الفهرست
«حمزة بن عبد المطّلب» سيّد الشهداء
أوّل لواء عقد في الاسلام لواء حمزة:
أسد الله وأسد رسوله.
كان حمزة يعرف عظمة ابن أخيه - محمّد (صلى الله عليه
وآله)
- وكماله، وكان على بيّنة من حقيقة أمره وجوهر خصاله.
فهو لا يعرفه معرفة العمّ لابن أخيه فحسب، بل يعرفه معرفة
الاخ لاخيه. ذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترب حمزة، وسنّ متقارب
نشآ معاً، ولعبا معاً، وتآخيا معاً، وسارا معاً على الدرب من أوّل خطوة.
ولئن كان شباب كلّ منهما قد اتّخذ وجهة مغايرة، فإنّ حمزة لم
يغب عن وعيه لحظة واحدة من فضائل تِربه وابن أخيه، تلك الفضائل والمكارم التي كانت
تؤهّل صاحبها مكانة عالية في نفوس القوم كافة، حتّى اُطلق عليه منذ حداثة سنّه
(الصادق الامين).
فحمزة خير من عرف محمّداً (صلى الله عليه وآله) منذ طفولته
الباكرة، وشبابه الطاهر، ورجولته الامينة السامقة، وعقليّته الفذّة، وخلقه القويم.
ولم يكن حمزة يتمتّع بقوّته الجسمية فحسب، بل برجاحة العقل،
وقوّة الارادة، ودماثة الخلق، وفتوّة الشهامة.
ومن غير المعقول، أن يتخلّى حمزة عن متابعة إنسان يعرف فيه
كلّ هذه الكمالات، والصفات الحميدة، والسجايا الكريمة.
وقد طوى في صدره هذا الاعجاب والاكبار، متحيّناً الفرصة
المواتية لاظهار شعوره الفياض، ويطلق عنان الثورة المكبوتة بين جوانحه...
وجاء اليوم الموعود... ليخرج المارد من مكنون صدره.
خرج حمزة من داره، متوشّحاً قوسه، ميمّماً وجهه شطر الفلاة
يمارس هوايته المحبّبة، ورياضته الاثيرة - الصيد والقنص - وكان ذو مهارة فائقة،
وقضى هناك بعض يومه، ولمّـا عاد من قنصه، ذهب كعادته إلى الكعبة المشرّفة ليطوف
حولها قبل أن يقفل راجعاً إلى داره...
وقريباً من داره وهو عائد، التقى بخادمة لعبد الله بن
جُدعان، ولم تكد تبصره حتّى قالت له:
يا أبا عُمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّداً آنفاً من
أبي الحكم ابن هشام: وَجَدَه وحده هنا جالساً، فآذاه، وسبّه، وبلغ منه ما يكره.
ولم يجبْه محمّد بشيء.
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله (صلى الله عليه
وآله).
واستمع حمزة إلى قولها، وصغى جيّداً، وقلبه يغلي كالمرجل،
وثارت كوامن نفسه، ثمّ أطرق لحظةً وكانت الحاسمة، ومدّ يده إلى قوسه فثبّتها فوق
كتفه، ثمّ انطلق في خطىً سريعة ثابتة حازمة، صوب الكعبة، راجياً أن يلتقي عندها
بأبي جهل، وما كاد يبلغ الكعبة حتّى بصر أبا جهل في فنائها يتوسّط نفراً من سادة
قريش.
وفي هدوء رهيب، تقدّم حمزة من أبي جهل، ثمّ استلّ قوسه وهوى
به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من هول الصدمة، صاح حمزة
بأبي جهل:
أتشتم محمّداً؟ وأنا على دينه، أقول ما يقول؟؟ ألا فردّ عليّ
ذلك إن استطعت.
نسي الجالسون تلك الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل، والدم الذي
ينزف من رأسه، وشغلهم التفكير في تلك الكلمة التي أعلنها حمزة، إنّه على دين
محمّد، يرى ما يراه، ويقول ما يقوله.
أحمزة يسلم؟؟ أعزّ فتيان قريش وأقواهم شكيمة؟؟
إنّها الطامّة التي لن تملك قريش لها دفعاً... فإسلام حمزة
سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام، سيجد محمّدٌ حوله القوّة والبأس بما يعزّز
دعوته، ويشدّ أزره، وتصبحُ قريش ذات يوم على هدير المعاول تحطّم أصنامها
وآلهتها...
أجل ! أسلم حمزة، وأعلن إسلامه على الملا، الامر الذي
كان طيّ صدره.
ومنذ أن أسلم حمزة نذر نفسه وكلّ ما يملك، بأسه، وحياته، لله
ولدينه حتّى خلع عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسام الشرف الرفيع
بقوله «أسد الله وأسد رسوله».
وأوّل سريّة خرج فيها المسلمون للقاء العدوّ كان أميرها
حمزة.
وأوّل لواء عقده رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاحد من
المسلمين كان لحمزة.
ويوم التقى الجمعان في غزوة (بدر) كان (أسد الله وأسد رسوله)
يصول ويجول، وأظهر من البطولات في ساحة الوغى ما أبهر الجميع، وأبلى بلاء حسناً،
وجاهد جهاد الصابرين.
فسلام عليه يوم ولد، ويوم أسلم وجاهد، ويوم استشهد، ويوم
يُبعث حيّاً.
ولد حمزة بن عبد المطّلب قبل ولادة النبيّ محمّد (صلى الله عليه
وآله)
بسنتين، وقيل: بأربع سنوات، واستشهد بمعركة اُحد، في النصف من شوّال السنة الثالثة
من الهجرة، على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة المباركة، وكان عمره الشريف
تسعاً وخمسين سنة (59).
في الدرجات الرفيعة: كان حمزة أخاً لرسول الله (صلى الله عليه
وآله)
من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنها مسروح([1]).
حمزة - كان اسمه في الجاهلية والاسلام - والحمزة في اللغة
تعني: الاسد، كما في القاموس: ذو البأس الشديد.
أبو عمارة، وأبو يعلى، كان يكنّى بولديه: عمارة ويعلى.
أسد الله وأسد رسوله، لقبّه به رسول الله (صلى الله عليه
وآله)،
كما لقّبه بـ (سيّد الشهداء).
شيبة، واشتهر فيما بعد بـ (عبد المطّلب)، كما سبق ذكره.
هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة، وهي بنت
عمّ آمنة بنت وهب بن عبد مناف، اُمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله).
عمارة ويعلى، وبهما كان يُكنّى، ولم يعقّب أي واحد منهما،
غير أ نّه ولد ليعلى خمسة أولاد ماتوا كلّهم من غير عقب، وكانوا لرسول الله (صلى الله عليه
وآله)
أعوان بعد أبيهم، ولم يحفظ لواحد منهم حديثٌ أو رواية.
ويروي المؤرّخون: كانت لحمزة بنت اسمها فاطمة، واُمّها سلمى
بنت عميس اُخت أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد هاجرت
إلى يثرب مع من هاجرن من الفواطم مع علي بن أبي طالب (عليه السلام).
أسلم حمزة بن عبد المطّلب في السنة الثانية من المبعث النبوي
الشريف، وقيل: بل كان إسلامه في السنة السادسة منه، بعد دخول الرسول (صلى الله عليه
وآله)
دار الارقم، ولازم نصرة الرسول (صلى الله عليه وآله) في مكّة وهاجر مع أوّل
من هاجر من المؤمنين إلى يثرب.
وذكر ابن إسحاق وغيره قصّة إسلامه بصورة مفصّلة، وهي:
قال ابن إسحاق: حدّثني رجل من أسلم كان واعية، أنّ أبا جهل
(الحكم بن هاشم) مرّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الصفاة فآذاه
وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لامره، فلم يكلّمه رسول
الله (صلى الله عليه وآله)، وكانت مولاة لعبد الله ابن جدعان في مسكن لها،
فسمعت كلّ ما قاله أبو جهل لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ انصرف
عنه فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم.
كما أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجع إلى
داره مغموماً مهضوماً.
فلم يلبث أن أقبل حمزة بن عبد المطّلب متوشّحاً قوسه، راجعاً
من قنص له، وكان من هواة الصيد والقنص والفروسية، وكان من عادته لم يصل إلى أهله
حتّى يطوف بالبيت الحرام، وإذا فرغ من ذلك يمرّ على ناد لقريش يقف عندهم قليلاً
ليسلّم عليهم ويتحدّث معهم.
وكان أعزّ فتىً في قريش، قوّةً وفتوّة، وأشدّهم شكيمة،
فلمّـا مرّ بالمولاة، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّدٌ
آنفاً من أبي جهل (الحكم بن هشام) وجده هنا جالساً فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره،
ثمّ انصرف عنه ولم يكلّمه محمّد، فاحتمل حمزة الغضب، لما أراد الله به من كرامة،
فخرج حمزة يسعى، ولم يقف على أحد متوعّداً لابي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلمّـا
دخل الحرم نظر إليه جالساً في القوم، فأقبل نحوه حتّى إذا قام على رأسه رفع القوس
فضربه بها، فشجّ رأسه شجّة منكرة، ثمّ قال: أتشتمه؟ وأنا على دينه، أقول ما يقول؟
فردّ عليَّ إن استطعت.
فقام رجالٌ من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو
جهل - خوفاً من تفاقم الامر واتّساع الفتنة بين البيتين -: دعوا أبا عمارة، فإنّي
والله قد سببت ابن أخيه سبّاً قبيحاً.
فلمّـا أعلن حمزة إسلامه، واتّباع دين ابن أخيه، وعرفت قريش
الجدّ في إعلانه، وأ نّه سيمنعه، فعند ذلك كفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه،
وقد عزّ الاسلام ومُنع بإسلام حمزة وامتنع.
وفي الدرجات الرفيعة: أنشد حمزة هذه الابيات حينما أسلم:
الحمد لله حين هدى فؤادي*** إلى الاسلام والدين الحنيفِ
لدين جاء من ربٍّ عزيز*** خبير بالعباد بهم لطيفِ
إذا تُليت رسائله علينا*** تحدّر دمع ذي اللبّ الحصيفِ
رسائل جاء أحمد من هداها*** بآيات مبيّنة الحروفِ
وأحمد مصطفى فينا مطاعٌ*** فلا تغشوه بالقول العنيفِ
فلا والله نسلمه لقوم*** ولمّـا نقضي منه بالسيوفِ
فلمّـا أسلم حمزة بن عبد المطّلب، عزّ به الدين والنبيّ (صلى الله عليه
وآله)،
وسرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإسلامه
كثيراً.
عند ذلك مدحه أخوه أبو طالب مشجّعاً إسلامه، بقوله:
فصبراً - أبا يعلى - على دين أحمد*** وكن مظهراً للدين وفّقت
صابرا
نبيٌّ أتى بالدين من عند ربّه*** بصدق وحقٍّ لا تكن حمزة
كافرا
فقد سرّني إذ قلت «لبّيك» مؤمناً*** فكن لرسول الله في الدين
ناصرا
ونادرِ قريشاً بالذي قد أتيته*** جهاراً وقل: ما كان أحمد
ساحرا
فقد كان إسلام حمزة تطوّراً جديداً لم يكن داخلاً في حسابات
قريش، حيث قلبت الموازين رأساً على عقب، وفتّ في عضد مشركي قريش وزاد من مخاوفها
وكبح من جماحها، ومرّغ كبرياءها([2]).
آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين حمزة
بن عبد المطّلب وبين زيد بن حارثة، يوم المؤاخاة.
كان حمزة من المهاجرين الاوائل، ولمّـا وصل يثرب نزل على
(كلثوم بن الهدم)، وقيل: على (سعد بن خيثمة)، ولا منافاة أن يكون نزل على كليهما
بالتناوب.
قال ابن الاثير في حوادث السنة الاُولى من الهجرة، كما ذكر
ذلك ابن سعد في طبقاته: عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله)لعمّه حمزة
لواءً أبيضاً في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعترضوا لعير قريش، فالتقى بأبي جهل
في ثلاثمائة رجل، فحجز بينهم (مجدي بن عمرو الجهني)، فانصرف ولم يكن بينهم قتال،
وكان يحمل اللواء أبو مرثد، وهو أوّل لواء رُفع في الاسلام.
وقال ابن الاثير: كان حمزة يحمل لواء رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
في غزوة بواط، وكانت في أوّل سنة من الهجرة.
وفيها كانت غزوة (الابواء) وقبل غزوة (ودان).
وفي طبقات ابن سعد: قال الواقدي: حمل حمزة لواء رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
في غزوة بني قينقاع، ولم تكن الرايات يومئذ.
بالغ حمزة بن عبد المطّلب في نصرة رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
والذبّ عنه والدفاع عن الاسلام وحمايته، شهد بدراً وأبلى فيها بلاءً حسناً، كما
شهد اُحداً وأبلى فيها بلاءً حسناً، واستشهد فيها، وكان قائد جيش رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
يوم ذاك.
ولمّـا كانت وقعة بدر أوّل من برز من أبطال المشركين وصناديد
قريش مبتدئين القتال: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وابنه الوليد بن عتبة، ثمّ دعوا المسلمين
إلى البراز، فبرز إليهم ثلاثة فتيان من الانصار، وهم أبناء عفراء: معاذ ومعوذ
وعوف، وهم من بني الحارث، فقال لهم المشركون - بعدما انتسبوا -: ارجعوا فما لنا
بكم حاجة. ثمّ نادى مناديهم: يا محمّد، أخرج إلينا أكفاءَنا من قومنا. فقال رسول
الله (صلى الله عليه وآله): يا عبيدة بن الحارث، ويا عمّ حمزة، ويا عليّ
بن أبي طالب، قوموا فقاتلوا بحقّكم الذي بعث الله به نبيّكم، إذ جاؤوا بباطلهم
ليطفئوا نور الله، فبرزوا. فقال عتبة: تكلّموا حتّى نعرفكم فإن كنتم أكفاءَنا،
وكان عليهم البيض([3])
فلم يعرفوهم، فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله وأسد رسوله، فقال
عتبة: كفؤ كريم، وأنا أسد الاحلاف. ثمّ قال: ومن معك؟ قال: هذا عليّ بن أبي طالب،
وهذا عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب. قال عتبة: كفؤان كريمان.
هذا ما يدلّ على أنّ لقب حمزة بأسد الله وأسد رسوله كان
معروفاً عندهم منذ أن أسلم، وأنّ مقام حمزة كان أعلى من مقام عبيدة على رغم كبر
سنّ عبيدة، وهو الذي تولّى إجابة كبير المشركين.
فبرز عليّ إلى الوليد بن عتبة، وكانا أصغر القوم سنّاً،
فاختلفا بضربتين أخطأت ضربة الوليد عليّاً، وضربه عليٌّ على حبل عاتقه الايسر
فأخرج السيف من تحت اُبطه، ثمّ ضربه اُخرى فصرعه. وبارز عبيدة شيبة وهما أسنّ
القوم، ولعبيدة بن الحارث من العمر سبعون سنة، فاختلفا بضربتين، فضربه عبيدة على
رأسه ضربةً فلقت هامته، وضرب شيبة ساق عبيدة فأطنّها - فقطعها - وسقطا على الارض.
