الفهرست
سيرة المصطفى (صلى
الله عليه وآله)
2 - موقفه من قضيّة
عثمان بن مظعون
عطف النبيّ (صلى الله
عليه وآله) على عمّه أبي طالب:
استسقاء أبو طالب
بالنبيّ (صلى الله عليه وآله):
يوم الدار ودعوة
النبيّ (صلى الله عليه وآله) لقومه:
صحيفة المقاطعة، وشعب
أبي طالب:
وصيّة أبي طالب بنصرة
النبيّ (صلى الله عليه وآله) على فراش الموت:
النبيّ (صلى الله
عليه وآله) يشفع لابي طالب:
كان عبد مناف بن عبد المطّلب الدرع
الواقي للرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) ابتداءً
من حياة أبيه عبد المطّلب، ولقد شمّر عن ساعد الجدّ في الدفاع عن ابن أخيه منذ
طفولته وحداثة سنّه وبلوغه وحتّى قبل بزوغ شمس الرسالة وبعدها إلى يوم وفاته (عليه السلام) حيث كان كالسدّ المنيع يحول بينه وبين
المشركين، تلك القوّة الوثنيّة الهائلة التي كانت تحكم الجزيرة العربية بالحديد
والنار، وتمسك بمقدّراتها، وبين تحقيق أهدافها الضالّة في وأد رسالة السماء ومن يؤمن
بها في مهدها.
ولابي طالب مواقف مشهورة ومشهودة في
تصدّيه للدفاع عن الرسالة فوق التصوّر، وقفها مدافعاً بكلّ ما يملك من قوّة دون ابن أخيه ورسالته إلى آخر نفس.
ولم يزل الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) ممنوعاً من كلّ اعتداء، حتّى توفّي
أبو طالب (عليه السلام)، فقد هاج المشركون في
مكّة، وأجمع طواغيت قريش على الفتك به، وعند ذلك جاء نداء ربّه أن «اخرج من مكّة
فقد مات ناصرك»([1])،
على رغم كلّ التضحيات والدفاع عن بيضة الاسلام والمواقف المشهودة التي وقفها أبو
طالب دون تبليغ الرسالة، نجد تخرّصات تصدر من أنفاس مبحوحة تقول إنّ أبا طالب مات
كافراً، فمتى كفر هو؟ ومتى أشرك؟ حتّى يؤمن ويهتدي، أليس هو من الموحّدين وأقواله
وأفعاله وأشعاره تدلّ على إيمانه وإسلامه؟ سبحانك اللهمّ هذا بهتان عظيم.
هذا المؤمن المدافع عن بيضة الاسلام
ورسوله يقول رواة السوء، وعبدة الاهواء والتعصّب، والكذّابين والوضّاعين
أ نّه مات كافراً؟ هذا وصخر بن حرب ما
انفكّ من محاربة التوحيد ورسول الاسلام بكلّ ما اُوتي من قوّة يموت مسلماً مؤمناً وهو من الطلقاء؟ وأضحك ما أراك
الدهر عجباً.
ولمّا مات عبد المطّلب - شيبة الحمد - أوصى ولده أبو طالب بمحمّد النبيّ دون أولاده العشرة، لعلمه بإيمانه وتوحيده، ولا نّه شقيق والده عبد الله من اُمّه وأبيه، بقوله:
اُوصيك يا عبد مناف بعدي * * * بواحد بعد أبيه
فردِ
فارقه وهو ضجيع المهدي * * * فكنت كالاُمّ له في
الوجدِ
فكفل أبو طالب النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأحسن الكفالة وأحاطه بكلّ ما يملك
من عناية، ودافع عنه وعن رسالته بكلّ ما اُوتي
من قوّة، حتّى أظهر الله دينه، وثبّت أركانه، وكان وهو في النزع الاخير وعلى فراش
الموت يدافع عنه ويوصي أولاده وبني عبد المطّلب به خيراً، حتّى خمدت أنفاسه.
فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم جاهد، ويوم
مات مؤمناً موحّداً، ويوم يُبعث حيّاً.
كان شيبة الحمد عبد المطّلب وأبيه عمرو
العلى هاشم وأبيه عبد مناف وآبائهم من الاصلاب الشامخة والارحام المطهّرة إلى أن
يصلوا إلى قصي وإسماعيل كانوا كلّهم موحّدون أحناف على دين أبيهم إبراهيم الخليل،
وكذلك أبناء عبد المطّلب ولا سيّما عبد مناف أبو طالب وحمزة والعباس إلاّ ما شذّ منهم مثل عبد العزّى (أبو لهب) فإنّه
تأثّر ببني اُميّة وصار على شركهم عندما تزوّج اُمّ جميل بنت أبي سفيان، كما في
بيوتات سادة قريش مثل بني زهرة، وبني أسد وغيرهم موحّدون أحناف، وكثير منهم مشركون
لانّ الشرك طغى في عهد الجاهلية وتنمّر طغاتها وفرض عبادة الاوثان بالقوّة على
القبائل والناس على حدّ سواء.
وفي وسط هذا الجوّ المظلم الذي اجتاحته
هذه العاصفة الهوجاء، فأبدلت الدين السماوي، وملّة إبراهيم الحنيف إلى عبادة
الحجارة والاخشاب التي ينحتونها، لتكون لهم آلهة يعبدونها من دون الله الواحد، وهم
يعلمون أ نّها لا تسمع ولا تعي، ولا تنفع ولا تضرّ.
في هذا الجوّ الحالك والغارق في ظلمات
الجهل، من تلك الاكداس البشرية، المغمّضة العين، المغفّلة القلب، قد ارتفع منها
بيت عريقٌ بالايمان والتوحيد المتمسّك بالدين الحنيف الذي ما امتدّ إليه ظلام
الشرك ولم تدنّسه أوضار الجاهلية، وبقي فيه شعاع النور الذي أشعله الخليل إبراهيم (عليه السلام) لم تعصف به العواصف، ولم يجتاحه إعصار،
إلاّ ما تناول من بعض أطرافه، فهو عميق الايمان، لم يفارق الحنيفية البيضاء.
فتح أبو طالب عينيه، ودرج في الحياة،
فرأى في هذا البيت حياةً غير الحياة التي يراها بين الناس، ورأى في عميد البيت -
أبيه عبد المطّلب - رجلاً ليس كالرجال. ذلك الزعيم المطاع، يقول فينفّذ القول،
ويحكم فلا يردّ له حكم، وهو الجواد المعطاء، والسخيّ الفذّ، يطعم فينال من طعامه
حتّى راكب البعير وهو على بعيره، ومطعم طير السماء، وإنّه مجاب الدعوة، يدعو الله
فتلبّى دعوته، فهو مرضيّ عنه في السماء، ومحمود في الارض، وإنّه يرى في أبيه صفات
لم تكن في غيره، وهو الذي سنّ سنناً ليست سوى الدليل على رفعة النفس، ونقاء
السريرة، وعمق الايمان، بحيث تنهض بالبرهان على بقاء الحنيفية، التي جاء بها أبوه
إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فإنّه حرّم الخمر
على نفسه، وحرّم نكاح المحارم، وحدّد الطواف بالبيت سبعاً، ونهى أن يطوف بالبيت
عريان، ويقطع يد السارق، ويحرّم الزنا وينهى عن الفحشاء وعن الموؤدة، وأن يستقسم
بالازلام، وحرّم أكل ما ذبح على النصب، وسنّ الوفاء بالنذر([2]).
ويجيء الاسلام فيقرّ كلّ هذه السنن، التي
سنّها شيبة الحمد عبد المطّلب، فنشأ أبو طالب على ما سار عليه أبوه، في البيت الذي
ترعرع فيه - مسلماً حنيفاً وما كان من المشركين -.
ويرى أبو طالب أباه، يوم جاء أبرهة للكعبة، فصودرت لعبد المطّلب أنعام، فراح يطلبها منه، وكاد يصغر في عينه حيث لم يتعرّض لاقدس المقدّسات لديه (الكعبة) وقد جاء ليهدمها، فما كان من عبد المطّلب إلاّ أن أجابه بجواب المؤمن العارف بالله، الثابت الايمان:
«أنا ربّ الابل، وللبيت ربّ يحميه».
وعاد إلى البيت فأخذ بحلقة باب الكعبة، وناجى ربّه، مناجاة المؤمن الموحّد:
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا * * * يا ربُّ فامنع
منهم حماكا
إنّ عدوّ البيت قد عاداكا * * * امنعهم أن
يخربوا فناكا([3])
ثمّ عقّب بقوله: يا معاشر قريش، لا يصل
إلى هدم هذا البيت، فإنّ له ربّاً يحميه ويحفظه، وقد فعل، فأرسل عليهم طيراً
أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل، كما ذكر في كتابه المجيد.
وإنّ أبا طالب ليسمع أباه في نجواه،
ويجيب الربّ دعواه، وقد نشأ على هذا الاعتقاد، وعبد المطّلب يلقي على أولاده خاصّة
دروسه القيّمة، ويأمرهم بعبادة الاحد وبالاوامر الالهية ويحثّهم على مكارم
الاخلاق، فهل تراه بعد ذلك يركن إلى عبادة الاوثان؟ لاها الله لا يكون ذلك أبداً،
اللهمّ إنّ هذا لبهتانٌ عظيم.
فأبو طالب صورة واضحة المعالم، بارزة
الخطوط، لماض مشرق، وضّاح السنى، لامع النور، ففيه من صفات أبيه عبد المطّلب،
وجدّه هاشم، وأجداده الافذاذ، ما جعلت منه تلك الصورة الواضحة الرائعة، وقد أراد
الله منه أن يكون كافلاً لنبيّ الاسلام، وهو الصورة الكاملة للانسان المؤمن
الموحّد.
فإيمان أبو طالب كإيمان حزقيل مؤمن آل
فرعون، كتم إيمانه، فالايمان بالتعريف الديني، هو الاعتقاد بالقلب، وتصديق
باللسان، بما أنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله)، والمؤمن الحقيقي الذي نجد
فيه توافر الشرطين، مع ما يترتّب
عليهما، ممّا يتطلّبه من القيام بالاركان.
أمّا الاعتقاد بالقلب... فهذا شيء ليس من
سبيل للعباد إلى معرفته، فهو عائد للخالق العظيم، إذ هو وحده يعلم السرائر وما
تخفيه الصدور، ولكنّ الناس تحكم بالظواهر، كما في الاية الشريفة: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أ لْقَى
إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً)([4])،
وبأقوال الشخص وأفعاله يتّضح إيمان الشخص من كفره.
ويثبت إيمان أبي طالب بعدّة أدلّة:
أوّلاً: بأقواله وأشعاره.
وثانياً: بأفعاله الصحيحة ودفاعه
المستميت وجهاده السافر عن الرسول ورسالته.
والاهمّ من هذا وذاك شهادات النبيّ (صلى الله عليه وآله) والائمة الطاهرين بذلك، وهم حجج
الله على البرايا،
ومن نافلة القول أن نذكر أقواله وأشعاره في هذا المقام، منها:
مليك الناس ليس له شريكٌ * * * هو الوهّاب
والمبدي المعيدُ
ومن فوق السماء له بحقٍّ * * * ومن تحت السماء
له عبيدُ
فهذان البيتان شاهدا صدق على قائلهما
أ نّه من الموحّدين.
وفي أبياته:
من ضلّ في الدين فإنّي مهتدي
فهو يشهد على نفسه أ نّه على دين
ابن أخيه.
فبربّك قل لي: أليست هذه الاشعار
والاقوال أعظم أداءً من قولك إنّي مسلم؟
ومن شعره:
لقد أكرم الله النبيّ محمّد * * * فأكرمُ خلق
الله في الناس أحمدُ
وشقّ له من اسمه ليجلّه * * * فذو العرش محمود
وهذا محمّدُ
وكلّ أشعاره وأقواله وأفعاله تدلّ على
إيمانه بالواحد الاحد، والدفاع عن رسالة السماء.
إنّ في شعر أبي طالب دليلاً على
أ نّه كان يعرف بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) قبل
أن يُبعث، لما أخبره به بحيرا الراهب وغيره، ولمس من معاجزه ومناقبه ما يُبهر
العقول، ولقد زاد على ذلك قوله: كان أبي - أي عبد المطّلب - يقرأ الكتب جميعاً،
ولقد قال دوماً: إنّ في صلبي لنبيّاً، لوددت أ نّي أدركت ذلك فآمنت به، فمن
أدركه من ولدي فليؤمن به([5]).
ومن بين تلك الدلائل، والبراهين الوافرة،
المحسوسة والملموسة، فلنأخذ بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر.
أ - روي من بين الارهاصات التي سبقت
البعثة، أ نّه (صلى الله عليه وآله) كان مع
عمّه أبي طالب يذي المجاز([6])،
إذ عطش أبو طالب، وليس عنده ماء يروي عطشه، فذكر لابن أخيه ما ألمّ به من العطش،
فما كان منه (صلى الله عليه وآله) إلاّ أن ركل
صخرة برجله فإذا بالماء يتدفّق، لم يرَ مثله أبو طالب، فشرب وروي حتّى أطفأ غليله،
وعاد فركلها - مرّةً اُخرى - لتعود سيرتها الاُولى([7]).
ب - إنّ رجل من - لَهِب - كان عائفاً -
عارفاً - فإذا قدم مكّة، أتته رجال قريش بغلمانهم، لينظر لهم، وكان أبو طالب من
بين الحاضرين، وكان معه محمّد (صلى الله عليه وآله)، فنظر العائف للرسول (صلى الله عليه وآله) وكان لديه شغل، وما انتهى من شغله،
حتّى قال: عليَّ بالغلام. وما أن رأى أبو طالب ذلك، حرص على العائف عليه، فأحسّ
منه خيفة، فغيّبه حتّى لا تقع عليه تلك العينان النافذتا البصر، البعيدتا النظر،
فصاح: ويلكم ردّوا عليَّ الغلام الذي رأيته آنفاً، ولم يأبه أبو طالب لصياحه،
فوالله ليكوننّ له شأن([8]).
ولم تكن هذه بالجديدة على مسمع أبي طالب، وإنّه لعليم بماهية الشأن.
ج - شاهد أبو طالب ظاهرة بارزة، تنضح
بالدليل الصارخ منذ أن انحاز الرسول (صلى الله عليه وآله)
إلى عائلته، بعد وفاة عبد المطّلب من البركة في الطعام، متى ضمّت المائدة
الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، ومع قلّة الطعام وكثرة العيال، تراهم يصدرون
عنها وهم من الشبع على اكتناز، وفي الطعام فضلة، فكان أبو طالب يقول لهم - إذا حضر
وقت الطعام ولم يجد ابن أخيه -: كما أنتم حتّى يحضر ابني.
د - إلى الشام:
بلغت عناية أبي طالب بابن أخيه حدّاً
تجاوز الوصف، فقد اتّحدت الروحان حتّى أصبح من الصعب فراقهما وقد شاهد (صلى الله عليه وآله) عمّه مزمعاً على سفرة قد تطول
مدّتها لم يستطع تحمّلها، ولم يبقَ لديه حصن يلجأ إليه، ويقيه الزعازع كما أنّ
الشيخ الحدب فكّر في نفسه، فإن هو سافر بدونه فإلى من يلجأ؟ وما أن خطى أبو طالب
إلى راحلته، فيرى حبيبه قد اغرورقت عيناه بالدموع، فيخفق قلبه الرحيم ولم يستطع أن
يسمع من ابن أخيه هذه الكلمات: «يا عم، إلى مَن تكِلني؟ لا أب لي ولا اُمّ»، فكان جواب أبي طالب: والله
لاخرجن به معي، ولا يفارقني، ولا اُفارقه أبداً. فأردفه على راحلته، وراح الركب
يطوي الصحراء، حتّى بلغ بصرى - من أرض الشام -.
وهناك راهب يقال له (بحيرى) في صومعة له
قد انتهى إليه علم (النصرانية)، ولقد أطلّ الراهب من صومعته فشاهد الركب - ولفت
نظره - غمامة تظلّ على واحد من بين هؤلاء جميعاً لتقيه لهب الشمس، لهب الصحراء،
ولفت نظره الشجرة تهصّرت فتظلّل على ذلك المستظلّ بالغمامة من بين هؤلاء جميعاً
بفيئها وظلالها، وقد أخذ منه العجب، وعادت إليه ذاكرته إلى ما قرأه في الكتاب
المقدّس، فنزل من صومعته، وقال: إنّي صنعت لكم طعاماً - يا معشر قريش - فأنا اُحبّ
أن تحضروا كلّكم، صغيركم وكبيركم، فانبرى إليه واحد منهم: والله، يا بحيرى؟ إنّ لك
لشأناً اليوم، ما كنت تصنع هذا بنا، وقد نمرّ بك كثيراً ! فما شأنك اليوم؟
قال بحيرى: صدقت، قد كان ما تقولون، ولكنّكم اليوم ضيوف، فأحببت أن اُكرمكم، وأصنع
لكم طعاماً تأكلون منه كلّكم. فاجتمعوا لديه، ولم يتخلّف من بينهم غير النبيّ (صلى الله عليه وآله) لحداثة سنّه، فقد كان في الرحال،
تحت الشجرة، فطافت من الراهب نظرة فاحصة، فسألهم: هل تخلّف منكم أحد؟ فاُجيب: ما
تخلّف عنك أحد إلاّ غلاماً وهو أحدث القوم سنّاً، فتخلّف في رحالهم. قال: ادعوه
فليحضر هذا الطعام معكم، فقام رجل من بينهم قد احتضنه وجاء به، فعادت من بحيرى تلك
النظرة الفاحصة... ثمّ نظر في أشياء في جسده وعلامات، ليجد فيه صفات قرأها في
الكتاب المقدّس، تخصّ هذا الغلام العظيم.
وبعد أن تفرّق القوم عن الطعام، راح
بحيرى يسأل النبيّ عن أشياء يهدف من ورائها كشف الحقيقة وتعميق حدسه.
عاد الراهب يسأل أبي طالب سؤال اللهفان:
ـ ما هذا الغلام منك؟
ـ ابني.
ـ ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن
يكون أبوه حيّاً.
قال أبو طالب: فإنّه ابن أخي.
