المعنوية الاُخروية فكان كما شاءا واحبا.
ورجع الحسين الى المخيم منكسراً حزيناً باكياً يكفكف دموعه
بكمه وقد تدافعت الرجال على مخيمه فنادى: أما من مغيث يغيثنا؟ أما من مجير يجيرنا؟
أما من طالب حق ينصرنا، اما من خائف من النار فيذب عنا ! ([33])
فأتته سكينة وسألته عن عمها، فاخبرها بقتله! وسمعته زينب فصاحت: وا أخاه وا عباساه
واضيعتنا بعدك! وبكين النسوة وبكى الحسين معهن وقال: واضيعتنا بعدك!!
نادى وقد ملا البوادي صيحة*** صمُّ الصخور لهولها تتألم
أأُخيُّ من يحمي بنات محمد*** إذ صرْنَ يسترْحمنَ من لا يرحم
ما خلت بعدك أن تشلَّ سواعدي*** وتكفَ باصرتي وظهري يقصم
لسواك يلطم بالاكفِّ وهذه*** بيض الظبى لك في جبيني تلطم
مابين مصرعك الفظيع ومصرعي*** إلاّ كما أدعوك قبل وتنعم
هذا حسامك من يذلُّ به العدى*** ولواك هذا من به يتقدَّم
هوَّنت يا ابن أبي مصارع فتيتي*** والجرح يسكنه الذي هو أألم
فأكبَّ منحنياً عليه ودمعه*** صَبغ البسيط كأنَّما هو عندم
قد رام يلثمه فلم ير موضعاً*** لم يدمه عضُّ السلاح فيلثم([34])
1 - مقتل الحسين (عليه
السلام)
المقرم.
2 - الحسين الشهيد - مجلد 6 موسوعة المصطفى والعترة.
3 - مقاتل الطالبيين، ص53/ 55.
4 - وقعة الطف - ابي محنف 245.
5 - العباس بن علي - باقر القرشي.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد
وآله الطاهرين، والل:عن الدائم على اعدائهم اجمعين. وبعد..
هذه ترجمة موجزة لحياة بطل الطف فى كربلا الشهيد علي بن
الحسين الاكبر، وهو الفصل الثاني من سِلسِلة سيرة اهل البيت (عليهم السلام) العاشرة.
الشهيد البطل علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليه السلام) غنيّ عن التعريف بامجاده
فهو الفرع الباسق من الدوحة الهاشمية حتى يصل الى أعلى الفروع واعمق الاصول كابراً
عن كابر الى هاشم وشبيه الحمد عبد المطلب، هذا من جهة الاب وطيب الارومة.
اما من جهة الام الخفره سليلة الامجاد والمكارم من آل
مسعود....... ، وثقيف مجد قائم بذاته بيت شرف ومنعة فان جدها عروة، احد الرجلين
العظيمين الذي قالت قريش فيهما، (لولا انزل
هذا القرآن على رجل من القرينين عظيم) في الجاهلية - والفرتيتات هما مكة والطائف
فليلى «ام علي الاكبر» بنت ابي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي([35])
وامها - ميمونة بنت ابي سفيان صخر بن حرب ابن امية([36]).
ولقد استمد الشهيد «علي الاكبر» امجاده من جهة الاب سادة
قريش وزعماء العرب، ومن جهة الام من مفاخر العرب ثقيف.
وفي ليلى يقول الحارث بن خالد المخزومي([37]):
اطافت بنا شمس النهار ومن راى*** من الناس شمساً في المساء
تطوف
ابو امها اوفى قريش بذمة*** واعماما اما سألت ثقيف
ولم يثبت لنا سنة وفاتها، ولا مقدار عمرها، ولا حضورها في
مشهد الطف، وان المؤرخين اجمع اهملوا ذكرها ولعلها كانت متوفاة قبل الطف.
قال العلامة الشيخ عباس القمي في نفس المهموم ص167 لم اظفر
بشيء يدلّ على مجيء ليلى الى كربلاء.