وبارز حمزة عتبة وهما أوسط القوم سنّاً، وكان عمر حمزة حينذاك سبعاً وخمسين عاماً،
فتضاربا بالسيفين حتّى انثلما، واعتنقا، فصاح المسلمون: يا عليّ، أدرك عمّك، أما
ترى الكلب قد بهر عمّك حمزة، وكان حمزة أطول من عتبة، فقال علي: يا عمّ، طأطئ
رأسك، فأدخل حمزة رأسه في صدر عتبة، فضرب عليّ عتبة فطرح نصفه، وكرّ حمزة وعليّ
على شيبة فأجهزا عليه، ثمّ حملا عبيدة بن الحارث مقطوع الساق فألقياه بين يدي رسول
الله (صلى الله عليه وآله)، فبكى عبيدة وقال: هل وفيت يا رسول الله؟ فقال:
نعم، وأنت أمامنا في الجنّة. وبعد انتهاء المعركة رجع رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
وأصحابه والاسرى إلى المدينة، ونقلوا عبيدة بن الحارث معهم جريحاً، فمات في الطريق
بـ (الصفراء)، ودُفن فيها شهيداً.
فسلامٌ عليه يوم ولد ويوم أسلم وجاهد، ويوم استشهد، ويوم
يُبعث حيّاً.
وخلاصة المعركة: استشهد من المسلمين أربعة عشر مجاهداً بما
فيهم عبيدة بن الحارث، وقُتل من صناديد المشركين ومشيخة قريش سبعون رجلاً، واُسر
منهم سبعون، وفرّ الباقون بما خفّ وغلا، جارّين ذيول الذلّ والهوان والهزيمة
المنكرة تاركين قتلاهم بالعراء.
قال ابن سعد في طبقاته، وابن الاثير في الكامل: برز حمزة يوم
بدر معلّماً بريشة نعامة على صدره وعلى بيضة رأسه، وهي شارة البطولة والشجاعة
والفروسية.
وقال اُميّة بن خلف لعبد الرحمن بن عوف - وكان مع المشركين
حينذاك -: مَن الرجل المعلّم بريشة نعامة على صدره؟ قال: هو حمزة بن عبد المطّلب.
قال اُميّة: هو الذي فعل بنا الافاعيل.
1 - أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، ألبسه بنو مخزوم لامة حرب
أبي جهل، فصمد له حمزة، هو يظنّه أبو جهل، فضربه وقتله، وهو يقول: خذها وأنا ابن
عبد المطّلب.
2 - عتبة بن ربيعة.
3 - شيبة بن ربيعة، شرك في قتله.
4 - طعيمة بن عدي بن نوفل، قتله حمزة برواية الواقدي، وفي
رواية ابن إسحاق: قتله عليّ بن أبي طالب.
5 - عقيل بن الاسود بن المطّلب، قيل: اشترك في قتله حمزة
وعليّ، وقيل: قتله عليّ وحده يوم بدر.
6 - الاسود بن عبد الاسد.
7 - عمارة بن مخزوم.
روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن قيس بن عبادة، قال: سمعت أبا
ذرّ يقسم أنّ هذه الايات:
(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَموا في رَبِّهِمْ فَالَّذينَ كَفَروا)
- إلى قوله -: (إنَّ
اللهَ يَفْعَلُ ما يُريدُ).
قال: نزلت في هؤلاء الرهط الستّة يوم بدر: حمزة بن عبد
المطّلب، وعليّ بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وفي خصمهم الذين كفروا: عتبة بن
ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
قال ابن الاثير في حوادث السنة الثالثة من الهجرة:
عندما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اُحد
كان حمزة بن عبد المطّلب قائد جيوشه متقدّماً بين يديه. وقاتل مقاتلة الابطال،
وأبلى بلاءً حسناً.
قال الواقدي: وحمل لواء المشركين بعد طلحة بن أبي طلحة من
بني عبد الدار - الذي قتله عليّ بن أبي طالب - فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده
وكتفه فبدا سحره، ثمّ رجع وقال: أنا ابن ساقي الحجيج، وبني عبد الدار هم حملة
ألوية المشركين من قريش ومن أشجع أبطال قريش، قتل منهم الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ثمانية عدا
الذين قتلهم عمّه حمزة.
وقال ابن هشام: وقتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد
مناف بن عبد الدار.
وقال ابن الاثير: وأمعن في الناس حمزة بن عبد المطّلب، وعليّ
بن أبي طالب، وأبو دجانة (سماك بن خرشة)، في رجال من المجاهدين الصامدين، وقَتَلوا
صناديد وأبطال قريش، وبان الانكسار في صفوف المشركين، وبدء الانهزام بينهم، ولكن
مخالفة بعض من عيّنهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) من الرماة في فتحة
الجبل ونزولهم لجمع السلب انقلبت الدائرة على جيوش المسلمين.
وفي الاستيعاب، وابن سعد في طبقاته: إنّ حمزة بن عبد المطّلب
كان يقاتل في واقعة اُحد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيفين،
وهو يقول: أنا أسد الله، وجعل يُقبل ويُدبر، ويقتل كلّ من تقدّم إليه.
وفي الاصابة: إنّ حمزة بن عبد المطّلب قتل باُحد ثلاثين
رجلاً قبل أن يُقتل، منهم: عثمان بن أبي طلحة حامل لواء المشركين من بني عبد
الدار، وقتل أرطأة بن عبد شرحبيل، وقتل سباع بن عبد العزّى، وغيرهم من أبطال قريش.
قتله وحشيّ بن حرب غيلةً، وهو عبدٌ حبشيّ يرمي بالحربة،
قلّـما يخطئ، ولم تكن العرب تعرف ذلك، بل هو من اختصاص أهل الحبشة، وتسمّى تلك
الحربة عندهم المزراق، وهي رمح قصير.
في شرح النهج، قال الواقدي: كان وحشيّ عبداً لابنة الحارث بن
عامر بن نوفل بن عبد مناف، ويقال: إنّه لجبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد
مناف، قالت له ابنة الحارث قبل خروجهم إلى اُحد: إنّ أبي قُتِلَ يوم بدر، فإن أنت
قتلت أحد الثلاثة، فأنت حرّ: محمّداً، أو عليّ بن أبي طالب، أو حمزة بن عبد
المطّلب، فإنّي لا أرى في القوم كفؤاً لابي غيرهم. فقال الوحشي: أمّا محمد فقد
علمت أ نّي لا أقدر عليه وأنّ أصحابه محيطين به ولن يسلموه، وأمّا حمزة
فوالله لوجدته نائماً ما أيقظته من هيبته، وأمّا عليّ فألتمسه. ويروى أ نّه
قال: فأمّا عليّ فإنّه حَذِر في الحرب ولا أستطيع التقرّب إليه، وأمّا حمزة فإنّه
يقدم إقداماً ويهدّ الناس هدّاً، فإنّي ألتمسه.
وقال وحشيّ: فكنت يوم اُحد ألتمس عليّاً، فبينما أنا في طلبه
إذ طلع عليَّ، فإذا هو رجلٌ حَذِرٌ مَرِس كثير الالتفات. فقلت: ما هذا بصاحبي الذي
ألتمسه. وإذ رأيت حمزة يفري الناس فرياً، ويهذي الناس بسيفه، وما يلقى شيئاً يمرّ
به إلاّ قتله، فكمنت له إلى صخرة، فاعترض له سباع بن عبد العزّى الغيشاني، فقال له
حمزة: وأنت أيضاً يا ابن مقطّعة البظور([4]) ممّن يكثر
علينا، هلمّ إليَّ، واحتمله بسيفه حتّى إذا رفعه رمى به الارض فبرك عليه وشحطه شحط
الشاة وقتله، ثمّ أقبل عليَّ مكبّاً حين رآني، فلمّـا بلغ المسيل وطئ على الجرف
فزلّت قدمه فهززت حربتي حتّى رضيت منها فضربته بها في خاصرته حتّى خرجت من مثانته،
وكرّ عليه طائفة من أصحابه، فأسمعهم ينادونه ويقولون: أبا عمارة، أبا عمارة، فلا
يجيبهم، فقلت: لقد مات الرجل، وانكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته، وهم لا يروني،
فرجعت عليه فأخذت حربتي ثمّ تنحّيت إلى العسكر.
قال وحشيّ: فجئت إلى هند بنت عتبة، فقلت لها: ماذا لي إن
قتلت قاتل أبيكِ. قالت: سَلَبي. فقلت: أنا قتلته. فنزعت ثيابها وما كان عليها من
حُلي، ثمّ قالت: إذا جئت مكّة فلك عشرة دنانير، ثمّ قالت: أرني مصرعه. فأريتها،
فجلست عنده وبقرت بطنه وأخرجت كبده فلاكتها فلم تستسيغها فلفظتها، فسُمّيت بـ
(آكلة الاكباد)، ثمّ قطعت مذاكيره، وجدعت أنفه، وقطعت اُذنيه، وجعلت منهم مسكتين،
ومعضدين، وخدمتين.
وقال وحشيّ: ثمّ وقفت هند وصويحباتها على أجساد القتلى
يمثّلن بهم، واتّخذن من آذان الرجال واُنوفهم خدماً وقلائداً، بعد أن أعطت هند
خدمها وقلائدها وخلاخلها وحشيّاً، ألا لعنة الله على القوم الكافرين.
ورواية اُخرى عن الواقدي بسنده عن عبيد الله بن عديّ بن
الخيار، قال: إنّه مرّ مع جماعة بحمص عصر أحد الايّام، فسألوا عن وحشيّ فقيل: لا
تقدرون عليه، هو الان يشرب الخمر، وفي سكر شديد، حتّى يصبح، فلمّـا كان الصبح
سألوه عن قتل حمزة، فقال:
كنت عبداً لجبير بن مطعم بن عديّ، فلمّـا خرج الناس إلى اُحد
دعاني وقال: قد رأيت مقتل أخي طعيمة بن عديّ، قتله حمزة بن عبد المطّلب يوم بدر،
فلم تزل نساؤنا في حزن شديد إلى يومي هذا، فإن قتلت حمزة فأنت حرّ، فخرجت مع من
خرج، وكان لي مزاريق،] وكنت أمهر الرماة [وكنت أمرّ بهند بنت عتبة، وتشجّعني وتقول:
إيه أبا دسمة، اشفِ، واشنف. فلمّـا وردنا اُحد نظرت حمزة يقدم الناس يهذّهم هذّاً،
فرآني، وقد كنت كمنت له خلف شجرة، فأقبل نحوي، وتعرّض له سباع الخزاعي، فقال له
حمزة: وأنت أيضاً يا ابن مقطّعة البظور ممّن يكرُّ علينا، هلمّ إليَّ، وأقبل نحوه
حتّى رأيت برقات رجليه، ثمّ ضرب به الارض وقتله، وأقبل نحوي سريعاً، ويعترض له جرف
فيقع فيه، وأزرقته بمزراقي فيقع في لبته حتّى خرج من بين رجليه فقتله، ومررت بهند
بنت عتبة فآذنتها، فأعطتني ثيابها وحليّها.
وبعد أن ألقت الحرب أوزارها، قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
التمسوا حمزة. فبعث أحد أصحابه يلتمسه، فلم يعد لما رأى حمزة بتلك الحالة من
التمثيل، ثمّ بعث آخر وآخر وكلّ من يذهب ويشاهده بهذه الحالة لم يعد إلى رسول الله
(صلى
الله عليه وآله) ليخبره، فلمّـا استبطأهم قام وقال: أنا ألتمسه بنفسي.
فلمّـا شاهده وهو مطروح ببطن الوادي وقد مُثّل به شرّ تمثيل، فحينما رآه (صلى الله عليه
وآله)
بكى، ثمّ قال له مخاطباً: لن اُصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفاً قطّ أغيَظ عليَّ
من هذا الموقف.
ورثاه بقوله: يا عمّ رسول الله، أسد الله وأسد رسوله، يا
حمزة، يا فاعل الخيرات. يا حمزة، يا كاشف الكُرُبات، يا حمزة، يا ذابّ، يا مانع عن
وجه رسول الله. ثمّ قال: لولا أنّ حزن صفيّة أو تكون سنّة بعدي لتركته حتّى يكون
في أجواف السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش لاُمثّلنّ بثلاثين رجلاً
منهم، فأنزل الله تعالى في ذلك آية:
(فَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبوا بِمِثْلِ ما عوقِبْتُمْ بِهِ
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ).
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نصبر.
فصبر وعفا، ونهى عن المُثلة.
وأقبلت صفيّة تطلب أخاها حمزة، فقال رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
لابنها الزبير بن العوّام: لتردّها لئلاّ ترى ما بأخيها حمزة (عند مصرعه)، فلقيها
الزبير فأعلمها بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: إنّه بلغني
أ نّه مُثّل بأخي، وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لاحتسبنّ
ولاصبرنّ. فأعلم الزبير النبيّ (صلى الله عليه وآله) بذلك، فقال: خلِّ
سبيلها. فأتته وصلّت عليه واسترجعت، وكانت صفيّة شقيقة حمزة لاُمّه وأبيه، كما
ذكرنا ذلك آنفاً.
وصلّى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة
الجنائز، فكان كلّمـا اُتي بشهيد ليصلّي عليه، جعل حمزة معه فيصلّي عليهما معاً.
ثمّ أمر (صلى الله عليه وآله) بدفنه بملابسه دون
تغسيل أو تكفين، وهي سنّة تجهيز الشهداء وإقبارهم، وهكذا فعلوا ببقيّة الشهداء،
وجلس (صلى الله عليه وآله) على حفرته.
ولمّـا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى
المدينة، مرّ بدار من دور الانصار، سمع البكاء والنوائح على شهيدهم فذرفت عيناه
بالبكاء، وقال: حمزة لا بواكي عليه - أو: له - فرجع سعد بن معاذ إلى دور بني عبد
الاشهل فأمر نساء الانصار أن يذهبن فيبكين على حمزة.
وقال الواقدي - فيما رواه ابن أبي الحديد -: قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
رضي الله عنكن وعن أولادكن. وقالت اُمّ سعد بن معاذ: فما بكت منّا امرأة على ميّتها
قطّ إلاّ بدأت بحمزة وإلى يومنا هذا. ولم تبكِ امرأة على ميّت بعد قول رسول الله (صلى الله عليه
وآله)إلاّ
بدأت بالبكاء على حمزة ثمّ بكت ميّتها.
وإنّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت تأتي
قبر حمزة، تبكي عليه وترمّمه وتصلحه.
عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
سيّد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطّلب.
وقال (صلى الله عليه وآله): ما وقفت موقفاً]
أغْيَظ [لقلبي من هذا الموقف.
ثمّ قال: رحمك الله أي عمّ، فلقد كنت وصولاً للرحم، فعولاً
للخيرات.