ـ فما فعل أبوه؟
قال أبو طالب: مات، واُمّه حبلى به.
قال الراهب: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى
بلده، واحذر عليه من اليهود، فوالله لان رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغينّه شرّاً، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم، فأسرع به
إلى بلاده([9]).
فعاد به وهو أشدّ ما يكون عليه حذراً.
وهذه واحدة من الصور التي لا تزايل
مخيّلة شيخ البطحاء.
ثمّ استعرض زواجه (صلى الله عليه وآله) واقترانه باُمّ المؤمنين خديجة،
ومن قبل ذلك يوم الدار والانذار، وجهاده، وشِعب أبي طالب، وغير ذلك من الاُمور
التي رسخت في ذاكرته، وقد أمدّت إلى شجرة أبي طالب الفارعة الذيول، فهصّرت منها
الاغصان، وقطعت عنها ينابيع الحياة، فاصفرّت منها الوريقات سريعاً، وسرت صفرة
الموت في أجزائها جميعاً، لقد آن للشيخ المجهد، الذي بذل كلّ ما في وسعه من طاقته الجبّارة في الدفاع عن
رسالة الاسلام وعن ما جاء به ابن أخيه.
ولقد آن الاوان أن يستريح ويستلذّ بحلاوة
ثمرة جهوده، وينال جزاء عمله، وحتّى حين الاحتضار لم ينسَ أن يوصي بابن أخيه
خيراً، وقد ذكرنا وصيّته مفصّلة.
كلّ هذا الجهد والدفاع عن بيضة الاسلام
وإعلان إيمانه بالرسالة وبما جاء به ابن أخيه، تتبّعته بني اُميّة لا سيّما معاوية رميماً، والذين لم يسلموا
وبقوا على شركهم يحاربون من دافع عن الرسالة أوان إعلانها، لا سيّما أبي طالب، واُمّ المؤمنين خديجة، كلّ ذلك حقداً على من دافع عن
الاسلام، أينما كان، وخلقوا الاحاديث الكاذبة، وبدّلوا مقاصد الايات القرآنية،
والاحاديث النبويّة، وإليك نتفاً منها.
كان شيخ البطحاء ورجل الاسلام الاوّل، قد
أبقى بعده أثراً جميلاً، وفضلاً باقياً، ولكن شاءت السياسة الزمنية، والاحقاد
الجاهلية أن تزوى عنه العيون، وتنظر إليه نظرة ظالمة، فراحت تنال منه، وتضع في
حقّه الاراجيف لتنال من جوهر الحقّ، ورواء الفضيلة، أحاديث وروايات كاذبة ما أنزل
الله بها من سلطان.
مرّ عصر الخلافة الاُولى، وهو يحفل بمآثر
أبي طالب رجل الاسلام الفذّ، ويسجّل مآثره الغرّة، وأياديه البيضاء ليوفيه بعض
حقّه على الاسلام، وجاء عصر السياسة الفاسدة والسلطة الجائرة من بني اُميّة وهي لا
تستقيم إلاّ بالنيل من بطل الاسلام عليّ بن أبي طالب (عليه
السلام)، لا نّه قتل شيوخهم وجندل أبطالهم، فكانت سيرة أبيه إحدى تلك
الجوانب التي عملت السلطة فيها معاول الهدم، وهي تظنّ زحزحته عن مقامه وصرف
الانظار عن اغتصابها حقّه، عند ذلك راحت تغري وعّاظ السلاطين وتستأجر ذوي الضمائر
الميّتة والنفوس الخسيسة بالاموال الزائفة لبيع ذممهم، لتقلب الحقّ باطلاً، وتبيع
دينها بالثمن الاوكس، لترضي ضمير السافل، وتحوز رضى السلطة الغاشمة، وقامت الاهواء
بدورها، فغيّرت الاُمور عن رواسي الرسالة بوضع الاحاديث الكاذبة التي ما أنزل الله
بها من سلطان، وانتهز معاوية تلكم المطايا الذلول، فحمل على ظهورهم تلك الاحمال
الثقيلة، فكانوا لما يريده مطيعين.
كتب معاوية إلى عمّاله: أن برئت الذمّة
ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته([10]).
وإذا بالخطباء لذلك مستجيبون، يقوموا بلعن الامام عليّ (عليه
السلام) في كلّ كورة، وعلى كلّ منبر. ويتبرّأون منه، ويقعوا فيه وفي أهل
بيته، حتّى أنّ المنابر التي يلعن فيها عليّاً، لتربوا على السبعين ألفاً.
والعامّة من الناس للخطباء مستجيبون، ولهم مصدّقون.
ثمّ يعود معاوية ليكتب إلى عمّاله
جميعاً: «أ لاّ تجيزوا لاحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة»، ليأخذ بخناق شيعة
أهل البيت، وينال من كرامتهم، ويدعهم عرضة لمكاره أعدائهم وهدفاً لسهامهم.
ويعود معاوية ليكتب لعمّاله في جميع
البلاد: «انظروا إلى من قامت عليه البيّنة: إنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من
الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه»([11]).
ولا يكتفي بهذه المطاردة العنيفة حتّى
يشفع كتابه بآخر: «من اتّهموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به واهدموا داره».
ولا يكتفي بإصدار هذه الاوامر الجائرة،
بل يختار من يقوم بتطبيق هذا الجور، فيولّي على العراق صنيعته، ولحيق نسبه، زياد
ابن أبيه - المجهول النسب - لتشتدّ الوطأة على شيعة عليّ خاصّة، وهو بهم خبير،
وبمكانتهم عليم، حيث كان إليهم قريباً قبل أن يرتدّ.
وليس لمعاوية ثمّة من دين، أو خلق قويم،
أو إنسانية تقف في وجهه، لتحدّ من طغيان شهوته، بل أطلق لشهوته العنان، وأسلس لها
المقود، فأخذت شوطها البعيد.
دعا إليه سمرة بن جندب، وسمرة أحد واضعي
الحديث - الوضّاعين - ، فبذل معاوية إليه مئة ألف درهم، ليروي أنّ هذه الاية نزلت
في عليّ (عليه السلام): (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الخِصَامِ * وَإذَا
تَوَلَّى سَعَى فِي الارْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ
وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ)([12]).
وإنّ هذه الاية نزلت في ابن ملجم، وهي: (وَمِنْ
النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ)([13]).
وقد رأى سمرة في هذا الثمن ما لا يكفي لتفسير منحرف لاية واحدة، فكيف بآيتين؟ وراح
معاوية يساومه، فزاده مئة ألف اُخرى فلم يقبل، وراحا يتساومان، حتّى تمّت الصفقة
بأربعمائة ألف درهم، عند ذلك روى سمرة هذين الحديثين، أو قل التفسيرين.
وهكذا، بمال الله، يحارب أولياء
الله ! وبمال الاسلام يجهز عليه به، وبمال المسلمين يشوّه قداسة مبدئهم
الرفيع.
وهذه واحدة من آلاف الاحاديث شوّهت وجه
الاسلام، ناهيك عمّا أحدثه كعب الاحبار ومن على شاكلته ليبثّوا الاسرائيليات،
وحشّوها ضمن أحاديث الرسول الصحيحة، ليضيّعوا معالم الاسلام الحقيقي، والانكى من
ذلك حينما منع تدوين الحديث منذ صدر الخلافة الاُولى إلى مئة عام، حتّى رفعها عمر
بن عبد العزيز الاُموي ; إبقاءً
على دولة بني اُميّة.
شاء معاوية أن يستأجر قوماً من الحاقدين
على شاكلته لوضع الاحاديث المنتقصة من عليّ (عليه السلام)،
فاختار بعض المنافقين ممّن يدّعي الاسلام، ويحسب أ نّه من الصحابة والتابعين،
والذين تظنّ العامّة من الناس بصلاحهم، لتكون لهم عماداً يرفعون من
واهي البناء، وكان ممّن عقد معه تلك الصفقات - الرابحة مادّياً، والخاسرة
فيما عدا ذلك - قوم عدّ منهم وفي طليعتهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والزاني المغيرة بن شعبة، وعروة بن الزبير،
وأمثال هذه النكرات الذي عبدوا أهواءهم وباعوا دينهم بدنياهم بالاموال السحت،
وحاربوا الله ورسوله، فاختلقوا الاخبار القباح التي تحمل بين طيّاتها الطعن في أصل
الاسلام، والطعن على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
والبراءة منه، إزاء ما يتقاضون من معاوية من أجر بخس، فتفنّن كلّ واحد منهم في وضع
آلاف الاحاديث الكاذبة والافتراء على الله ورسوله، ناسين حديث رسول الله (صلى الله
عليه وآله): «ألا من افترى عليَّ حديثاً، فليتبوّأ مقعده من النار». وفي رواية من
كذّب.
ومن الاحاديث المفتراة على شيخ البطحاء
أبي طالب، حديث «ضحضاح من نار»، الذي
افتراه أزنى ثقيف المغيرة بن شعبة، وإنّ صحيح الحديث هو «ضحضاح من نور». وإليك سرد
بعض ما ورد وقد أخذه عنه الاخرون، أو نسب إليهم، وإنّ سبب إسلام المغيرة
أ نّه كان في تجارة مع عدد من رفقائه الثقيفيين من أهل الطائف، فغدر بهم
وقتلهم جميعاً وسرق أموالهم، وفرّ إلى المدينة، وأسلم، وهو معروف بغدره ودهائه
وفساد أخلاقه وبغضه لعليّ (عليه السلام)وبني هاشم،
وتأريخه مدوّن معروف.
وقد أخذ تعبير «الضحضاح» من حديث ضحضاح
النور الذي ورد في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) فحوّره وجعله ضحضاح نار لابي
طالب.
فقد روى الشيخ الطوسي([14])،
قال: أخبرنا جماعة عن التلعكبري... عن... عن سلام قال: سمعت أبا سلمى راعي النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سمعت ليلة اُسري بي إلى
السماء، قال العزيز جلّ ثناؤه: آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه، قلت:
والمؤمنون، قال: صدقت يا محمّد... إنّي اطّلعت على الارض اطلاعة فاخترتك منها
فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا اُذكر في موضع إلاّ وذكرت معي، فأنا المحمود وأنت
محمّد، ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّاً، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا
الاعلى وهو عليّ، يا محمّد إنّي خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والائمة
من ولده أشباح نور من نوري، وعرضت ولايتكم على السماوات وأهلها، وعلى الارضين ومن
فيهن، فمن قبل ولايتكم كان عندي من المقرّبين، ومن جحدها كان عندي من الكفّار
الضالّين.
يا محمّد، لو أنّ عبداً عبدني حتّى ينقطع
أو يصير كالشنّ البالي، ثمّ أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم.
يا محمّد، تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا
ربّ. قال: التفت عن يمين العرش، فالتفتّ فإذا بأشباح عليّ وفاطمة والحسن والحسين
(عليهم السلام) والائمة كلّهم حتّى بلغ المهدي (عليه
السلام) في ضحضاح من نور قيام يصلّون، والمهدي في وسطهم كأ نّه كوكب
درّي. فقال لي: يا محمّد، هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، فوعزّتي وجلالي إنّه
حجّة واجبة لاوليائي منتقم من أعدائي. انتهى.
أرأيت كيف يبدلّون الاحاديث النبوية
ويحوّروها ويعكسوا مفاهيمها، وهي واحدة من آلاف الاحاديث الصحيحة([15]).
انتقاماً منه على دفاعه عن بيضة الاسلام
في أوّل نهوضه وانتقاماً من ولده الامام عليّ (عليه
السلام) وسيفه الذي أباد صناديد المشركين من قريش في بدر واُحد وجميع حروبه
(صلى الله عليه وآله) ضدّ الكفر والوثنيّة.
روى الزهري حديث عروة بن الزبير،
أ نّه قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول الله (صلى
الله عليه وآله) إذ أقبل العباس، وعليّ، فقال: يا عائشة، إنّ هذين يموتان
على غير ملّتي، أو قال: ديني.
وحديث ثاني عنه: أنّ النبيّ قال لعائشة:
إن سرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار، فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا
العباس وعليّ بن أبي طالب([16]).
روى عمرو بن العاص - وهو خدن معاوية
وشريكه في أعماله - فيما روى: أ نّه سمع النبيّ (صلى
الله عليه وآله) يقول: إنّ آل أبي
طالب ليسوا لي بأولياء، وإنّما وليّي الله وصالح المؤمنين([17]).
وعلى هذه الشاكلة تصاغ الاحاديث
الموضوعة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
يمضي هؤلاء ويأتي بعدهم من يروي حديثهم ويعتبره من المسلّمات، وينقله على عواهنه، ويأتي بعدهم، فينقلون عنهم كما تنطق الببغاء ويثبته في صحاحهم ومسانيدهم دون التحقيق في صحّة الحديث، ولو أ نّه يعتبرون حديث كلّ فاسق وشاذّ لا سيّما إذا كان ضدّ أهل البيت صحيحاً، مثل أحاديث عمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن قاتل الامام الحسين، وبعض الخوارج أمثال عمران بن حطان الخارجي، الذي يمدح عبد الرحمن بن ملجم بقتله الامام عليّ (عليه السلام) بقوله:
يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها * * * إلاّ ليبلغ
من ذي العرش رضوانا
إلى آخر الابيات.
إلى هنا اُنهي ما نقلت شذرات من كتاب
إيمان أبي طالب ; للشيخ عبد الله
الجنبري، مع تغيير بعض العبارات دون المساس بالمعنى.
لقد لخّصت من الصحيح في سيرة النبيّ
الاعظم (صلى الله عليه وآله)للعلاّمة السيّد جعفر مرتضى العاملي من الصفحة 89 فما بعد، ومن سيرة المصطفى للمحقّق السيّد
هاشم معروف ابتداءً من الصفحة 47، بتغيير بعض العبارات دون المساس بالمعنى، لتقريب
معنى البحث إلى ذهن القارئ العزيز.
لقد شاءت الارادة الربّانية، أن يفقد
محمّد (صلى الله عليه وآله) أباه وهو لا يزال
جنيناً في بطن اُمّه، بعد ولادته المباركة ثمّ صارت حليمة السعديّة مرضعةً له
وضئراً، وظهرت منه البركات والمعاجز، كما سبق تفصيله في المجلّد الاوّل من
موسوعتنا (المصطفى والعترة).
وفي الرابعة من عمره عاد محمّد (صلى الله عليه وآله) من بني سعد إلى أحضان اُمّه آمنة
بنت وهب، لتقرّ عينها باحتضان صبيّها. وفي السادسة من عمره صاحَبَ اُمّه لزيارة
قبر أبيه زوجها عبد الله بن عبد المطّلب في يثرب ومعها بركة خادمتها، وفي الطريق
مرضت الاُمّ وتوفّت في (الابواء) ودفنت فيه، وعادت به اُمّ أيمن بركة إلى مكّة،
وحيداً وكان عمرها حين وفاتها حوالي ثلاثين عاماً.
وروى مسلم في صحيحه أ نّه (صلى الله عليه وآله) قال: استأذنت ربّي في زيارة اُمّي
فأذن لي، فزوروا القبور تذكّركم الموت. انتهى.
والدليل على أ نّها ماتت حنيفيّة
موحّدة إذن الله لرسوله (صلى الله عليه وآله) زيارة
قبر اُمّه، كما أنّ هذا الحديث هو حجّة دامغة على من يدّعي حرمة زيارة القبور، وله
مؤيّدات كثيرة، منها زيارة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قبر عمّ أبيها سيّد
الشهداء حمزة بن عبد المطّلب (عليه السلام) في
اُحد ودوام زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وجلّ
أهل البيت والصحابة قبور موتاهم في البقيع وفي مقابر قريش بالحجون بمكّة، وغير
ذلك.
فانصرف إليه جدّه العظيم يحيطه بعناية
ويفضّله على أولاده، وكان يُفرَش له في ظلّ الكعبة نهاراً يستظلّ فيه ويحيط به
ولده وأشراف مكّة من قريش وغيرهم، فيأتي محمّد (صلى الله
عليه وآله) وهو غلام صغير فيثب على فراش جدّه، فيأخذه أعمامه ليصرفوه عنه،
فيقول لهم عبد المطّلب: دعوه، إنّ لابني هذا شأنٌ عظيم.
ولقد عاش (صلى
الله عليه وآله) في كنف جدّه عبد المطّلب الذي كان يرعاه خير رعاية، وكان
عارفاً بنبوّته من تلميحات الكهنة والاحبار، وما سيكون من أمره، لما وجدوه من
أخبار الانبياء في توراتهم وأناجيلهم، بظهور نبيّ من بني إسماعيل في قريش ذلك العصر، تتّفق صفاته تماماً مع الصفات التي تحلّى
بها محمّد (صلى الله عليه وآله) وكانوا يخبرون من
يثقون به ويطمئنّون إليه أحياناً.
ولمّا تغلّب سيف بن ذي يزن ملك الحبشة
على اليمن، وفد عليه وجوه مكّة من القرشيّين بزعامة عبد المطّلب للتهنئة على
انتصاره، فخلا به سيف بن ذي يزن، وبشّره بمولود لقريش في مكّة، يكون رسولاً من
الله إلى الناس أجمعين، ووصفه بصفات، فوجد عبد المطّلب أنّ تلك الصفات تتوفّر في
حفيده محمّد، فسجد لله شكراً، هذا ممّا يدلّ على أنّ عبد المطّلب وآباؤه أحناف
موحّدين، وأحسّ سيف بن ذي يزن أنّ المولود الذي تحدّث عنه، موجود في بيت عبد
المطّلب، فأوصاه به خيراً وحذّره من غدر ومكائد اليهود وغيرهم.
على أنّ هذا الحنان الدافق الذي مسح به
جدّه بعض جراحات اليتم لم يدم له طويلاً، فما أن بلغ محمّداً الثامنة من عمره
الشريف، حتّى أحسّ عبد المطّلب بالانهيار، وأنّ الموت يسرع إليه بين عشيّة وضحاها،
وكان قد بلغ مئة عام أو يزيد، فجمع أولاده قبل موته، وقسَّم عليهم المهمّات التي
كان يقوم بها، من السقاية والرفادة وغيرها، والخدمات التي كان يقدّمها للمكّيين
والوافدين من الحجّاج وغيرهم، ولم يكن يفكّر في شيء كتفكيره في حفيده (صلى الله عليه وآله) الذي سيمضي عنه ويتركه وحيداً في
هذه الدنيا، بلا مال، ولا أب يرعاه، ولا اُمّ تحنو عليه، فأوصى أولاده العشرة
بمحمّد (صلى الله عليه وآله) خير، وأن يرعوه، وخصّ
من بينهم ولده عبد مناف (أبو طالب) فعهد إليه برعايته وأن يضمّه إلى أولاده.