ولم تذكر الاخبار عن هذه الخَفِرَة متى اقترنت بالامام
الحسين (عليه السلام) وكيف كان
عهده بها الى غير ذلك، وهذه واحدة من جرائم التاريخ واهماله.
ولشرف عروة في قومه ارسلته قريش يوم الحديبية لمفاوضة رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعقد الصلح
معه، وكان بالطبع مشركاً، واسلم فيما بعد في السنة التاسعة من الهجرة، ورجع الى
الى قومه في الطائف يهديهم الى الاسلام فصعد الى ربوه له واشرق منها عليهم واظهر
الاسلام ودعاهم اليه، فرموه بالنبال واصابه سهم فما ت، فقيل ما ترى في دمك، فقال
كرامة اكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ ليس فيّ إلاّ مافي الشهداء الذين
قتلوا مع رسول الله فادفنوني معهم، فلما مات شهيداً دفن مع الشهداء، وقال رسول
الله فيه، ليس مثله في قومه الاّ كمثل صاحب ياسين في قومه([38]).
ولد علي الاكبر (عليه السلام) في الحادي
عشر من شهر شعبان سنة ثلاث وثلاثين، قبل مقتل عثمان بسنتين([39])
فيكون عمره يوم الطف بكربلا ما يقارب سبعاً وعشرين سنة، بتأييد واتفاق المؤرخين
وارباب النسب على انه اكبر من الامام السجاد باربع سنين، حيث كان عمر الامام
السجاد (عليه السلام) يوم الطف
ثلاث وعشرون سنة.
فان القرائن تدل على منزلته الرفيعة عند ابيه الامام الحسين (عليه السلام) وتقدمه على من معه من
اصحابه واهل بيته عدى عَمه «العباس» فان المؤرخين اتفقوا على ان الامام الحسين (عليه السلام) لما اجتمع ليلة
عاشوراء بابن سعد، ولم يحضر احداً الاّ اخوه العباس وابنه علي الاكبر (عليه السلام).
ولما خطب الحسين (عليه
السلام)
يوم عاشوراء، وسمع بكاء عياله قال لاخيه العباس وابنه علياً الاكبر، سكتاهنّ
فلعمري ليكثر بكاؤهن.
الاكبر، وأبا الحسن، ومما يشار الى رواية احمد بن ابي نصر
البزنطي بانه كان متزوجاً من جارية له وولد منها، او كما يحتمل ان تكون الكنية
للتفائل بالولد الحَسِن، ويحتمل انها صدرت بعد ان صار له ولد سمّى «الحسن» وان كان
عقبه منقطع، ومما يرجح قول الامام الصادق (عليه
السلام)،
صلى الله عليك وعلى عترتك واهل بيتك، وآبائك وابنائك، وامهاتك الاخيار الذين اذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً - هذه الرواية جاءت عامة وغير مخصصة، ربما تشير
إلى ولد له بكامل الزيارات لابن قولومة، والله العالم.
وهناك روايات متعدده تشير الى انه لم ينج من اصحاب الحسين
وولده واخوته وولد اخيه وابنا عمومته إلاّ علي بن الحسين الاصغر - لقب بزين
العابدين، وكان مريضاً.
وقال الشبلنجي في نور الابصار ص194 - ان من اولاد الحسين
علياً الاكبر استشهد مع ابيه في كربلاء وبقي علي الاصغر زين العابدين.
هذا ما كان عليه المؤرخون من وصف السجاد بالاصغر وهناك جماعة
استوضحوا كِبَر المقتول مع أبيه واكتفوا بوصفه بالاكبر وسكتوا عن وصف الامام زين
العابدين (عليه السلام) بالاصغر
منهم، واما ما نص عليه ابن شهر اشوب في المناقب وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤال
ص72، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، من ان زين العابدين هو الاوسط فيكون
للامام الحسين من الاولاد ثلاثة يقال لهم علي، وقد صححه الاربلي في كشف الغمة فان
الثابت عند أهل النسب والسيرة ان للحسين علياً الاكبر، وعلياً الاصغر وهو السجاد
وعبد الله الرضيع وجعفر درج في ايام ابيه، وقد صرح الامام السجاد (عليه السلام) حين سأله ابن زياد
«لعنه الله» اليس قتل الله علياً؟ قال الامام (عليه
السلام)
كان اخ اكبر مني يسمّى علياً قتله الناس.