وفي شرح النهج: روى كثيرٌ من المؤرّخين، أنّ عليّاً (عليه السلام) عقب يوم
السقيفة قال] مستنجداً [: وا جعفراه، ولا جعفر لي اليوم، وا حمزتاه، ولا حمزة لي اليوم.
وفي الدرجات الرفيعة: روي عن الامام الباقر (عليه السلام) أ نّه
قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول دائماً: والله لو
كان حمزة وجعفر حيّين] يوم السقيفة [ما طمع فيها فلان، ولكنّي ابتُليت بعقيل
وعبّاس.
لقد عجبت لاقوام ذوي سفه*** من القبلتين من سهم ومخزومِ
القائلين لما جاء النبيّ به*** هذا حديثٌ أتانا غير ملزومِ
فقد أتاهم بحقٍّ غير ذي عِوَج*** ومُنزل من كتاب الله معلومِ
إلى آخر ما ذكره السيّد محسن الامين في أعيانه 6: 246.
وهناك أشعار كثيرة منسوبة له، فراجع المصدر أعلاه.
كما رثته اُخته صفيّة بأبيات، منها:
فيا ليت شلوي عند ذاك وأعظمي*** لدى أضبع تقتادني ونسورِ
دعاه إله الحقّ ذو العرش دعوةً*** إلى جنّة يحيا بها وسرورِ
فوالله لا أنساك ما هبّت الصبا*** بكاءً وحزناً محضري ومسيري
ورثاه عبد الله بن رواحة بأبيات، منها:
بكت عيني وحقّ لها بكاها*** وما يغني البكاء ولا العويلُ
على أسد الاله غداة قالوا*** أحمزةَ ذاكمُ الرجل القتيلُ
اُصيب المسلمون به جميعاً*** هناك وقد اُصيب به الرسولُ
أبا يعلى لك الاركان هدّت*** وأنت الماجد البرّ الوصولُ
عليك سلام ربّك في جنان*** مخالطها نعيمٌ لا يزولُ
وهذا حسّان بن ثابت، شاعر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، يرثيه
بأبيات، منها:
يا حمزة لا والله لا*** أنساك ما صرّ اللقائح
لمناخ أيتام وأضـ*** ياف وأرملة تلامح
ولمّـا ينوب الدهر في*** حرب لحرب وهي لاقح
القائلون الفاعلون*** ذوي السماح والممادح
من لا يزال ندى يديه*** له طوال الدهر مائح
وله أيضاً هذا الرثاء، ومطلعه:
أتعرف الدار عفا رسمها*** بعدك صوب المسيل الهاطلِ
دع عنك داراً قد عفا رسمها*** وابكِ على حمزة ذي النائلِ
واللابس الخيل إذا أحجمت*** كالليث في غايته الباسلِ
أبيض في الذروة من هاشم*** لم يحر دون الحقّ بالباطلِ
مال شهيداً بين أسيافكم*** شُلّت يدا وحشيّ من قاتلِ
اظلمّت الارض لفقدانه*** واسودّ نور القمر الناصلِ
صلّى عليه الله في جنّة*** عالية مُكرمة الداخلِ
إلى آخر القصيدة.
وهذا كعب بن مالك يرثي حمزة بقصيدة، مطلعها:
طرقت همومك فالرقا مسهد*** وجزعت إن سلخ الشباب الاغيدُ
ولقد هددت لفقد حمزة هدّةً*** ظلّت بنات الجوف منها ترعدُ
ولو أ نّها فجعت حراء بمثله*** لرأيت رأسي صخرها
يتبدّدُ
عمّ النبيّ محمّد وصفيّه*** ورد الحمام فطاب ذاك الموردُ
وأتى المنيّة معلماً في اُسرة*** نصروا النبيّ ومنهم
المستشهدُ
إلى آخر القصيدة.
وهناك قصائد عديدة ترثي أسد الله حمزة بن عبد المطّلب، ذكر
بعضها السيّد محسن الامين في أعيانه 6: 246 - 248.
نكتفي بهذا القدر روماً للاختصار، آملاً أ نّي قد
وُفّقت بعض ما استطعت عرضه، ومن الله سبحانه وتعالى أستمدّ العون والتوفيق، فله
الحمد والشكر أوّلاً وآخراً.
فسلامٌ عليه يوم وُلد، ويوم أسلم وجاهد، ويوم استشهد، ويوم
يُبعث حيّاً.
1 - معجم رجال الحديث 6: 271
2 - نهج البلاغة: 369 (صبحي الصالح)
3 - الاعلام 2: 278
4 - الاستيعاب 1: 271
5 - اُسد الغابة 2: 46
6 - أعيان الشيعة 6: 242
7 - رجال حول الرسول: 161
أبو عبد الله: جعفر بن أبي طالب([5])، بن عبد
المطّلب([6])،
بن هاشم([7])،
بن عبد مناف بن قصي.
ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأخ
الامام علي (عليه السلام) وشقيقه لاُمّه وأبيه، وهو أكبر من أخيه علي
بعشر سنين.
استشهد في معركة اليرموك، في معركة غير متكافئة بين المسلمين
والروم (هرقل)، بأرض البلقاء بالشام في منطقة يقال لها: (مؤتة)، وذلك في شهر جمادى
الاوّل من السنة الثامنة من الهجرة الشريفة.
أبا عبد الله، باسم أكبر أولاده، كما يكنّى بـ (أبي
المساكين)، لرأفته بهم، والاحسان إليهم.
كان كريماً جواداً، وكان من كرمه وحنوّه يقال له: أبا
المساكين، قبل الاسلام وبعده، كما سمّـاه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لعطفه
وإحسانه إليهم، وكان يقول لابيه أبي طالب: يا أبه، إنّي لاستحيي أن اُطعم طعاماً،
وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول له: يا بني، إنّي لارجو أن يكون فيك
خلف من عبد المطّلب.
وكان له فضل كثير، وقد ورد في شأنه أحاديث كثيرة.
فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهي أوّل هاشمية
تزوّجت من هاشمي، وأولدت هاشمياً.
وهي اُمّ لاربعة أولاد: طالب، عقيل، جعفر، علي، وبنت واحدة
اسمها فاختة - اُمّ هانئ - ، أكبرهم طالب، وأصغرهم علي (عليه السلام)، كلّ واحد
أسنّ من الاخر بعشر سنين، وكان جعفر الثالث من ولد أبيه.
كانت فاطمة بنت أسد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة
الاُمّ - بعد اُمّه آمنة بنت وهب - ، سبقت إلى الاسلام مع السابقين، بعد السيّدة
خديجة بنت خويلد اُمّ المؤمنين.
عن عبد الله بن يسار، عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: كانت
فاطمة بنت أسد، اُمّ عليّ بن أبي طالب حادية عشرة في الاسلام، يعني في السابقة إلى
الاسلام، وكانت بدرية.
عن الزبير بن العوّام، بعد حذف السند، قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه
وآله)
يدعو النساء إلى البيعة حين اُنزلت هذه الاية: (يا أ يُّها النَّبِيُّ
إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ)، كانت فاطمة بنت أسد أوّل امرأة بايعت رسول
الله (صلى الله عليه وآله) - بعد خديجة -.
هاجرت إلى المدينة مع مَن هاجر من الفواطم بحماية ولدها علي
بن أبي طالب (عليه السلام) حينما هاجر، وكنّ أربع فواطم - فاطمة الزهراء،
وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب، وفاطمة بنت حمزة بن عبد
المطّلب.
ولمّـا حضرت فاطمة بنت أسد الوفاة أوصت إلى رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
فقبل وصيّتها، ولمّـا توفّيت كفّنها وأدرجها في قميصه كي لا تعرى يوم يعرى الناس
يـوم القيـامة، ولمّـا بلغوا لحدها، حفره بيده (صلى الله عليه وآله) واضطجع
فيه، دفعاً لضغطة القبر.
وروى النسائي بسنده بعد حذف السند، عن ابن عباس، قال:
لمّـا ماتت فاطمة بنت أسد اُمّ علي بن أبي طالب ألبسها رسول
الله (صلى الله عليه وآله)قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه:
يا رسول الله، ما رأيناك صنعت بهذه المرأة، فقال: «إنّه لم
يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنّي إنّما ألبستها قميصي لتكسى من حلل
الجنّة، واضطجعت معها في قبرها ليهون عليها».
وعن عليّ (عليه السلام) - بعد حذف السند -:
أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغسلت اُمّي فاطمة بنت أسد، كما غسل
زوجته الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
في طبقات ابن سعد: كان لجعفر من الولد عبد الله، ويكنّى به،
وله عقب، ومن ولد جعفر: عون ومحمّد لا عقب لهما، ولدوا جميعاً لجعفر بأرض الحبشة،
في المهاجرة إليها، واُمّهم أسماء بنت عميس الخثعميّة، وإخوانهم لاُمّهم محمّد بن
أبي بكر، ويحيى ابن علي بن أبي طالب.
وفي عمدة الطالب: أنّ أولاد جعفر بن أبي طالب ثمانية بنين:
عبد الله، وعون، ومحمّد الاكبر، ومحمّد الاصغر، وحميد، وحسين، وعبد الله الاكبر،
وعبد الله الاصغر، ومن البنات، واُمّهم جميعاً أسماء بنت عميس الخثعمية.
قتل محمد الاكبر في واقعة صفّين بين يدي عمّه أمير المؤمنين.
وقُتل عون ومحمد الاصغر مع ابن عمّهم الحسين (عليه السلام) في واقعة
الطفّ بكربلاء سنة 61 هـ.
في اُسد الغابة: أسلم جعفر بن أبي طالب بعد إسلام أخيه علي (عليه السلام) مباشرةً،
ولم يسبقه أحدٌ سوى السيّدة خديجة بنت خويلد وأخوه علي بيوم أو نحوه كما مرّ. وهما
اللذان عاشا في بيت واحد وربّتهم اُمّ واحدة وهي (فاطمة بنت أسد)، التي كانت
مربّية النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهي اُمّه الثانية بعد اُمّه آمنة بنت وهب،
والرسالة ترعرعت بينهم.
وفي اُسد الغابة([8]): قيل: أسلم
بعد واحد وثلاثين إنساناً، وكان هو الثاني والثلاثين.
وكانت فاطمة بنت أسد الثانية من المسلمات من النساء بعد خديجة،
والسابقة إلى الاسلام والهجرة، وكانت لرسول الله اُمّاً حقّاً ترعاه قبل رعايتها
لاولادها.
وروي أنّ أبا طالب افتقد النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأخذ يبحث
عنه حتّى وجده يصلّي وعليّاً خلفه عن يمينه يصلّيان، فقال لجعفر: صِل جناح ابن
عمّك وصلِّ عن يساره. فلمّـا سمع النبيّ ذلك تقدّم قليلاً وصفيا خلفه يصلّيان.
أقول: كيف يجتمع هذا مع كون أبي طالب مات كافراً، كما
يزعمون؟
وفي طبقات ابن سعد، عن الواقدي بسنده: أسلم جعفر بن أبي
طالب، قبل أن يدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) دار الارقم ويدعو
الناس فيها] إلى الاسلام [.
وعن الامام أبي جفعر الباقر (عليه السلام): أوّل
جماعة كانت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلّي وعليّ (عليه السلام) يصلّي معه
إذ مرّ أبو طالب به وجعفر معه، قال لولده: يا بني، صِلْ جناح ابن عمّك. فلمّـا
أحسّ (صلى الله عليه وآله) تقدّمهما وانصرف أبو طالب مسروراً، وهو يقول:
إنّ علياً وجعفراً ثقتي*** عند ملمّ الزمان والكُرَبِ
واللهِ لا أخذل النبيّ ولا*** يخذله من بني ذو حسبِ
لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما*** أخي لاُمّي من بينهم وأبي
قال (عليه السلام): فكانت أوّل جماعة
جمعت ذلك اليوم، وإنّ جعفراً على التحقيق ثاني المسلمين أو المصلّين من الرجال.
وأوصى أبو طالب حين حضرته الوفاة أولاده برسول الله (صلى الله عليه
وآله)
بقوله:
أوصي بنصر النبيّ الخير مشهده*** علياً ابني وشيخ القوم
عبّاسا
وحمزة الاسد الحامي حقيقته*** وجعفراً ليذودوا دونه البأسا
ومن قصيدة له:
اُقيمُ على نصر النبيّ محمّدٌ*** اُقاتل عنه بالقنا
والذوابلِ
في طبقات ابن سعد عن الواقدي بسنده، قال محمد بن إسحاق: آخا
رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين جعفر ومعاذ.
وفي السيرة الحلبية: جمع بينهما (صلى الله عليه وآله)
بأ نّه آخا بين معاذ وبين جعفر وهو غائب بأرض الحبشة.
وفي اُسد الغابة، كما في الاستيعاب، أقوال العلماء فيه
ملخّصاً.
جعفر بن أبي طالب أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً برسول الله (صلى الله عليه
وآله)،
وكان من المهاجرين الاوائل، وهاجر الهجرتين، هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على
رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المدينة يوم فتح خيبر السنة السابعة من
الهجرة، فتلقّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) واعتنقه وقبّله بين
عينيه، وقال: ما أدري بأ يّهما أنا أشدّ فرحاً، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر،
وأسهم له من غنائم خيبر، واختطّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله)داراً إلى
جنب المسجد.
وكانت له هجرتان، الهجرة الاُولى إلى أرض الحبشة، وكانت له
هناك مواقف مشهودة ومعاناة محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، سنذكر بعضاً منها،
وكان كريماً جواداً شهماً، ولكرمه يقال له: أبو المساكين لاحسانه إليهم - كما
أسلفت -.
أمّا ما ذكر أبو هريرة في حقّ جعفر، فهو قليل من كثير في
حقّه، فإنّه كان موصوفاً بالايمان والكرم والشهامة وسداد الرأي وطلاقة اللسان
والمنطق والعطف والحنان وحسن الاخلاق بمكان عظيم.
روى أصحاب السير والتأريخ ما معناه: أصابت قريشاً سنون عسر
وقحط، وكان أبو طالب سيّد قومه وشيخ البطحاء ومقصد الناس في حاجاتهم ونوالهم مع
كثرة عياله.
فذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمّه
العباس، وكان أثرى بني هاشم، وقال له: قد علمت ما أصابت قريش من فاقة، وأبو طالب
مع كثرة عياله، فتعال نأتيه ونكلّمه في التخفيف عن كاهله، بأخذ بعض أولاده عندنا،
فقال العباس: نعم الرأي رأيت، فذهبا معاً وكلّما أبا طالب في ذلك، فقال: أبقوا لي
عقيلاً، وخذوا من شئتم. فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله)علياً، وأخذ
العباس جعفراً، وبقي عقيل مع أبيه.