وكان شقيق والده الراحل عبد الله، فقد
ولدتهما اُمّ واحدة، ولوّح لهم بما سيكون له شأن في مستقبل حياته، وممّا قال لهم:
إنّي قد خلّفت لكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب الناس - على حدّ تعبير
اليعقوبي في تأريخه -.
وانتقل الغلام اليتيم بعد وفاة جدّه إلى
بيت عمّه أبي طالب بعد أن رحل جدّه عن
هذه الدنيا - فحلّت بالبيت البركة مع ضيق الحال وكثرة العيال - فأدّى أبو طالب الامامة وحفظ الوصيّة بكلّ
أبعادها، وكان خير كفيل له في صغره، وخير ناصر له عند بلوغه عندما احتاج إلى
الانصار والدفاع عن رسالته، وجعل حياة محمّد ووجوده شغله الشاغل الذي شغله حتّى عن
أولاده، في أشدّ الحالات ضيقاً وحرجاً حتّى النفس الاخيرة من حياته كما سنعرض لذلك
في الفصول الاتية.
وجاء في تأريخ اليعقوبي وغيره: أنّ عبد
الله بن عبد المطّلب والد النبيّ
محمّد (صلى الله عليه وآله)، وعبد مناف (أبو
طالب) والزبير والمقدّم المعروف - بعبد الكعبة - كانوا لاُمٍّ واحدة وهي فاطمة
بنت عائذ المخزومي، وتكنّى باُمّ حكيم البيضاء، وبقيّة أولاد عبد المطّلب لاُمّهات
شتّى، وورث أبو طالب مع فقره مالياً زعامة أبيه عبد المطّلب على قريش، وخضع له
القريب والبعيد.
وجاء عن عليّ (عليه
السلام) أ نّه قال: إنّ أبي ساد الناس فقيراً وما ساد الناس وقريش
فقيرٌ غيره من قبل.
وما كان يعنيه شيء كما تعنيه رعاية محمّد
قطّ من المحافظة عليه، والحرص على حياته، فإذا اضطرّ إلى سفر لخارج مكّة أو الحجاز
أخرجه معه، وكانت اُولى سفرات النبيّ (صلى الله عليه
وآله) مع عمّه إلى بصرى وله من العمر تسع سنين، فلم تطب نفس أبي طالب يوم
ذاك أن يتركه مع أولاده ويمضي في سفرته الطويلة هذه، في حين أنّ زوجته الطاهرة
فاطمة بنت أسد كانت تحرص عليه أكثر ممّا كانت تحرص على أولادها وصبيتها، وترعاه في
ليلها ونهارها.
ويقول المؤرّخون وأهل الاخبار أنّ
الاحبار والرهبان ومن رآه من الكهّان في تلك السفرة - لا سيّما راهب بصرى (بحيرى)،
الذي أخبر عمّه أبو طالب أ نّه نبيّ هذه الاُمّة، وكان يعلم ممّا شاهده من
صفاته ومعاجزه وممّا أكّد له أبوه عبد المطّلب، وأصرّ عليه أن يرجعه إلى مكّة حتّى
لا يغتاله اليهود، الذين يرون العلامات التي في كتبهم متحقّقة فيه، فقطع سفرته
وعاد به إلى مكّة كما أنّ بعض المخلصين من الاحبار والرهبان وكلّ من رآه قد نصحوا
أبا طالب بالحرص عليه، وخوّفوه من غدر اليهود الذين كانوا ينتظرون مولوداً من قريش
يبعثه الله رسولاً إلى العرب والعجم.
وقد أظهر الله سبحانه لنبيّه (صلى الله عليه وآله) في تلك الرحلة من الكرامات
والفضائل ما لا يدخل في حدود التصوّر، وهو مع تلك القافلة التي ضمّت أعيان
المكّيين والقرشيّين.
وظلّ يتيم عبد الله في أحضان عمّه أبي
طالب وزوجته فاطمة بنت أسد الهاشمية، لا يشعر بالغربة بين أولادهم ولا يحسّ بمرارة
اليتم والحاجة، ووجد منهما من الحرص والرعاية فوق ما يتصوّره إنسان من أبوين مع وحيد
عزيز عليهما، وبلغ من حرص فاطمة بنت أسد عليه أ نّها كانت في سنين الجدب
والقحط التي مات فيها الناس جوعاً وعطشاً، تحرم أولادها من القوت الضروري وتطعمه
إيّاه، وبمجرّد أن يمدّ يده إلى الطعام تحلّ البركة فكلّهم يأكلون ويشبعون والزاد
كما هو، واستمرّت تعامله بهذه المعاملة الفدائية إلى أن شبّ وترعرع، وأسرعت إلى
تصديقه والايمان برسالته والاخلاص له في السرّ والعلانية هي وزوجها وأولادهما منذ
أن بدأ يدعو الناس لعبادة الواحد الاحد، والاستخفاف بعبادة الاصنام والاوثان التي
اتّخذوها أرباباً من دون الله، لا نّهم في الاصل كانوا أحناف موحّدون على دين
جدّهم إبراهيم الخليل.
ولم يكن النبيّ محمّد بن عبد الله، وهو
الوفي الكريم الذي علّم أجيال الناس الوفاء والاحسان، أن ينسى مواقفها الجليلة
التي أنسته فقد أبيه واُمّه وجدّه، فلمّا ماتت بكاها بكاء الثكلى، وقال والدموع
تنهمر من عينيه: «اليوم ماتت اُمّي»، وكفّنها بقميصه ونزل في قبرها واضطجع فيه،
وصنع ما لم يصنعه مع غيرها من قبلها، وقال لمّا سئل عن موقفه الذي لم يعهدوا منه
مع أحد قبلها، قال: إنّها كانت بمثابة اُمّي، تجيع أولادها وتطعمني، وتشعثهم
وتدهنني، وما أحسست باليتم منذ أن التجأت إليها.
وعلى أيّ حال كما كان عمّه معه، كانت
زوجته الوفيّة، حرصاً وعطفاً وإيماناً وتضحيةً في سبيل محمّد (صلى الله عليه وآله)ورسالته، ودفاعاً عنه وعنها في جميع المواقف
والمشاهد.
وامتاز هذا البيت عن غيره، حتّى من بني
عمومته وبنيهم الاقربين ومن تناسل منهم في جميع المراحل التي مرّ بها ودعوته (صلى
الله عليه وآله).
ولمّا أعلن سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطّلب إسلامه على رؤوس الاشهاد مدحه أخوه أبو طالب مشجّعاً إسلامه، بقوله:
فصبراً - أبا يعلى - على دين أحمد * * * وكن
مظهراً للدين وفّقت صابرا
نبيٍّ أتى بالدين من عند ربّه * * * بصدق وحقٍّ
لا تكن حمزة كافرا
فقد سَرَّني إذ قلت «لبّيك» مؤمناً * * * فكن
لرسول الله في الدين ناصرا
ونادِ قريشاً بالذي قد أتيته * * * جهاراً وقل:
ما كان أحمد ساحرا([18])
فقد كان إسلام حمزة تطوّراً جديداً لم
يكن داخلاً في حسابات قريش، حيث قلب الموازين رأساً على عقب، وفتّ في عضد قريش،
وزاد في مخاوفها وكبح جماحها، ومرّغ كبريائها.
كان شيخ البطحاء الدرع الواقي للرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله)، في حياة أبيه عبد المطّلب وبعد وفاته. ولله درّ ابن أبي الحديد حينما أنشد هذه الابيات:
ولولا أبو طالب وابنه * * * لما مثّل الدين
شخصاً فقاما
فذاك بمكّة آوى وحامى * * * وهذا بيثرب جَسَّ
الحماما
تكفّل عبد مناف بأمر * * * وأودى فكان عليّ
تماما
فقل في ثبير مضى بعدما * * * قضى ما قضاه وأبقى
شماما
فَللّه ذا فاتحاً للهدى * * * ولله ذا للمعالي
ختاما
وما ضرّ مجد أبي طالب * * * جهول لغا أو بصير
تعامى
كما لا يضرّ اُباة الصبا * * * ح من ظنّ ضوء
النهار الظلاما([19])
هكذا كان أبو طالب يتجاهر بالدفاع عن
الرسول الاعظم ورسالة السماء، وهو يحثّ أخاه حمزة بن عبد المطّلب على اتباع رسول الله (صلى الله عليه
وآله) والصبر على طاعته، والثبات على دينه، وكذا يدفع ولده جعفر أن يقف إلى
جنب أخيه عليّ ويصل جناح ابن عمّه.
ولم يكن يدافع عن دعوة ابن أخيه محمّد بن
عبد الله (صلى الله عليه وآله) فحسب، بل جنّد كلّ
طاقاته في سبيل نشر الدعوة، ووقف منها موقف البطل المجاهد طيلة حياته، وسجّل له
التأريخ كلّ تلكم المواقف المشرّفة بكلّ إكبار وفخر.
ولقد شمّر عن ساعد الجدّ في الدفاع عن
ابن أخيه منذ بزوغ شمس الرسالة، إلى يوم وفاته (عليه
السلام)، حيث كان كالسدّ المنيع يحول بينه وبين المشركين، تلك القوّة
الوثنية العظمى التي كانت تحكم الجزيرة العربية وتمسك بمقدّراتها وبين تحقيق
أهدافها الضالّة في وأد الرسالة السماوية ودعاتها في مهدها.
ولابي طالب شيخ البطحاء مواقف مشهورة
ومشهودة له في تصلّبه في الدفاع عن الرسالة، تفوق التصوّر والاحصاء وقفها دون ابن
أخيه الرسول الاعظم ورسالته إلى آخر نفس من أنفاسه.
ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عزيزاً، ممنوعاً من الاذى،
ومعصوماً من كلّ اعتداء، حتّى توفّى الله أبا طالب (عليه
السلام)، فنبت به مكّة، ولم تستقرّ له دعوة، وأجمع طواغيت قريش على الفتك
به، وعندها جاء نداء ربّه: «اُخرج من مكّة فقد مات ناصرك»([20]).
هكذا كان أبو طالب سنداً وكافلاً وداعياً
لابن أخيه محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله).
ومع ذلك كلّه فهناك تخرّصات تدّعي أنّ أبا طالب مات كافراً، ولم يسلم برسالة محمّد (صلى الله عليه وآله)، وما المواقف المشهودة التي وقفها أبو طالب (عليه السلام) دون تبليغ الرسالة عنك ببعيد، منها:
1 - موقفه من ابن الزبعرى لمّا تجاسر على الرسول (صلى الله عليه
وآله).
عن السيّد عبد الحميد بن النقي الحسيني - النسّابة - بإسناده إلى الاصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) يقول: مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفر من قريش، وقد نحروا جزوراً، وكانوا يسمّونها الظهيرة، ويذبحونها على النصب، فلم يسلّم عليهم، فلمّا انتهى إلى دار الندوة قالوا: يمرّ بنا يتيم أبي طالب فلا يسلّم علينا؟ فأ يّكم يأتيه فيفسد عليه مصلاّه، فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل، فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد فملا به ثيابه ومظاهره، فانصرف النبيّ (صلى الله عليه وآله) حتّى أتى عمّه أبا طالب، فقال: يا عمّ من أنا؟ فقال: وَلِمَ يا بن أخ؟ فقصّ عليه القصّة، فقال أبو طالب: وأين تركتهم؟ فقال: بالابطح، فنادى في قومه: يا آل عبد المطّلب، يا آل هاشم، يا آل عبد مناف، فأقبلوا إليه من كلّ مكان ملبّين، فقال: كم أنتم؟ قالوا: نحن أربعون، قال: خذوا سلاحكم، فأخذوا سلاحهم، وانطلق بهم، حتّى انتهى إلى اُولئك النفر، فلمّا رأوه قاموا وأرادوا أن يتفرّقوا، فقال لهم: وربّ هذه البنية - الكعبة - لا يقومنّ منكم أحد إلاّ جلّلته بالسيف، ثمّ أتى إلى صفاة([21]) كانت بالابطح فضربها ثلاث ضربات حتّى قطعها ثلاثة أفهار([22]) ثمّ قال: يا محمّد سألتني من أنت؟ ثمّ أنشأ يقول، ويومي بيده إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله):
أنت النبيّ محمّد * * * قرمٌ أعزّ مسوّد
لمسوّدين أطائب * * * كرموا وطاب المولد
نعم الارومة أصلها * * * عمرو الخضمّ الاوحد
أ نّى تضام ولم أمت * * * وأنا الشجاع
العربد
وبنو أبيك كأ نّهم * * * اُسد العرين
تَوقّد
ولقد عهدتك صادقاً * * * في القول ما تتفنّد
ما زلت تنطق بالصوا * * * ب وأنت طفلٌ أمرد
حتّى أتى على الابيات كاملة ثمّ قال أبو
طالب: يا محمّد، أ يّهم الفاعل
بك؟ فأشار النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى عبد
الله ابن الزبعرى، فدعاه أبو طالب فوجأ أنفه حتّى أدماه، ثمّ أمر بالفرث والدم،
فأمرّه على رؤوس الملا كلّهم، ثمّ قال: يا ابن أخ أرضيت؟ ثمّ قال: سألتني من أنت؟
أنت محمّد بن عبد الله حتّى نسبه إلى آدم (عليه السلام)
ثمّ قال: أنت والله أشرفهم حسباً، وأرفعهم منصباً، يا معشر قريش، من شاء منكم أن
يتحرّك فليفعل، أنا الذي تعرفوني.
روي هذا الحديث بطرق متعدّدة من مصادر
الفريقين، فراجع.
هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب
الجمحي، أبو السائب: وكان من حكماء
العرب في الجاهلية، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الاُولى،
شهد بدراً، ومات بعدها في السنة الثانية من الهجرة، وهو أوّل من مات بالمدينة من المهاجرين وأوّل من دفن بالبقيع([23]).
كان عثمان بن مظعون يقف بباب الكعبة يعظ الناس أن لا يعبدوا الاصنام، فوثب عليه فتية من قريش وضربوه فوقعت ضربة أحدهم على عينه ففقأتها، وبلغ أبا طالب ذلك فغضب غضباً شديداً وقام في أمره حتّى أخذ بثأره، وكانوا قد اجتمعوا إلى أبي طالب وناشدوه أن يدعها ويؤدّون له الدية، فأقسم لهم: إنّي لا أرضى حتّى أقلع عين الذي قلع عينه، فكان ما أراد، وقد ذكر هذه الحادثة في أبيات له، منها:
أمن تذكّر أقوام ذوي سنة * * * يغشون بالظلم من
يدعى إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما اُمروا * * * والعذر
فيهم سبيل غير مأمون
ألا ترون أذلّ الله جمعكم * * * أنّا غضبنا
لعثمان بن مظعون
إذ يلطمون ولا يخشون مقلته * * * طعناً دراكاً
وضرباً غير موهون
فسوف نجزيهم إن لم تمت عجلاً * * * كيلاً بكيل
جزاءً غير مغبون
إلى أن قال:
أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب * * * على نبيٍّ كموسى
أو كذي النون
يأتي بأمر جليٍّ غير ذي عوج * * * كما تبين في
آيات ياسين([24])
3 - ومنها: إجارته أبا سلمة المخزومي، وقد أسلم أبو سلمة بن عبد الاسد المخزومي، فأرادت قريش أن تعذّبه لتصرفه عن الاسلام فلجأ إلى (خاله) أبي طالب، فخلّصه من العذاب، فجاء وفد من مخزوم إلى أبي طالب وقالوا له:
يا أبا طالب، هبك منعت منّا ابن أخيك
محمّداً، فما بالك ولصاحبنا تمنعه منّا؟ !
فأجابهم: إنّه استجارني وهو ابن اُختي([25])،
وإن أنا لم أمنع ابن اُختي لم أمنع ابن أخي([26]).
كما كان يوصي النجاشي بأبيات للذين لجأوا
إليه من المؤمنين ومنهم ابنه جعفر، بعد رجوع عمرو بن العاص خائباً منه. وقد ذكرنا
ذلك في فصل شعره.
ولم يقف دفاعه عند هذا الحدّ حتّى شمل الدعوة الاسلامية بكلّ أبعادها والتي اعتنقها عن عقيدة ويقين وبصيرة منها تصديق الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، فقد أقسم لقريش بقوله:
والله، ما كذب ابن أخي قط، بل وصفه بـ
(الناصح والصادق الامين) في عدّة مناسبات أخذتها من عدّة قصائد نظمها في حينها.