وقد وصف السجاد بالاصغر، والشهيد بالاكبر جماعة من المورخين
وقد ذكر العلامة السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه «علي الاكبر» ثمانية وعشرين
مصدراً من مصادر الفريقين ينص على المقتول مع ابيه في كربلا هو علي الاكبر. وعمره
سبعة وعشرين سنة.
ان من مكارم الاخلاق ان يتحلى المرأ بالصفات الحميدة ويتخلى
من العادات الذميمة وهذه الاخلاق سواءً كانت حميدة او ذميمة يكتسبها المرأ
وراثياً، وبيتياً ، ومجتمعاً ومحيطاً. وشرائع السماء التي بعثها الله سبحانه
وتعالى لخلقه عن طريق رسله وانبيائه كلها تدعو الى مكارم الاخلاق، لا سيما رسالة
سيد الانبياء ورسله «محمد المصطفى» (صلى الله عليه
وآله وسلم)
حيث قال:
«إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق» وصدع برسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يريد
منهم جزاءً ولا شكوراً، يريد ان يجعل حياة البشرية كلها حياة هانئة رغيدة خالدة،
لا تبيدها الحُقب والاعوام لان رسالته خاتمة الرسالات، وشهيدنا الغالي «علي
الاكبر».
هو ربيب ذلك البيت الطاهر الذي هو خلاصة الوجود من طيب
الارومة ومكارم الاخلاق، من حلم، وعلم، وشجاعة، وكرم، وتواضع، وبلاغة. وما الى ذلك
من المكارم التي ورثها عَن آبائه، وترعرع في بيت النبوة، هذا من ناحية اخلاقه -
اما خِلقته فكان اشبه الناس بجده رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) بشهادة ابيه الامام الحسين (عليه السلام) حينما استأذن اباه
لمجاهدة الكفار المعاندين، قائلاً: اللّهم كن انت الشهيد عليهم. فقد برز اليهم
غلام اشبه الخلق برسولك (صلى الله عليه
وآله وسلم).
ونحن اذ نقتطف شذرات من تلك الخصال الحميدة، لنجعلها مثالاً
لنا ودروساً لحياتنا وتهذيباً لنفوسنا وهدياً لسلوكنا، وتحليتها بمكارم الاخلاق
وتثبيت الملكات السامية.
وهذا السيد ابن طاووس في كتابه اللّهوف، في دعاء الامام الحسين
(عليه السلام) لما برز
علي الاكبر الى القوم قائلاً: اللهم اشهد انه برز إليه اشبه الناس خَللقاً،
وخلُقاً، ومنطقاً، برسولك وكنا اذا اشتقنا الى نبيك نظرنا اليه([40]).
علي الاكبر كان مرآة الجمال النبوي ومثال كماله الاسمى، حتى
قال فيه حسان بن ثابت:
واحسن منك لم تر قط عيني*** واجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءاً من كل عيب*** كأنك خلقت كما تشاء
وان الاثار تدل على تلكم الاخلاق الكريمة التي مدحها سبحانه
وتعالى. «وانك لعلى خلق عظيم» تشبه بها شهيدنا الغالي «علي الاكبر».
وليس ببعيد من فضل الباري جل ذكره ان يُوجِدْ ذاتاً كاملة
منزهة عن كل عيب، ومبرأة عن اي شين، وان شهادة ابيه سيد الشهداء وهو الامام
المعصوم بحق ولده الاكبر دليل على مصداقية شخصيته الكريمة.
لقد كان علي الاكبر (عليه
السلام)
ابان شبابه عليه سيماء العظمة وسمو الذات، وظاهر الشجاعة والكرم وان الواصف له
مهما بالغ في وصفه لم يبلغ....... ما يتحلى به من مكارم الاخلاق ولا غرو فهو غصن
من اغصان الدوحة الهاشمية وفرع من الشجرة العلوية.