وروى الكليني في الكافي بسنده عن ابن مسكان عن سدير الصيرفي،
قال:
كنّا عند الامام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) فذكرنا ما
أحدث الناس بعد نبيّهم (صلى الله عليه وآله)واستذلال أمير المؤمنين
(عليه
السلام)واستضعافه،
فقال رجل من القوم: أصلحك الله يا بن رسول الله، فأين كان عزّ بني هاشم وما كانوا
فيه من العدد والعدّة، فقال الامام أبو جعفر (عليه السلام): من كان
يفي من بني هاشم، إنّما كان جعفراً وحمزة فمضيا، وبقى معه رجلان ضعيفان ذليلان
حديثا عهد بالاسلام: عباس وعقيل، وكانا من الطلقاء، أما والله لو أنّ حمزة وجعفراً
كانا بحضرتهما ما وصل إلى ما وصل إليه، ولو كانا شاهدين لاتلفا نفسيهما.
ولمّـا كثر المسلمون في مكّة، وهم المستضعفون، ولم يؤذن لهم
بالجهاد والقتال، أخذ المشركون يؤذونهم بشتّى أنواع العذاب والاذى، إلاّ من له
عشيرة تحميه وتجيره، ولم يسعهم البقاء في مكّة. أمر رسول الله (صلى الله عليه
وآله)المسلمين
بالهجرة إلى أرض الحبشة، وقال: إنّ فيها ملكاً صالحاً لا يضام عنده لاجئون.
وعلى رأس من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة جعفر بن أبي
طالب، وعثمان بن مظعون، فتلقّاهم ملك الحبشة النجاشي بالرحب والسعة، وبقي جعفر في
بلاد الحبشة ومن معه إلى أن تمكّن الاسلام وقويت شوكته في يثرب (المدينة المنوّرة)
فهاجر إليها.
وبقي جعفر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ملازماً له
بعد هجرته من الحبشة في حضره وسفره يتبعه اتباع الفصيل أثر اُمّه، أو الظلّ صاحبه،
وأقرّه على عدّة سرايا من غزواته، حتّى آخر غزوة أمّره عليها لمحاربة جيوش الروم
في أرض البلقاء - أرض الشام - مع أميرين آخرين هما زيد بن حارثة وعبد الله بن
رواحة رضوان الله عليهم.
فاستشهد هو ومن معه من الاُمراء وبعض المسلمين في أرض يقال
لها: مؤتة، ودفنوا فيها، في حرب غير متكافئة عدّةً وعدداً.
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبر
المسلمين بسير المعركة أوّلاً فأوّل، كأ نّما يراها رأي العين، حتّى استشهد
جعفر ووقع في ساحة القتال مضرّجاً بدمه مقطوع اليدين مع من قُتل.
كما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الله
تبارك وتعالى جعل لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة.
وسمّـاه (جعفر الطيّار) أو (ذو الجناحين).
وسيأتي تفصيل وقائع الهجرة وسير معركة اليرموك تباعاً إن شاء
الله.
لارض الحبشة مميّزات قد لا تحصل لغيرها من البلدان المجاورة،
منها: كونها بعيدة عن نفوذ الفرس والروم وقريش، والتي لا يمكن للقرشيين أن يصلوا
إليها على خيولهم أو رواحلهم، ولا يملكون السفن التي تستوعبهم لحملهم عبر البحر
إلى سواحل الحبشة.
بالاضافة إلى سلامة شعبها من الشبهات، والمكر والدهاء التي
عليها الروم والفرس والعرب خاصّة (قريش) منهم، فكانت أقرب للفطرة.
كما أنّ ملكها النجاشي، يمتاز بصفات حميدة، أهمّها: العدل،
والاحسان، وحسن السيرة.
لاجل ذلك، اختار الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) أرض الحبشة
مهجراً للمؤمنين من أصحابه، حيث أمرهم بالهجرة إليها، تخلّصاً من ظلم قريش
واضطهادهم والاعتداء عليهم وتعذيبهم، خاصّة الذين لا يجدون من يحميهم ويجيرهم.
قائلاً لهم: «إنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد حتّى يجعل
الله لكم فرجاً ومخرجاً ممّـا أنتم فيه».
فخرجوا من مكّة في شهر رجب من السنة الخامسة لمبعثه الشريف (صلى الله عليه
وآله)
في غسق الليل خوفاً من طواغيت قريش وعيونهم، خرجوا إلى ميناء جدّة بطريقهم إلى
الحبشة، وصادف أنّ بعض السفن التي كانت في طريقها إلى الحبشة راسية في ميناء جدّة،
فركبوا بها كما جاء في سيرة ابن هشام.
كان عدد المهاجرين في القافلة الاُولى خمسة عشر إنساناً بين
رجل وامرأة، وكان عليهم عثمان بن مظعون، وكان من بين المهاجرين عبد الرحمن بن عوف،
والزبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم.
ومن الذين سافروا مع زوجاتهم: أبو سلمة بن عبد الاسد، مع
زوجته اُمّ سلمة، التي تزوّجها رسول الله (صلى الله عليه وآله)بعد وفاته،
وأبو حذيفة بن عتبة بن الربيع ومعه زوجته سهيلة بنت سهيل، وعامر بن أبي ربيعة ومعه
زوجته ليلى العدويّة، وغيرهم، كانت هذه القافلة هي الاُولى التي هاجرت إلى الحبشة.
ولمّـا نزلوا بأرض الحبشة، أكرم النجاشي وفادتهم فأقاموا
مدّة ثلاثة أشهر أو أكثر في أمن وأمان يمارسون فيها اُمور دينهم، ويعبدون ربّهم
بحرّية، ولا يخشون أحداً، ولا يسمعون ما يكرهون، في ظلّ ملك عادل، يتوجّه برعيّته
حيث يوجّهه رشده وإنصافه ومصلحة بلاده.
والتحقت القافلة الثانية من المهاجرين بهم، وهذه المرّة كانت
أوسع من سابقتها، فقد بلغوا سبعة وثمانين رجلاً وامرأة، منهم خمسة وسبعون رجلاً
واثنتا عشرة امرأة، ويسّر الله لهم أسباب الهجرة بواسطة السفن التي كانت في طريقها
من شواطئ جدّة إلى سواحل أرض الحبشة.
وكان عليهم هذه المرّة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، ومعه
زوجته أسماء بنت عميس، وكان معهم من وجوه المسلمين الذين ينتمون إلى قريش وغيرهم،
ولم يكن غيره من بني هاشم، وقد وجّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً إلى
ملك الحبشة مع عمر ابن أبي اُميّة الضمري، والتي جاء فيها ما معناه:
من محمّد رسول الله، إلى النجاشي عظيم الحبشة - إلى أن قال
-: «قد بعثت إليكم ابن عمّي جعفر بن أبي طالب، معه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك
فأقرّهم... إلى آخر الكتاب.
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن إسحاق أنّ أبا طالب
قال أبياتاً للنجاشي يحضّه على حسن جوار المسلمين والدفع عنهم،] ويدعوه إلى
الاسلام ونصرة النبيّ [:
ليعلم مليك الحبش أنّ محمّداً*** نبيٌّ كموسى والمسيح بن
مريمِ
أتانا بهدي مثل ما أتيا به*** فكلٌّ بأمر الله يهدي ويعصمِ
وإنّكم تتلونه في كتابكم*** بصدق حديث لا حديث المبرجمِ
وإنّك ما تأتيك منّا عصابةٌ*** بفضلك إلاّ عادوا بالتكرّمِ
فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا*** فإنّ طريق الحقّ ليس بمظلمِ
وفي هذا الشعر من التوحيد والاسلام ما لم يكن دفعه مسلم، وهو
صريح في إسلام أبي طالب.
وما أن علم أبو طالب بإرسال قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن
الوليد، وعبد الله بن أبي ربيعة وفداً إلى النجاشي ليكيدوا جعفراً وأصحابه، بعث
إلى النجاشي بهذه الابيات، يحضّه على حسن جوارهم والدفع عنهم:
ألا ليت شعري كيف في النأى جعفر*** وعمرو وأعداء العدوّ
الاقاربُ
فهل نال أفعال النجاشي جعفراً*** وأصحابه أو عاق ذلك شاغبُ
تعلم أبيت اللعن أ نّك ماجدٌ*** كريمٌ فلا يشقى لديك
المجانبُ
تعلم بأنّ الله زادك بسطةً*** وأسباب خير كلّها بك لازبُ
وإنّك فيض ذو سجال غزيرة*** ينال الاعادي نفعها والاقاربُ
وجاءت إلى المهاجرين في الحبشة الاخبار بزوال عهد المحنة،
ومهادنة قريش للمسلمين، وتركهم إيذاء المسلمين، ويصنعون ما يشاؤون، فصدق بعضهم
واختار العودة إلى مكّة، والعيش في بلاده مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأصحابه، وتركوا
بلاد الحبشة وهم يحملون لاهلها أطيب الذكر والشكر.
ولمّـا رجع عثمان بن مظعون مع مَن رجع من الحبشة إلى مكّة،
فوجئ بأنّ الامر لا يزال بيد المشركين، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يزال
على حاله في محنته، بل أسوأ ممّـا كان عليه (صلى الله عليه وآله)، فدخل مكّة
بجوار الوليد بن المغيرة، كما دخل أبو سلمة عبد الاسد وزوجته بجوار خاله أبي طالب،
وتسلّل الباقون إلى مكّة مختفين خوفاً من بطش طغاة قريش.
واستيقظت قريش على أنباء تلك الهجرة، وقدّرت أنّ هؤلاء
سيكونون النواة الاُولى لدعاة الاسلام في بلد يؤمن بالنصرانية، وقد ترامى إلى
أسماع قريش أنّ بعض آثارها تبشّر بظهور نبيّ عربي، وخشيت أن يوجّه المسلمون نشاطهم
إلى تلك البلاد فيبشّرون بالاسلام فيها، ويصبحون قوّةً لا طاقة لهم بها، وقريش
تعرف وتعلم أنّ للاسلام قواعده وقوّته وتأثيره على النفوس.
عزّ على قريش أن يجد المهاجرون الفارّون بدينهم من عذابها
الامان وطيب الاقامة، فأغرتهم كراهيّتهم للاسلام أن يبعثوا وفداً من شياطين قريش([9])
مزوّداً بالهدايا والتحف للنجاشي والبطارقة وحاشيته، وكان الوفد مؤلّفاً من عمرو
بن العاص، وعبد الله بن ربيعة، وعمارة بن الوليد بن المغيرة، كما نصّ على ذلك
جماعة من المؤرّخين في السير.
وقد حدثت فيما بينهم في الطريق وفي الحبشة مسائل لا أخلاقية،
يترفّع الانسان عن ذكرها، راجع السير لتكشف عن جيف تزكم الاُنوف([10])،
وللتأريخ وكشف الحقائق نذكر جانباً منها فيما بعد.
وقد ذكر المؤلّفون في السيرة عن اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة([11])،
وكانت من المسلمات المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها أبو سلمة يوم ذاك، قالت: إنّ
وفد قريش خرج من مكّة وقدم على النجاشي في أرض الحبشة، ونحن عنده بخير دار عند خير
جار، فوزّع الهدايا التي جاء بها على البطارقة وحاشية الملك، وقالوا لكلّ من أهدوا
إليه شيئاً: قد لجأ إلى بلد الملك منّا غلمان سفهاء فارقوا دين آبائهم وقومهم ولم
يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثَنا فيهم
أشراف قومهم إلى الملك ليردّوهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن
يسلّمهم إلينا ولا يكلّمهم، فإنّ قومهم أعرف بهم وأعلم بما عابوا عليهم، فوعدهم
البطارقة والحاشية خيراً.
ثمّ إنّهم قدّموا إلى الملك هديّته فقبلها منهم، ثمّ تحدّثوا
معه بالمهمّة التي جاؤوا من أجلها بما تحدّثوا به مع بطارقته وحواشيه، ورجّح
البطارقة للملك أن يسلّمهم اللاجئين ويردّهم إلى قومهم وبلادهم، فلم يستجب لهم
النجاشي وقال: والله لا أصنع شيئاً حتّى أدعوهم وأنظر في أمرهم، فإن كانوا كما
يقولون سلّمتهم لهم، وإن كانوا على غير ذلك أحسنت جوارهم ما داموا في جواري.
وأرسل النجاشي إلى المسلمين واستدعاهم إليه، فلمّـا حضروا
مجلسه اتّجه إليهم وقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم؟ ولم تدخلوا في
ديننا ولا في دين أحد هذه الملل؟
فتولّى الجواب عن المسلمين جعفر بن أبي طالب.
فقال جعفر: أ يّها الملك، سلهم: أعبيدٌ لهم نحن؟
قالوا: لا.
فقال الملك: ألكم عليهم دين؟
قالوا: لا.
فقال: هل قتلوا منكم قتيلاً؟
قالوا: لا.
فقال ما معناه: إذاً ما لكم عليهم شيء، فخلّوا سبيلهم.
فقال جعفر: أ يّها الملك، كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد
الاصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام، ونسيء الجوار، ويظلم القويّ
منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف نسبه وصدقه
وأمانته وعفّته، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا
من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الامامة، وصلة الرحم، وحسن
الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال
اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا
بالصلاة والصيام وأداء الزكاة. ومضى جعفر بن أبي طالب يحدّثه عن اُصول الاسلام
وفروعه، إلى أن قال: فصدّقناه وآمنّا به واتّبعناه على ما جاء به من الله تعالى،
فلم نشرك بالله، وأحللنا ما أحلّ لنا، وحرّمنا ما حرّم علينا، فعدا علينا قومنا
وعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الاصنام والاوثان من دون الله،
ولنستحلّ ما كنّا نستحلّه من الخبائث، فلمّـا ضيّقوا علينا وعذّبونا وقهرونا خرجنا
إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك
أ يّها الملك.
فقال النجاشي: هل معك شيء ممّـا جاء به من الله؟
فقال جعفر: نعم.
قال: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه شيئاً من سورة الكهف.
فبكى النجاشي، وبكى معه الاساقفة، ثمّ قال: إنّ هذا والذي
جاء به عيسى ابن مريم يخرج من مشكاة واحدة. ثمّ التفت إلى وفد قريش وقال لهما:
انطلقا فلا والله لا اُسلّمهم لكما.
قالت اُمّ سلمة: فلمّـا خرج عمرو بن العاص ومن معه من عنده،
قال: والله لاتينّه غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي
ربيعة، وكان أتقى منه: لا تفعل، فإنّ لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا. قال ابن العاص:
والله لاُخبرنّه عنهم أ نّهم يزعمون أنّ عيسى بن مريم عبدٌ.
ثمّ غدا عليه في اليوم الثاني وقال له: أ يّها الملك،
إنّهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم واسألهم ما يقولون فيه.
فأرسل إليهم النجاشي ليسألهم عمّـا يقولون في عيسى بن مريم (عليه السلام).
فلمّـا دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ قال جعفر بن
أبي طالب: نقول فيه ما جاء به نبيّنا: إنّه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها
إلى مريم العذراء البتول. فلمّـا سمع النجاشي ذلك ضرب بيده على الارض، فأخذ منها
عوداً وقال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ذلك. فقال
لهم: وإن نخرتم. وقال للمسلمين: إذهبوا فأنتم آمنون في أرضي، مَن سبّكم غرم، وما
اُحبّ أنّ لي ديراً من ذهب([12])
وأنّي آذيت أحداً منكم.