ومن أشعار أبي طالب الدالّة على إيمانه وحثّه أخاه حمزة لمّا أعلن إسلامه أمام طغاة قريش على مؤازرة ابن أخيه:
فصبراً - أبا يعلى - على دين أحمد * * * وكن
مظهراً للدين وفّقت صابرا
نبيّ أتى بالدين من عند ربّه * * * بصدق وحقٍّ
لا تكن حمزة كافرا
فقد سرّني إذ قلت «لبّيك» مؤمناً * * * فكن
لرسول الله في الدين ناصرا
ونادِ قريشاً بالذي قد أتيته * * * جهاراً وقل:
ما كان أحمد ساحرا([27])
وهناك أشعار كثيرة تدلّ على إيمان أبي طالب، سنذكر قسماً منها فيما بعد، منها قوله:
ودعوتني وعلمت أ نّك صادقٌ * * * ولقد صدقت
وكنت ثَمَّ أمينا
ولقد علمت بأنّ دينَ محمّد * * * من خير أديان
البريّة دينا
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * * * حتّى اُوسَّد
في التراب دفينا
وقال:
ولقد عهدتك صادقاً * * * بالقول لا تتزيّدُ
ما زلت تنطق بالصواب * * * وأنت طفلٌ أمردُ
وقال:
وإن كان أحمد قد جاءهم * * * بصدق ولم يأتهم
بالكذب
فهل يصحّ أن تصدر هذه الابيات من مشرك
كافر؟ وهل يصحّ أن يحمد النبيّ (صلى الله عليه وآله) الله
عزّ وجلّ بقوله: «الحمد لله الذي هداك يا عم» لو كان أبو طالب مات كافراً؟ وهل
للهداية معنى غير موته على الشهادة بالوحدانية لله، والتصديق بالنبوّة المحمّديّة؟
أصابت قريش أزمة مهلكة، وسنة مجدبة
منهكة، وكان أبو طالب ذا مال يسير، وعيال كثير، فأصابه ما أصاب قريشاً من العدم والاضاقة والجهد والفاقة، فعند ذلك دعا رسول
الله (صلى الله عليه وآله) عمّه العباس، فقال له:
يا أبا الفضل، إنّ أخاك (أبو طالب) كثير العيال مختلّ الحال، ضعيف النهضة
والعزمة وقد نزل به ما نزل من هذه الازمة، وذوو الارحام أحقّ بالرِفد، وأولى بحمل
الكَلّ في ساعة الجهد، فانطلق بنا إليه لنعينه على ما هو عليه، فنحمل عنه بعض
أثقاله، ونخفّف عنه من عياله، يأخذ كلّ منّا
واحداً من بنيه، ليسهل ذلك عليه بعض ما ينوء فيه.
فقال العباس: نِعمَ ما رأيت، والصواب
فيما أتيت، هذا والله الفضل الكريم، والوصل الرحيم.
فلقيا أبا طالب فصبّراه، ولفضل آبائه
ذَكّراه وقالا له: إنّا نريد أن نحمل عنك بعض المال، فادفع إلينا من أولادك من
يخفّ عنك به الاثقال.
فقال أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً -
وفي رواية - إذا تركتما لي عقيلاً وطالباً، فافعلا ما شئتما.
فأخذ العباس جعفراً، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً، فانتخبه لنفسه (فانتجبه)،
واصطفاه لمهمّ أمره، وعوّل عليه في سرّه وجهره، وهو مسارع لمرضاته، موفّق للسداد
في جميع حالاته.
وقد روي من طريق آخر:
أنّ العباس أخذ جعفراً، وأخذ حمزة
طالباً، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً.
وروي عن طريق آخر:
أنّ أبا طالب قال للنبيّ (صلى الله عليه وآله) والعبّاس حين سألاه ذلك: إذا خلّيتما لي عقيلاً، فخذا من شئتما،
ولم يذكر طالباً.
بعد حذف السند، عن عرفطة الجندعي، قال:
بينا أنا بالبقاع من نمرة([28])،
إذ أقبلت عير من أعلى نجد حتّى حاذت الكعبة، وإذا غلام قد رمى بنفسه من عجز بعير،
حتّى أتى الكعبة، وتعلّق بأستارها، ثمّ نادى: يا ربّ البيت أجرني، فقام إليه شيخ
جسيم وسيم، عليه بهاء الملوك ووقار الحكماء، فقال: ما خطبك يا غلام؟ فقال: إنّ أبي
مات وأنا صغير، وإنّ هذا النجدي قد استعبدني، وقد كنت أسمع أنّ لِلّه بيتاً يمنع
من الظلم، فجاء النجدي فجعل يسحبه ويخلّصه من أستار الكعبة، فأجاره القرشي ومضى
النجدي، وقد تكنّعت([29])
يداه.
قال عمرو بن خارجة: فلمّا سمعت الخبر
قلت: إنّ لهذا الشيخ لشأناً، فصوّبت رجلي نحو تهامة حتّى وردت الابطح([30])
وقد أجدبت الانواء، وأخلقت العواء، وإذا قريش حلق قد ارتفعت لهم ضوضاء، فقائل
يقول: استجيروا باللاّت والعُزّى، وقائل يقول: بل استجيروا بمناة الثالثة الاُخرى،
فقام رجل من جملتهم يقال له ورقة بن نوفل - وهو ابن عمّ السيّدة خديجة بنت خويلد -
فقال: إنّي نوفلي وفيكم بقيّة إبراهيم وسلالة إسماعيل، فقالوا: كأ نّك عنيت
أبا طالب؟ قال: هو ذاك، فقاموا إليه بأجمعهم وقمت معهم، فأتينا أبا طالب فخرج
إلينا من داره، فقالوا: يا أبا طالب قد أقحط الواد، وأجدبت العباد، فقم واستسقِ
لنا، فقال: رويدكم دلوك الشمس، وهبوط الريح، فلمّا زاغت الشمس، أو كادت، وإذا أبو طالب قد خرج وحوله اُغيلمة([31])
من بني عبد المطّلب، وفي وسطهم غلام يافع كأ نّه شمس ضحى تجلّت عن غمامة
قتماء، فجاء حتّى أسند ظهره إلى الكعبة، فاستجار بها ولاذ بإصبعه، وبصبص الاُغيلمة
حوله.
وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا حتّى لتّ ولفّ، وأسحم، وأقتم، وأرعد، وأودق، وانفجر به الوادي، وافعوعم (ونزل الغيث كأفواه القرب)، وبذلك قال أبو طالب شعراً يمدح به النبيّ (صلى الله عليه وآله):
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال اليتامى
عصمةً للاراملِ
تطوف به الهلاّك من آل هاشم * * * فهم عنده في
نعمة وفواضلِ
بميزان صدق لا يخسّ شعيرة * * * ووزّان حقّ وزنه
غير عائلِ
وجاء أعرابي إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو في المدينة بعد الهجرة فقال: يا رسول الله، وليس لنا
صبيّ يصطبح([32])،
ولا بعير يئط.
ثمّ أنشد:
أتيناك والعذراء يُدمي لبانها * * * وقد ذهلت
اُمّ الرضيع عن الطفلِ
وألقى بكفّيه الصبيّ استكانةً * * * من الجوع
حتّى ما يمرّ ولا يحلي
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا * * * سوى الحنظل
العامي والطهل الفتلِ([33])
وليس لنا إلاّ إليك فرارنا * * * وأين يفرّ
الناس إلاّ إلى الرسلِ
فقام النبيّ (صلى
الله عليه وآله) يجرّ رداءه، حتّى رقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: اللهمّ اسقنا
غيثاً مغيصاً، مرياً مريعاً، سبحاً سجالاً غدقاً، طبقاً دائماً درراً تنبت به
الزرع، وتملا به الضرع، وتحيي به الارض بعد موتها، واجعله (اللهمّ) سقياً عاجلاً
غير رائث.
فوالله ما ردّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده إلى نحره، حتّى ألقت السماء
بأرواقها، وجاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول الله الغرق الغرق. فقال (صلى الله
عليه وآله): اللهمّ حوالَينا ولا علينا.
فانجاب السحاب عن المدينة حتّى أحدق بها
كالاكليل، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى
بدت نواجذه، ثمّ قال: لِلّه درّ أبي طالب لو كان حيّاً لقرّت عيناه، من ينشدنا
قوله؟
فقام عليّ (عليه السلام) فقال: يا رسول الله لعلّك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال اليتامى
عصمةً للاراملِ
فقال (صلى الله عليه وآله): أجل. ثمّ قام رجل من كنانة فأنشد:
لك الحمد والحمد ممّن شكر * * * سُقينا بوجه
النبيّ المطر
دعا الله خالقه دعوة * * * إليه وأشخص منه البصر
فما كان إلاّ كما ساعة * * * وأسرع حتّى رأينا
الدرر
دقاق العزالي وجمّ البعاق * * * أغاث به الله
عليا مضر
فكان كما قاله عمّه * * * أبو طالب ذو رواء غرر
به يسّر الله صوب الغمام * * * فهذا العيان لذاك
الاثر
فمن يشكر الله يلقَ المزيد * * * ومن يكفر الله
يلقَ الغير
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إن
يك شاعر أحسن فقد أحسنت.
لقد أجمع المؤرّخون على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمّا أمره تعالى أن ينذر الاقربين
من عشيرته، دعا علياً (عليه السلام) وقال له: اصنع
طعاماً واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عساً([34])
من لبن واجمع لي بني هاشم وعبد المطّلب حتّى اُكلّمهم وأدعوهم إلى الاسلام
واُبلّغهم ما اُمرت به.
ففعل عليّ (عليه
السلام) ما أمره به، ودعاهم وكانوا يوم ذاك أربعين رجلاً، يزيدون رجلاً أو
ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، وبنو عمومته، فأحضر لهم
عليّ (عليه السلام) الطعام فأكلوا حتّى شبعوا.
وجاء عن عليّ (عليه
السلام) أ نّه قال: لقد كان الرجل الواحد منهم يأكل جميع ما شبعوا
كلّهم منه، فلمّا فرغوا من الاكل وأراد النبيّ (صلى الله
عليه وآله) أن يكلّمهم، بدره أبو لهب عمّه إلى الكلام، وقال: ما أشدّ ما
سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم النبيّ (صلى الله عليه وآله).
وبعد أيام قال لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، قد رأيت كيف سبقني هذا الرجل
إلى الكلام، فاصنع لنا في غد كما صنعت
بالامس، واجمعهم لعلّي اُكلّمهم بما أمرني الله.
فصنع عليّ (عليه
السلام) لهم الطعام، فلمّا أكلوا وشربوا قال لهم النبيّ (صلى الله عليه
وآله): ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به، لقد جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرني ربّي أن أدعوكم
إليه، فأ يّكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي،
فأحجم القوم إلاّ عليّ (عليه السلام)، فقام وهو
أحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأحمشهم ساقاً وقال: أنا يا نبيّ الله، فأمره النبيّ
بالجلوس، وكرّر عليهم مقالته، فلم يستجب له أحد غير عليّ (عليه
السلام).
ولمّا رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) إحجامهم وإصرار عليّ (عليه السلام) أخذ برقبته وقال: إنّ هذا أخي ووصيّي
وخليفتي فيكم (من بعدي)، فاسمعوا له
وأطيعوا، فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب: قد أمرك محمّد أن تسمع لابنك
وتطيعه.
كانت قريش يؤذون النبيّ (صلى الله عليه
وآله) بشتّى أنواع الاذى، وكان أبو طالب، ينهاهم ولا ينتهون، فخشي أن يحاربهم،
ويدوسهم وهم سكّان بيت الله، وأهل حرمه، فيكون سبباً إلى سبّه، «لا نّه لم
يكن يسلّ في مكّة سيفاً إلاّ فاجر»، وبذلك أمر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه
وآله) في سورة الجحد: (قُلْ يَا
أ يُّهَا الكَافِرُونَ)([35])
إلى آخر السورة.
فهدّد أبو طالب قريشاً بقوله:
ولولا حذاري أن أجيء بسبّة * * * تنثّ على
أشياخنا في المحافلِ
لداستكم منّا رجالٌ أعزّة * * * إذا جرّدوا
أيمانهم بالمناصلِ
رجالٌ كرامٌ غير ميل عوارد * * * كمثل السيوف في
أكفّ الصياقلِ
وضرب ترى الفتيان فيه كأ نّهم * * * ضواري
اُسود عند لحم الاكايلِ
رددناهم حتّى تبدّد جمعهم * * * وندفع عنّا كلّ
باغ وجاهلِ
ومنها:
ولكنّنا نَسلٌ كرام لسادة * * * بهم تعتزى
الاقوام عند المحافلِ
ألم تعلموا أنّ ابننا لا مكذَّب * * * لدينا ولا
يعبأ بقول الاباطلِ
ومنها:
وقفنا لهم حتّى تبدّد جمعهم * * * وحسّر عنّا
كلّ باغ وجاهلِ
شباب من المطّلبين وهاشم * * * كبيض السيوف بين
أيدي الصياقلِ
وهناك أبيات كثيرة على هذه القافية والرويّة والمعنى، نذكر منها هذه الابيات:
لعمري لقد كُلّفت وجداً بأحمد * * * وأحببته حبّ
الحبيب المواصلِ
وجدت بنفسي دونه وحميته * * * ودافعت عنه بالذرى
والكلاكلِ
فلمّا زال في الدنيا جمالاً لاهلها * * * وشيناً
لمن عادى وزين المحافلِ
حليماً رشيداً حازماً غير طائش * * * يوالي إله
الخلق ليس بماخلِ([36])
فأيّده ربّ العباد بنصره * * * وأظهر ديناً حقّه
غير باطلِ
ومن أنصف وتأمّل هذه الابيات في مدح
النبيّ (صلى الله عليه وآله) قطع بصدق إسلام أبي طالب وولائه واعترافه برسالاته
وإقراره بنبوّته.
أمّا أشعار أبي طالب، المتضمّنة إقراره بالتوحيد لله وتمجيده وتقديسه، فهي مسطورة في كتب العلماء، وتعاليق أرباب الفنّ من الاُدباء، إليك بعضاً منها، قوله:
مليك الناس ليس له شريك * * * هو الجبّار
والمبدي المعيدُ
ومن فوق السماء له بحقّ * * * ومن تحت السماء له
عبيدُ
فانظر كيف أقرّ الله تعالى في هذين
البيتين بالعبودية والتوحيد، وخلع الانداد له.
وقوله:
من ضلّ في الدين فإنّي مهتدي
إلى غير ذلك من شعره الوافر، الذي يقرّ
فيه لله بالعبودية والوحدانية، ولرسوله الكريم بالتأييد والطاعة.
إنّ الذي دعا أبا طالب لكتمان إيمانه،
وخفاء إسلامه أ نّه كان سيّد قريش غير مدافع، ورئيسها غير منازع، وكانوا
ينقادون لامره ويطيعون، وهم بالله مشركون، وللاصنام يعبدون، فلمّا أظهر الله تعالى
دينه، وأرسل نبيّه (صلى الله عليه وآله)،
شمّر أبو طالب عن ساعد الجدّ في نصرته، وإظهار دعوته، وهو برسالته مؤمن وببعثه
موقن سرّاً، كاتماً لايمانه، ساتراً لاسلامه، لا نّه لم يكن قادراً على
القيام بنصرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وتمهيد الاُمور له بنفسه خاصّة من دون
أهل بيته وأصحابه وعشيرته وأحلافه، الذي كانوا على منهاج قريش في الشرك والكفر
ظاهراً.
وكان أبو طالب لا يأمن إذا أظهر إيمانه
وأفشى إسلامه أن تتمالى عليه قريش، ويخذله حليفه وناصره، ويسلمه حميمه وصاحبه،
فيؤدّي فعله ذلك إلى إفساد قاعدة الدفاع عن النبيّ (صلى
الله عليه وآله) ورسالته، والتغرير بهم، فكتم إيمانه وإسلامه لاستدامة قريش
على طاعته، والانقياد لسيادته، ليتمكّن من نصرة النبيّ (صلى الله عليه وآله)،
ودوام حرمته، والاخذ بحقّه، وإعزاز كلمته، ولهذا السبب كان أبو طالب يخالط قريشاً
ويعاشرهم ويحضر مجالسهم، ويشهد مشاهدهم.
مثل أبي طالب كمثل أصحاب الكهف، وكمؤمن
آل فرعون، وفي القرآن الكريم، والسير
والاثار، أمثلة كثيرة حول من يكتم إيمانه.
وقصّة أصحاب الكهف وكتمان إيمانهم مع قومهم
مشهورة حتّى تمكّنوا من هدفهم.
كما أخبر أبو الفضل بن شاذان - يرفعه إلى
الشيخ الصدوق ابن بابويه القمّي (رحمهم الله)، مرفوعاً عن الامام الحسن بن عليّ
العسكري (عليه السلام) في حديث طويل - يذكر فيه:
أنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي قد أيّدتك
بشيعتين: شيعة تنصرك سرّاً، وشيعة تنصرك علانية، فأمّا التي تنصرك سرّاً فسيّدهم
وأفضلهم عمّك أبو طالب، وأمّا التي
تنصرك علانيةً فسيّدهم وأفضلهم ابنه عليّ بن أبي طالب (عليه
السلام)، ثمّ قال: وإنّ أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه.
ومن ذلك الحديث الذي أوردناه مسنداً فيما
تقدّم من هذا البحث، من قول الامام
الصادق (عليه السلام): إنّ جبرئيل (عليه السلام)أتى النبيّ (صلى
الله عليه وآله) فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السلام، ويقول لك: إنّ
أصحاب الكهف أسرّوا الايمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا
طالب أسرّ الايمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرّتين.
لمّا رأت قريش عزّ النبيّ (صلى الله عليه
وآله) بمن معه، وانتشار الاسلام بين القبائل العربية، وعزّ أصحابه الذين هاجروا
إلى الحبشة، بالاضافة إلى إعلان حمزة بن عبد المطّلب الاسلام، ووقوف عليّ بن أبي
طالب بفتوّته مدافعاً عن ابن عمّه وعن دعوته الاسلامية، ومناصرة بنو هاشم وبنو عبد المطّلب، وتيقّن المشركون أن لا
قدرة لهم على قتل محمّد (صلى الله عليه وآله)وإنّ أبا طالب لا يسلم محمّداً (صلى
الله عليه وآله) إليهم ولا يخذله، فأخذهم الفرَق من اتّساع الدعوة وانتشارها،
وأحسّوا بالخطر المحدق بهم على زعامتهم ومصالحهم وأنّ جميع جهودهم وظلمهم
ومقاومتهم للاسلام ولرسوله باءت بالفشل. لذا حاولت قريش أن تقوم بتجربة جديدة غير
اُسلوب الارهاب والتعذيب والضغط، فلجأت إلى الحصار الاقتصادي والاجتماعي، ضدّ أبي
طالب والهاشميّين، وهذا الحصار لا يخلو من ثلاث حالات:
إمّا أن يرضخوا لمطالبها في تسليم محمّد (صلى الله عليه وآله) لها لتقتله.
وإمّا أن يتراجع محمّداً (صلى الله عليه وآله) عن دعوته.
وإمّا أن يموتوا جوعاً وذلاً، وهذا
الاجراء يرفع المسؤولية عن الفرد المحدّد، فتكون مسؤولية جماعية عامّة، فقرّوا هذا
الرأي بعد اجتماع مشيخة قريش في دار الندوة.