وفي مقاتل الطالبيين، قال معاوية: من احق الناس بهذا الامر؟
قالوا انت] نفاقاً [قال لا: اولى الناس بهذا الامر علي بن الحسين بن علي، جده رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفيه شجاعة
بني هاشم، وسخاء بني امية] زوراً وبهتاناً [وزهو ثقيف.
وفيه نظمت هذه الابيات.
لم تر عين نظرت مثله*** من محتف يمشي ومن ناعل
يغلى نبئ اللحم حتى اذا*** انطبخ لم يغل على الاكل
كانت اذا شبت له ناره*** او قدها بالشرف القابل
كيما يراها بائس مرمل*** او فردِ حيٍّ ليس بالاهل
اعني ابن ليلى ذا السدى والندى*** اعني ابن الحسب الفاضلِ
لا يؤثر الدنيا على دينه*** ولا يبيع الحق بالباطلِ
ومما لا شك فيه ان الشهيد علي الاكبر كان جامعاً للفضائل،
وحائزاً للمناقب، ومعتصماً عن المآثم، جمع الخلق المحمدي بأكمل معانيه، وامسك
باطراف رداء الشرف بكل مافيه، ولا غرو فهو ابن من؟ ابن من هشم الثريد لقومه الى
آخر الابيات.
وهاشم اول من سن رحلة الشتاء والصيف، كما سبق ذكرها في
مؤلفاتنا وابن شيبة الحمد عبد المطلب بن هاشم فكان سيد قومه ولشرفه كان يفرش له
بازاء الكعبة.
وهو أول من حَرَّم نساء الاباء على الابناء، واول من تصدق
بخمس امواله على المستحقين والفقراء، وأول من سن دية القتل بمئة من الابل، ولم يكن
عند قريش عدد الطواف حول البيت فسنه سبعة أشواط، وقطع يد السارق، وحرّم الخمر
والزنا، وان لا يطوف بالبيت عريان ولا يستقسم بالازلام ولا يؤكل ما ذبح على النصب([41])
وذلك قبل ولادة الرسول (صلى الله عليه
وآله وسلم).
واما جده ابو طالب سيد البطحاء بدون منازع - ومؤمل قريش
وزعيمها المقدم بعد ابيه.
وما عساي ان اقول في من هو جده المصطفى، اشرف الكائنات وجده علي
المرتضى الذي هو منه بمنزلة هارون من موسى فعلي الاكبر هو المتفرع من هذه الشجرة
الطيبة التي اصلها ثابت وفرعها في السماء، والوارث لهذه المآثر النيرة والحائز على
كمال النبوة، وصدق من قال فيه:
ورث الصفات الغر فهي تراثه*** عن كل غطريف وشهم اصيدِ
في بأس حمزة في شجاعته حيدر*** بأبى الحسين وفي مهابة احمدِ
وتراه في خلق وطيب خلائق*** وبليغِ نطق كالنبي محمدِ
الولد رشحة من رشحات ابيه، ولمعه مما تكنه جوانحه التي انطوت
عليه اضالعه، ومظهر من مظاهره في طبائعه وغرائزه في صفاته، لذلك تجد الولد على سر
ابيه مهما كان الاب براً او شقياً، وقد اوجب سبحانه وتعالى للابوين حقوقاً على
الولد.
ومن عظيم حقوقهما عند الله تعالى ان قرن طاعتهما بطاعته،
وشكرهما بشكره فقال: (أنِ اشكُر
لِى وَلوالدَيكَ) كما ان جعل الاحسان اليهما مقارنةً بتوحيده فقال جل شانه (وَقضَى رَبُك أن لا تَعبُدوا إلاّ إياهُ
وَبالوَالِدَينِ إحسَانَا) ومن هذا المنطلق ألْزم الشارع المقدس الاولاد
بطاعة ابويهما واجتناب مخالفتهما وما يغيظهما، فيقول سبحانه وتعالى (إمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الكِبَر
أحدَهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أفٍّ وَلاَ تَنهَرهُما وَقُل لَهُما
قَولاً كَرِيماً)، ولو كانت اقل من الاف كلمة لذكرها سبحانه وهي تعني الضجر والسأم
ثم البر بالوالدين لا يخص بحال الاسلام، وحتى لو كانا مشركين لوجب مصاحبتهما
بالمعروف لقوله تعالى: (وَإن
جَاهَدَاك عَلى أن تُشرِكَ بِي مَالَيس لَك بِه عِلمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا).