وفي المسند من حديث عليّ رفعه: اُعطيت رفقاء نجباء. فذكره
منهم.
وهاجر جعفر إلى الحبشة فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه([13]).
وكلّ ذلك مشهور في المغازي بروايات متعدّدة وصحيحة.
ثمّ التفت إلى غلمانه وقال: ردّوا عليهم هداياهم فلا حاجة لي
بها، فوالله ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليَّ ملكي، حتّى آخذ الرشوة فيه،
وما أطاع الناس فيَّ حتّى اُطيعهم فيه.
فخرج عمرو بن العاص ومن معه من مجلس النجاشي يجرّون أذيال
الخيبة مردوداً عليهم ما جاؤوا به، وقالت أخيراً السيّدة اُمّ سلمة: وأقمنا عنده
بخير دار مع خير جوار، حتّى قيّض الله لنا وسهّل أمرنا وعدنا إلى أهلنا وديارنا،
بالقرب من الرسول (صلى الله عليه وآله).
يُروى أنّ قريشاً أرسلت وفدين إلى الحبشة، والمرجّح أنّ
الوفد الاوّل كان في السنة السادسة من مبعثه الشريف، وكان الوفد مؤلّفاً من عمرو
بن العاص وعمارة بن الوليد، والوفد الثاني كان بعد اندحار قريش وهزيمتهم في بدر،
حينما رجعا خائبين بخفّي حنين.
أرسلت قريش وفدها لكيد المسلمين والانتقام منهم، وهم عمرو بن
العاص وعبد الله بن أبي ربيعة.
أمّا خبر ذهاب عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى أرض
الحبشة حسبما ذكره المجلسي في بحار الانوار، والسيّد محسن الامين في أعيان الشيعة
وغيرهم من المؤرّخين، كما روى ذلك ابن إسحاق في المغازي، قائلاً: كان عمارة بن
الوليد وعمرو بن العاص قد خرجا إلى الحبشة موفدين من قبل قريش، بعد مبعث النبيّ (صلى الله عليه
وآله)،
وهما على شركهما، وكان عمارة رجلاً جميلاً تهواه النساء([14])، فركبا
البحر، وكان مع عمرو زوجته فأصابا من خمريهما، فلمّـا انتشى عمارة قال لامرأة
عمرو: قبّليني. فقال لها عمرو: قبّلي ابن عمّك. فقبّلته، وجعل عمارة يراودها عن
نفسها فامتنعت منه، وجلس عمرو على منجاف السفينة يبول، فدفعه عمارة في البحر، فسبح
حتّى أخذ مجذاف السفينة وصعد، فقال له عمارة: والله لو علمت أ نّك سابح ما
طرحتك، لكنّي ظننت أ نّك لا تحسن السباحة. فظغن عمرو عليه، وعلم أ نّه
يريد قتله ليخلو بامرأته.
فلمّـا وصلا أرض الحبشة لم يلبث عمارة أن دبّ إلى أمرأة
للنجاشي وجعل إذا رجع من عندنا يخبر عمرو بما كان من أمره معها، فيقول عمرو: لا
اُصدّقك، إنّ شأن هذه المرأة أرفع من ذلك، وهو يعلم صدقه، ولكنّه يريد الوقيعة به،
وأن يأتيه بشيء لا يستطيع دفعه إن هو رفع شأنه إلى النجاشي.
فقال له: إن كنت صادقاً فقل لها فلتدهنك بدهن النجاشي، الذي
لا يدهن به غيره، فإنّي أعرفه، وآتني بشيء منه. فسألها ذلك فدهنته منه وأعطته
شيئاً في قارورة فلمّـا شمّه عرفه، فسكت عنه حتّى اطمأنّ ودخل على النجاشي فقال
له: أ يّها الملك، إنّ معي سفيهاً من سفهاء قريش وأردت أن اُعلمك بشأنه، وأن
لا أرفع ذلك إليك حتّى اُثبته، وأ نّه قد دخل على بعض نسائك، وهذا دهنك قد
أعطته إيّاه، وادهن به.
فلمّـا شمّه النجاشي قال: صدقت هذا دهني الذي لا يكون إلاّ
عند نسائي، فدعا بعمارة، ودعاة نسوة اُخر فجرّدوه من ثيابه] فضُرب بالسياط [إلى
آخر ما ورد في الخبر.
وبرواية الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي موسى، قال: أمرنا
رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ننطلق
إلى أرض النجاشي] الحبشة [فبلغ ذلك قريشاً فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد،
وجمعوا للنجاشي هدايا، فقدمنا، وقدموا على النجاشي فأتوه بهديّة فقبلها، وسجدوا
له، ثمّ قال عمرو بن العاص: إنّ قوماً منّا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فقال لهم
النجاشي: في أرضي؟ قال: نعم. فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلّم منكم أحد، أنا
خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه،
وعمارة بن الوليد عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين، فقال له عمرو وعمارة:
إنّهم لا يسجدون لك. فلمّـا انتهينا إليه زبرنا - أي بدرنا - من] كان [عنده من
القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلاّ لله.
فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال جعفر: إنّ الله بعث فينا
رسوله وهو الرسول الذي بشّر به عيسى بن مريم، بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد،
فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا
بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فأعجب النجاشي قول] جعفر [،
فلمّـا رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك، إنّهم يخالفونك في عيسى بن مريم. فقال
النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟
قال: يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول
العذراء، لم يقربها بشر. فتناول النجاشي عوداً من الارض فرفعه وقال: يا معشر
القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون أو (ما نقول) في ابن مريم ما يزن
هذه - أي: ولا وزن هذه -.
مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أ نّه رسول
الله، وأ نّه الذي بشّر به عيسى بن مريم (عليه السلام)، ولولا ما
أنا فيه من الملك لاتيته حتّى اُقبّل نعله، امكثوا في أرضي ما شئتم. وأمر لنا
بطعام وكسوة، وقال: ردّوا على هذين هديّتهما، فوالله لا اُسلّمهم إليكما ولا أكيد
لهم.
ثمّ قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم:
الامنون - من مسّكم غرم، قالها ثلاث مرّات، ما اُحبّ أنّ لي دير ذهب وأ نّي
آذيت رجلاً منكم - الدير بلسان الحبشة الجبل([15]) -.
وفي المسند من حديث علي (عليه السلام) رفعه: قال
رسول الله (صلى الله عليه وآله): اُعطيت رفقاء نجباء: فذكر منهم، وهاجر جعفر
إلى الحبشة فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه، كلّ ذلك مشهور في المغازي بروايات
متعدّدة صحيحة.
قال ابن أبي الحديد: روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أ نّه
قال: لقد كاد عمرو بن العاص عمّنا جعفراً بأرض الحبشة عند النجاشي وعند كثير من
رعيّته بأنواع الكيد، فردّها الله تعالى عنه بلطفه - إلى أن قال -: وما زال ابن
الجزّار عدوّاً لنا أهل البيت.
وفي الدرجات الرفيعة ، عن جابر بن عبد الله: لمّـا قدم
جعفر من أرض الحبشة أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأعطى
امرأته أسماء بنت عميس من غنائم خيبر، وقال: أشبهت خَلقي وخُلقي.
حتّى أنّ النجاشي أرسل وفداً من قبله إلى رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
مكوّن من سبعين قسيساً وراهباً مع ولده (راها) للاعلان عن إسلامهم، ولكنّهم غرقوا
في البحر قبل أن يصلوا سواحل جدّة، وقد عزّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، تجد
الكتاب مع كتب الرسول (صلى الله عليه وآله) للشيخ علي الاحمدي.
قتل جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) شهيداً في
غزوة مؤتة بأرض البلقاء، في جمادى الاوّل سنة ثمان من الهجرة.
وكان سببها فيما رواه الواقدي: أنّ رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
بعث الحارث بن عمير الازدي سنة ثمان من الهجرة إلى ملك بصرى بكتاب، فلمّـا نزل
مؤتة، عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّاني([16]) فقال: أين
تريد؟ قال: الشام. قال: لعلّك من رسل محمّد؟ قال: نعم. فأمر به فاُوثق رباطاً، ثمّ
قدّمه فضرب عنقه، ولم يقتل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) رسولٌ
غيره، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاشتدّ غضباً لمقتله،
وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث، فأسرعوا وخرجوا وعسكروا بالجرف، فأمّر عليهم
جعفر بـن أبي طالب، فإن قُتل فزيـد بـن حارثة، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة.
هذا في رواية أبان بن عثمان عن الامام الصادق (عليه السلام)، ويدلّ
عليه شعر حسّان بن ثابت، وشعر كعب بن مالك الاتيين في رثاء جعفر وأصحابه، حيث يقول
حسّان:
غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم*** إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغرّ كضوء البدر من آل هاشم*** أبيٌّ إذا سيم الظلام أصعر
ويقول كعب:
إذ يهتدون بجعفر ولوائه*** قدّام أوّلهم ونعم الاوّل
والاعتبار يقضي ذلك، فلم يكن رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
ليؤمّر عليهم غير جعفر، مع كفاءته وكونه أهلاً للامارة وتفوّقه على الاخرين في
الشجاعة والاخلاص، كما يدلّ عليه ما في الاستيعاب، لكنّما أهل الاهواء من
المؤرّخين أو غيرهم يعزّ عليهم أن يقدم هذا الجيش أخو عليّ بن أبي طالب، فقدّموا
زيداً عليه، ولو أ نّنا لا نبخس حقّ الشهيد زيد ومجده وعزّه وقربه وشجاعته،
وكذلك الشهيد عبد الله بن رواحة.
ولكن لجعفر ميزات في نفس الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يضاهيها
غيره.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مُثِّل لي
جعفر، وزيد، وابن رواحة في خيمة من درّ كلّ واحد منهم على سرير، فرأيت زيداً وابن
رواحة في أعناقهما صدوداً، ورأيت جعفر مستقيماً ليس فيه صدود، قال: فسألت، أو قيل
لي: إنّهما حين غشيهما الموت أعرضا أو كأ نّهما صدّا بوجوههما، وأمّا جعفر
فإنّه لم يفعل.
ومع ذلك فيقول ابن أبي الحديد: اتّفق المحدّثون على أنّ زيد
بن حارثة كان هو الامير الاوّل، فإن قُتل فجعفر، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة،
قال: وأنكرت الشيعة ذلك وقالوا: كان جعفر بن أبي طالب هو الامير الاوّل، فإن قُتل
فزيد، فإن قُتل فعبد الله، ورووا في ذلك روايات وقد وجدت في الاشعار التي ذكرها
محمد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم، ثمّ ذكر ابن أبي الحديد قصيدة
حسّان وأبيات كعب التي مرّت، وهي تشير إلى أنّ القائد الاوّل جعفر.
وقال الواقدي: ودفع اللواء إلى أميرهم، وهو لواء أبيض، ومشى
الناس إلى جعفر وأصحابه يودّعونهم وكانوا ثلاثة آلاف.
وروى الواقدي بسنده: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج
مشيّعاً لاهل مؤتة حتّى بلغ ثنية الوداع، وإنّه خطبهم وأوصاهم فقال: اُوصيكم بتقوى
الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر
بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوّك من المشركين
فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأ يّهنّ أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم، إلى آخر
حديثه([17]).
قال الواقدي: ومضى المسلمون فنزلوا وادي القرى وأقاموا به
أياماً وساروا حتّى نزلوا بمؤتة وبلغهم أنّ هرقل ملك الروم قد نزل ماءً من مياه
البلقاء، في جيش من بني بكر وبهراء ولخم وجذام وغيرهم من الروم في مائة ألف مقاتل
من العرب عليهم رجل من (بلى) يقال له مالك، فأقام المسلمون ليلتين ينظرون في
أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنخبره
الخبر، فإمّا أن يردّنا أو يزيدنا، فشجعّهم عبد الله بن رواحة وقال: والله ما كنّا
نقاتل الناس بكثرة العدد، ولا كثرة سلاح، ولا كثرة خيل، إلاّ بهذا الدين الذي
أكرمنا الله به، انطلقوا فقاتلوا فقد والله رأيتنا يوم بدر وما معنا إلاّ فرسان،
إنّما هي إحدى الحسنيين إمّا الظهور عليهم فذاك ما وعدنا الله ورسوله، وليس لوعده
خلف، وإمّا الشهادة. فاستجمع الناس على قوله.
قال ابن إسحاق: ثمّ مضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء
لقيتهم جموع هِرَقْل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها (مشارف) ثمّ
تقدّم العدوّ وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الجمعان عندها.
قال ابن إسحاق في المغازي، وأبو فرج في مقاتل الطالبيين:
وتعبّأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من عذرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى
ميسرتهم رجلاً من الانصار يقال له: عبادة أو عبادية بن مالك، فالتقى الناس فاقتتلوا
وأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب وقاتل قتالاً شديداً حتّى إذا ألجمه القتال اقتحم عن
فرس له شقراء فعقرها، أو عرقبها، فكان أوّل رجل عقر فرسه في الاسلام، ثمّ قاتل وهو
يقول:
يا حبّذا الجنّة واقترابها*** طيّبةٌ وباردٌ شرابها
والروم روم قد دنا عذابها*** كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها
ثمّ هجم على الروم وقاتل قتال الابطال، وأبلى بلاءً حسناً
حتّى قطعت يده اليمنى فأخذ الراية بيده اليسرى، وقاتل إلى أن قُطعت يده اليسرى
أيضاً فاعتنق الراية وضمّها إلى صدره حتّى قُتل ووُجد به نيف وسبعون - وقيل: نيّف
وثمانون - جرحاً بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم.
وقال البلاذري: قطعت يداه، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة حيث يشاء مع الملائكة، ولذلك سمّي
بجعفر الطيّار أو ذو الجناحين.
ثمّ أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل حتّى قُتل طعناً
بالرماح، ثمّ أخذ الراية من بعده عبد الله بن رواحة، وقاتل حتّى قُتل، وبعدها
انهزم المسلمون أسوأ هزيمة وتراجعوا، فأخذ اللواء ثابت بن أرقم، ثمّ أعطاه خالد بن
الوليد فحمل به ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه، فلمّـا رأى خالد جموعهم، انحاز
بالمسلمين وانكشفوا راجعين.
قال الواقدي: وقد روي أنّ خالداً ثبت، والصحيح أ نّه
انهزم بالناس حتّى عُيِّروا بالفرار وتشاءم الناس به، فلمّـا سمع أهل المدينة بهم
تلقّوهم بالجرف، فجعلوا يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرّار، أفررتم في سبيل
الله، حتّى أنّ الرجل منهم ينصرف إلى بيته وأهله فيدقّ عليهم فيأبون أن يفتحوا له
الباب، وجلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياءً من الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
لتطييب نفوسهم: ليسوا بالفرّار، ولكنّهم كرّار إن شاء الله.