اجتمعوا في دار الندوة، وفي بعض
الروايات: اجتمعوا في المخصب من الخيف في منى بعد أن أقنعوا كنانة - القريبين من
مكّة - بالاشتراك معهم في المقاطعة، وتداولوا الاراء مع شياطينهم وقلّبوا الاُمور
ظهراً لبطن، فاتّخذوا قراراً بالاجماع أن يكتبوا صحيفة مقاطعة بني هاشم ويُودِعوها في الكعبة بشروط قاسية
وملزمة لكلّ قريش ومن تباعهم، وهي أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يشاروهم، ولا
يحدّثوهم، ولا يجتمعوا معهم، ولا يناكحوهم
ولا يقضوا لهم حاجة ولا يعاملوهم حتّى يدفع بنو هاشم إليهم محمّداً فيقتلوه، أو
يخلّوا بينهم وبينه، أو ينتهي من تسفيه أحلامهم.
ووقّع على هذه الصحيفة أربعون رجلاً من
وجوه قريش، وختموها بأختامهم، وعُلِّقت هذه الوثيقة في الكعبة، وكان ذلك في سنة
سبع من البعثة على أشهر الروايات.
ولمّا علم أبو طالب بصحيفة المقاطعة، قام إليهم يحذّرهم الحرب، وقطيعة الرحم، وينهاهم عن اتّباع السفهاء، ويعلمهم استمراره على مؤازرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)بكلّ ما يستطيع من قوّة ويذكّرهم على فضله وشرفه، ويضرب لهم المثل بناقة صالح، ويذكّرهما بإلغاء أمر الصحيفة، بقوله:
ألا أبلغا عنّي على ذات بينها * * * لؤيّاً
وخصّا من لؤي بني كعبِ
ألم تعلموا أ نّا وجدنا محمّداً * * *
نبيّاً كموسى خُطّ في أوّل الكتبِ
وأنّ عليه في العباد محبّةً * * * ولا حيف فيمن
خصّه الله بالحبِّ
وأنّ الذي لفّقتم في كتابكم * * * يكون لكم
يوماً كراغبةِ السقبِ
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الزبى * * * ويصبح من
لم يجنِ ذنباً كذي الذنبِ
ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * * * أواصرنا
بعد المودّة والقربِ
إلى آخر الابيات المذكورة في كتاب (إيمان
أبي طالب - للامام شمس الدين بن معد
المتوفّى سنة 630 هـ).
ودخل بنو هاشم الشِعْب - شِعب أبي طالب -
ومعهم بنو المطّلب بن عبد مناف باستثناء عبد العزّى (أبي لهب)، لعنه الله وأخزاه، واستمرّوا فيه إلى السنة العاشرة، وكانوا
ينفقون من أموال السيّدة خديجة بنت خويلد،
وأموال أبي طالب (عليه السلام) حتّى نفدت، ولقد
اضطرّوا بعدها إلى أن يقتاتوا بورق الشجر، وكان صِبيتهم يتضوّعون جوعاً، وظلّ
المسلمون في شعب أبي طالب يقاسون الجوع والحرمان لا يخرجون منه إلاّ في أيام
الموسم، موسم العمرة في رجب، وموسم الحجّ في ذي الحجّة، فكانوا يشترون حينئذ ويبيعون ضمن ظروف صعبة جدّاً.
وكان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يأتيهم بالطعام سرّاً من مكّة، من حيث
تمكّن، وقد كان يأتيهم سرّاً من اُناس كانوا مرغمين على مجاراة قريش كهشام بن عمرو
أحد بني عامر، الذي كان يأتي بالبعير بعد البعير ليلاً محمّلاً بأنواع الطعام
والتمر إلى فم الشعب، فإذا انتهى به إلى ذلك المكان نزع عنه خطامه وضربه على
جبينه، فيدخل الشعب بما عليه، ولكن تلك الصلات البسيطة لم تكن لتكفيهم.
وكان أبو طالب كثيراً ما يخاف على النبيّ (صلى الله عليه وآله) البيات في مكان معيّن، فإذا أخذ الناس مضاجعهم، واضطجع النبيّ (صلى الله عليه وآله) على فراشه، ورآه جميع من في الشعب، ونام الناس جاء وأقامه، وأضجع ابنه علياً مكانه، وقايةً له، ويقول له:
اصبرن يا بنيّ فالصبر أحجى * * * كلّ حيّ مصيره
لشعوبِ
قد بذلناك والبلاء شديد * * * لفداء الحبيب وابن
الحبيبِ
لفداء الاعزّ ذي الحسب الثاقبِ * * * والباع، والكريم
النجيبِ
إلى آخر أبياته... فيجيبه ابنه عليّ (عليه السلام):
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * * * ووالله ما قلت
الذي قلت جازعا
ولكنّني أحببت أن ترَ نصرتي * * * وتعلم
أ نّي لم أزل لك طائعا
وسعيي لوجه الله في نصر أحمد * * * نبيّ الهدى
المحمود طفلاً ويافعا
واستمرّت هذه المحنة ثلاث سنين، من السنة
السابعة إلى العاشرة من البعثة، عند ذلك تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي وسواهم
من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم على هذا العمل المنكر (حصار بني هاشم).
وأوّل من سعى إلى نقض الصحيفة والاتفاق،
وفكّ الحصار عن الهاشميين، هشام بن عمرو، وزهير بن أبي اُميّة المخزومي، والمطعم بن عدي، وزمعة بن المطّلب بن أسد، والبختري
بن هشام، واتّفقوا أن يفدوا إلى أنديتهم، ويعلنوا رفض المقاطعة، وإنهاء الحصار.
وجاء في سيرة ابن هشام: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعمّه أبي طالب: يا عمّ، إنّ
ربّي الله قد سلّط الارضة على صحيفة قريش، فلم يدع اسماً إلاّ (هو الله). فقال:
ربّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم.
خرج أبو طالب إلى أندية قريش قبل أن يثير
النفر الخمسة اعتراضهم على الحصار والمقاطعة، وقال: يا معشر قريش، إنّ ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلمّ إلى صحيفتكم، فإن
كان كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عمّا فيها، وإن يكن كاذباً دفعت
إليكم ابن أخي، فقال القوم بأجمعهم:
قد أنصفت ورضينا، وتعاقدوا على ذلك.
وقام المطعم إلى الصحيفة وجاء بها وفتحت
على مرأى من الجميع، فإذا بها كما أخبرهم النبيّ (صلى
الله عليه وآله) على لسان عمّه أبي طالب، قد أكلت الارضة جميع حروفها إلاّ
«بسمك اللهمّ»، ومزّقت الصحيفة، بعد موقف هؤلاء النفر الذين أبت نفوسهم الكريمة
هذه القطيعة التي كادت أن تقضي على الهاشميين.
وعندما تبيّن لقريش صدق ما نقله أبو طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّ الارضة أكلت من صحيفتهم التي قاطعوا بها بني هاشم، ولم يبقَ فيها إلاّ بسمك اللهمّ (اسم الله تعالى) قالوا: إنّ هذا سحر ابن أخيك، ردّ عليهم بهتم بقوله:
زعمت قريش أنّ أحمد ساحرٌ * * * كذبوا وربّ
الراقصات إلى الحرم
ما زلت أعرفه بصدق حديثه * * * وهو الامين على
الحرائب والحرم
وقال:
إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر * * * فعبد مناف
سرّها وصميها
وإن حضرت أشراف عبد منافها * * * ففي هاشم
أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوماً فإنّ محمّداً * * * هو المصطفى
من سرّها وكريمها
تداعت قريش غثّها وسمينها * * * علينا فلم تظفر
وطاشت حلومها
وعاد رسول الله (صلى
الله عليه وآله) بمن معه من الشعب بعد تمزيق الصحيفة إلى استئناف دعوته في
مكّة ومن جاورها، ومع القبائل التي تقصدها في المواسم.
وساء ذلك قريشاً وأصبحوا يشيعون
بأ نّه ساحر كذّاب، بعدما كان الصادق الامين.
وفي تلك السنة، وقبل الهجرة بثلاث سنين،
مرض أبو طالب ثمّ توفّي، رضوان الله
عليه، وكان ذلك في شهر رمضان، السنة العاشرة من البعثة النبويّة، وكان له من العمر
ستّ وثمانون سنة، وقيل: تسعون سنة، ودفن بالحجون إلى جنب قبري جدّه وأبيه.
وبعد أيام مرضت السيّدة خديجة بنت خويلد،
فدخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي
تجود بنفسها، فقال: بالكره منّي ما أرى، ولعلّ الله أن يجعل في الكره خيراً
كثيراً.
وبعد شهر وخمسة أيام من وفاة عمّه أبي
طالب، توفّيت السيّدة خديجة، وذلك في منتصف شهر شوّال من تلك السنة، ولها من العمر
خمس وستّون سنة.
ويروى العكس، فإنّ السيّدة خديجة توفّت
في شهر رمضان وأبو طالب توفّي في شهر شوّال من تلك السنة.
وفي تأريخ اليعقوبي، توفّيت خديجة بعد
وفاة أبي طالب بثلاثة أيام فجهّزها
رسول الله (صلى الله عليه وآله)، «ولم تكن صلاة الجنائز مفروضة حينذاك» ودفنها في
مقابر قريش بالحجون، بالقرب من قبور أجداده هاشم، وعبد المطّلب، وأبي طالب، رضوان الله عليهم([37]).
وأصبحت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها
السلام) وهي طفلة، تتعلّق بأبيها، رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي تبكي
وتقول: أبي أين اُمّي؟ أين اُمّي؟
فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، قل لفاطمة إنّ الله تعالى بنى لاُمّكِ بيتاً في
الجنّة من قصب - أي من لؤلؤ - لا نصب فيه، ولا صخب، «أي لا تعب فيه ولا ضوضاء».
عزّت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الفاجعة، وشقّت عليه، وقد
اجتمعت عليه مصيبتان دفعة واحدة، فقد عمّه وحاميه أبي طالب وفقد زوجته وحبيبته
خديجة بنت خويلد، فقال: والله لا أدري
بأ يّهما أشدّ جزعاً. وسمّى ذلك العام بعام الاحزان.
فلزم بيته، وقلّ خروجه، وطمعت فيه قريش،
إذ فقد حاميه، ونالت منه ما لم تكن تنال ولا تطمع به من قبل.
فبلغ ذلك عمّه أبا لهب، وأخذته الحميّة،
حميّة الجاهلية، فجاءه وقال: يا محمّد، امضِ لما أردت، وما كنت صانعاً إذ كان أبو طالب حيّاً فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك
حتّى أموت !
وذات يوم سبّ ابن الغيطلة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولّى صارخاً وهو يصيح:
يا معشر قريش، صبأ أبو عتبة ! ! فأقبلت قريش حتّى وقفوا على أبي لهب
مستنكرين، فقال: ما فارقت دين عبد المطّلب، ولكنّي أمنع ابن أخي أن يضام - أي يظلم
- حتّى يمضي لما يريد، قالوا جميعاً: قد أحسنت، وأجملت، ووصلت الرحم، فمكث رسول
الله (صلى الله عليه وآله) أياماً يذهب ويأتي لا يتعرّض له أحد من قريش، وهابوا سطوة أبي
لهب، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام، فاحتالا على أبي لهب حتّى صرفاه
عن عزمه ونصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاستردّ جواره.
لمّا حضرت أبا طالب الوفاة، دعا أولاده
وإخوته وأحلافه وعشيرته، وأكّد عليهم في وصيّته نصرة النبيّ (صلى الله عليه وآله)ومؤازرته، وبذل النفوس دون مهجته، وعرّفهم ما
لهم في ذلك من الشرف العاجل والثواب الاجل، وأنشأ يقول:
اُوصي بنصر نبيّ الخير أربعة * * * ابني علياً
وشيخ القوم عبّاسا
وحمزة الاسد الحامي حقيقته * * * وجعفراً أن
تذودوا دونه الناسا
كونوا فدى لكم اُمّي وما ولدت * * * في نصر أحمد
دون الناس أتراسا
هذا خاتم قوله وأمره الذي طابق ما قدّمنا
في سالف عمره من الذود عن الرسول الاعظم ورسالة السماء.
فتأمّل أ يّها المنصف اللبيب، هل
كلّ هذه تصدر من مشرك كافر في حقّ نبيّ الاسلام ودعوته؟
قال العلاّمة الحلبي في سيرته([38])
ما نصّه: فذكر أنّ أبا طالب لمّا
حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش، (وبني هاشم) فأوصاهم، وكان من وصيّته أن قال:
«يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من
خلقه، وقلب العرب، فيكم المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا
للعرب في المآثر نصيباً إلاّ أحرزتموه، ولا شرفاً إلاّ أدركتموه، فلكم بذلك على
الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، اُوصيكم بتعظيم هذه البنية (أي الكعبة) فإنّ فيها مرضاةً للربّ وقواماً
للمعاش، صِلُوا أرحامكم، ولا تقطعوها، فإنّ في صلة الرحم منسأة (أي فسحة) في الاجل
وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا
الداعي، وأعطوا السائل، فإنّ فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء
الامانة فإنّ فيهما محبّة في الخاصّ، ومكرمة في العامّ، وإنّي اُوصيكم بمحمّد
خيراً فإنّه الامين في قريش والصدّيق في العرب، وهو الجامع لكلّ ما اُوصيكم به،
وقد جاء بأمر قَبِلَه الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأ نّي
أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر في الاطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا
دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش
وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم
إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادها، دونكم يا
معشر قريش، كونوا الولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّ رشد،
ولا يأخذ أحد بهديه إلاّ سعد».
فانظر هذه الوصيّة وتمعّن بها بعين
الوجدان والانصاف والرويّة، تجدها لعمري من ألمع الحكم، وجوامع الكلم، تضمّنت
مكارم الاخلاق وتنبّأت عن المستقبل الزاهر الذي يصير إليه الرسول الاعظم (صلى الله
عليه وآله)، بالله عليك، فهل ترى هذه الوصيّة تصدر من مشرك كافر بالرسول والرسالة؟
أوكل ذلك إلى تقديرك أ يّها المنصف اللبيب؟
وأبو سفيان بقى على شركه إلى أن مات يكون
مسلماً، وآية ذلك لمّا اجتمع بنو اُميّة في دار عثمان بن عفّان حينما تسنّم عرش
الحكم قائلاً لهم: تلاقفوها يا بني اُميّة تلاقف الاكرة بيد صبيانكم، فوالذي يحلف
به أبو سفيان لا جنّة ولا نار وإنّما هو الملك، ثمّ اُخذ إلى اُحد وهو أعمى ووقف
على قبر سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطّلب وقال شامتاً بعد أن ركل قبره برجله: -
ذق عقق - قالها ثلاثاً، ثمّ قال: يا أبا عمارة، إنّ الذي نازعناكم عليه بالامس صار
بيد صبياننا، هذا يموت مسلماً وأبو طالب يموت مشركاً؟ لاها لله.
وبعد هذه الوصيّة أسلم روحه الطاهرة إلى
بارئها والتحق بالرفيق الاعلى بعد أن أدّى ما عليه تجاه الرسول والرسالة عند ذلك جاء الامام عليّ (عليه السلام)إلى
رسول الله (صلى الله عليه وآله) آذنه بموت أبيه
أبي طالب، فتوجّع رسول الله (صلى الله عليه وآله) توجّعاً
عظيماً، وحزن عليه حزناً شديداً، ثمّ قال لعليّ (عليه
السلام): امضِ يا عليّ فتولّ أمره، وتولّ غسله، وتحنيطه، وتكفينه، فإذا
رفعته على سريره فأعلمني. ففعل أمير المؤمنين (عليه
السلام) ما أمره به (صلى الله عليه وآله)، فلمّا رفعه على السرير، اعترضه
النبيّ (صلى الله عليه وآله) فرقّ وحزن، فأبّنه
بكلمة خالدة فيه، وقال: وصلتك رحم، وجزيت خيراً يا عم، فلقد ربّيت وكفلت صغيراً،
ونصرت وآزرت كبيراً، ثمّ أقبل على الناس وقال: أمَ والله لاشفعنّ لعمّي شفاعةً
يعجب بها أهل الثقلين.
فهذا الحديث وحده يكفي للدلالة على إيمان أبي طالب رضوان الله عليه، ومن وجهين:
أحدهما: أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه
السلام) أن يفعل به ما يفعل بأموات المسلمين من الغسل والتحنيط والتكفين
دون الجاحدين من أولاده، إذ لم يكن حضر أحد منهم سوى عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من المؤمنين، وأمّا جعفر فكان يومئذ عند
النجاشي ببلاد الحبشة، وأمّا طالب وعقيل فكانا يومئذ حاضرين، ولكنّهما كانا مقيمين
على خلاف الاسلام، ولم يسلم واحد منهما بعد، فخصّ بذلك علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) بتولية أمره وتجهيزه لمكان إيمانه، ولم
يتركه لهما على رغم أ نّهما أكبر من عليّ سنّاً لمباينتهما له في معتقده، ولو
كان أبو طالب مات كافراً، لما أمر رسول الله (صلى الله
عليه وآله) علياً بتولية أمره لانقطاع العصمة بين الكافر والمسلم، ولتركه
لهما كما ترك عمّه الاخر أبا لهب، ولم
يعبأ بشأنه، ولم يحفل بأمره، وتولية عليّ تجهيزه من دون أخويه الذين هما أكبر منه،
شاهد قاطع على صدق إيمان أبي طالب وإسلامه.
والوجه الاخر: تأبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا طالب بهذه الكلمات الرائعة
الخالدة، والدعاء له، وصلتك رحم وجزيت خيراً، ووعد أصحابه بالشفاعة له التي يعجب
بها أهل الثقلين، وموالاته بين الدعاء له والثناء عليه. لدليل قاطع على إسلام أبي
طالب وإيمانه.
ولم تكن الصلاة على أموات المسلمين
مشرّعة غير هذه الصلاة في صدر الاسلام، حتّى فرض الله سبحانه صلاة الجنائز فيما
بعد، ومثل ذلك صلّى النبيّ (صلى الله عليه وآله) على
زوجته الطاهرة السيّدة خديجة، سلام الله عليهما.