فحث سبحانه الولد على الاحسان لوالديه وخفض جناح الطاعة ولو
كانا مشركين، إلاّ متابعتهما على الشرك بالله تعالى.
وليس الاحسان الى الابوين مقصوراً على حيَاتهما فحسب بل يشمل
ذلك بعد مماتهما، وهناك احاديث وروايات كثيرة بهذا الشان.
وشهيدنا الغالي «علي الاكبر» كان مثالاً لبر الوالدين
واطاعتهما جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم)
وقال قمت ببر امي حتى حملت الحاجتين من تحتها فهل وفيت بحقها؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا. فتعجب
وقال كيف؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لما خدمتك
وكنت صغيراً ترجو حياتك والان انت تخدمها وترجو مماتها - قال صدقت يا رسول الله.
هذا حال الابناء مع آبائهم، ومما لا شك فيه ان الابناء
يتفاوتون في بر والديهم، بحسب تفاوت نفسياتهم، وايمانهم وطاعتهم.
في حديث لعقبة بن سمعان قال: لما كان السحر من الليلة التي
بات الحسين (عليه السلام) فيها بقصر
بني مقاتل امرنا بالاستسقاء ثم ارتحلنا، فبينا هو يسير اذ خفق الامام الحسين (عليه السلام) برأسه خفقة وانتبه وهو
يسترجع ويقول: «انّا لله وانّا إليه راجعون» «والحمد لله رب العالمين» كرر ذلك
ثلاثاً.
فاقبل اليه ابنه عليّ الاكبر وكان على فرس له، وقال له جعلت
فداك مم استرجعت وحمدت الله؟
فقال الحسين (عليه السلام).. خفقت
برأسي خفقة فعن لي فارس يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري اليهم، فعلمت انها
انفسنا نُعِيْت إلينا.
قال علي الاكبر (عليه السلام) يا ابت
ألسنا على الحق؟
فقال الحسين (عليه السلام): بلى والذي
اليه مرجع العباد.
فقال علي الاكبر (عليه
السلام):
اذاً لا نبالي ان نموت محقين.
فقال الحسين (عليه السلام): جزاك الله
من ولد خير ما جزى، ولداً عن والده([42]).
الماء عنصر حيوي لكافة الموجودات، (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس
شرع سواء في الماء والكلاء» فلا يصدر عنه الاّ كل لئيم العنصر خسيس الطبع، لا يهمه
حياة البشر والمخلوقات ، وبعكس ذلك فلا تجد في قاموس قادة الحق ودعاة الشرائع
منع الماء عن مناوئيهم. مثال ذلك لما استولى معاوية على الماء في صفين منع اصحاب
الامام علي (عليه السلام)من وروده
والانتهال من غيره، ولما استرد الامام علي (عليه
السلام)
الماء وملك الشريعة بسيوفهم، اباح لبني امية من شربه والانتهال من غيره غيره.
هذه طيب ارومة بني هاشم، وتلك خساسة طبع بني امية، كما سقى
الامام الحسين (عليه السلام) الحر وجيشه
لما وصلوا لصد الحسين وهم زهاء الف فارس، ورشف خيولهم، وكاد العطش ان يهلكهم في
تلك الصحراء القاحلة، والشمس المحرقة.
ملكنا فكان العفو منا سجيةً*** ولما ملكهم سال بالدم ابطح
«فحسبكم هذا التفاوت بيننا*** وكل اناء بالذي فيه ينضح»
ولما وصل الامام الحسين (عليه
السلام)
واهل بيته واصحابه ارض كربلاء القريبة من نهر الفرات الجاري، منع عمر بن سعد
الحسين واصحابه من ورود الماء والانتهال من غيره - وجعل على الشريعة أربعة آلاف من
عسكره بامرة الحجاج الزبيدي - عليه اللعنة.