روى الواقدي بسنده عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي
اُصيب فيه جعفر وأصحابه، فأتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذت ابني
فغسلت وجوههم ودهنتم، فدخل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا
أسماء، أين بنو جعفر؟ فجئت بهم إليه فضمّهم، وشمّهم ثمّ ذرفت عيناه فبكى، فقلت: يا
رسول الله، لعلّه بلغك عن جعفر شيء. قال: نعم، إنّه قُتل اليوم. فقمت أصيح، واجتمع
إليَّ النساء، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يا أسماء، لا
تقولي هجراً، ولا تضربي صدراً. ثمّ خرج حتّى دخل على ابنته فاطمة وهي تبكي وتقول:
وا عمّاه، فقال: على مثل جعفر فلتبكِ الباكية، ثمّ قال: اصنعوا لال جعفر طعاماً،
فقد شغلوا بأنفسهم اليوم، فأصبحت سنّة.
وروى الواقدي بسنده عن عبد الله بن جعفر أ نّه قال: أنا
أحفظ حين دخل النبيّ (صلى الله عليه وآله) على اُمّي فنعى إليها أبي، فأنظر إليه
وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهرقان بالدمع حتّى قطرت على لحيته، ثمّ قال:
اللهمّ إنّ جعفراً قدم إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذرّيته بأحسن ما خلفت أحداً من
عبادك في ذرّيته.
ثمّ قال: يا أسماء، ألا اُبشّركِ؟ قالت: بلى بأبي واُمّي.
قال: فإنّ الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة. قالت: بأبي واُمّي، فأعلم
الناس ذلك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ بيدي - أي بيد
عبد الله بن جعفر - يمسح بيده رأسي حتّى رقى على المنبر وأجلسني أمامه على درجة
السفلى، وإنّ الحزن ليُعرف عليه. فتكلّم فقال: إنّ المرء كبير بأخيه وابن عمّه،
ألا إنّ جعفراً قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنّة، ثمّ نزل
فدخل بيته وأدخلني، وأمر بطعام فصُنع لنا، وأرسل إلى أخي فتغدّينا عنده غداءً
طيّباً.
وقال: وأتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك
وأنا اُساوم في شاة، فقال: اللهمّ بارك له في صفقته، فوالله ما بعت شيئاً ولا
اشتريت إلاّ بورك فيه.
في شرح النهج لابن أبي الحديد، وقد روى في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه
وآله):
سادة أهل المحشر، سادة أهل الدنيا: أنا وعليّ وحسن وحسين وحمزة وجعفر.
وفي مقاتل الطالبيين، بسنده عن الامام جعفر بن محمد الصادق
عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خُلق
الناس من أشجار شتّى، وخُلقت أنا وجعفر من طينة واحدة. وفي رواية: من شجرة واحدة.
وعن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
خير الناس: حمزة وجعفر وعليّ (عليهم السلام).
وعن عليّ (عليه السلام): إنّ رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
قال لجعفر بن أبي طالب: أشبهت خَلقي وخُلقي.
عن عبد الله بن عباس قال: لمّـا قدم جعفر بن أبي طالب من أرض
الحبشة، اعتنقه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقبّل بين عينيه،
وقال: جعفر أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، ثمّ قال: يا جعفر، ما أعجب ما رأيت بأرض
الحبشة؟ قال: يا رسول الله، بينا أنا أمشي بين أزقّتها، إذا سوداء على رأسها مكتل
فيه برّ فصدمها رجلٌ على دابّته فوقع مكتلها وتنثّر برها، وأقبلت تجمعه من التراب
وهي تقول: ويلٌ للظالم من ديّان يوم الدين، ويلٌ للظالم من المظلوم يوم القيامة،
ويلٌ للظالم إذا وُضع الكرسي للفصل يوم القيامة. فقال النبيّ (صلى الله عليه
وآله):
لا يقدّس الله اُمّة لا يأخذ ضعيفها من قويّها حقّه غير متعتع.
وفي الاستيعاب بسنده عن أبي هريرة: ما احتذى النعال، ولا ركب
المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل من
جعفر بن أبي طالب.
وكفى جعفر بن أبي طالب فخراً قول رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
أشبهت خَلقي وخُلقي، وفضل جعفر أظهر من الشمس في رابعة النهار، لا يحتاج إلى شهادة
أحد. وقد هاجر الهجرتين، وكانت له في هجرة الحبشة المقامات المشهودة، وثباته يوم
مؤتة، فأيّ شهادة تعدل شهادته، وأيّ جهاد يماثل جهاده.
اختلف الرواة في تحديد عمر جعفر بن أبي طالب عند مقتله في
سنة ثمانية من الهجرة، وأقرب للصواب قتل جعفر وعمره حوالي أربعين عاماً، وعن
الزبير ابن بكار، في الاستيعاب كانت سنّ جعفر بن أبي طالب يوم قُتل إحدى وأربعين
سنة.
عن مجالد عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: كنت
إذا سألت عمّي عليّاً شيئاً فمنعني، قلت بحقّ جعفر، أعطاني([18]).
عن عليّ (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):
لم يكن قبلي نبيّ إلاّ قد اُعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإنّي اُعطيت أربعة عشر،
منهم: حمزة وجعفر وعليّ وحسن وحسين وسلمان وعمّـار والمقداد... إلى آخره([19]).
أقبل جعفر على الرسول (صلى الله عليه وآله) مسلّماً،
آخذاً مكانه العالي بين المؤمنين المبكّرين.
وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته (أسماء بنت عميس).
وحملا نصيبهما من الاذى، ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة.
فلمّـا اختار الرسول لاصحابه الهجرة إلى الحبشة، خرج جعفر
وزوجته حيث لبثا بها سنين عدداً، رُزقا خلالها بأولادهما الثلاثة - محمد، وعبد
الله، وعوف -.
وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب المتحدّث اللبق، الموفّق باسم
الاسلام ورسوله.
ذلك أنّ الله أنعم عليه - فيما أنعم - بذكاء القلب، وإشراق
العقل، وفطنة النفس، وفصاحة اللسان.
ولئن كان يوم (مؤتة) الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتّى
يستشهد... أروع أيامه وأمجدها وأخلدها.
فإنّ يوم (المحاورة) التي أجراها أمام النجاشي بالحبشة، لن
يقلّ روعة، ولا بهاءً، ولا مجداً.
لقد كان يوماً فذّاً، ومشهداً عجباً.
* * *
وذلك أنّ قريشاً لم يُهدّئ من ثورتها، ولم يُذهب من غيظها،
ولم يُطامن من أحقادها، هجرة المسلمين إلى الحبشة، بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم،
ويتكاثر جمعهم... وحتّى إذا لم تؤاتهم فرصة التكاثر والقوّة، فقد عزّ على كبريائها
أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويُفلتوا من قبضتها... ويظلّوا هناك في مهاجرتهم أملاً
رحباً تهتزّ له نفس الرسول، وينشرح له صدر الاسلام.
هنالك قرّر سادتها إرسال مبعوثين إلى النجاشي يحملان هدايا
قريش النفيسة، ويحملان رجاءها في أن يُخرج من بلاده هؤلاء الذين جاءوا إليها
لائذين ومستجيرين...
وكان هذان المبعوثان: عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن
العاص، من قبل المشركين.
* * *
كان (النجاشي) الذي يجلس على عرش الحبشة، رجلاً يحمل إيماناً
مستنيراً... وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية، بعيدة من الانحراف،
نائية عن التعصّب والانغلاق..
وكان ذِكرُه يسبقه.. وسيرته العادلة، تنشر عبيرها في كلّ
مكان بلغه..
من أجل هذا، اختار الرسول (صلى الله عليه وآله) بلاده دار
هجرة لاصحابه..
ومن أجل هذا، خافت قريش ألاّ تبلغ لديه ما تريد فحمّلت
مبعوثيها هدايا ضخمة للاساقفة، وكبار رجال الكنيسة هناك، وأوصى زعماء قريش
مبعوثيهم ألاّ يقابلا النجاشي حتّى يعطيا الهدايا للبطارقة أوّلاً، وحتّى يُقنعاهم
بوجهة نظرهما، ليكونوا لهما عوناً عند النجاشي.
وحطّ المبعوثان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها الزعماء الروحانيين
كافة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها إليهم.. ثمّ أرسلا للنجاشي هداياه.
ومضيا يوغران صدور القُسس والاساقفة ضدّ المسلمين المهاجرين،
ويستنجدان بهم لحمل النجاشي على إخراجهم من بلاده.
وحُدّد يومٌ يلقيان فيه النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم
قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها.
* * *
وفي وقار مهيب، وتواضع جليل، جلس (النجاشي) على كرسيّه
العالي، تحفّ به الاساقفة ورجال الحاشية، وجلس أمامه في البهو الفسيح، المسلمون
المهاجرون، تغشاهم سكينة الله، وتُظلّهم رحمته.. ووقف مبعوثا قريش يكرّران
الاتّهام الذي سبق أن ردّداه أمام (النجاشي) حين أذن لهم بمقابلة خاصّة قبل هذا
الاجتماع الحاشد الكبير:
«أ يّها الملك.. إنّه قد ضوى إلى بلدك غِلمانٌ سفهاء،
فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا
أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردّهم
إليهم»...
وولّى النجاشي وجهه شطر المسلمين، ملقياً عليهم سؤاله:
«ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن
ديننا»..؟
ونهض (جعفر) قائماً.. ليؤدّي المهمّة التي كان المسلمون
المهاجرون قد اختاروه لها إبّان تشاورهم، وقبل مجيئهم إلى هذا الاجتماع..
نهض (جعفر) في تؤدة وجلال، وألقى نظرات مُحبّة على الملك
الذي أحسن جوارهم وقال:
] يا أ يّها الملك...
«كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الاصنام، ونأكل الميتة، ونأتي
الفواحش، ونقطع الارحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف.. حتّى بعث الله
إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده
ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والاوثان...
«وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرحم، وحسن
الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء..
«ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف
المحصنات.. فصدّقناه وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاءه من ربّه، فعبدنا الله وحده
ولم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا. فعدا علينا
قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الاوثان، وإلى ما كنّا عليه
من الخبائث...
«فلمّـا قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين
ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاّ نُظلم عندك [...
* * *
ألقى (جعفر) بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر، فملات نفس
النجاشي إحساساً وروعة.. والتفت إلى (جعفر) وسأله:
«هل معك ممّـا اُنزل على رسولكم شيء»..؟؟
قال جعفر: نعم..
قال النجاشي: فاقرأه عليَّ..
ومضى (جعفر) يتلو آيات من سورة مريم، في أداء عذب، وخشوع
آسر.. فبكى النجاشي.. وبكى معه أساقفته جميعاً..
ولمّـا كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة، التفت إلى مبعوثي قريش،
وقال:
] إنّ هذا، والذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة... انطلقا فلا
والله، لا اُسلمهم إليكما [... ! !
انفضّ الجمع، وقد نصر الله عباده وآزرهم، بينما رُزئ مندوبا
قريش بهزيمة منكرة...
لكن (عمرو بن العاص) كان داهيةً واسع الحيلة، لا يتجرّع
الهزيمة، ولا يُذعن لليأس بسهولة.
وهكـذا لم يكـد يعـود مع صاحبه إلى نُزُلهما، حتّى يفكّر
ويدبّر، وقال لزميله:
«والله لارجعنّ للنجاشي غداً، ولاتينّه عنهم بما يستأصل
خضراءهم»...
وأجابه صاحبه: «لا تفعل، فإنّ لهم أرحاماً، وإن كانوا قد
خالفونا»...
قال عمرو: «والله لاُخبرنّه أ نّهم يزعمون أنّ عيسى بن
مريم عبد، كبقيّة العباد»... هذه إذن هي المكيدة الجديدة التي دبّرها مبعوث قريش
للمسلمين.
* * *
وفي الغداة أغذّا السير إلى مقابلة الملك، وقال له عمرو:
«أ يّها الملك، إنّهم ليقولون في عيسى قولاً عظيماً»...
واضطرب الاساقفة...
واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة...
ونادوا بدعوة المسلمين - مرّة اُخرى - لسؤالهم عن موقف دينهم
من المسيح...
وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة، فجلسوا يتشاورون...
ثمّ اتّفقوا على أن يقولوا الحقّ الذي سمعوه من نبيّهم عليه
الصلاة والسلام، لا يحيدون عنه قيد شعرة، وليكن ما يكون.. ! !
وانعقد الاجتماع من جديد، وبدأ النجاشي الحديث سائلاً جعفر:
] ماذا تقولون في عيسى [..؟؟
ونهض جعفر مرّة اُخرى كالمنار المضيء وقال:
] نقول فيه ما جاءنا به نبيّنا (صلى الله عليه وآله): هو عبد
الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه [...
فهتف النجاشي مصدّقاً ومعلناً أنّ هذا هو ما قاله المسيح عن
نفسه...
لكنّ صفوف الاساقفة ضجّت بما يشبه النكير...
ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلاً للمسلمين:
] اذهبوا، فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبّكم أو آذاكم، فعليه غُرم ما
يفعل [..
ثمّ التفت صوب حاشيته، وقال وسبّابته تشير إلى مبعوثَي قريش:
] ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها..
«فوالله ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليَّ ملكي، فآخذ
الرشوة فيه [... ! !
وخرج مبعوثا قريش مخذولين، حيث ولّيا وجهيهما من فورهما شطر
مكّة عائدين إليها...
وخرج المسلمون بزعامة (جعفر) ليستأنفوا حياتهم الامنة في
الحبشة، لابثين فيها كما قالوا: «بخير دار... مع خير جار..» حتّى يأذن الله لهم
بالعودة إلى رسولهم وإخوانهم وديارهم..
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحتفل مع
المسلمين بفتح (خيبر) السنة السابعة من الهجرة حين طلع عليهم قادماً من الحبشة
(جعفر بن أبي طالب) ومعه من كانوا لا يزالون بالحبشة من المهاجرين..
واُفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمه غبطة، وسعادة،
وبشراً...
وعانقه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو يقول:
] لا أدري بأ يّهما أنا اُسرّ: بفتح خيبر... أم بقدوم جعفر.. [.
وركب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصحبه إلى
مكّة، حيث اعتمروا عمرة القضاء، وعادوا إلى المدينة، وقد امتلات نفس (جعفر) روعة
بما سمع من أنباء إخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) غزوة (بدر)
و (اُحد)... وغيرهما من المشاهد والمغازي... وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا
ما عاهدوا الله عليه، وقضوا نحبهم شهداء أبراراً...
وطار فؤاده شوقاً إلى الجنّة، وأخذ يتحيّن فرصة الشهادة،
ويترقّب لحظتها المجيدة.. ! !
* * *
وكانت (غزوة مؤتة) التي أسلفنا الحديث عنها، تتحرّك راياتها في
الاُفق متأهّبة للزحف، وللمسير...
ورأى (جعفر) في هذه الغزوة فرصة العمر، فإمّا أن يحقّق فيها
نصراً كبيراً لدين الله، وإمّا أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله...