ثمّ رثى الامام عليّ (عليه السلام) أباه أبا طالب بهذه الابيات:
أبا طالب عصمة المستجير * * * وغيث المحول ونور
الظلم
لقد هدَّ فقدك أهل الحفاظ * * * فصلّى عليك وليّ
النعم
ولَقَّاك ربُّك رضوانه * * * فقد كنت للمصطفى
خير عم
فتأمّل ما ضمّنه الامام (عليه السلام) من معاني جليلة في أبياته هذه من الترحّم
والدعاء، فلو كان أبو طالب مات كافراً لما كان يصلّي عليه الرسول (صلى الله عليه وآله) ويترحّم عليه، ويعلن على الملا
شفاعته له، ولما ترحّم عليه الامام أمير المؤمنين وأبّنه بهذا التأبين الرائع بعد
موته.
فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم أسلم ودافع عن
حوزة الاسلام، ويوم مات، ويوم يُبعث حياً.
بعد حذف السند، قال رسول الله (صلى الله
عليه وآله): هبط عليَّ جبرئيل.
وقال لي: يا محمّد، إنّ الله عزّ وجلّ مشفّعك في ستّة:
بطن حملتك، آمنة بنت وهب.
وصلب أنزلك، عبد الله بن عبد المطّلب.
وحجر كفلك، أبي طالب([39]).
وبيت آواك، عبد المطّلب.
وأخ كان لك في الجاهلية - قيل: يا رسول
الله، وما كان فعله؟ قال: كان
(حنفياً) شيخاً يطعم الطعام، ويجود بالنوال -.
وثدي أرضعك، حليمة بنت أبي ذؤيب -
السعدية -.
وفي رواية، عن أبي عبد الله الامام
الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله
عليه وآله): أوحى الله سبحانه: إنّي حرّمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر
كفلك، وأهل بيت آواك.
عن العباس بن عبد المطّلب، أ نّه
سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقال: ما ترجو لابي طالب؟
فقال: كلّ خير أرجوه من ربّي عزّ وجلّ([40]).
فلولا علم النبيّ (صلى الله عليه وآله) بإيمان عمّه أبي طالب ما كان يرجو
له كلّ خير من ربّه تعالى، بعدما علم من خلود الكفّار في النار.
عن أبان بن محمّد، قال: كتبت إلى الامام
عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): جعلت فداك،
إنّي شككت في إيمان أبي طالب؟
قال: فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ومن (يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ
نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)([41])،
إنّك إن لم تقرّ بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار([42]).
وكتب السيّد عبد العظيم الحسني المدفون بالريّ - وكان مريضاً - إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام):
عرّفني يا بن رسول الله عن الخبر المروي
إنّ أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه؟
فكتب إليه الرضا (عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد فإنّك إن شككت في
إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار([43]).
وسأل عبد الرحمن بن كثير الامام الصادق (عليه السلام): إنّ الناس يزعمون أنّ أبا طالب في ضحضاح
من نار؟
فقال: كذبوا، ما بهذا نزل جبرئيل على
النبيّ (صلى الله عليه وآله).
فقلت: وبما نزل؟
قال: أتى جبرئيل في بعض ما كان عليه.
فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يُقرئك السلام
ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الايمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم
مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الايمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرّتين، وما خرج
من الدنيا حتّى أتته البشارة من الله تعالى بالجنّة، ثمّ قال: كيف يصفونه بهذا
الملاعين؟ وقد نزل جبرئيل ليلة مات أبو طالب، فقال: يا محمّد، اخرج من مكّة فما لك
بها ناصر بعد أبي طالب.
بعد حذف السند، قال أبو طالب للنبيّ (صلى الله عليه وآله) بمحضر من قريش ليريهم فضله ومعاجزه:
يا بن أخي، الله أرسلك؟
قال: نعم.
قال: إنّ للانبياء معجزاً، وخرق عادة،
فأرنا آية.
قال: ادع تلك الشجرة، وقل لها: يقول لكِ
محمّد بن عبد الله أقبلي بإذن الله.
فدعاها فأقبلت حتّى سجدت بين يديه، ثمّ
أمرها بالانصراف، فانصرفت.
فقال أبو طالب: أشهد أ نّك صادق.
ثمّ قال لابنه عليّ (عليه السلام): يا بني إلزم ابن عمّك([44]).
عن أبي بصير، عن محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) أ نّه قال: مات أبو طالب بن عبد
المطّلب مسلماً مؤمناً، وشعره في ديوانه يدلّ على إيمانه، ثمّ محبّته وتربيته
ونصرته، ومعاداة أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وموالاة
أوليائه، وتصديقه إيّاه فيما جاء به من ربّه، وأمره لولديه على وجعفر بأن يسلما
ويؤمنا بما يدعو إليه، وأ نّه خير الخلق، وأ نّه يدعو إلى الحقّ
والمنهاج المستقيم، وأ نّه رسول ربّ العالمين، وهناك أخبار مستفيضة نقلها
فطاحل العلماء والمؤرخين تجدها في المسانيد متواترة.
ومن حبّ النبىّ (صلى
الله عليه وآله) لعقيل بن أبي طالب: «أنا اُحبّك يا عقيل حبّين: حبّاً لك،
وحبّاً لابي طالب، لا نّه كان يحبّك».
عن الفقيه أبي الفضل بن شاذان، بإسناده
إلى العلاّمة الفقيه أبي الفتح الكراجكي حديث له مسلسل أسنده إلى أبي ضوء بن صلصال
بن الدلهمس، قال: كنت أنصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) -
أي كان حارساً له - مع أبي طالب قبل إسلامي.
فإنّي يوماً لجالس بالقرب من منزل أبي
طالب في شدّة القيض، إذ خرج أبو طالب إليّ شبيهاً بالملهوف، فقال لي: يا أبا
الغضنفر، هل رأيت هذين الغلامين - يعني النبيّ وعلياً (عليهما السلام) -؟
فقلت: ما رأيتهما مذ جلست.
فقال: قم بنا في الطلب لهما، فلست آمن
قريشاً أن تكون اغتالتهما.
قال: فمضينا حتّى خرجنا من أبيات مكّة،
ثمّ صرنا إلى جبل من جبالها فاسترقيناه إلى قُلّته، فإذا النبيّ (صلى الله عليه
وآله)وعليّ عن يمينه، وهما قائمان بإزاء عين الشمس يركعان ويسجدان.
فقال أبو طالب بمحضر ابنه جعفر - وكان معنا -: صل جناح ابن عمّك، فقام جعفر إلى جنب أخيه عليّ (عليه السلام)، فأحسّ بهما النبيّ (صلى الله عليه وآله) فتقدّمهما، وأقبلوا على أمرهم (يصلّون) حتّى فرغوا ممّا كانوا فيه، ثمّ أقبلوا نحونا، فرأيت السرور يتردّد في وجه أبي طالب، ثمّ انبعث يقول:
إنّ علياً وجعفراً ثقتي * * * عند ملمّ الزمان
والنوبِ
لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما * * * أخي لاُمّي من
بينهم وأبي
والله لا أخذل النبيّ ولا * * * يخذله من بَنِي
ذو حسبِ
قال أبو علي عبد الحميد بن النقي
الحسيني، بإسناده إلى الموضع يرفعه إلى عمران بن الحصين الخزاعي: كان والله إسلام
جعفر (عليه السلام) بأمر من أبيه، ولذلك لمّا قضى
جعفر صلاته، قال له النبيّ (صلى الله عليه وآله): يا جعفر، وصلت جناح ابن عمّك،
إنّ الله يعوّضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنّة، وهذه واحدة من تنبّؤاته (صلى
الله عليه وآله).
لمّا نزلت آية: (وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِينَ)([45])،
خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله) فصعد على الصفا
فهتف: يا صباحاه، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً تخرج بسفح
الجبل أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم، ما جرينا عليك كذباً. قال: فإنّي نذيرٌ لكم بين
يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبّاً لك، ما جمعتنا إلاّ لهذا؟
ثمّ دعاهم ثانيةً وقال: الحمد الله،
أحمده وأستعينه واُؤمن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له. ثمّ قال: إنّ الرائد لا يكذب
أهله، والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة،
والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقضون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنّها
الجنّة أبداً والنار أبداً.
فقام أبو طالب وقال: ما أحبّ إلينا
معاونتك وأقبلنا لنصيحتك، وأشدّ تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك يجتمعون، وإنّما
أنا أحدهم غير أ نّي أسرعهم إلى ما تحبّ،
فامضِ لما اُمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أنّ نفسي لا تطاوعني على
فراق دين عبد المطّلب([46]).
قال الاميني معلّقاً: لم يكن دين عبد
المطّلب (عليه السلام) إلاّ دين التوحيد والايمان
بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشيء من الوثنيّة، وهو الذي أراده أبو طالب (عليه السلام) بقوله: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد
المطّلب.
قال القرطبي([47]):
روى أهل السير، قال: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله)قد خرج إلى الكعبة يوماً
وأراد أن يصلّي، فلمّا دخل في الصلاة قال أبو جهل - لعنه الله -: من يقوم إلى هذا
الرجل فيفسد عليه صلاته، فقام ابن الزبعرى فاخذ فرثاً ودماً فلطخ به وجه النبيّ
(صلى الله عليه وآله)، فانفتل النبيّ (صلى الله عليه
وآله) من صلاته، ثمّ أتى أبا طالب عمّه فقال: ياعمّ، ألا ترى إلى ما فُعِل
بي؟ فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): عبد الله بن الزبعرى، فقام أبو طالب ووضع
سيفه على عاتقه ومشى معه حتّى أتى القوم، فلمّا رأوا أبا طالب قد أقبل، جعل القوم
ينهضون. فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل منكم لجلّلته بسيفي، فقعدوا حتّى دنا
إليهم، فقال: يا بُني، من فعل بك هذا؟ فقال: عبد الله بن الزبعرى، فأخذ أبو طالب
فرثاً ودماً فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول. انتهى.
ما روي عنهم من طرق العامّة في إيمان أبي طالب:
أمّا رجال آل هاشم، وأبناء عبد المطّلب،
وَوِلد أبي طالب، فلم يؤثر عنهم إلاّ
الهتاف بإيمان أبي طالب الثابت، وإنّ ما كان يؤثر في نصرة النبيّ الاقدس (صلى الله عليه وآله) كان منبعثاً عن عقيدة وتديّن بما
صدع به (صلى الله عليه وآله)، وأهل البيت أدرى بما فيه.
قال ابن الاثير في جامع الاُصول: وما
أسلم من أعمام النبيّ (صلى الله عليه وآله) غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت (عليهم السلام)، فقد هتفوا
بذلك في أجيالهم وأدوارهم يملا الافواه وبكلّ صراحة وجبهوا من خالفهم في ذلك.
إذا قالت حذام فصدّقوها * * * فإنّ القول ما
قالت حذامُ
قال ابن أبي الحديد([48]):
روي بأسانيد كثيرة عن العباس بن عبد
المطّلب، وبعضها عن أبي بكر، قال: إنّ أبا طالب ما مات حتّى قال: لا إله إلاّ
الله، محمّد رسول الله، والخبر مشهور، إنّ أبا طالب عند الموت قال كلاماً خفيّاً
فأصغى إليه أخوه العباس([49]).
قال الاميني:
ذكرنا هذا الحديث مجاراةً للقوم، وإلاّ
فما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عند الموت إلى التلفّظ بتينك الكلمتين اللتين كرّس
حياته الثمينة بالهتاف بمفادها في شعره ونثره، والدعوة إليهما، والذبّ عن من صدق
بها.
فمتى كفر هو؟ ومتى ضلّ؟ حتّى يؤمن ويهتدي، أليس من الشهادة قوله:
ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً * * * وزيرٌ لموسى
والمسيح بن مريمِ
أتانا بهدى مثل ما أتيا به * * * فكلٌّ بأمر
الله يهدي ويعصمِ
وإنّكم تتلونه في كتابكم * * * بصدق حديث لا
حديث مبرجمِ
وقال:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً * * * رسولاً
كموسى خُطّ في أوّل الكتبِ
وقال:
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * * * وابشر بذاك
وقرّ منك عيونا
ودعوتني وعلمت أ نّك ناصحي * * * ولقد دعوت
وكنت ثَمّ أمينا
ولقد عَلِمتُ أنّ دين محمّد * * * من خير أديان
البريّة دينا
أخرج البيهقي عن ابن عباس، وقال اليعقوبي([50]):
لمّا قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ أبا طالب قد مات، عظم ذلك في قلبه،
واشتدّ له جزعه، ثمّ دخل عليه فمسح جبينه الايمن أربع مرّات، وجبينه الايسر ثلاث
مرّات، ثمّ قال: يا عم، ربّيت صغيراً، وكفّلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله
عنّي خيراً، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وصلتك رحم، وجزيت خيراً.
قال الاميني: إنّ شيئاً من مضامين هذه
الاحاديث لا تتّفق مع كفر أبي طالب،
فهو (صلى الله عليه وآله) لا يأمر خليفته الامام
عليّ (عليه السلام) بتكفين كافر ولا تغسيله، ولا
يستغفر له ولا يترحّم عليه، ولا يرجو
له الخير، ولا يستدرّ له الخير كما في حديث الاستسقاء، إلى آخر ما ذكر([51]).
من المقطوع به أنّ الائمة من ولد أبي طالب (عليه السلام) أبصر الناس بحال أبيهم وأ نّهم لم ينوّهواإلاّ بمحض الحقيقة، فإنّ العصمة فيهم رادعة عن غير ذلكز
روي عن الامام الصادق (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى
الله عليه وآله) قال: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الايمان وأظهروا الكفر،
فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الايمان وأظهر الشرك، فآتاه الله
أجره مرّتين([52]).
ختاماً:
لقد أغرق القوم نزعاً في الوقيعة على بطل
الاسلام، والمسلم الاوّل بعد ولده البارّ، وناصر دين الله الوحيد عليّ (عليه السلام)، فلم يقنعهم ما اختلقوا من الاقاصيص حتّى
عمدوا إلى كتاب الله فحرّفوا الكلم عن مواضعه.
هذا ملخّص ما اقتطفنا من الغدير في ترجمة
حياة بطل المسلمين والمدافع الاوّل أبو طالب (عليه
السلام)، إلى آخر ما ذكر
الاميني في غديره 8: 3.
اسم أبو طالب: عبد مناف، ولمّا مات عبد المطّلب (شيبة الحمد) أوصى بمحمّد النبىّ (صلى الله عليه وآله) إليه لا نّه شقيق والده عبد الله بن عبد المطّلب من اُمّه وأبيه بقوله:
اُوصيك يا عبد مناف بعدي * * * بواحد بعد أبيه
فردِ
فارقـه وهو ضجـيـع المـهـدِ * * * فكنت كالاُمّ
له في الوجدِ
فكفل أبو طالب النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأحسن تربيته، وسافر به إلى الشام
وهو ابن اثني عشر سنة - وقيل: تسع سنين - وكان يحبّه حبّاً شديداً، وكان لا ينام
إلاّ إلى جنبه، ويخرجه معه متى خرج.
وذكر قصّة الاستسقاء بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) حين أجدب الوادي وهلك الزرع والضرع، بقوله في مدحه كما سبق ذكره:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثُمالِ اليتامى
عصمةً للاراملِ
تطوف به الهلاك من آل هاشم * * * فهم عنده في
نعمة وفواضلِ
وذكر...
فلمّا أمر الله سبحانه رسوله أن يصدع بما
اُمر به من الرسالة بقوله تعالى: (وَأنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِينَ)([53])
إلى آخر الفصل الذي ذكرناه.
فقام بإظهار دين الله، عظمت على قريش
وأنكروه وأجمعوا على عداوته وخلافه وأرادوا السوء به، فقام أبو طالب بنصرته ومنعه منهم والذبّ عنه،
وعادا جبابرة قريش وطواغيتهم وهدّدهم أن يمسّوا محمّداً بأذى.
ثمّ قال له (صلى الله عليه وآله): اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسألك لشيء أبداً، فأنشد يقول:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * * * حتّى اُوسَّد
في التراب دفينا
فانفذ لامرك ما عليك مخافة * * * وابشر وقر بذاك
منك عيونا
ودعوتني وزعمت أ نّك ناصحي * * * ولقد صدقت
وكنت قبلُ أمينا
وعرضت ديناً قد علمت بأ نّه * * * من خير
أديان البريّةِ دينا
وقد وثبت كلّ قبيلة من قريش على المؤمنين
منهم يعذّبونهم ويفتنونهم في دينهم، ومنع الله سبحانه رسوله منهم، بعمّه أبي طالب، وقام في بني هاشم، وبني عبد المطّلب، حين رأى قريشاً تصنع ما تصنع فدعاهم وهو زعيمهم إلى ما
هو عليه من منع النبيّ (صلى الله عليه وآله)والقيام دونه، فأجابوه إلى ما دعاهم
إليه من الدفاع عن الرسول (صلى الله عليه وآله) إلاّ
ما كان من عمّه (عبد العزّى) أبو لهب فإنّه لم يجتمع معهم على ذلك.
كما منع ابن اُخته أبا سلمة بن عبد
الاشهل المخزومي، لمّا وثب عليه قومه يعذّبونه ويفتنونه على الاسلام، فهرب واستجار
بخاله أبو طالب فأجاره. كما ذكرنا ذلك.
فلمّا رأت قريش إلى أ نّها لا تصل
إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) لقيام أبي طالب
بالدفاع عنه (صلى الله عليه وآله)، أجمعت على أن تكتب فيما بينها كتاب المقاطعة وحصر بني هاشم في (شِعب أبي طالب)، حتّى فرّج
الله عنهم بمعجزة، كما ذكرنا ذلك.