ولما اضر العطش بالحسين سيد شباب اهل الجنة واهل بيته
واصحابه في اليوم الثامن من محرم الحرام سنة 61 هـ. انتدب الامام (عليه السلام) ولده علي الاكبر (عليه السلام)للاستقاء، وخرج معه
ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً يحملون القرب لحمل الماء، وبعد جهاد شديد ملكوا
المشرعة وملاوا اسقيتهم وعادوا الى المخيم سالمين بالماء، ليرووا ظماء الاطفال
والعيال والاصحاب.
وما عسى ان تنفع هذه الكمية القليلة من الماء وهم زهاء
المأتين مع خيولهم ودوابهم، فسرعان ما نفذ الماء وعاد الظماء اليهم. والى الله
المشتكى.
كانت تلك الليلة من اعظم ما مر على آل الرسول من المحن
والمكارة، من العطش والجوع والخوف واحاطة الاعداء بجيوشها، وانقطاع المدد، واليأس
من الانتصار.
إذاً فما حالهم فهل ابقت لهم من مهجة؟ ، اما رجال المجد من
بني هاشم واصحابهم الاشاوس، من الثبات، وقوة العزيمة والايمان جعل الواحد منهم
كالطود الشامخ امام تلكم الكوارث وما ازدادوا الاّ تصميماً وعزماً على الوقوف امام
المحن والفداء.
فوقف الامام (عليه السلام) فخطبهم
قائلاً: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وتفرقوا في سواده، ولياخذ كل رجل منكم
بيد رجل من اهل بيتي، فان القوم انما يطلبونني ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري».
فابتدره ابو الفضل العباس، وعلي الاكبر قائلين: ولِمَ نفعل
ذلك؟ لا ابقانا الله بعدك، وتابعهما الهاشميون والاصحاب الاكارم فجروا على ذلك
اطفالاً وشباناً، وكهولاً، وشيوخاً وهم على تلك الحالة.
فكان لعلي الاكبر بين تلك المصائب والاهوال، من السير الحثيث
في سنن الاخلاص والتضحية، بما يرد عليه من السيوف المستحوذة والاسنة المشرعة،
والنبال المفوقه، نصرة للحق ورداً لعاديات الضلال - فإنا لله وإنا إليه راجعون.
هذا مقام يرتج على الكاتب بيانه، فلا يدري ما يصف وعلى أي
جانب يقف، امام تلك الاهوال والمصائب وهو يسمع جلجلة السلاح، وانين النساء
وبكائهن، وصراخ الاطفال وبالاخص عقائل بيت الوحي، لما وقف علي الاكبر يودعهن فقد
كن يحسبنه عماد اخبيتهن ، وحمى أمنهن، ومعقد آمالهن بعد ابيه الحسين (عليه السلام) كما هو شأن الخلف
الصالح الاكبر، فلا عجب منهن اذا احتففن به حين توديعهن لساحة الوغى، واستولى
عليهن الذهول، فليس من البدع حينئذ اذا لم ترق لهن عبرة ولا تهدأ لهن زفرة.
وبعد توديع الحريم تقدم الى ابيه الحسين (عليه السلام) يستأذنه للبراز وهو
أول هاشمي، وطالبي يتقدم ساحة الحرب بعد ان فنى جميع اصحابه البررة الاشاوس، ولم
يستطع الامام الحسين (عليه السلام) ان يأذن له
بلسانه، فتوجه بشيبته الكريمة الى السماء منادياً - اللّهم اشهد] على هؤلاء القوم
[فقد برز اليهم اشبه الناس خَلقاً، وخُلقاً، ومنطقاً برسولك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وكنا اذا
اشتقنا الى نبيّك نظرنا الى وجهه([43]). فكان فحوى
الاذن بهذه الصورة - ثم دعا عليهم - اللّهم امنعهم بركات الارض، وفرقهم تفريقاً،
ومزقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم ابداً فانهم دعونا
لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا.