ومضى يقاتل بها في إقدام خارق.. إقدام رجل لا يبحث عن النصر،
بل عن الشهادة...
وتكاثر عليه وحوله مقاتلة الروم، ورأى فرسه تعوق حركته
فاقتحم عنها فنزل، وراح يصوّب سيفه ويسدّده إلى نحور أعدائه كنقمة القدر.
وانطلق وسط صفوف الروم المتكالبة عليه يدمدم كالاعصار، وصوته
يتعالى بهذا الرجز المتوهّج:
يا حبّذا الجنّة واقترابها*** طيّبةً، وبارداً شرابها
والروم رومٌ، قد دنا عذابها*** كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها
وأدرك مقاتلوا الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل،
وكأ نّه جيشٌ لَجِب...
وأحاطوا به في إصرار مجنون على قتله، وحوصر بهم حصاراً لا
منفذ فيه لنجاة..
وضربوا بالسيوف يمينه، وقبل أن تسقط الراية منها على الارض
تلقّاها بشماله.. وضربوها هي الاُخرى، فاحتضن الراية بعضديه..
* * *
وهكذا، صنع (جعفر) لنفسه موتة من أعظم موتات البشر.. ! !
وهكذا لقي ربّه الكبير المتعال، مضمّخاً بفدائيّته، مدّثراً
ببطولته..
وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه
الله، وبكى..
وقام إلى بيت ابن عمّه، ودعا بأطفاله وبنيه، فتشمّمهم،
وقبّلهم، وذرفت عيناه...
ثمّ عاد إلى مجلسه، وأصحابه حافّون به ينعى جعفراً، ووقف
شاعر الاسلام (حسّان بن ثابت) يرثي جعفراً ورفاقه:
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم*** إلى الموت ميمون النقيبة أزهرُ
أغرّ كضوء البدر من آل هاشم*** أبيّ إذا سيم الظلامة،
مِجْسَرُ
فطاعن حتّى مال غير موسِّد*** لمعترك فيه القنا يتكسّرُ
فصار مع المستشهدين ثوابه*** جنانٌ، وملتفٌّ الحدائق أخضرُ
وكنّا نرى في جعفر من محمّد*** وفاءً وأمراً حازماً حين
يأمرُ
فما زال في الاسلام من آل هاشم*** دعائم عزٍّ لا يزلن ومفخرُ
ونهض بعد (حسّان) (كعب بن مالك)، فيرسل شعره الجزل:
وَجْداً على النفر الذين تتابعوا*** يوماً بمؤتة، اُسندوا لم
يُنقلوا
صلّى الاله عليهمو من فتية*** وسقى عظامهم الغمام المُسبِلُ
صبروا بمؤتة للاله نفوسهم*** حذر الردى، ومخافةً أن ينكلوا
إذ يهتدون بجعفر ولواؤه*** قُدّام أوّلهم، فنعم الاوّلُ
حتّى تفرّجت الصفوف وجعفرٌ*** حيث التقى وعث الصفوف مجدّلُ
فتغيّر القمر المنير لفقده*** والشمس قد كسفت، وكادت
تأفلُ*** وذهب المساكين جميعاً يبكون أباهم.. فقد كان جعفر (رضي الله عنه) (أبا المساكين)..
يقول أبو هريرة:
] كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب [...
أجل، كان أجود الناس بماله وهو حيّ.. فلمّـا جاء أجله أبى
إلاّ أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلاً لروحه وحياته..
إنّه رقى في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة على كلّ مكان من
جسد أنهكته السيوف والرماح..
وإن شئتم، فاسمعوا قول الرسول (صلى الله عليه وآله):
] لقد رأيته في الجنّة.. له جناحان مضرّجان بالدماء.. مصبوغ القوادم
[... ! ! !
فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم أسلم، وجاهد، واستشهد، ويوم يبعث
حيّاً.
1 - أعيان الشيعة 4: 125
2 - اُسد الغابة 1: 342، وطبعة اُخرى: 281
3 - الاصابة 1: 237 و 485
4 - رجال حول الرسول 1: 265 - 275
5 - مقاتل الطالبيين: 3
الزركلي - في أعلامه - قال:
مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، القرشي، من بني عبد
الدار.
صحابي، شجاع، من السابقين للاسلام، أسلم في مكّة وكتم إسلامه
فعلم به أهله، فأوثقوه كتافاً وحبسوه، فهرب مع مَن هاجر إلى الحبشة، ثمّ رجع إلى
مكّة، ومنها إلى المدينة، فكان أوّل من جمع الجمعة فيها، وعرف بالمقرئ، وأسلم على
يده اُسيد بن خضير، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وشهد بدراً، وحمل اللواء يوم
اُحد، فاستشهد، وكان في الجاهلية فتى مكّة شباباً وجمالاً ونعمة، ولمّـا ظهر
الاسلام زهد بالنعيم، وكان يلقّب بـ (مصعب الخير)، ويقال: فيه وفي أصحابه نزلت
الاية: (مِنَ
المُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيْهِ).
مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن
كلاب بن مرّة القرشي العبدي، يكنّى أبا عبد الله([21]).
هذا الفتى من الاوائل وفي الرعيل الاوّل للمسلمين، ومن الذين
كتموا إسلامهم وكان في الجاهلية في مقدّمة شبابها نضارةً وجمالاً وفتوّة، ولد في
نعمة متناهية، وغُذّي بها، وشبّ تحت خمائلها، ملبساً ومأكلاً، ولعلّه لم يكن في
فتيان مكّة من ظفر بالنعمة، ودلال أبويه بمثل ما ظفر به (مصعب بن عمير).
كان حديث حِسان مكّة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، وهل يمكن أن
يتحوّل إلى اُسطورة من أساطير الايمان والفداء...؟؟ نعم، إنّه واحد من اُولئك
الذين صاغهم الاسلام وربّاهم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، وأيّ
تربية هذه؟
إنّ قصّة حياة مصعب بن عمير لشرفٌ عظيم لابناء جلدته، أو قُل
للانسانية جمعاء.
وإليك قصّة حياته:
لقد سمع هذا الفتى في أندية قومه بمكّة أنّ محمّداً الصادق
الامين، يقول إنّ الله أرسله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى عبادة الله الواحد
الاحد، وأصبحت قريش وسائر المشركين في مكّة لا همّ لهم ولا شغل يشغلهم إلاّ الذي
يبشّر بالدين الجديد وبتوحيد الالهة.
وكان مصعب بن عمير فتى قريش المدلّل الانيق، أكثر الناس
استماعاً وأكثرهم انجذاباً لهذا الحدث، على رغم حداثة سنّه، غير أنّ رجاحة عقله،
وفطنته الفذّة ساقته أكثر فأكثر للاندفاع والتأثير بالدعوة الجديدة.
لقد سمع فيمن سمع أنّ محمداً الصادق الامين ومن آمن معه
يجتمعون بعيداً عن عيون وفضول قريش وأذاها، في دار الارقم بن أبي الارقم - على
الصفا - فلم يطل به الزمان ولا التردّد، منتظراً حلول الظلام في المساء حتّى دلف
دار الارقم تسبقه أشواقه ورؤاه.
فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه
محيطين به يتلو عليهم من الايات النازلة عليه في القرآن الكريم، ويصلّي بهم
ويأتمّون به لله العليّ القدير.
ولم يكد مصعب بن عمير يسمع كلمات الرسول العظيم (صلى الله عليه
وآله)
حتّى تنساب الايات المشرّفات إلى مسمع الفتى، ثمّ تأخذ طريقها إلى قلبه فيشعّ نور
الايمان في كيانه وينصهر في بودقته. وكادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكاد يطير من
شدّة الفرح.
وقرّبه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) إليه وبسط
يمينه المباركة حتّى مسحت صدره المتوهّج بالايمان والفؤاد الثاقب، فكانت السكينة
والايمان ملئ كيانه، وفي لمح البصر كان هذا الفتى المملوء حيويةً قد آمن بالله
الواحد الاحد والرسول المرسل واكتسب من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه مشفوعاً بيقين
الايمان والاقدام والتصميم ما يعجز عن وصفه الواصفون وما يغيّره سير الزمان...؟؟
كانت اُمّ مصعب (خُناس بنت مالك) امرأة ذات شخصية قويّة،
وكان يهابها الناس، ولم يكن مصعب حين أسلم يخاف أحداً من الناس غير اُمّه، فلو أنّ
مكّة وطغاتها وقفت بوجهه لاستخفّ بها وقاومها، أمّا خصومة اُمّه فإنّه لا طاقة له
عليها. وبذلك قرّر أن يكتم إيمانه وإسلامه حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وصار يتردّد على دار الارقم، ويجلس إلى النبيّ الكريم (صلى الله عليه
وآله)
مع من آمن به من المؤمنين، وهو قرير العين بإيمانه، ويتفادى غضب اُمّه التي لا
تعلم عن إسلامه شيئاً.
غير أنّ طواغيت قريش وعيون جبابرة المشركين لا يخفى عليهم
شيء في تلك الايام بالذات، فهم يحصون أنفاس المؤمنين وتحرّكاتهم.
ولقد بصر به (عثمان بن طلحة) وهو من بني عبد الدار ومن سدنة
الكعبة، في يوم ما وهو يدخل خفية دار الارقم، ثمّ رآه مرّة اُخرى وهو يصلّي، فذهـب
مسرعاً إلى اُمّ مصعب حيث ألقى عليها النبأ الذي وقع عليها وقوع الصاعقة.
ووقف مصعب أمام اُمّه وعشيرته من أشراف مكّة من بني عبد
الدار، مجتمعين حوله يتلو عليهم من آيات الحقّ واليقين، وبرباطة جأش، أثبت من
الجبال الرواسي. ولمّـا سمعوا منه ذلك جنَّ جنونهم، وهمّت اُمّه أن تسكته بلطمة
قاسية على وجهه، لكنّها استرخت وتراجعت أمام ذلك النور الساطع الذي زاد وسامة وجهه
الذي ألبسه بهاءً وجلالاً يفرض الاحترام، وهدوءاً واطمئناناً يفرض الاقناع. لكنّها
أخذته إلى ركن قصيّ من أركان دارها، وفي زاوية من زواياها أوثقته كتافاً وحبسته
فيه، وأحكمت عليه إغلاق الدار، وظلّ رهين حبسه، حتّى علم بخروج بعض المؤمنين
مهاجرين إلى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه مع من ساعده، وغافل اُمّه وحرّاسه، ومضى إلى
الحبشة مع أوّل قافلة مهاجرة بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بإمرة
عثمان بن مظعون.
ومكث في الحبشة مع إخوانه المؤمنين المهاجرين مدّةً من الزمن
ثمّ يعود إلى مكّة مع من عاد منهم بعد أن طرق سمعهم أنّ قريشاً هادنت المسلمين،
ثمّ هاجر إلى الحبشة مرّة ثانية مع المؤمنين والاصحاب الذين أمرهم رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
بالهجرة لمّـا أمعن طغاة المشركين في تعذيب المؤمنين المسلمين بإمرة جعفر بن أبي
طالب بعدما تبيّن له زيف ما سمع من مهادنة المشركين.
سواءً كان (مصعب بن عمير) في الحبشة أو في مكّة، فإنّ إيمانه
يفوق المكان والزمان، وأينما يكون فهو بطاعة الله ورسوله، ولقد أتمّ صياغة نفسه
على النسق الذي ربّاه عليه الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) وجعله
نموذجاً صالحاً مختاراً يقتدى به، واطمأنّ مصعب إلى أنّ حياته الجديدة صارت جديرة
بأن يقدّمها قرباناً لخالقه العظيم، ولرسوله الكريم، لتثبيت دعائم الاسلام، وتركيز
اُسس شريعة السماء في الارض.
دخل يوماً على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله (صلى الله عليه
وآله)،
فلمّـا أبصروا به حتّى أحنوا رؤوسهم وغضّوا أبصارهم وذرفت عيونهم دمعاً شجيّاً.
ذلك لا نّهم رأوه... يرتدي جلباباً مرقّعاً بإهاب كبش
بالياً وعاودتهم صورته الاُولى قبل إسلامه، حين كان يرفل بأزهى الثياب وأنظرها
ألِقاً وعطراً.
ونظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه
بنظرات حكيمة، ملئها الحبّ والحنان وتألّقت شفتيه ابتسامة مشرقة، وقال:
] لقد رأيت مصعباً هذا وما كان بمكّة فتىً أنعم عند أبويه منه، لقد
ترك ذلك كلّه حبّاً لله ورسوله [! !
حيث منعته اُمّه حينما يئست من ردّه إلى الشرك كلّ ما كانت
تفيض عليه من نعمة، وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر آلهتها، حتّى لو كان ذلك
الانسان فلذّة كبدها.
ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة ثانية بعد رجوعه
من الحبشة، فآلى على نفسه لئن فعلت ليقتلنّ كلّ من تستعين به على حبسه.
وإنّها لتعلم صدق عزمه إذا همّ وعزم فتركته باكية وودّعها
باكياً، وكشفت لحظة الوداع عن إصرارها العجيب على الكفر، قائلةً له وهي تخرجه من
بيتها: إذهب لشأنك لم أعد لك اُمّاً، يقابله إصرار الابن على الايمان حينما اقترب
منها وهو يقول: يا اُمّاه إنّي لكِ ناصح، وعليكِ شفيق، فاشهدي أ نّه لا إله
إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، فأجابته غاضبة: «قسماً بالثواقب، لا أدخل في
دينك، فيزرى برأيي، ويضعف عقلي».
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيشها في الشرك،
مؤثراً شظف العيش والفاقة في الاسلام على النعيم والبذخ في الشرك، وأصبح ذلك الفتى
المتأنّق المعطّر، لا يُرى إلاّ مرتدياً أخشن الثياب، يأكل يوماً، ويجوع أياماً،
ولكن روحه المتعالية بسموّ العقيدة والايمان، والمتألّقة بنور الله سبحانه، كانت قد
جعلت منه إنساناً آخر يملا العين بهجةً وجلالاً، والنفس روعةً وحبوراً.
ولقد اختار الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) مصعباً
لمهمّة خطيرة دون الشيوخ من أصحابه ووجهائهم، ليكون أوّل سفير له إلى المدينة مع
النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الاُولى يفقّه الانصار الذي آمنوا
وبايعوا الرسول (صلى الله عليه وآله) عند العقبة. وليدخل غيرهم في دين الله،
ويمهّد الارضيّة الصالحة والقاعدة الراسخة في يثرب ليوم الهجرة العظيم.
وحمل (مصعب) الامانة بكلّ جدارة وإخلاص، مستعيناً بما أنعم
الله عليه من رجاحة العقل والخلق الكريم، وبذلك استولى على عقول وقلوب سادات أهل
يثرب من الاوس والخزرج، بكياسته وحسن بلائه، وزهده المميّز وتواضعه الاسر وأخلاقه
الحميدة، فدخلوا في دين الله أفواجاً.