ونقل ابن الاثير في (جامع الاُصول) إجماع أهل البيت (عليهم السلام) في إسلام أبي طالب وإيمانه، وإجماعهم حجّة، ووافقنا على ذلك أكثر الزيدية، وبعض شيوخ المعتزلة، منهم أبو القاسم البلخي، وأبو جعفر الاسحاقي، وغيرهما، ولنا في إيمان أبي طالب (رضي الله عنه)روايات كثيرة([54]) من الفريقين، أربعة عشر رواية ودليلاً:
منها: ما رواه ابن بابويه القمّي في
(أماليه) بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: نزل
جبرئيل على النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال:
يا محمّد، إنّ الله جلّ جلاله يقرئك السلام ويقول: إنّي قد حرّمت النار على صلب
أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك. فقال (صلى الله عليه وآله): يا جبرائيل، بيّن لي ذلك؟
فقال: أمّا الصلب الذي أنزلك فعبد الله بن عبد المطّلب، وأمّا البطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأمّا الحجر الذي
كفلك فأبو طالب بن عبد المطّلب وفاطمة بنت أسد.
أقول: ولا غرو، فإنّهم أحناف موحّدون،
ولم يشركوا بالله طرفة عين.
وأضاف صاحب الدرجات الرفيعة:
قالت الامامية: وممّا يدلّ على إيمان أبي
طالب خطبته عند نكاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة
بنت خويلد (عليها السلام)التي مطلعها: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم (عليه السلام)وزرع إسماعيل (عليه
السلام)... إلى آخر الخطبة التي سبق ذكرها([55]).
وعلّق صاحب الدرجات الرفيعة عفى الله عنه: إنّي لا أكاد أقضي العجب ممّن ينكر إيمان أبي طالب (عليه السلام) أو يتوقّف فيه، وأشعاره التي يرويها المخالف والمؤالف صريحةً في إعلان إسلامه، وأيّ فرق بين المنظوم والمنثور إذا تضمّنا الاقرار بالاسلام صريحةً، لا سيّما تشجيع أخاه حمزة بن عبد المطّلب عندما تحدّى المشركين وأعلن إسلامه، في قصيدة مطلعها:
فصبراً أبا يعلى على دين أحمد * * * وكن مظهراً
للدين وفّقت صابرا
نبيٍّ أتى بالحقّ من عند ربّه * * * بصدق وعزم
لا تكن حمزة كافرا
فقد سَرَّني إذ قلت «لبّيك» مؤمناً * * * فكن
لرسول الله في الدين ناصرا
ونادِ قريشاً بالذي قد أتيته * * * جهاراً وقل:
ما كان أحمد ساحرا
ولمّا افتقد أبي طالب النبيّ وعليّ في
ظهيرة أحد الايام الصائف، خرج من داره مذعوراً يبحث عنهما، وجاب أطراف مكّة حتّى
خرج إلى شعابها فوجدهما على إحدى التلاع يصلّيان، فاستقرّت نفسه وكان معه ولده
جعفر، فأمره بالصلاة معهما حيث قال: صِل جناح ابن عمّك، فلمّا أحسّ النبيّ به
تقدّم قليلاً، فصلّى جعفر إلى جنب أخيه عليّ (عليه
السلام).
فأنشد أبو طالب هذه الابيات التي تدلّ على إيمانه ويحثّهما على مؤازرة النبيّ (صلى الله عليه وآله):
إنّ علياً وجعفراً ثقتي * * * عند ملمّ الزمان
والنوبِ
لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما * * * أخي لاُمّي من
بينهم وأبي
والله لا أخذل النبيّ ولا * * * يخذله من بَنِي
ذو حسبِ
قال أصحابنا: إنّما لم يظهر أبو طالب (عليه السلام) إسلامه على رغم أ نّه حنيفي موحّد، أو يجاهر به، لا نّه لو أظهره لم يتهيّأ له من نصرة النبيّ ما تهيّأ له وكان كواحد من المسلمين الذين أظهروه ولم يتمكّن من نصرته والقيام دونه حينئذ، وإنّما تمكّن من نصرته والمحاماة عنه، بمظاهرته على دين قريش، وإن أبطن الايمان والاسلام، وما أحسن قول السيّد عبد الله بن حمزة الحسيني الزيدي من قصيدته:
حماه أبونا أبو طالب * * * وأسلم والناس لم تسلم
وقد كان يكتم إيمانه * * * وأمّا الولاء فلا
يكتم
ولمّا اشتدّت قريش على أبو طالب في الضغط على النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليترك تسفيه آلهتهم وترك ما هو عليه وهدّدوه، أجابهم بقوله:
كذبتم وبيت الله نخلي محمّداً * * * ولمّا نطاعن
دونه ونناضلُ
وننصره حتّى نصرع حوله * * * ونذهل عن أبنائنا
والحلائلُ
ولله درّ ابن أبي الحديد المعتزلي حيث يقول:
ولولا أبو طالب وابنه * * * لما مثّل الدين
شخصاً فقاما
فذاك بمكّة آوى وحامى * * * وهذا بيثرب جَسَّ
الحماما
تكفّل عبد مناف بأمر * * * وأودى فكان عليّ
تماما
فقل في ثبير مضى بعدما * * * قضى ما قضاه وأبقى
شماما
فَللّه ذا فاتحاً للهدى * * * ولله ذا للمعالي
ختاما
وما ضرّ مجد أبي طالب * * * جهول لغا أو بصير
تعامى
كما لا يضرّ اُباة الصبا * * * ح من ظنّ ضوء
النهار الظلاما
قال الكلبي: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش وأوصاهم، فقال:
يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه،
وقلب العرب، واعلموا أ نّكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلاّ أحرزتموه،
ولا شرفاً إلاّ أدركتموه، فلكم به على الناس الفضيلة، وله به إليكم الوسيلة،
والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب ! وإنّي اُوصيكم بتعظيم هذه البنية (الكعبة)
فإنّ فيها مرضاةً للربّ وقواماً للجأش، وثباتاً للوطأة، صِلُوا أرحامكم ولا تقطعوها،
فإنّ صِلة الرحم منسأة في الاجل وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما
هلك القرون قبلكم، لا تخيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإنّ فيها محبّة في الخاصّ
ومكرمة في العامّ، وإنّي اُوصيكم بمحمّد (صلى الله عليه
وآله) خيراً فإنّه الامين في قريش والصدّيق في العرب، كأ نّي أنظر إلى
صعاليك العرب، وأهل الوبر والاطراف المستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا
كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً،
ودورها خراباً، وضعافها أرباباً، وأعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أقربهم
عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش، ابن أبيكم كونوا
له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّ سعد، ولا يأخذ بهديه
إلاّ رشد، ولو كان لنفسي مدّة ولاجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه
الدواهي.
ثمّ أنشد وهو يخاطب ابنيه علياً وجعفراً، وأخويه حمزة والعباس بقوله:
اُوصي بنصر النبيّ الخير مشهده * * * علياً ابني
وشيخ القوم عبّاسا
وحمزة الاسد الحامي حنيفته * * * وجعفراً أن
يذودوا دونه الناسا
كونوا فدى لكم اُمّي وما ولدت * * * في نصر أحمد
دون الناس أتراسا
بالله عليكم هذا المحامي المؤمن حتّى على
فراش النزع يموت كافراً، وصخر بن حرب (أبو سفيان) يموت مسلماً، لقوله لبني اُميّة
في دار عثمان عندما اعتلى عرش الحكم: تلاقفوها يا بني اُميّة، تلاقف الكرة بيد
صبيانكم، فوالذي يحلف به أبو سفيان لا جنّة ولا نار، إنّما هو الملك. هذه وصيّته.
وهذه وصيّة أبي طالب الطافحة بالايمان
والرشاد دلالة واضحة على أ نّه (عليه السلام)
إنّما أرجأ صريح قوله وتصديقه باللسان إلى ساعات اليأس فيها عن الحياة، حذار شنآن
قومه المستتبع لانثيالهم عنه.
قال الواقدي: توفّي أبو طالب (عليه السلام) في النصف من شوّال في السنة العاشرة من
البعثة، وهو ابن بضع وثمانين سنة، بعدما خرج من حصار الشعب، بثمانية أشهر وأحد
عشرين يوماً، وقال ابن الجوزي: مات قبل الهجرة بثلاث سنين.
وروي: لمّا مات جاء الامام عليّ (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى
الله عليه وآله) فآذنه بموته، فتوجّع عظيماً وحزن شديداً، ثمّ قال: امضِ
فتولّ غسله، فإذا رفعته على سريره فأعلمني، ففعل فاعترضه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو محمول على رؤوس الرجال.
فأبّنه قبل دفنه، بقوله (صلى الله عليه
وآله): وصلت رحم يا عم وجزيت خيراً، لقد ربّيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً،
ثمّ تبعه إلى حفرته فوقف عليه فقال: أما والله
لاستغفرن لك، ولاشفعنّ فيك شفاعة يتعجّب لها الثقلان.
ولم يصلّ عليه (صلى
الله عليه وآله) لانّ صلاة الجنائز لم تكن قد شرعت بعد، ولا صلّى (صلى الله عليه وآله) على خديجة كذلك، إنّما تلخّص
تشييعه لهما بالدعاء والاستغفار لهما سلام الله عليهما.
وفي الحديث الصحيح المشهور: إنّ جبرئيل (عليه السلام) قال لرسول الله (صلى
الله عليه وآله) ليلة مات أبو طالب (عليه السلام):
اخرج منها - أي من مكّة - فقد مات ناصرك.
وكان لابي طالب (عليه
السلام) من البنين ستّة، أربع ذكور، أحدهم طالب، وهو أكبرهم وبه يكنّى،
وكانت قريش أكرهته على النهوض معهم إلى بدر لقتال رسول الله (صلى الله عليه
وآله)ففقد ولم يعرف له خبر، والثاني عقيل، والثالث جعفر، وأصغرهم الامام عليّ (عليه السلام)، وبنتان: اُمّ هانئ وجمانة، واُمّهم
جميعاً فاطمة بنت أسد الهاشمية.
هذا ما لخّصناه من كتاب الدرجات الرفيعة
في طبقات الشيعة.
شيخ البطحاء أبو طالب الدرع الواقي لرسول
الله (صلى الله عليه وآله)منذ بزوغ شمس الرسالة إلى يوم قبضه الله إليه، حيث وقف
كالسدّ المنيع يحول بينه وبين الوثنية - وهي القوّة العظمى التي كانت حينذاك تمسك
بمقدّرات الجزيرة العربية - وبين تحقيق أهدافها في وأد الرسالة السماوية، والدعاة
لها.
وله في سبيل ذلك مواقف مشهورة تفوق
الاحصاء، وإجمالها يحتاج إلى كتاب مفرد، ولكنّ هذا التأريخ بدفّتيه مفتوح بين
يديك، ويكفيك أن تطالع فيه صفحات أيام الضغط على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذويه والمقاطعة الشاملة لهم،
وحبسهم في (شِعب أبي طالب) لترى أنّ أبا طالب
كان الرجل الوحيد الذي تعهّد حفظهم وحراستهم وتكفّل أرزاقهم.
وكفاك شاهداً على عظيم منزلته عند الله
ورسوله، أنّ الرسول لا ينطق عن الهوى، اشتدّ وجده، وهاج حزنه بعد وفاة عمّه وناصره
أبي طالب، وسمّى ذلك العام بعام الاحزان، ولم يمكنه بعدها المقام بمكّة فاضطرّ
للهجرة إلى يثرب (المدينة المنوّرة).
أمّا قول أبي طالب وأشعاره المثبتة في
كتب السير والتأريخ والحديث، والتي يرويها المخالف والمؤالف، فهي صريحة في اعترافه
برسالة محمّد (صلى الله عليه وآله) ونبوّته
وأمانته وصدقه، وأ نّه يوحى إليه من ربّه، وهو خاتم الانبياء، وتعرب عن كمال
إيمانه وحقيقة إسلامه، وإخلاصه لصاحب الشريعة وتفانيه في نصرة الاسلام وحماية
بيضته.
وكلّ أشعاره جاءت مجيء التواتر، فإن لم
تكن آحاداً متواترة مجموعها متواتراً يدلّ على أمر واحد لا غير وهو إيمانه وتصديقه برسول الله (صلى الله عليه وآله).
وأمّا ما يروى عن آله وذويه وولده،
فصريحة في إثبات إيمانه، ولم يؤثر عنهم ما يخالفهم، بل أكّدوا أنّ «إيمان أبي طالب
لو وضع في كفّة ميزان، وإيمان هذا الخلق في الكفّة الاُخرى، لرجح إيمان أبي طالب»([56]).
وكتبوا إلى بعض ثقاتهم وخاصّتهم: إن شككت
في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار.
ورغم كلّ ذلك فقد حاول بعض من في قلوبهم
مرض، وممّن فاتهم إيذاء الرسول (صلى الله عليه وآله) في
حياته ومحاربة دعوته، أن يقوّضوا دعامةً من دعائم الاسلام المثبتة من خلال تشكيكهم
في إيمان أبي طالب، تلك المحاولة التي باءت بالفشل الذريع، لانّ نور الشمس لا
يحجبه غربال، ونتيجة لتصدّي جماعة من كبار علماء الاسلام وأعلامه لهم، وكشف
دسائسهم ومكائدهم، وفضح أهدافهم الخبيثة.
وقد اُلّف في ذلك 37 كتاباً فخماً، فراجع
المصدر.
في تأريخ أبي الفداء (1: 122) رواية ابن عباس أ نّه سمع شهادة أبي طالب عند وفاته، فأخبر به النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال: الحمد لله الذي هداك يا عم... إلى أن قال أبو الفداء: ومن شعره ما يدلّ على أ نّه كان مصدِّقاً للرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو قوله:
ودعوتني وعلمت أ نّك صادقٌ * * * ولقد صدقت
وكنت ثَمَّ أمينا
ولقد عَلِمتُ بأنّ دينَ محمّد * * * من خير
أديان البريّة دينا
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * * * حتّى اُوسَّدَ
في التراب دفينا
وكتب العلاّمة السيوطي في كتابه (بغية
الطالب) لايمان أبي طالب وحسن خاتمته.
كما كتب أحمد بن زيني دحلان، مفتي
الشافعية بمكّة المشرّفة كتاب (أسنى المطالب في نجاة أبي طالب).
وكتب في هذا الموضوع من أصحابنا جمع كثير
في طيّ تصانيفهم، ولا سيّما في كتب الامامية، وعقد العلاّمة الكراكجي في (كنز
الفوائد) فصلاً في ما يدلّ من أشعار أبي طالب على إيمانه، وما ورد فيه من
الاحاديث، وتكلّم الشيخ أبو الحسن الشريف الفتوني الغروي في كتابه (ضياء العالمين)
في فصل يقرب من ثلاثين صفحة في موضوع (إيمان أبي طالب)، وكتب جمع من الاصحاب كتباً
مستقلّة في هذا الموضوع بعناوين خاصّة، منها: شعر أبي طالب وذكر إسلامه، والشهاب
الثاقب، وشيخ الابطح، وفصاحة أبي طالب، وفضل أبي طالب، والقول الواجب.
وكتب في إيمان آباء النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مقصد الطالب، ومنى الطالب،
ومنية الطالب، ومواهب الواهب.
وهناك جملة من الكتب التي صدرت بعنوان
إيمان أبي طالب، وعددها عشرة كتب في فترات متفاوتة.
هذا ملخّص ما ذكره العلاّمة الشيخ آغا
بزرك الطهراني في الذريعة.
وأخيراً إليك بعض الاشعار التي اعترف
فيها بالايمان والتوحيد واتباع الرسول وما جاء به من السماء.
وأمّا أشعاره التي يرويها أرباب السير
والتأريخ في صحاحهم ومسانيدهم على اختلاف مللهم ونحلهم ونزعاتهم، فهي واضحة وضوح
الشمس في رابعة النهار، ومتواترة تواتراً لا يمكن الطعن فيه، تدلّ على إيمان أبي طالب ويقينه برسالة السماء ومن جاء بها
وصِدقهِ وأمانته، وأ نّه يوحى إليه من ربّه وأ نّه خاتم الرسل والانبياء
(صلى الله عليه وآله).
وسيأتي ذكر القصيدة اللامية التي نقلها
اللواء إبراهيم رفعت باشا، أمير الحجّ المصري وقائد حرس حملة الكسوة الشريفة
للكعبة قبل مئة عام تقريباً في كتابه (مرآة الحرمين).
وإليك هذه الشذرات من أشعاره ذكرها
ونقلها بعض الكتّاب والمؤلّفين والعلماء من القدماء والمعاصرين على سبيل المثال لا
الحصر.
في كتاب الافصاح([57])، للعلاّمة الشيخ المفيد عليه الرحمة، المتوفّى عام 314 هـ ، وفي آخره رسالة ملحقة بعنوان (إيمان أبي طالب):
وممّا يدلّ على إيمان أبي طالب وحسن
إسلامه ونصرته في الدفاع عن الرسول ورسالته قصائدة ونظمه المؤيّد لذلك، وهي مشهورة
ومتواترة على الاجماع.
وإليك هذه الشذرات ممّا قاله:
ألا من لهم آجز الليلُ مقتُّمِ * * * طواني
واُخرى النجم لمّا تقحم([58])
إلى قوله:
ترجون أن نسخو بقتل محمّد * * * ولم تختضب سمر
العوالي من الدمِ
كذبتم وبيتِ الله حتّى تُفَرِّقوا * * * جماجم
تلقى بالحطيم وزمزمِ
وتُقطَع أرحامٌ وتنسى خليلةٌ * * * خليلاً
ويُغشى محرم بعد محرمِ
وينهض قومٌ في الحديد إليكم * * * يذودون عن
أحسابهم كلَّ مُجرمِ
على ما أتى من بغيكم وضلالكم * * * وعصيانكم في
كلّ أمر ومظلمِ
بظلم نبيٍّ جاء يدعو إلى الهدى * * * وأمر أتى
من عند ذي العرش مُبرَمِ
فلا تحسبونا مُسلميهِ ومِثلهُ * * * إذا كان في
قوم فليس بِمُسلمِ
أفلا يرون الخصومة إلى هذا الحدّ من أبي
طالب في نصرة نبيّ الله (صلى الله عليه وآله)، والتصريح بنبوّته، والاقرار بها من
عند الله عزّ وجلّ، والشهادة بحقّه، فيتدبّرون ذلك، أم على قلوب أقفالها؟ !