وتلا هذه الاية: (إنّ اللهَ
اصطَفَى آدمَ وَنُوحاً وآل إبراهِيمَ، وآل عِمرَانَ عَلى العَالَمِين * ذُريّة
بَعضُها مِن بَعض وَاللهُ سَمِيع عَلِيم)([44]).
وبعد ان شاهد الحسين (عليه
السلام)
ولده الاكبر يبرز الى القتال ودخل ميدان الحرب، ارخى عينيه بالدموع([45])
هاتفاً بعمر ابن سعد، مالك قطع الله رحمك([46]) كما قطعت
رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)([47]) فلا بارك
الله فيك وسلط الله عليك من يذبحك على فراشك([48]).
ولما برز علي الاكبر الى النزال قاتل قتال الابطال وهو يرتجز
ويقول:
انا علي بن الحسين بن علي*** نحن ورب البيت اولى بالنبي
تاالله لا يحكم فينا ابن الدعي*** اضربكم بالسيف احامي عن
ابي
اطعنكم بالرمح حتى ينثني*** ضرب غلام هاشمي علوي
ولم يشعر جيش النفاق اهو علي الاكبر يطرد زمر الاعداء ام ان
الوصي جده علي الكرار يزأر في الميدان، أم ان الموت الزؤام أنشب فيهم اظافره، ام
ان الصواعق تترى في بريق سيفه، وهو يشد على جيش الضلال:
يرمي الكتائب والفلا غصت بها*** في مثلها من بأسه المتوقد
فيردها قسراً على اعقابها*** في بأس عريس العرينة ملبد
ثم يرجع الى ابيه ويقول: يا ابة العطش قد قتلني وثقل الحديد
اجهدني، فهل الى شربة ماء اتقوى بها على الاعداء، فيقول له الحسين (عليه السلام) اصبر حبيبي فإنك لا
تمسي حتى يسقيك جدّك رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)
بكأسه الاوفى - شربة لا تظمأ بعدها ابداً، ويعود الى الميدان ويشد عليهم ويكر كرة
بعد كرة، ففعل ذلك مرات عديدة:
ويؤوب للتوديع وهو مكابد*** لظما الفؤاد وللحديد المجهدِ
صارى الحشا وحسامه ريان من*** ماء الطلا وغليله لم يبردِ
يشكو لخير أب ظماه وما اشتكى*** ظمأ الحشا إلاّ الى الظامي
الصدىِ
فانصاع يؤثره عليه بريقه*** لو كان ثمة ريقه لم يجمدِ
كُلُّ حشاشة كصاليه الغضى*** ولسانه ظمئاً كشقة مبرد
غير ان كثرة الجراح ونزف الدماء وشدة الاوام لم يترك له بقية
يساور بها الرجال ويباشر الحرب والعوان، هاهنا اشتد به الشوق الى لقاء ربه فراقه
توديع ابيه والتزود من محياه.
فزحف فيهم زحفة العلوى المجاهد.
ومذ انثنى يلقي الكريهة باسماً*** والموت منه بمسمع وبمشهدِ
لف الوغى واجالها جولة الرحى*** بمثقف من بأسه ومهندِ
حتى اذا ما غاص في اوساطهم*** بمطهم قب الاباطل اجردِ
عثر الزمان به فغودر جسمه*** نهب القواظب والقنا المتقصدِ
فبصر به مرة بن منقذ العبدي لعنه الله، فقال: عليّ آثام
العرب ان مرّ بي هذا الغلام ويفعل مثل ما كان يفعل اِن لَم اثكل اباه!! فمر عليٌّ
يشد على القوم بسيفه، فاعترضه مرة العبدي، فطعنه برمحه فاعتنق فرسه واحتمله الى
معسكر الاعداء فقطّعوه باسيافهم، فنادى عليك مني السلام يا ابه هذا جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سقاني
بكأسيه الاوفى، ويقول: لك عندي مثلها كاساً مذخورة، فعاجل القوم واقدم الينا.