لقد دخل مصعب يثرب وليس فيها سوى اثني عشر مسلماً - الذين
جاء معهم - وهم الذين آمنوا وبايعوا النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) من قبل
(بيعة العقبة الاُولى)، ولكنّه لم يكد يحلّ بينهم بضعـة أشهر حتّى جلب الكثير منهم
فاستجابوا لله ولرسوله.
وفي موسم الحجّ من السنة التالية لبيعة العقبة الاُولى كان
الذين أسلموا في يثرب يرسلون إلى مكّة وفداً يتألّف من سبعين رجلاً مؤمناً ينوب
عنهم إلى رسول الله ويمثّلهم في تجديد البيعة، جاؤوا تحت قيادة معلّمهم ومبعوث
نبيّهم (مصعب بن عمير) فبايعوا الرسول (صلى الله عليه وآله) في العقبة
الثانية، والتي سمّيت بيعة العقبة الثانية على أن يمنعوه كما يمنعون به أنفسهم
وأهاليهم إذا هاجر إليهم.
فقد استوعب (مصعب) حجم رسالته المبعوث بها إلى أهل يثرب
وحواليها، ووقف عند حدودها، وعرف كيف يبلغها زعماء الاوس والخزرج وأشرافها وبعض
الجبابرة المشركين والتوقّي من مكائد المردة من أهل الكتاب لا سيّما اليهود منهم،
مبلّغاً، ومبشّراً، وداعياً إلى الهدى، وإلى صراط مستقيم، ومنذراً بعذاب أليم.
وكان (مصعب) في ضيافة (أسعد بن زرارة)، وكانا يغشيان معاً
القبائل، والبيوتات، والمجالس، تالياً على الناس ما معه من الايات من كتاب ربّه،
هاتفاً بينهم بلين ورفق عظيم بكلمة الواحد الاحد] إنّما الله إله واحد [.
ولقد تعرّض (مصعب) لمواقف حرجة كادت أن تؤدّي بحياته وبمن
معه، لولا عناية الله وفطنة مصعب ورجاحة عقله.
فقد فاجأ (مصعب) ذات يوم وهو واقف يعض الناس منهم (اُسيد بن
حضير) سيّد بني عبد الاشهل بيثرب، فاجأه شاهراً حربته، يتوهّج غضباً وحنقاً على
الذي جاء به ليفتن قومه عن دينهم، ويدعوهم لهجر آلهتهم، ويحدّثهم عن إله واحد لم
يعرفوه من قبل، ولم يألفوه ! !
وما أن رأى المسلمون الذين يستمعون لمصعب مَقدَم اُسيد بن
حضير شاهراً حربته، متوشّحاً غضبه الملتظى، وثورته المتحفّزة، حتّى وجلوا وأوجسوا
منه خيفة، ولكن (مصعب الخير) ظلّ بموقفه ثابت الجأش، وديعاً صامداً.
وقف اُسيد أمامه مهتاجاً، وهو يخاطب مصعباً وأسعد بن زرارة:
«ما جاء بكما إلى حيّنا، تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا، إذا كنتما لا تريدان الخروج
من الحياة»؟؟
أجابه مصعب بكلّ هدوء ووقار، مثل هدوء طلوع الفجر وانسيابه،
بعد أن انفرجت أساريره، ونطق بلين الكلام لسانه قائلاً:
«أوَ لا تجلس فتستمع؟؟ فإن رضيت أمرنا قَبِلـْتَهُ، وإن
كرهته كففنا عنك ما تكره». كلام بليغ ومنطق سليم. الله أكبر... ما أروعها من بداية
سيسعد بها الختام ! !
كان (اُسيد بن حضير) رجلاً أريباً عاقلاً، ومنطقياً وقد رأى
مصعباً يحتكم معه إلى ضميره، فيدعوه إلى أن يسمع كلامه لا غير، فإن هو اقتنع فبها،
وإن لم يقتنع ترك (مصعب) حيّهم وعشيرتهم، وتحوّل إلى حيّ آخر، وعشيرة اُخرى، غير
ضارٍّ ولا مُضارّ.
هنالك أجابه (اُسيد) قائلاً: أنصفت... وألقى حربته إلى
الارض، وجلس يصغي إلى قول (مصعب).
ولم يكد مصعب يقرأ آيات من القرآن، ويفسّر الدعوة التي جاء
بها الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله) حتّى أخذت أسارير (اُسيد) تبرق وتشرق
وتتفتّح وتعتبر بواقع الكلام، وتأسره بعمق معانيها وجمالها.
ولم يكد يفرغ مصعب من تلاوة الايات وحديثه حتّى هتف به
(اُسيد بن حضير) وبمن معه قائلاً:
«ما أحسن هذا القول وأصدقه... كيف يصنع من يريد أن يدخل في
هذا الدين»؟
وأجابه المسلمون بتهليلة رجّت الارض رجّاً، ثمّ طلب منه مصعب
أن «يطهّر ثوبه وبدنه... ويشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله».
فغاب عنهم (اُسيد) قليلاً ثمّ عاد يقطر ماء الطهور من شعر
رأسه، ووقف يعلن إسلامه قائلاً: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول
الله.
وسرى الخبر كالضوء في أنحاء يثرب كافة، وجاء (سعد بن معاذ)
فأصغى لمصعب وهو يقرأ آيات من القرآن، حتّى اقتنع وأسلم، ثمّ تلاه (سعد بن عبادة)
رئيس الخزرج، وتمّت بإسلامهم النعمة، وائتلفت الفرقة وأقبل أهل يثرب بعضهم على بعض
يتساءلون ويستطلعون الخبر، ثمّ قالوا: إذا كان اُسيد بن حضير، وسعد ابن معاذ، وسعد
بن عبادة، وهم سادتنا ورؤساؤنا قد أسلموا، ففيم تخلّفنا إذاً؟ هيّا بنا إلى مصعب،
لنسلم على يديه، ونؤمن بما جاء به الرسول من ربّه، فإنّ الحقّ يخرج من بين
ثناياه ! !
لقد نجح مصعب بتبليغه الرسالة نجاحاً منقطع النظير، وهو أوّل
السفراء للرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله)، وهذا دليل قاطع على
حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحسن اختياره.
وتمضي الايام والاعوام، ويهاجر الرسول (صلى الله عليه
وآله)
ومَن معه إلى يثرب، وتعيش قريش بأحقادها، وتتساءل فيما بينها: كيف فلت محمّد من
بينها ليلة أعدّت صناديدها للهجوم عليه واغتياله، ثمّ تعدّ العدّة والعدد بباطلها
وشركها، لتواصل اعتداءاتها الظالمة للرسول (صلى الله عليه وآله) ومطاردة
المؤمنين المسلمين من أصحابه في يثرب، وما أن سمع الرسول (صلى الله عليه وآله) غزو
المشركين، حتّى توجّه إلى ماء بدر ليلتقي بهم هناك قبل أن يصلوا يثرب.
وتلتقي جيوش الشرك الكفرة بجيش الايمان جيش الرسول (صلى الله عليه
وآله)
في بدر، وكان الجيشان غير متكافئين من حيث العدّة والعدد، حيث إنّ استعداد قريش
كان يفوق أضعاف جيوش المسلمين عدّة وعدداً، وقد ذكرنا ذلك في المجلّد الاوّل من
موسوعة المصطفى والعترة (محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله))، وشهد
(مصعب بن عمير) غزوة بدر مع الرسول (صلى الله عليه وآله)، ويلقّنون
جيوش المشركين الكفّار درساً يفقدهم صوابهم، حيث قتل من صناديد قريش وشجعانهم
سبعون مارداً واُسِر منهم سبعـون وهزم الباقون شرّ هزيـمة يجرّون أذيـال الخيبة
والعـار، ويملا الحقد قلوبهم.
وغزا المشركون المدينة مرّة ثانية بأكثر عدّةً وعدداً،
فيلتقي بهم المسلمون في (اُحد) ويعبّؤون أنفسهم، ويقف الرسول الكريم (صلى الله عليه
وآله)
في وسط صفوف المسلمين ليختار من بينهم من يحمل الراية، ويدعو (مصعب الخير) الذي هو
من بني عبد الدار، فيتقدّم ويحمل اللواء، حيث كان حاملاً راية المشركين بني عبد
الدار وشجعانهم.
وتشبّ المعركة الرهيبة، ويحتدم القتال، ويحمى الوطيس، وتنتصر
عساكر المسلمين في بادئ الامر انتصاراً ظاهراً، وانهزم المشركون، وانشغل المسلمون
بالسلب، ويخالف بعض الرماة الذين عيّنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) في فتحة
الجبل ليحمي ظهور المسلمين، ويغادرون مواقعهم من فتحة الجبل ليشتركوا في السلب،
ولكن عملهم هذا، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة منكرة، ويفاجأ المسلمون
بفرسان قريش يقدمهم خالد بن الوليد تغشاهم من فتحة الجبل الذي تركوه، وتعمل سيوف
المشركين فيهم على حين غرّة من خلفهم، ومزّقتهم شرّ ممزّق، فقتل منهم من قتل وهرب
منهم إلى أعالي الجبال.
وحين رأى الفئة الثابتة من المؤمنين وفي مقدّمتهم الامام
علي، ومصعب بن عمير، وأبو دجانة، الفوضى والذعر يمزّقان صفوف المسلمين، وتركيز
المشركين واندفاعهم إلى مركز القيادة لينالوا من رسول الله (صلى الله عليه
وآله)،
وأدرك المسلمون الخطر الغادر، تقدّم مصعب باللواء عالياً نحو المشركين ودافع دفاع
المستميت، يدٌ تحمل الراية ويد تضرب بالسيف، غير أنّ تكاثر الاعداء عليه للعبور
على جثّته إلى حيث يلقون الرسول (صلى الله عليه وآله).
ولندع شاهد عيان يصف لنا مشهد المعركة وختام حياة مصعب الخير
وشهادته.
يقول ابن سعد: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن
أبيه، قال:
حمل (مصعب بن عمير) اللواء يوم اُحد، فلمّـا جال المسلمون
ثبت به مصعب، وقتل الاقران من المشركين، فأقبل ابن قميئة - وهو فارس - فاختلفا
بضربتين، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: (وَما مُحَمَّدٌ إلاّ
رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ).
وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها،
فحنا على اللواء وضمّه بعضديه إلى صدره، وهو يقول: (وَما مُحَمَّدٌ إلاّ
رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)] ثمّ حمل عليه ابن قمئة ثالثة بالرمح
فأنفذه واندقّ الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء [(ألا لعنة الله على ابن القمئة) خرّ
مصعب على الارض صريعاً كالجبل... وسقط اللواء.
وقع شهيد الفضيلة مضرّجاً بدمه، بعد أن خاض سوح الجهاد في
استبسال قلّ نظيره في معركة الفداء والايمان، مدافعاً عن الرسول ورسالته.
وبعد شهادته وقف الامام علي (عليه السلام) والبقية
الباقية من جنود الاسلام كأبي دجانة يحامون عن حرم رسول الله ويدافعون عنه دفاع
المستميت، إلى أن رجع الكفّار وولّوا الدبر.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وجد جثمان الشهيد مصعب مع جثث
الشهداء مطروحة على أرض المعركة هنا وهناك، وجاء الرسول (صلى الله عليه وآله) وأصحابه
يتفقّدون أرض المعركة ويودّعون شهداءها، وقف على جثمان مصعب وسالت دموعه غزيرةً،
وقرأ هذه الاية:
(مِنَ المُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ
عَلَيْهِ).
يقول خبّاب بن الارت:
هاجرنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سبيل الله،
نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنّا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه
شيئاً - منهم حمزة بن عبد المطّلب، ومصعب بن عُمير - قتل يوم اُحد... فلم يوجد له
شيء يكفّن فيه إلاّ نَمِرة.. فكنّا إذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، وإذا
وضعناها على رجليه برز رأسه، فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اجعلوها
ممّـا يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر».
وعلى الرغم من الالم والحزن العميق الذي سبّبه رزء الرسول (صلى الله عليه
وآله)
في عمّه حمزة، وتمثيل المشركين بجثمانه الطاهر تمثيلاً فظيعاً، بحيث أفاض دموع
الرسول (صلى الله عليه وآله)وأوجع قلبه.
وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه البررة الذين
كان كلّ واحد منهم يمثّل عالماً من الطهر والصدق والوفاء، لكن وقفته على جثمان
أوّل سفرائه (مصعب بن عمير) يودّعه وينعاه، ترك أثره العميق في نفسه قائلاً: (مِنَ
المُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيْهِ)، ثمّ ألقى بردته عليه
وكفنه فيها بحزن وأسى، وقال:] لقد رأيتك بمكّة، وما بها أرقّ حلّة، ولا أحسن لمّة
منك، ثمّ ها أنت ذا شعث الرأس في بردة [؟؟
وقال (صلى الله عليه وآله) وقد وسعت نظراته
الحانية العطوفة أرض المعركة بكلّ من عليها من أصحابه، وقال:
] إنّ رسول الله يشهد أ نّكم الشهداء عند الله يوم القيامة [.
ثمّ أقبل على أصحابه الاحياء منهم وقال:
] أ يّها الناس زوروهم، وأتوهم، وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده،
لا يُسلّم عليهم مسلّم إلى يوم القيامة، إلاّ ردّوا عليه السلام [.
فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم أسلم وهاجر، ويوم جاهد وبلّغ،
ويوم استشهد، ويوم يُبعث حيّاً.
الاعلام 7: 247
اُسد الغابة ; لابن الاثير 5: 181، ت 4929، طبعة
القاهرة، و 4: 368 طبعة اُخرى
الاستيعاب ; لابن عبد البرّ 3: 468، على متن الاصابة -
دار إحياء التراث العربي
الاصابة ; لابن عبد ربّه الاندلسي 3: 421، ت 8002، دار
إحياء التراث العربي
الاصابة ; لابن حجر العسقلاني 6: 123، ت 8008، طبعة دار
الجيل - بيروت
حلية الاولياء ; لابي نعيم الاصفهاني 1: 106، ت 12،
طبعة دار الكتب العلمية - بيروت
سيرة ابن هشام 1: 325 و 365
رجال حول الرسول ; خالد محمد خالد: 31، طبعة دار الفكر
- بيروت
طبقات ابن سعد 2: 82، طبعة دار بيروت
صفة الصفوة 1: 106
([1]) ربما تكون هذه الرضاعة في أوائل أيّام
النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبل أن يذهب مع
مرضعته السعدية .
([9]) المرّة الاُولى : عمرو بن
العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة .
والمرّة الثانية بعد اندحارهم في
بدر : عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد .
هذا ما روي وما استنتجته من سير
مطالعاتي ، والله العالم .
([11]) اُمّ سلمة ، اسمها هند بنت أبي
اُميّة بن المغيرة المخزومي ، غلبت عليها كنيتها ، وكان زوجها عبد الله
بن عبد الاسد المخزومي الذي هاجرت معه ، وهو ابن اُخت أبي طالب ، وبعد
وفاته تزوّجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،
فكانت خير زوجة بعد السيّدة خديجة ، راسخة الايمان ، ثابتة القدم ،
رضي الله عنها .