ومنه قوله (رضي الله عنه):
تطاول ليلي بهمٍّ نصبِ * * * ودمع كسحّ السقاء
السِّربِ
للعب قصيّ بأحلامها * * * وهل يرجع الحُلم بعد
اللعبِ
إلى قوله (رضي الله عنه):
وقالوا لاحمد أنت امرؤٌ * * * خَلوفُ الحديثِ
ضَعيفُ النسب
ألا إنّ أحمد قد جاءهم * * * بحقٍّ، ولم يأتِهم
بالكَذِب([59])
وفي هذا البيت صرّح بالايمان برسول الله
(صلى الله عليه وآله).
ومنه قوله (رضي الله عنه):
أخلتم بأ نّا مسلمون محمّداً * * * ولمّا
نُقاذف دونه بالمراجِم
أميناً حبيباً في البلاد مسوّماً * * * بخاتم ربٍّ
قاهر للخواتمِ
يرى الناسُ برهاناً عليه وهيبةً * * * وما جاهلٌ
في فضله مثلُ عالمِ
نبياً أتاه الوحيُ من عند ربّه * * * فمن قال لا
يقرع بها سِنَّ نادمِ
تطيف به جرثومةٌ هاشميّةٌ * * * تذبِّب عنهُ كلّ
باغ وظالمِ([60])
ومنه قوله (رضي الله عنه):
ألا أبلغا عنّي على ذاتِ بينها * * * لؤيّاً
وخُصّا من لؤي بني كَعبِ
ألم تعلموا أ نّا وجدنا محمّداً * * *
نبيّاً كموسى خُطّ في أوّل الكتبِ؟
وأنّ عليه في العباد محبّة * * * ولا شكّ في من
خصّه الله بالحبِّ([61])
وفي هذا الشعر والذي قبله محض الاقرار
برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالنبوّة وصريح
بلا ارتياب.
ومن ذلك قوله (رضي الله عنه):
ألا مَن لِهمٍّ آخر الليل مُنصبِ * * * وشعب
العصا من قومك المتشعّبِ
إلى قوله:
وقد كان في أمر الصحيفةِ عبرةٌ * * * متى ما
تخبّر غائبَ القوم يعجبِ([62])
محا الله منها كفرهم وعيوبهم * * * وما نقموا من
باطل الحقّ مقربِ
فكذب([63])
ما قالوا من الامر باطلاً * * * ومن يختلق ما ليس بالحقّ يكذبِ
وأمسى ابن عبد الله فينا مصدّقاً * * * على سخط
من قومنا غير معتبِ
فلا تحسبونا مسلِّمين محمّداً * * * لذي غُربة
منّا ولا متغرّبِ
ستمنعه منّا يدٌ هاشميّةٌ * * * مركّبها في
الناس خير مركّبِ
ومن ذلك قوله (رضي الله عنه):
إذا قيلَ من خيرُ هذا الورى * * * قبيلاً،
وأكرمهم اُسره؟
أناف بعبد مناف أبي * * * أبو نضلة هاشم
الغُرَّه([64])
وقد حلّ مجد بني هاشم * * * مكان النعائم
والزهرَه
وخير بني هاشم أحمدٌ * * * رسول المليك على فتره
فإن لم يكن في ذلك شهادة للنبيّ (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة، فليس في ظاهر الاية
شهادة، وهذا ما لا يرتكبه عاقل له معرفة بأدنى معرفة أهل اللسان.
ومنه قوله في ذكر الايات للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ودلائله، وقول بحيراء الراهب فيه،
وذك أنّ أبا طالب (رضي الله عنه) لمّا أراد الخروج إلى الشام ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) إشفاقاً عليه، ولم يعمل على استصحابه، فلمّا ركب أبو طالب
(رضي الله عنه)بلغه ذلك، فتعلّق رسول
الله (صلى الله عليه وآله) بالناقة وبكى، وناشده
الله في إخراجه معه، فرقّ له أبو طالب وأجابه إلى استصحابه.
فلمّا خرج معه أظلّته الغمامة، ولقيه بحيراء الراهب، فأخبره بنبوّته، وذكر له البشارة في الكتب الاُولى، فقال أبو طالب (رضي الله عنه):
إنّ الامين محمّداً في قومه * * * عندي يفوق
منازل الاولادِ
لمّا تعلّق بالزمان ضممته * * * والعيس قد قلّصن
بالازوادِ
حتّى إذا ما القوم بُصرى عاينوا * * * لاقوا على
شرف من المرصادِ
حبراً فأخبرهم حديثاً صادقاً * * * عنه وردّ معاشر
الحسّادِ
ومنه أيضاً قوله يحضّ النجاشي على نصر النبيّ (صلى الله عليه وآله):
تعلّم مليك الحبش أنّ محمّداً * * * نبيٌّ كموسى
والمسيح بن مريمِ
أتى بهدىً مثل الذي أتيا به * * * فكلٌّ بأمر
الله يهدي ويعصمِ
وإنّكم تتلونه في كتابكم * * * بصدق حديث لا
حديث المبرجمِ
وإنّك ما تأتيك منّا عصابةٌ * * * بفضلك إلاّ
عاودوا بالتكرّمِ
فلا تجعلوا لِلّه ندّاً وأسلموا * * * فإنّ طريق
الحقّ ليس بمظلمِ([65])
وفي هذا الشعر من التوحيد والاسلام ما لا
يمكن دفعه لمسلم. وهناك قصائد وأشعار كثيرة ذكرها أرباب السير والتأريخ، منها ما
ذكره العلاّمة الاميني في غديره الجزئين السابع والثامن.
وهذا ما عثرنا على بعض أشعار أبي طالب
مؤمن قريش من دون تقصٍّ أو تتبّع ذكره اللواء إبراهيم رفعت باشا قومندان حرس
الحملة وأمير الحجّ المصري لسنين 1318 إلى 1325 هـ - 1901 إلى 1908 م في كتابه
مرآة الحرمين.
وهذه الاشعار تعتبر من عيون الشعر
الجاهلي، وممّا يثبت إيمان أبي طالب وإسلامه البتّة الذي لا ينازع فيه إثنان، كما
ذكره أصحاب السير في تأريخهم، وإنّه لم يشرك بالله طرفة عين أبداً وكان من الاحناف
الذين يعبدون الله على ملّة إبراهيم. وهذه القصيدة مشهورة اشتهار الشمس في رابعة
النهار له، نظمها عندما حوصر هو وبنو هاشم في الشعب (شِعب أبي طالب).
لابي طالب عمّ سيّدنا ومولانا رسول الله
(صلى الله عليه وآله)، قالها في الشعب وهو شعب أبي طالب الذي أوى إليه بنو هاشم مع
رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا تحالفت عليهم قريش وكتبوا الصحيفة.
وأصل الشعب لعبد المطّلب فقسمه بين بنيه وأخذ النبيّ (صلى الله عليه وآله) حظّ أبيه وكان منزل بني هاشم ومساكنهم ; وفيه يقول أبو طالب:
جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلاً * * * وتيماً
ومخزوماً عقوقاً ومأثما
بتفريقهم من بعد ودٍّ واُلفة * * * جماعتنا كيما
ينالوا المحرّما
كذبتم وبيت الله نبزى محمّداً * * * ولمّا تروا
يوماً لدى الشعب قائماً
خليليَّ ما اُذني لاوّل عاذل * * * بصغواء في
حقٍّ ولا عند باطلِ
خليليَّ إنّ الرأي ليس بشركة * * * ولا نهنة عند
الاُمور البلابلِ
ولمّا رأيت القوم لا ودّ عندهم * * * وقد قطعوا
كلّ العُرى والوسائلِ
وقد صارحونا بالعداوة والاذى * * * وقد طاوعوا
أمر العدوّ المزايلِ
وقد حالفوا قوماً علينا أظنّةً * * * يعضّون
غيظاً خلفنا بالاناملِ
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * * * وأبيض عضب من
تراث المقاولِ
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي * * * وأمسكت من
أثوابه بالوصائلِ
قياماً معاً مستقبلين رتاجه * * * لدى حيث يقضي
خلفه كلّ نافلِ
أعوذ بربّ الناس من كلّ طاعن * * * علينا بسوء
أو ملحٍّ بباطلِ
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * * * ومن ملحق في
الدين ما لم نحاولِ
وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه * * * وراق لبرٍّ في
حراء ونازلِ
وبالبيت حقّ البيت من بطن مكّة * * * وبالله:
إنّ الله ليس بغافلِ
وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه * * * إذا اكتنفوه
بالضحى والاصائلِ
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * * * على قدميه
حافياً غير ناعلِ
وأشواط بين المروتين إلى الصفا * * * وما فيهما
من صورة وتماثلِ
ومن حجّ بيت الله من كلّ راكب * * * ومن كلّ ذي
نذر ومن كلّ راجلِ
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * * * وهل ممّن معيذ
يتّقي الله عادلِ
يطاع بنا الاعدا وودّوا لو أ نّنا * * *
تسدّ بنا أبواب تُرك وكابلِ
كذبتم وبيت الله نبزى محمّداً * * * ولمّا نطاعن
دونه ونناضلِ
ونسلمه حتّى نصرّع حوله * * * ونذهل عن أبنائنا
والحلائلِ
وينهض قومٌ في الحديد إليكمُ * * * نهوض الروايا
تحت ذات الصلاصلِ
وحتّى نرى ذا الضغن يركب ردعه * * * من الطعن
فعل الانكب المتحاملِ
وإنّا لعمر الله إن جدّ ما أرى * * * لتلتبسن
أسيافنا بالاماثلِ
بكفّي فتى مثل الشهاب سميدع * * * أخي ثقة حامي
الحقيقة باسلِ
وما تَرْكُ قوم لا أبا لك سيّدا * * * يحوط
الذمار غير ذرب مواكلِ
وأبيض([67])
يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال اليتامى عصمة للاراملِ
يلوذ به الهلاّك من آل هاشم * * * فهم عنده في
رحمة وفواضلِ
جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلاً * * * عقوبة شرّ
عاجل غير آجلِ
بميزان قسط لا يخسّ شعيرة * * * له شاهد من نفسه
غير عائلِ
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * * * وآل قصيّ في
الخطوب الاوائلِ
وكلّ صديق وابن اُخت نعدّه * * * لعمري وجدنا
غبّه غير طائلِ
سوى أنّ رهطاً من كلاب بن مرّة * * * براء إلينا
من معقّة خاذلِ
ونعم ابن اُخت القوم غير مكذّب * * * زهير
حساماً مفرداً من حمائلِ
أشمّ من الشمّ البهاليل ينتمي * * * إلى حسب في
حومة المجد فاضلِ
لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد * * * وإخوته دأب
المحبّ المواصلِ
فلا زال في الدنيا جمالاً لاهلها * * * وزيناً
لمن ولاّه ذبّ المشاكلِ
فمن مثله في الناس أيّ مؤمّل * * * إذا قاسه
الحكّام عند التفاضلِ
حليم رشيد عادل غير طائش * * * يوالي إلهاً ليس
عنه بغافلِ
فأيّده ربّ العباد بنصره * * * وأظهر ديناً حقّه
غير ناصلِ
فوالله لولا أن أجيء بسبّة * * * تجرّ على
أشياخنا في القبائلِ
لكنّا اتّبعناه على كلّ حالة * * * من الدهر
جدّاً غير قول التهازلِ
لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب * * * لدينا ولا
يُغنى بقول الاباطلِ
فأصبح فينا أحمد في أرومة * * * يقصر عنها سورة
المتطاولِ
حدبت بنفسي دونه وحميته * * * ودافعت عنه بالذرى
والكلاكلِ
هذا ملخّص ما اقتطفنا من بعض المصادر
المعتبرة، وبعض ما دبّجته يراعات أهل السير والتأريخ في إثبات إيمان أبي طالب
(عليه السلام) وإسلامه.
ولو أنّ هناك بعض التكرار في الفصول
المتعاقبة، ذكرناها لسير البحث، ولا يخلو ذلك من فائدة.
أسأله تعالى أن يتقبّل منّا هذا اليسير
ويعفو عنّا الكثير، فإنّه سميعٌ بصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين،
والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
تمّ الفراغ منه في دار الهجرة قم
المقدّسة في العاشر من ربيع الثاني سنة 1421 هـ.
1 - موسوعة المصطفى والعترة، الجلد
الاوّل.
2 - إيمان أبي طالب، لشمس الدين الموسوي
المتوفّى سنة 630.
3 - الصحيح من السيرة، لجعفر مرتضى
العاملي.
4 - أبو طالب مؤمن قريش، للشيخ عبد الله
الخنيزي.
5 - الغدير، للعلاّمة الاميني.
6 - الدرجات الرفيعة.
7 - إيمان أبي طالب، للشيخ المفيد.
8 - أسنى المطالب، لمفتي مكّة.
9 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للعلاّمة
آغا بزرك الطهراني.
10 - سيرة المصطفى، لهاشم معروف الحسني.
([7]) السيرة النبويّة 1 : 89 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 ، وتذكرة الخواصّ : 9 ، وبحار الانوار 6 : 129 .
([8]) السيرة الهشامية 1 : 190 ، والسيرة النبويّة 1 : 190 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 ، وأبو طالب : 32 .
([9]) السيرة الهشامية : 191 ـ 194 ، والسيرة النبوية : 90 ـ 93 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 ـ 142 ، وتأريخ الطبري 2 : 22 ـ 24، والكامل لابن الاثير 2 : 23 ـ 24 ، والبحار 6 : 59 ـ 129 .
([15]) راجع العقائد الاسلامية ; للسيّد السيستاني 3 : 318 ، طبع قم ، مركز المصطفى للدراسات الاسلامية ، ومصادرها .
([23]) راجع الاصابة : 5453 ، وطبقات ابن سعد 6 : 682 ، ومعجم الشعراء : 98 ، وصفوة الصفوة 1 : 871 ، وحلية الاولياء 1 : 201 ، والاعلام 4 : 873 .
([24]) مؤمن قريش : 871 ، عن شرح النهج 3 : 313 ، والحجّة : 50 ، والغدير 7 : 533 ، وهاشم واُميّة : 102 ، وشيخ البطحاء : 30 وفيه زيادة ، وديوان أبي طالب : 9 و 10 ، بزيادة أعيان الشيعة : 24 ـ 39 .
([25]) اُخته بَرّة بنت عبد المطّلب شقيقة عبد الله والد الرسول (صلى الله عليه وآله)وأبي طالب والزبير ، سلسلة آباء النبي (صلى الله عليه وآله) .
([26]) مؤمن قريش : 81 ، عن شيخ الابطح : 92 ، والنهج الحديدي 3 : 306 و 307 ، والسيرة الهشامية : 1 ـ 2 ، والسيرة النبويّة 1 : 652 ، وأعيان الشيعة : 31 ـ 39 .
([37]) ولقد وفّقت لزيارتهم ووقفت على قبورهم مسلّماً عدّة مرّات ، وكذلك قبر السيّدة خديجة ، وقبري القاسم والطاهر ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل غلق باب المقبرة ـ المؤلّف .
([44]) أورد الرواية شيخنا الصدوق في أماليه : 360 ، عن طريق الاعمش ، كما رواه الفتّال النيسابوري في روضة الواعظين : 121 .
([49]) سيرة ابن هشام 2 : 27 ، ودلائل النبوّة للبيهقي ، وتأريخ ابن كثير 2 : 123 ، والاصابة 4 : 116 ، والسيرة الحلبيّة 1 : 372 ، والسيرة الدحلانية هامش الحلبية 1 : 89 ، وأسنى المطالب : 20 .
([55]) موسوعة المصطفى والعترة ـ المجلّد الاوّل ، واُمّ المؤمنين خديجة ـ كرّاس 8 من هذه السيرة ، وغيرها من المصادر المعتبرة .
([59]) ديوان أبي طالب : 52 ، ومناقب ابن شهرآشوب 1 : 66 ، والحجّة على الذاهب : 542 ، وشرح نهج البلاغة 41 : 16 .
([62]) مناقب ابن شهرآشوب 1 : 36 ، وسيرة ابن هشام 1 : 772 ، وشرح النهج 41 : 27 ، والبداية والنهاية 3 : 48 ، وخزانة الادب 1 : 162 .
([64]) أناف : ارتفع وأشرف ( لسان العرب ـ نوف ـ 9 : 243 ) ، أبو نضلة : كنية هاشم بن عبد مناف ( الصحاح ـ نضل ـ 5 : 1381 ) .
([66]) أشار بوضع هذه القصيدة وشرحها فضيلة الاديب الشاعر الشيخ محمّد عبد الرحمن الجديلي الموظّف بمجلس النوّاب المصري حينذاك .
([67]) في روض السهيلي : قالت رقيقة : تتابعت على قريش سنو جدب قد أقحلت الظلف ، وأرقّت العظم ، فبينا أنا راقدة مهمومة ومعي صنوي إذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل يقول : يا معشر قريش ، إنّ هذا النبيّ المبعوث منكم هذا أبان نجومه فحيهلا بالحياء والخصب ألا فانظروا منكم رجلاً طوالاً عظاماً أبيض بضّاً أشمّ العرنين له فخر يكظم عليه ألا فليخلص هو وولده وليدلف إليه من كلّ بطن رجل ألا فليشنوا من الماء ، وليسموا من الطيب ، وليطّوفوا بالبيت سبعاً ، ألا فليستسق الرجل ، وليؤمن القوم . قالت : فأصبحت مذعورة ، قد قف جلدي ، ووله عقلي ، فاقتصصت رؤياي فوالحرمة والحرم إن بقي أبطحي إلاّ وقال هذا شيبة الحمد ، وتتامت عنده قريش ، وانفضّ إليه الناس من كلّ بطن رجل فشنوا ، ومسوا ، واستسلموا ، واطوّفوا ثمّ ارتقوا أبا قبيس وطفق القوم يدفون حوله ما أن يدرك سعيهم مهلة فقام عبد المطّلب فاعتضد ابن ابنه محمّداً فرفعه على عاتقه وهو يمئذ غلام قد أيفع أو كرب . ثمّ قال : اللهمّ سادّ الخلّة ، وكاشف الكربة ، أنت عالم غير معلّم ، ومسؤول غير مبخل ، وهذه عبيدك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم فاسمعن اللهمّ وأمطرن علينا غيثاً مريعاً مغدقاً ، فما راموا والبيت حتّى انفجرت السماء بمائها وكظّ الوادي بثجيبه .