فاسرع الحسين اليه ووقف عليه وهو يقول: قتل الله قوماً قتلوك
يا بني، ما اجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفى.
وخرجت امرأ خفرة من الخيام مسرعة تنادي، يا اُخياه ويا ابن
اُخياه، فجاءت حتى انكبت عليه، فجاءها الحسين (عليه
السلام)
فاخذها بيدها فردها الى الفسطاط، وقال لا تشمتي بنا الاعداء، واقبل على فتيان بني
هاشم وقال: احملوا اخاكم فحملوه من مصرعه ووضعوه في الفسطاط الذي يقاتلون امامه.
ومحا الردى يا قاتل الله الردى*** منه هلالٌ دجى وغرة فرقدِ
يا نجعة الحيين هاشم والندى*** وحِمى الذمارين العُلا
والسؤددِ
كيف ارتقت همم الردى لك صعدة*** مطرورة الكعبين لم تتأودِ
افديه من ريحانة ريانة*** جفت بحر ظما وحر مهندِ
بكر الذبول على نظارة غصته*** ان الذبول لافة الغصن الندِ
لله بدر من مراق نجيعه*** مزج الحسام لُجَينهِ بالعسجدِ
ماء الصبا ودم الوريد تجاريا*** فيه ولاهب قَلبه لم يخمدِ
لم أنسه متعمما بشبا الصبا*** بين الكماة وبالاسنة مرتدى
فهذه قصة الفتى المغوار الذي جاهد بين يدي امامه جهاد
الابطال وابلى في سبيل الله بلاءً حسناً حتى استشهد صابراً محتسباً ووفد على جده
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وجده امير
المؤمنين وجدته فاطمة الزهراء، وعمه الامام الحسن المجتبى (عليهم السلام).
فانا للهِِ وانا اليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله
العلي العظيم وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد (صلى
الله عليه وآله وسلم) اي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتّقين.
تمت بحمد الله هذه الترجمة الموجزة عن حياة وجهاد شهيدنا
المفدى «علي بن الحسين الاكبر».
استقينا وقائع هذه الترجمة من المصادر التالية المذكورة في
الهوامش.
1 - علي الاكبر - السيد عبد الرزاق المقرم.
2 - مقاتل الطالبيين لابي الفرج الاصفهاني.
3 - تاريخ الامم والملوك - الطبري.
4 - اعيان الشيعة - للسيد محسن الامين.
5 - واقعة الطف - لابي مخنف.
6 - بحار الانوار - للعلاّمة المجلسي.
7 - مثير الاحزان لابن نما الحلي.
8 - اللهوف - للسيد ابن طاووس.
9 - كشف الغمة - للاربلي.
10 - الاصابة - للعسقلاني.
11 - الخصال للصدوق.
12 - السيرة الحلبية.
13 - نور الابصار - للشنلجي.
14 - مطالب السؤال - لابن طلحه الشافعي.
15 - الفصول المهمة - لابن الصباغ المالي.
مصرع الحق في جهاد لوى*** خضب الافغق من دماء علي
شفق كحلت به كل عين*** واكتسى منه كل قلب شجي
قبلته شمس الضحى بسناها*** فسقاها من لونه العسجدي
مصرع للاباء والفخر صنو*** هو مهد لكل حرّ أبي
ساحة للجهاد اوكلت الا*** جال فيها لرمحه السمهري
حام فيها وسيفه للمنايا*** خافق فوق رأس كل كمي
اني عهدتك للشجون مغالياً*** فمتى ألفت تنفّس الصعداء
فأجبتها والموريات تحشّدت*** تذكى اوار الحزن في احشائي
حُزن «ابن ليلى» يستدر مدامعي*** ومضاء عزمته يثير هنائي
ندب تحدر من سلالة فتية*** ملاوا رياع الارض بالالاء
بدر تتوّجه خلائق (أحمد)*** بفصاحة وسماحة ومضاء
متجلب من (حيدر) بشجاعة*** ومن (الحسين) موشّح باباء